يعتبر المنظور المؤسسي من الأسس النظرية التي تستند إليها تحليلات السياسة العامة المقارنة التي لاتزال تمثل أساسا للتحليل والتفسير، وهذا لما تمثله المؤسسات السياسية من أهمية كبرى في حياة المجتمعات والدول وهذا ما يؤكده علماء السياسة المعاصرين أن أي نظام سياسي حديث سواء كان ديمقراطيا أو شموليا –يميز بالضرورة بوجود العديد من المؤسسات والإجراءات لحل وتسوية الصراعات التي تلازم المجتمعات الحديثة، ويرجع وينر نجاح مجتمع مقارنة بمجتمع آخر بمقدرة الأفراد المجتمع الناجح على بناء وتكييف واستمرار مؤسسات معقدة لإنجاز أهداف عامة [1]. إستنادا إلى هذا نجد أن هذا الاتجاه النظري له تأثير واسع على التحليل السياسي المقارن ويبرز ذلك جليا في التطورات النظرية والمنهجية التي شهدها حقل السياسة العامة المقارنة أين كان التحليل المؤسسي محل نقاش واهتمام الباحثين والدارسين، في هذا الصدد أظهرت الكثير من الأدبيات والإسهامات الأكاديمية على أهمية المؤسسات في التحليل المقارن وأصبحت مدخلا مهما لتفسير الكثير من الظواهر السياسية في مختلف البلدان رغم الانتقادات التي واجهها من طرف رواد المدرسة السلوكية لكن مع مرور الوقت أبان هذه الاتجاه النظري على أهميته المحورية في حقل السياسة المقارنة الذي يحيلنا إلى تسليط الضوء على طبيعة هذه التحولات والتطورات النظرية التي شهدها المنظور المؤسسي في المرحلتين التقليدية (ما قبل العلمية) والسلوكية وما بعد السلوكية (العلمية) الذي احتل مجالا واسعا ومهما للتحليل في السياسة المقارنة.
ولعل أن هذا التحول والناتج عن التحديات الفكرية اجتذبت المفكرين من مختلف الخلفيات الفكرية مما حفز النقاش في مجال السياسة المقارنة، وهنا لوحظ بروز ميولا نحو التوليف بين مختلف المناهج الفكرية وهكذا فإن مثقفا ماركسيا ما يزال يؤمن بأن أولئك الذين يهيمنون على مؤسسات الدولة مقيدين بأحكام عملية تراكم رأس المال، يقر في الوقت نفسه، بان ضمن تلك المقيدات يوجد متسع للمناورة وللسياسات والاستراتيجيات المتنافسة، وهنالك مجال لأجهزة الدولة المختلفة ليك تضع السياسات وتعكسها وأن تتخذ الاختيارات وترتكب الأخطاء، وهنا برز بعض التقارب باتجاه دراسة النتائج السياسية المتباينة والعلاقات البنيوية الكامنة فيها، وقد أعتبر هذا التوجه ملائما للممارسين التحليل المقارن للسياسات العامة[2] .
في هذا الإطار ركزت معظم أدبيات السياسة العامة في البلدان النامية على مناقشة وتحليل عمليات اتخاذ القرارات ووضع السياسة العامة، وتأكيدها على أهمية عامل النظام (Order) ودور مختلف النخب في عملية صنع السياسة العامة، وتهتم هذه الأدبيات بصفة عامة بكيفية تحسين قدرات اتخاذ القرار وتنفيذ السياسة العامة لدى النخب السياسية في الدول النامية، كذلك يبرز التركيز على ضرورة تركز السلطة والقوة في يد الحكومة المركزية، وهذا ما يشير إلى درجة تأثر هذه الأدبيات بأفكار صامويل هنتجتون حول مستوى المأسسة (Institutionalization) في الدول النامية وأثر ذلك على تنفيذ سياسة عامة معينة[3] .
[1] -عبد الغفار رشاد القصبي "أ" ، المرجع نفسه ، ص110.
[2] - أرنولد هايدنهايمر ، المرجع نفسه، ص 524.
[3] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.
