الخطوط العريضة للقسم

  • إن الهدف من التحليل المقارن للسياسة العامة هو تفسير وتقييم التشابهات والاختلافات في السياسة العامة ومخرجاتها وآثارها بين الدول المختلفة، ولك للقيام بذلك يجب أن نفحص العديد من مؤشرات السياسة العامة مثل القوانين التشريعية والأوامر التنفيذية والقرارات القضائية والميزانيات والمتغيرات المؤثرة الأخرى مثل الأمية ومتوسط الدخل ومعدلات الجريمة ...إلخ[1]، ولذلك فإن دراسة أكثر من دولة، تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، حيث يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث، البشرية والمالية على حد سواء، هائلة لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود، وهنا لا يقتصر تحليل السياسات المقارنة على المقارنة بين الدول فحسب. فعلى سبيل المثال نشرت مجلة تحليل السياسات المقارنة عام 1997 مجموعة واسعة من المقالات البحثية التي تقارن قضايا السياسات عبر المناطق والأزمنة والأماكن، وقد تنوعت أسئلة البحث التي كانت تتناول سابقًا الأبعاد الدولية والعابرة للحدود لعملية صنع السياسات، بعد إدراج مناطق جغرافية جديدة مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وقضايا شاملة جديدة من الدراسات الجندرية والثقافية، وتحديدًا مشكلات السياسات العابرة للحدود المتعلقة بتغير المناخ والإرهاب والأوبئة والفساد...إلخ [2].

    ولذلك فإن قيمة النتائج تتحدد بنوعية ومستوى البيانات المستخدمة ولكن من أهم المشاكل التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة هي عدم توفر أو عدم دقة البيانات الأساسية والمهمة، وبالذات فيما يتعلق ببيانات الدول النامية حيث تؤدي الموارد المادية والفنية المحدودة إلى صعوبة جمع البيانات وعدم الوثوق في مصداقيتها ودقتها، ولهذا تمثل مشكلة صلاحية ومصداقية البيانات تواجه الباحثين الذين يعتمدون على البيانات التجمعية، وبالإضافة على هذا هناك مشاكل أخرى نذكر منها:

    1-عدم إمكانية مقارنة بعض جوانب السياسة العامة، فعلى سبيل المثال فإن الإنفاق على الدفاع في بعض الدول يشمل الإنفاق على الشرطة المحلية بينما لا يشمله في دول أخرى .

    2-التزوير والخداع في تقديم المؤشرات والبيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

    3- وجود أخطاء كثيرة في عملية جمع البيانات[3]..

    ولهذا فإن أحد الشواغل الحاسمة التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة يتمثل في قابلية البيانات للمقارنة وهذا الأمر لا يزال يشكل عائقا رئيسيا أمام العمل المقارن وهذا بدوره يؤدي إلى الحاجة إلى وجود مخزون أكبر من دراسات الدقيقة لمصادر البيانات الأولية للحالات عبر الوطنية، ورغم إحراز تقدم كبير في جمع البيانات وتحليلها في السنوات الأخيرة إلا أن هذا التقدم حدث بشكل أساسي في المجالات التي يكون فيها التحديد الكمي سهلا نسبيا مثل الإحصاءات الاقتصادية والديموغرافية التي تقترح التأمل في الحدود الحالية للتحليل المقارن الذي على ما يبدو يحتاج لمزيد من البحث وبأخذه بعمليتين محددتين مترابطين: فالعملية الأولى جاءت لتعبر عن الحاجة إلى عمل مفاهيمي قائم على منهجية متماسكة لدراسات السياسات للتعامل مع التعقيدات التي تنطوي عليها الجهود المقارنة، وهذا الجانب يتطلب مطابقة البنى النظرية مع البيانات والأدلة التي تم جمعها بدقة سواء كانت كمية أو نوعية، وبهذا الخصوص أشار "هارولد لازويل" فإن حيوية المنهج المقارن ستعتمد على "ما إذا كان توسيع مخزون "الحقائق" المقبولة على أنها متصلة ومتزامنة مع التغييرات "المنهجية" التي تجعل الحقائق لا غنى عنها" لفهم وإدارة عملية السياسة، أما العملية الثانية: فتتمحور حول بذل المزيد من العمل لشرح المتغيرات الثقافية وتوسيع نطاقها وهي إذا تمت هذه المهمة بمزيد من المعالجة والتفصيل فسنكون قادرين بشكل أفضل على تحديد آثار العوامل الثقافية على عملية السياسة، ولهذا أصبح من الأهمية بمكان إعادة التأكيد على قيمة التحليل المقارن في فترة تبدو فيها علوم السياسة عند مفترق طرق حرج من المنظورين المحلي والدولي، يؤكد التقدير المتزايد لأبحاث السياسات عبر الوطنية وتأثيرات السياسات على الحاجة إلى التحليل المقارن. من الواضح أن الاهتمام بدراسات السياسات وأهميتها قد نما في السنوات الأخيرة، لكن حدود هذا المجال لا تزال غامضة ومن الممكن أن الجهود المبذولة لتحديد وتوضيح معالم مجال السياسة العامة المقارنة ستزداد تعقيدا [4].

