الخطوط العريضة للقسم

  • يواجه التحليل المقارن للسياسات العامة مشاكل منهجية يحتاج حلها تتطلب إعادة النظر في الأساليب والأطر المنهجية المعتمدة والتي تتعلق أساسا بكيفية بناء مواضيع قابلة للمقارنة وممارسة العمل المقارن واستراتيجية كتابة المقارنة، وهذا كله ينطوي على عجز وقصور نظري في مقدمتها إهمال مسألة التغيير في السياسات العامة وايضا قلة الاهتمام بانتشار الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة، ولمعالجة هذه النقائص التي تشكل تحديا ماثلا أمام التحليل المقارن للسياسات العامة في الوقت الحاضر، الذي اصبح مطالب أكثر من أي وقت مضى على رد الاعتبار لمظاهر التغيير وبإدراج الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة المتزايدة والمؤثرة في السياسات الوطنية [1].

    ولعل ان هذا النمط من التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال مهيمنا إلا أن الأعمال الحديثة بينت أن هذا النمط رغم قدرته التفسيرية إلا أنه لا يخلو من مشاكل ونقائص ضمن الصعيدين المنهجي والنظري، ولعل من أولى الصعوبات التي يواجهها الباحثون المقارنون اختيار عدد الوحدات المراد مقارنتها، وهنا تطرح مسألة اختيار القضايا الوطنية فعليا عددا لا يحصى من المشكلات الواقعية (العلاقات، ومعرفة اللغات الأجنبية، والشبكات الاجتماعية والعلاقات المؤسسية) وكذا الاستراتيجية المقارنة المطلوب إتباعها (اختيار الحالات المتشابهة أو المختلفة)، ولعل أن هذه القضايا تبرز جليا في حالة المقارنات بين المستويات دون الوطنية التي يحتمل أن يتضاعف عدد حالاتها، ولأن العمل على السياسات دون الوطنية ينطوي على تناول التعقيد المؤسسي والسياسي والإقليمي لكل نظام وطني على حدا يعد امرا صعبا ومعقدا، وخذا ما وضحه "جيري ستوكر" قائلا: "إن المقارنة بين الدول القومية صعبة بما فيه الكفاية ولكن من حيث الديمقراطيات  فعلى الأقل لا يوجد سوى 121 من هذه الحالات، علاوة على هذا في  بلد واحد قد يكون هناك عدة مستويات مختلفة من الحكومة المحلية كما أن شكل كل سلطة محلية تختلف وفقا للاختيار المحلي أو الظروف المحلية السائدة "[2].

    وعلى ضوء هذا تبرز مشكلة التباين داخل دولة واحدة والتي تكمن في أن الدراسة المقارنة للسياسة العامة بين دول مختلفة قد تخفي بعض الاختلافات المهمة في السياسات العامة حتى داخل الدولة الواحدة، ولعل أن هذه المشكلة تبرز خصوصا عند استعمال البيانات التجميعية في تحليل السياسة العامة حيث أن بيانات السياسة العامة عادة ما يتم تجميعها على اساس المتوسط القومي العام، ولكن هذه المتوسطات قد تكون مضللة وخادعة عند استعمالها في المقارنة  بين مختلف النظم السياسية لأن اختلاف السياسات العامة وآثارها داخل الدولة الواحدة قد تكون أكبر متوسط الاختلافات بين الدول المختلفة والمتقدمة[3]، وهنا تبرز أهمية مقارنة عمليات السياسات التي تحدث على مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي والتي تركز تحديدا على الخيارات العامة التي تتضمن إنشاء أنظمة حوكمة أو ترتيبات مؤسسية، التي تبرز قيمة المقارنة على المستوى الوطني لتكوين هذه الأنظمة وتطبيقها وتكييفها مع المستويين المحلي والدولي[4].

    ولذلك فإن صعوبة البحث المقارن تكمن في التصور والتنظيم والتنفيذ فعند دراسة أكثر من دولة تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، كما أنه يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث البشرية والمالية على حد سواء لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود وهذا ما أدى إلى تناقص للدراسات المقارنة، وعلى هذا الصعيد من المهم التذكير بأن دراسات السياسات العامة المقارنة لا تزال في مراحلها الأولى، فعلى عكس الدراسات المقارنة لعمليات التصويت، أو الانتماء الحزبي، أو المواقف، أو الانتخابات، فإن معظم الدراسات المقارنة للسياسات العامة عادة ما تكون محدودة النطاق: إما أنها تقارن بين عدد قليل من الدول أو أنها تركز على مجال سياسي واحد (غالبا ما تكون "المعايير التقليدية" لدولة الرفاه المتمثلة في: المعاشات التقاعدية، أو الصحة، أو أشكال مختلفة من مساعدات الفقراء)، وكما هو الحال مع أي منهج بحثي تكون فيه القضايا الأساسية بالغة التعقيد والبيانات المتاحة محدودة، وهنا ينصب التركيز على خصائص أوضاع السائدة في بلد أو مؤسسة محددة تؤدي إلى نتائج معينة أو اختلافات عابرة للحدود ولكن ربما نرى هذه التفاصيل الصغيرة لكننا نفتقر إلى المنظور الذي يسمح لنا برؤيتها بصورة شاملة[5]، ولهذا لا بد من النظر إلى السياسة العامة من منظور أوسع من دون التركيز فقط على مستوى الكلي للدولة القومية الذي قد يؤدي إلى تجاهل وإهمال المصادر العامة والخاصة البديلة لإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، فقبل أن نستطيع مقارنة وتقييم أداء الحكومات المركزية أو القومية في توفير هذه الحاجات، يجب أن نحدد أولا درجة مسؤولية الحكومة المركزية في هذا الإطار وعلى وجه التحديد فإن ذلك يتطلب معرفة:

    1-كيفية تقسيم مسؤولية توفير هذه الحاجات المختلفة للأفراد والجماعات – الصحية والتعليمية وغيرها- بين الحكومة المركزية والأجهزة الحكومية المحلية.

    2- كيفية تقسيم مسؤولية أداء هذه الوظائف وتوفير هذه السلع والخدمات بين القطاع العام والخاص، وباختصار قبل وضع أحكام معيارية أو إمبريقية حول التزام النظام السياسي بالتعليم أو صحة أو رفاهية مواطنيه، يجب الأخذ بعين الاعتبار مسؤولية السلطات المحلية والقطاع الخاص في هذا الإطار[6]. 

    يتضح مما سبق أن نظريات البحث المقارن في السياسات العامة أثمرت رؤى مهمة حول أنماط نتائج ومخرجات السياسات العامة، لا سيما في الدول الصناعية الغربية والتي أدت إلى تطوير المقاربات النظرية مثل نظرية موارد القوة والمؤسسية، لتصبح أدوات رئيسية كما ساهمت في تطوير النظرية في مجال البحث في السياسات العامة وخارجها. ومع ذلك، فقد أظهرت الدراسات والبحوث في الوقت الحالي وجود عدة نقاط ضعف في البحث المقارن في السياسات العامة، والتي تعود بصورة جزئية إلى الخيارات المنهجية المنتهجة ويمكن تفسيرها أيضا بمستوى التجريد الذي عادةً ما يميز هذه الدراسات[1]، التي فقد تسهم في التغلب على بعض نقاط ضعف بحوث السياسات العامة المقارنة من خلال تركيزها على العملية، والميل إلى التعمق في دراسة نطاق وشروط ومعايير اختيار هذه الحالات، ومن خلال تحليل بعض نقاط الضعف في بحوث السياسات العامة المقارنة الحالية والتي يبدو أنها ليست ثابتة بل يمكن معالجتها عبر دمج نظريات عملية السياسة بعناية في الحجج النظرية والتصميم البحثي التجريبي لبحوث السياسات المقارنة.

    التي تتطلب في الوقت الحالي إعتماد تقنيات جديدة تتيح لنا فهما أعمق لعمليات تحديد السياسات العامة لا تعني إنكار إسهامات التقدم الذي أحرزه العقد الماضي في تطوير النظريات أو في تحسين أساليب اختبار الفرضيات. إنما إلى ضرورة اعتماد هذه التقنيات لتجاوز العقبات المنهجية التي باتت واضحة لنا مع ازدياد الوعي بها نتيجةً للتقدم المحرز في تحليل السياسات العامة المقارن، الذي يتطلب التركيز على تفسير وتحديد التباين والاختلاف ، ولذلك فإن هذا التوجه المنهجي يشكل خطوة تمهيدية في تطوير صورة أكثر تفصيلا لتفاعل المتغيرات التي تحدد نطاق نتائج السياسات في الدولة الحديثة، وهو بتعبير أخر يمثل مقدمة ضرورية قد تكون الخطوة التالية والمهمة في سبيل تطوير تحليل السياسات العامة ألا وهي ظهور تاريخ مقارن لتطور السياسات العامة[2].




    [1] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص244.

    [2] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.

    [3] - زاهي محمد بشير المغيربي ، قراءات في السياسة المقارنة ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1994، ص 264-265.

    [4]-Oran R. young(eds). CHOOSING GOVERNANCE SYSTEMS : APLEAFOR COMPARATIVE RESEARCH .the oxford handbook of PUBLIC POLICY. General Editor: Robert E. Goodin. Oxford University Press. New York. First published 2006.P 844

    [5] -Frank R. Baumgartner, Christian Breunig, and Emiliano Grossman. Advancing the Study of Comparative Public Policy. In : Comparative Policy Agendas : Theory, Tools, Data., Oxford University Press. 2019.p35.

    [6] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 265-266.

    [7] - FRANCIS G. CASTLES .Comparative Public Policy Analysis : Problems, Progress and Prospects. Volume 20, Number 3, Summer.1985.op 220-221.

    [2] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten.op cit . p308 .

    • تجدون في هذ المستند الذي يشير فيه الباحثين GeorgWenzelburger · Carsten Jensen  Francis G. Castles الذين تطرقوا إلى الصعوبات والمشاكل التي يواجهها التحليل المقارن للسياسات العامة