ينطلق المنظور المؤسسي الجديد من فرضيتين أساسيتين وهما: الفرضية الأولى مفادها أن المؤسسات تخلق عناصر النظام وقابلية التنبؤ وتصوغ اللاعبين وتعينهم أو تعيقهم في أثناء حركتهم ضمن منطق الأفعال الملائمة، إنها حاملة للهويات والأدوار ومؤشر على شخصية الكيان السياسي وتاريخه ورائه ، وهي توفره روابط تشده المواطنين بعضهم إلى بعض على من الأشياء الكثيرة التي تفرق بينهم كما تؤثر في التغيير المؤسساتي وتخلق عناصر اللاكفاءة التاريخية، أما الفرضية الثانية تنطلق من أن ترجمة البنى إلى فعل سياسي وترجمة الفعل إلى إستمرارية وتغيير مؤسساتي تتولدان عبر علميات قابلة للفهم وروتينية فهذه العمليات تنتج أنماط فعل ونماذج تنظيمية متكررة ، وأحد الصعوبات أمام باحثي المؤسسات هو شرح كيف يجري إرساء استقرار هذه العمليات أو زعزعتها وماهي العوامل التي تديم هذه العمليات الجارية أو تعيقها [1].
من خلال هذا سعت أبحاث العلوم السياسية والسياسات العامة إلى الإجابة على سؤال كيف تؤثر الاختلافات المؤسسية الوطنية في السياسات العامة والتي تصاغ وفقا لتنظيم الدولة ومؤسساتها؟ وعلى ضوء هذا برز التحليل المؤسسي المقارن بصورة جديدة على مدى العقود الثلاثة الماضية تقريبًا، انتشر مصطلحا "المؤسسي" و"المؤسسية" انتشارًا واسعًا في معظم فروع العلوم الاجتماعية. وكان السياق المشترك لظهور وانتشار المنظورات المؤسسية أو ما يسمى بالمنظورات المؤسسية الجديدة خلال هذه الفترة هو التشكيك في المنظورات التقليدية والمهيمنة في تلك الفروع المختلفة، وفي هذا الإطار برزت النقاشات الدائرة حول تعريف المؤسسات وهو اتجاه يعتبره الباحثين أنه ثورة في التنظير وإعادة تحديد السياسة المقارنة أصبح التركيز على الفرد في المؤسسات السياسية وتعتبر البؤرة الصحيحة والملائمة لعلم السياسة المقارنة، وعلى هذا الأساس انصب التركيز الأساسي لكل من العمل النظري والتجريبي في السياسة المقارنة على مقارنة مختلفة على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة[2]، ومن جهة أخرى انتقلت منهجية التحليل من الماكرو (الكلي) الذي كانت سائدة في إطار التحليل التقليدي أين كان يميل المنظرين في كتابتهم إلى التحليل الكلي التركيز على العموميات إلى إطار الميكرو (الجزئي) عبر تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات، والملاحظات الامبريقية المعتمدة في هذا الشأن تشير إلا أن العمليات داخل المؤسسات السياسية وما تطرحه من تفاعلات فيها من نتائج كمحصلة لعمليات التوفيق والمساومة، تؤثر في الاحداث وفي حركة المجتمع وعلاقات التفاعل المؤسسي بين المؤسسات السياسية كالمنافسة بين الهيئات التشريعية والبيروقراطية [3] .
وما يعرف على النظرية المؤسساتية الجديدة أنها أعادت المؤسسات إلى تفسير السياسة والمجتمع واكتسبت من خلال هذا زخما كبيرا ومتعاظما في العلوم السياسية ذلك أن لها مضامين كبيرة متعلقة بدراسة الدولة بالانتقال إلى المؤسسات، أين أصبح من المسلم به منذ عقدي السبعينات والثمانينات القول بأن "للمؤسسات أهمية بالغة" وأن السياسات "تعتمد على المسار التاريخي للمؤسسات"، ويعود هذا الاهتمام بالمؤسسات جزئيًا إلى غياب استجابات مماثلة من الأنظمة السياسية المختلفة تجاه مدخلات أو صدمات خارجية متشابهة ولذا، استكشفت دراسات مقارنة للسياسات العامة أسباب نجاة بعض الدول المتقدمة من سنوات الركود الاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي بشكل أفضل من غيرها، حيث ارتبطت المؤسسات السياسية بدرجات متفاوتة من الاستجابة فيما يتعلق بتبني السياسات القائمة على خصخصة شركات المرافق العامة نظرا لتأثير العولمة التي فرضت قيود على الميزانيات العامة بدرجات متفاوتة من ضغوط التكيف على الأنظمة الوطنية مما شكل تحديًا جزئيًا لوصفات النجاح التي سادت في سبعينيات القرن الماضي[4].