    على الرغم من أن الدراسات المتخصصة خلقت العديد من الأفكار القيمة إلا أن ظهور السياسة العامة المقارنة كشيء يشبه المجال الموحد هو أمر حديث إلى حد ما ونابعة من الأدبيات العامة وبقدر ما يكون هناك مجتمع من الباحثين المنخرطين في حوار مستمر والسعي الجماعي لبناء النظرية، فإن أصول هذا التقليد البحثي لم تكن قابلة للمقارنة على اعتبار أنها منشائها الأساسي نابع من دراسة السياسة الأمريكية وبالتالي يمكن القول أن جذور السياسة العامة المقارنة كانت ذات طابع مقارن لكنها أخذت معنى الأكثر تشابها، وكنتيجة لهذا كان علماء السياسة المقارنة خارج الولايات المتحدة كانوا يحاولون وحتى وقت قريب مواجهة معضلة تجنب التوافق القسري من خلال تطبيق منهج معين بحذر على الحالات التي لم يكن بالضرورة مناسبا لتفسيرها مع الحرص على تقييم النتائج بشكل نقدي وتعديل النظرية إذا لزم الأمر (وفقًا للطريقة الإستقرائية الافتراضية)، وبدلا من ذلك تمكن علماء السياسة المقارنة الدوليون أن يبتكروا أساليب خاصة بهم كانت أكثر ملائمة للتحليل المقارن، ورغم أن هذا الخيار الأخير ربما يكون الأكثر وضوحا، فإن مدى كونه أكثر ملاءمة لبناء المعرفة في مجتمع عالمي من العلماء يتوقف على ما إذا كانت وجهات النظر البديلة ناجحة في تحدي الأساليب والنماذج السائدة وإحلال محلها (هي عملية أقرب إلى مفاهيم توماس كون تغيير النموذج المعرفي)[5].

    علاوة على هذا نجد الهويات التخصصية المتنازع عليها التي يشهدها حقل السياسة العامة المقارنة من حيث : الطريقة أو المجال صعوبة في تطوير النظرية نظرا لتعقيد موضوعه وطبيعته المتعدد التخصصات المتمثل في تطبيق واستعارة النظريات من التخصصات الأخرى، وعدم وجود إطار نظري متماسك وشامل، إلى جانب الاختلاف في وحدة التحليل ، والانضباط الأساسي ، والاهتمامات الرئيسية للمجالات دراسية الثلاثة السياسة العامة المقارنة، والسياسة المقارنة، والإدارة العامة المقارنة تبقى مجالات متطورة ومميزة ومترابطة [6] ، وهذه التخصصات تبقى مهمة بالنسبة للتحليل المقارن للسياسات وتطور النظرية السياسية الإمبريقية فهو يعد أحد أهم السبل لتطوير نظرية السياسة من جهة ولتحسين جودة السياسات العامة من جهة أخرى، إلا أنه ينطوي أيضا على التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية التي يجب علينا إدراكها حيث يتطلب التحليل المقارن الجيد للسياسات العامة بدمج ثلاثة مصادر واسعة على الأقل من الأدبيات الأكاديمية: أولها الأدبيات المتعلقة بالسياسة العامة التي لا تقتصر على الأطر النظرية والتحليلية فحسب بل تلك التي تشمل معلومات جوهرية حول كل مجال من مجالات السياسة، ثانيًا: يتطلب الأمر معرفة وفهما عميقا للسياسة المقارنة ليس فقط من الناحية النظرية، بل أيضًا من خلال دراسة الحالات الواقعية التي يتم تضمينها في التحليل، وأخيرًا، يتطلب الأمر مهارات منهجية للتحليل سواء كانت كيفية أو كمية[7]


    [1] - - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.

    [2] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.

    [3]  - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.

    [4] - Arthur Cyr and Peter de Leon. Op cit.pp 16-17.

    [5] - Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .p 49.

    [6] -  Wilson Wong .Comparative Public Policy Department of Government and Public Administration, The ChineseUniversity of Hong Kong, Hong Kong, China. January 2016. P03

    [7] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.