في هذا السياق تزايد الاهتمام بالمؤسسات الذي أخذ مسمى المدرسة المؤسسية الجديدة وهي مدرسة تهدف إلى "هيكلة السياسة" من خلال إعطاء أهمية نظرية للمؤسسات، وتشير المؤسسية الجديدة إلى أن الباحث السياسي يستفيد من البدء بالمؤسسات بدلا من الفاعلين، وينطلق هذا المنظور من أن أنطولوجيا المؤسسية الجديدة تتكون من مؤسسات تتعايش مع مختلف الفاعلين سواء كانت مجموعات أو أفراد أو طبقات اجتماعية أو نخب سياسية[5]، وفي هذا الصدد يبرز وزن المؤسسات وأثر الديناميكيات المؤسسية كمتغير أساسي في هذا المدخل النظري الذي يفترض أن القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين، وتهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات عاكسة بذلك درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.
ووفقا لهذا تعد المؤسسات مهمة لأنها مؤلفة من مجموعات من الأعراف الرسمية وغير الرسمية فهي تفرض سلوكيات وتمنعها، وما من شك في أن المؤسسات هي إبتكار بشري وهي أبعد ما تكون عن الثبات[6]. ومن هذا المنطلق يتم تسليط الضوء على ما يجري داخل المؤسسات السياسية من جهة وفي علاقتها بالمجتمع والتي حيث تنطلق مسلمات المؤسساتية الجديدة على أن المؤسسات السياسية تؤدي دورا أكثر استقلالية معتبر إن لدولة عبر مؤسساتها السياسية تتمتع بقدر من التماسك ولاستقلال، ولذلك جاء هذ المنظور بمنهجية جديدة تتمثل إضافة اهتمامات وأبعاد ومتغيرات جديدة للتحليل تنطلق من أن المؤسسة لها تكوينها وبنيتها الداخلية وعملياتها ومعاييرها الخاصة بها، وهي تنمو وتتطور وتدخل في علاقات جديدة وتضم أدوارا ووحدات ليست جامدة وإنما هي آخذة في التفاعل والحركة [7].
وكما يجادل أنصار المنظور المؤسسي وعلى رأسهم "كاتلين تيلين رائدة النظرية المؤسساتية التاريخية والتي ترى أن هؤلاء يواجهون تحديًا جديدًا يتمثل في تجاوز تحليل السكون المقارن والانتقال نحو التحليل بمنظور مؤسسي ديناميكي حقيقي قادر على استيعاب ليس فقط الآثار المؤسسية، بل أيضًا إعادة إنتاج المؤسسات وتغيرها، ومن جهة ثانية ترى أنه من الضروري تناول نقاط القوة والضعف في منهجية دراسة مؤسسات وحالة التغير السياسي والاقتصادي، ولهذا قدمت الباحثة "كاتلين تيلين" إطارا مؤسسيًا تاريخيا بديلا لتحليل المؤسسات والتغير المؤسسي، وعلى هذا الصعيد تطرح الاتجاه النظري المؤسسي المعاصر تحديات نظرية هائلة، في دراسة التغيير المؤسسي، وهنا من المهم التذكير بأن معظم الدراسات التقليدية في الاقتصاد السياسي للدول الصناعية المتقدمة إرتكزت في دراساتها المقارنة على عنصر المؤسسات باعتباره متغيرا تفسيريا رئيسيا (مستقلا أو وسيطًا) يُؤثر في مختلف السياسات والنتائج السياسية على مستوى الدول[8].
[1] - جيمس مارش ويوهان أولسن، في المؤسساتية الجديدة،( دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية)، ترجمة علي البراني وابتسام الخضرا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ، ط1، 2022، ص29 .
[2] - Mark Pennington.op cit.p p13-14.
[3] -عبد الغفار رشاد القصبي"ب"، المرجع نفسه، ص113.
[4] - Martin Lodge (eds(.op cit. p 279
[5] -André Lecours .L’approche néo-institutionnaliste en science politique : unité ou diversité?. Revue Politique et Sociétés. Volume 21, Number 3, 2002.p04
[6] - جيمس غيبسون، المؤسسات القضائية، دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية ، ترجمة علي براني وإبتسام خضراء، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة، 2002، ص 894.
[7] - عبد الغفار رشاد القصبي"ج"، مناهج البحث في علم السياسة، جامعة القاهرة ، ط2، 2007، ص ص185-186.
[8]- Kathleen Thelen (eds).Beyond Comparative Statics: Historical Institutional Approaches .to Stability and Change in the Political Economy of Labor. COMPARATIVE INSTITUTIONAL ANALYSIS. Edited by GLENN MORGAN, JOHN L . CAMPBELL, COLIN CROUCH, OVE KAJ PEDERSEN And RICHARD WHITLEY. Oxford University Press, New York .2010 .p p 43- 44.
أبدى علماء الاجتماع اهتمامًا بدراسة تأثير القيود المؤسسية على السياسات العامة لأسباب عملية ونظرية، فالسبب الأول هو أنه في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، واجهت موجة من السياسات الطموحة - مثل مبادرة "المجتمع العظيم" التي أطلقها ليندون بينز جونسون في الولايات المتحدة، أو توسيع صلاحيات الحكومة الفيدرالية من خلال الإصلاح الدستوري في ألمانيا - خيبة أمل- فعلى الرغم من الدعم الشعبي غير المسبوق لاستخدام أدوات الحكومة لتحسين وضع المجتمعات لم تحقق العديد من هذه البرامج أهدافها، ولم تحل المشكلات التي كان من المفترض معالجتها بل إن الأموال التي خُصصت لم تُنفق في بعض الحالات، أما السبب الثاني فتمثل في سعي الباحثين إلى فهم جذور هذه الإخفاقات السياسية أين تحول اهتمامهم النظري من المجتمعات إلى المؤسسات، وتوصلوا إلى حقيقة مفادها أنه ثمة ترابط تاريخي ونظري بين دراسات السياسات العامة والنظرية المؤسسية نظرا لتاثير المؤسسات على السياسات العامة، وغيرت السياسات فهمنا للمؤسسات، ومن خلال هذا أدت دراسات السياسات إلى تفسير مؤسسي للسياسة وبرز ت نظريات جديد للحكم الديمقراطي[1].
في خضم التحولات النظرية التي عرفها علم السياسة الذي أدى مع نهاية الثمانينات إلى بروز منظور المؤسساتية الجديدة والذي أخذ كمضلة للتحليل المقارن للسياسة العامة، أين عادت المؤسسات السياسية التي حجبتها المدرستين السلوكية والبنيوية لمدة من الزمن، ورجعت إلى ميدان التحليل وصارت موضوع بحوث متجددة في علم السياسة وموضوع نقاش وجدال شديد بين الباحثين من أصحاب المقاربات المؤسساتية الجديدة (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) على أن الدور المهيكل الذي تؤديه المؤسسات بمنظور المؤسساتية الجديدة التي تعظم دور التركات المؤسساتية مع هيمنة ظاهرة المفاهيم المؤسساتية التاريخية يتقدمها مفهوم التبعية للمسار ومفهوم المسارات الوطنية، علاوة على العنصر الثالث الجديد الذي ميز تلك الاعمال إدماج البعد المعرفي في مقارنة السياسات العامة، فأدى ذلك إلى جمع متزايد بين المتغيرات الثلاثة المشهورة وهي المصالح والمؤسسات والأفكار كما بينه وأحسن بيانه عالم السياسة الأمريكي بيتر هول [2].
لقد ساعد هذا المنظور المؤسسي علم السياسة العامة بشكل حقيقي من خلال بروز دراسات شاملة للقطاعات والبلدان في الاقتصاد الكلي والسياسة الخارجية وقد أسفر ذلك عن كم هائل من المعرفة والمقارنات بين الدول حول مشاكل السياسات العامة، والأنظمة المؤسسية وفجوات التنفيذ وأدوات السياسات العامة، وبهذ الخصوص ازداد اهتمام الباحثين بالمؤسسات وتقارب السياسات العامة وانتشارها، نتيجةً لعملية ترابط بين المستويات العابرة للحدود الوطنية والوطنية ودون الوطنية مع أنماط الإكراه الرأسية أو الأفقية[3].
وإذا كانت دراسات السياسات العامة قد حسنت فهمنا للمؤسسات فهل يمكن لمنظور مؤسسي أن يساعدنا في تحسين السياسات العامة؟ في أي مجال يعتمد تحليل السياسات على كمّ هائل من المعلومات والمعارف التقنية التي لا ترتبط بالضرورة بالمؤسسات أو السياسة أو المجتمع، ومع ذلك فإن القرارات المتعلقة بكيفية التعامل مع هذه المعلومات هي خيار سياسي أو اجتماعي أو عام، على حد تعبير بعض المصطلحات الشائعة. بمجرد تعريفنا للسياسة العامة بأنها "خيار جماعي" والتي تطرح العديد من الأسئلة في العلوم السياسية والاجتماعية الكثير لتقوله عنها: من يتخذ هذه القرارات؟ ما الإجراءات التي ينبغي اتباعها لاتخاذ هذه القرارات؟ كيف نميّز بين الخيارات "الجيدة" و"السيئة"؟ ومن خلال هذا يسعى النموذج المؤسسي للاختيار الديمقراطي إلى تحسين جوهر خيارات السياسة العامة لتحسين الإجراءات المستخدمة في اتخاذ وتجسيد هذه الخيارات[4].
ومن خلال هذا برزت دراسات أولت أهمية لتبني المنهج المؤسسي لفهم الدور المميز للمؤسسات السياسية والاقتصادية في دراسة السياسات العامة المقارنة، في هذا الصدد أعطى التحليل المؤسسي التاريخي في السياسة المقارنة الأولوية للمؤسسات السياسية وبينما قد يكون هذا التركيز على النظام السياسي مُبررًا إلى حد كبير لأغراض السياسة العامة المقارنة، ينبغي لدارسي الاقتصاد السياسي المقارن إيلاء اهتمام منهجي ليس فقط للمؤسسات الاقتصادية، بل أيضًا لمجموعة من المتغيرات الاقتصادية الهيكلية التي تتجاوز الحدود التقليدية للتحليل المؤسسي الذي يعد منهجا يوفر أساسًا مهما لتحليل الفاعلين الجماعيين ومصالحهم لتفسير التغيير المؤسسي وإعادة تنظيم السياسات داخل المؤسسات المستقرة[5].
وبصورة عامة مهد هذا التقليد الراسخ للمؤسسية القديمة لظهور المؤسسية الجديدة في العلوم السياسية والتي جاءت لتكرر نفس الحجج - التي تستند إلى المؤسسات لتفسير التنوع المستمر في النتائج عبر مختلف الدول - فعلى سبيل المثال، لفتت الدراسات المقارنة التي تناولت وساطة المصالح النقابية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي الانتباه إلى تأثير الاختلافات في قوة وهيكل العمل المنظم في الديمقراطيات المتقدمة على نتائج الاقتصاد الكلي، بغض النظر عن نوع النظرية المؤسسية (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) التي يختارها الباحث تبرز ثلاثة تأثيرات مؤسسية متميزة عند الحديث عن السياسات العامة المقارنة، أولها أن "للدول أهمية بالغة" - بمعنى وجود "أنماط وطنية" محددة (ناشئة عن تفاعل بين الأطراف غير الرسمية والمؤسسات الرسمية) أو أن عوامل نظام السياسات الرسمية العامة تؤثر على كيفية استجابة الأنظمة لمختلف تحديات السياسات - سواء على مستوى سمات النظام السياسي المؤسسي الكلي، مثل القواعد المتعلقة بالأنظمة الانتخابية أو الفيدرالية أو على مستوى الآليات المؤسسية المتوسطة أو ما يسمى بالترابط السياسي المؤسسي وأنماط التفاعل بين الدولة والجماعات المجتمعية أو قواعد ومواقع صنع القرار، في المقابل يؤكد آخرون على أهمية "القطاعات" أو - مجالات السياسات - مشيرين إلى خصائص قطاعية متميزة تشكل تحديات متباينة لصانعي السياسات، ومن خلال التقسيم القطاعي للسياسات استخدمت البحوث المقارنة بشكل متزايد هاتين المقاربتين في تحقيقاتها، وعلى سبيل المثال استخدام مجالين سياسيين في دولتين لاستكشاف أي "منطق" يبدو أنه يهيمن، سواء كان على المستوى الوطني أو القطاعي [6].
ومن خلال هذه المنهجية المؤسسية المقارنة يمكن فهم طبيعة السياسات العامة التي هي شكل خاص من اشكال العمل الجماعي، والتي تتضمنها أشكال من قواعد اللعبة وتصورات الرهان والتي تمثلها المؤسسات وهي بحسب المؤرخ الاقتصادي الأمريكي دوغلاس نورث أن المؤسسات عبارة عن قواعد اللعبة وتصورات للرهان لابد منها للعمل العام التي تضفي الاستقرار على التعاون بين الفاعلين بطرق رسمية وغير رسمية، وعلى ضوء هذا تأخذ المؤسسات معنى قواعد لعبة السياسات العامة[7].
بهذا الخصوص نلاحظ حدوث تحول في الأدبيات السياسية المقارنة منذ أوائل الثمانينيات أين قام عدد من العلماء نموذج التطوير والتحليل المؤسسي (Institutional Analysis and Development) الذي عمل على توسيع مجال تحليل المقارن للسياسات العامة(التفاعلات/Les Interactions ) ، وقد أبان على أهمية و فائدة المقارنات النظرية لشرح نتائج اللعبة السياسية معتبرا المؤسسات – قواعد اللعبة - هي المتغير التفسيري الأكثر أهمية، وكما هو الحال في ألعاب الطاولة فإن القواعد المؤسسية في الألعاب السياسية والتي لها تأثيرات حتمية وواسعة النطاق على استراتيجيات اللاعبين، وتوزيع الموارد، وضبط سلسلة من التحركات تؤدي إلى تحديد النتائج السياسات العامة في نهاية المطاف، وقد أعتمد هذا النموذج أو الأدوات المؤسسية الأخرى (مثل نظرية اللعبة أو تحليل اللاعبين الذين لديهم حق الطعن) لتطوير البحث المقارن في السياسة العامة جعلت معظم الباحثين يواجهون مسألة المقارنة بين المؤسسات بطرقهم الخاصة[8].
ولقد جاء الأعمال المتعلقة بالمقارنة المنجزة في إطار النظرية المؤسساتية الجديدة مركزة على نظرية التبعية للمسار"Path Dependecy " الذي يقصد من الناحية التفسيرية إلى إبراز القلة في التغيير وضيق نطاقه في المقام الأول، يعني إلى بيان تأثير الحواجز المؤسساتية والمعرفية المانعة للتغيير في السياسات وبيان القيود الخارجية المتمثلة في تقلص الاختيارات المنظورة وفي الآثار النهائية التاجمة عن الاختيارات السابقة
في هذا الصدد نجد أن التحليل المقارن للسياسات العامة أصبح يعير اهتماما كبيرا لمتغير تأثير القواعد المؤسساتية الرسمية في إستقلالية صاحب القرار الذي يختلف من دولة إلى أخرى بحسب طبيعة النظام السياسي، فهو بغير شك في دول القانون أقوى منه في غيرها، فالمنتخبون مثلا قدرتهم على اتخاذ القرار تكون ذات شأن إذا كانت السلطة التشريعية قوية في النظام والعكس بالعكس، في هذا المعنى وللمثال دائما ليس من شك في أن أعضاء البرلمان الجزائري أقل استقلالية في عملية صنع القرار من نظرائهم الفرنسيين وأن هؤلاء بدورهم مقيدون في اتخاذ القرار أكثر من نظرائهم الأمريكيين، والملاحظة صحيحة أيضا فيما يخص قدرة المنتخبين في المستوى المحلي على اتخاذ القرار بسبب الاختلاف في مقدار المركزية واللامركزية بالبلدان المذكورة، ومع ذلك يبقى صحيحا أن القواعد المؤسساتية تعمل في جميع الأحوال كقيود مقلصة لحرية الاختيار ومانعة من بلوغ رشادة القرار[9]. وتجد الإشارة هنا أن الدراسات المؤسسية تتفق على استنتاج واحد: وهو أن المؤسسات وتأثيراتها المؤسسية تخل بالتوازن المفترض في النموذج التعددي وبالتالي توجه قرارات السياسة العامة نحو مسارات معينة دون غيرها، كما هو الحال في نماذج التبعية للمسار( path dependency)[10].
علاوة على هذا من المفيد التذكير بأن التحليل المقارن جد مهم في اختبار الافتراضات العامة وتطوير افتراضات محددة في الزمان والمكان، وكما ذكرنا سابقا يعد فهم السياق أمرا بالغ الأهمية للتحليل المقارن وبدون هذا الفهم ستكون أي قدرة على استخدام نتائج التحليل المقارن سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الجوانب العملية محدودة، فقد تكون هذه الحاجة إلى فهم السياق ودمجه في التحليل ذات أهمية خاصة لدراسات السياسات العامة المقارنة، على اعتبار أن السياسة غالبًا ما تتضمن جانبا ثقافيا واجتماعيًا هاما وبدونه قد لا يفهم الباحث الأهمية الحقيقية للنتائج السياسات[11]، في هذا الصدد تشير أدبيات العمل العام والسياسة العامة إلى تأثير العوامل السياقية (The contextualisation) منها السياق الدولتي والذي يتضمن تأثير القواعد اللعبة الرسمية (القواعد الدستورية) وغير الرسمية للمؤسسات السياسية والإدارية، بمعنى نمط تنظيم الدولة وتسييرها – من حيث العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية والتسلسل الهرمي الإداري والعلاقات الإدارية/السياسية، نمط التوظيف الإداري، ملف الشخصيات السياسية، هيكلة النظام الحزبي، وطريقة تنظيم الأحزاب السياسية، العلاقات بين المركز والمحيط - كل هذه العوامل السياقية لها أثر مهم بصورة خاصة على عمليات القرار وعلى تنفيذ السياسات العامة[12] .
في هذا الصدد سعى رواد المنهجية المقارنة إلى إدخال السياق في التحليل بشكل مباشر أكثر من المناهج الكمية والإمبريقية التي حاولت استبعاد السياق باعتباره عنصرا دخيلا مشوشا على رصد وتتبع العلاقات، ويعد السياق (The Conext) مهما في دراسة السياسة العامة في كثير من الحالات بالغ الأهمية لفهم الديناميكيات السياسية والتي تجهل عملية صنع السياسات العامة التي لا تتم في بيئة مختبرية معقمة، بل في مؤسسات معقدة ذات قيم وإجراءات تؤثر على نتائج هذه العملية بقدر أو أكثر من التفضيلات والخيارات الفردية[13].
وبهذا الخصوص إعتمد الباحثين المهتمين بالدراسات المؤسسية المقارنة منهجية تحليل العوامل السياقية (Analysis Contextual Factors) في 224 دراسة وشملت تطبيقاتها جميع القارات سياسات قطاعية متعددة تناولت مجالات البيئة والصحة والمالية/الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتكنولوجية والسياحية، وقد قام هذا النوع من الإسهامات في تطوير وتطبيق نظريات خاصة بعملية صنع السياسة العامة واختبار قدرتها التفسيرية ضمن مختلف الترتيبات المؤسسية وبإخضاع هذه النظريات لاختبارات ميدانية تبعا لاختلاف هذه الترتيبات المؤسسية، هذا ما سمح للباحثين من إعادة مراجعة في نظرياتهم وصقلها عبر مراعاة تأثير العوامل السياقية بما في ذلك الثقافة والبنية السياسية والنظام الاقتصادي، والتي غالبا ما تكون مختلفة بين الدول لكنها تؤثر بشكل كبير على نتائج السياسات العامة بالإضافة إلى تسليط الضوء على سلوكيات مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين ودرجة تأثيرهم في مجال هذه السياسات[14].
وهكذا ساهمت البحوث المتعلقة بالسياسات العامة - كدولة الرفاه، والسياسات الحضرية، والسياسة الضريبية، والسياسة الاقتصادية، والسياسة الصحية، والسياسة البيئية - في إعادة إحياء الاهتمام بالمؤسسات، فمع تكرار الدراسات التي أظهرت أن نتائج السياسات لا يمكن تفسيرها بتفضيلات المواطنين أو بالموازنة بين آراء جماعات المصالح، أو بالقوى أو الفاعلين الاجتماعيين المهيكلين (مثل "الطبقات") اتجه اهتمام الباحثين إلى كيفية تأثير تنظيم النظام السياسي على صنع السياسات وتنفيذها[15]، ومن خلال هذا تم إجراء المقارنة على السياسات العامة بتسليط الضوء على عالم الإجراءات الذي لا يتوقف عند القواعد الرسمية وغير الرسمية لممارسة السلطة وحدها، ولكنه يشمل أيضا القواعد والإجراءات غير الرسمية يعني جميع الأنماط العملية المتبعة فعلا في عملية القرار، وفيها مثلا أساليب العمل والروتين السائد في الرئاسة والوزرات وكيفية تنظيم العمل وتوزيعه بين مختلف الوزرات المختصة بملف معين، ولعل أن هذه المسالة المتعلقة بالقواعد ولإجراءات غير الرسمية تحيل بوجه أخص وأهم على واقع العمل الحكومي وعلى كيفية سير الأمور بداخل الآلة الحكومية وهي مسالة مهمة لكل حكومة عامة ولأصحاب القرار في قمة الهرم السياسي خاصة[16].
وعلى غرار هذه الدراسات والبحوث التي تقارن قوة وصحة نظريات السياسة العامة من خلال البنى المؤسسية، تركز البحوث الناشئة في مجال السياسة العامة المقارنة على تطوير أفضل للنظرية، حيث نجد نظرية أجندة العمل المؤسسي Institutional Agenda: تتضمن جعل مؤسسة بعينها مثل المؤسسة التشريعية، الإدارية أو التنفيذية، تأخذ بالعمل على مواجهة القضية العامة المعنية بإيجاد الحل تبعا لأهميتها ضمن أجندة العمل المؤسسي أو الحكومي وهو الأمر الذي يتولاه الرسميون والحكوميون باهتمام جاد وأولوية خاصة[17]، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى دراسة السياسة العامة المقارنة من منظور أنشطة الدولة، فقد يكون هناك ما يدعو إلى تركيز هذا المجال على تلك المجالات التي تمارس فيها الدولة (مهما كان تعريفها وتطبيقها) ضغوطًا على مواطنيها (سواء بالمعنى القسري أو التحريري)[18].
وعلى ضوء هذا جاءت الدراسات المقارنة ضمن منظور المؤسساتية الجديدة لتطوير التحليل المؤسسي المقارن للسياسات العامة بإظهار خصوصيات التركيبات والصور الوطنية في قطاعات معينة، حيث تمكنت الأعمال المنجزة في إطار المؤسساتية الجديدة من تركيز الإهتمام على هيكلة هذه التركيبات التي أدت إلى فهم الإختلافات الدولية في عدد كبير من السياسات العامة مركزة على ظواهر الاستمرار والثبات لكنها في المقابل أهملت ظواهر التغير والتطور التي تعتري السياسات العامة[19].
في هذا الصدد أجريت دراسات العمل المباشر من منظور مقارن على نطاق واسع داخل الدولة الواحدة ولكن بشكل أقل بكثير في سياق عابر للحدود، وبهذا الخصوص يمكن التسليم بأن سياسات الإصلاح الإداري يمكن اعتبارها سياسات عامة تطبقها الدولة على نفسها، والتي من خلالها تؤثر على مواطنيها، فإن ازدهار الدراسات العابرة للحدود حول التغيير الإداري (والتي غالبًا ما تُسمى "الإدارة العامة") خلال عقدي الثمانينات والتسعينات والتي تعتبر جزءًا أساسيًا من الدراسات المقارنة المعاصرة للسياسات العامة، وعلى هذا الصعيد استخدم "مايكل بارزيلاي" مفهوم "تغيير سياسة الإدارة العامة" لتطبيق منهج مشابه لمنهج كينغدون (مع بعض الإضافات) في أبحاث دراسة الحالة المقارنة في المقابل، قدم كل من كريستوفر بوليت وجيرت بوكيرت سردا مؤسسيا تاريخيا أكثر شمولًا للإصلاح الإداري المقارن، ومن خلال هذا أصبحت المقارنة جوهرا أساسيا في دراسات التغيرات التي تحدث في تنظيم الدولة نفسها، وهنا حدد الباحثون والدراسون لهذا الموضوع درجات مختلفة (من حيث شمولية) التغيير وسعوا إلى استكشاف مسارات إصلاحية مختلفة[20].
بهذا الخصوص تعد إشكالية التغيير في السياسات العامة متعددة الجوانب والأبعاد تثير العديد من التساؤلات مفادها: لماذا يحدث (أو لا يحدث)؟ من أين ينشأ؟ كيف يُمكن قياسه؟ متى يصبح غير قابل للعكس؟ كيف يُمكن التنبؤ به؟ قد يكون موضوع تغيير السياسة هو تعريف القضية المطروحة، أو هيكل ومضمون جدول الأعمال، أو محتوى برنامج السياسة أو تنفيذه، كما قد يرتبط تغيير السياسة بإيقاع السياسات واتجاهها ونطاقها، كما تم دراستها من خلال المنهج التدريجي لتشارلز ليندبلوم 1959 أو التوازن المتقطع لكل من جونز وباومغارتنر ،علاوة على هذا تكمن المشكلة في آثار التغيير في إمكانية عكسه أو عدم عكسه وهذا ما أبرزته نظرية التبعية المسار لجيمس ماهوني وبول بيرسون، من جهة أخرى تم دراستها أيضا على مستويات مختلفة من التجريد بالتركيز إما على البنى (المؤسسات وأنماط السلوك) أو على الفاعلية (التفضيلات والأفعال الفردية)، وهنا يمكن تعريف الآليات السببية بناءًا على كيفية معالجة معضلة السببية الخطية والشرطية، أو على مدى التركيز على المتغيرات المستقلة الداخلية أو الخارجية، ولذلك فإن الإجابة عن هذه الأسئلة بطرق مختلفة ووفقا للتفضيلات المعرفية والمنهجية التي تحدد الأولوية الممنوحة لاتجاه وديناميكيات تطوير السياسات، فضلًا عن التركيز على العوامل السببية ونتائج السياسات ، والتي اعتمدت في نهاية المطاف على تعريف السياسات العامة باعتبارها مجال للممارسة النفوذ والقوة، أو عمل مؤسساتي، أو منتديات نقاش، أو أهدافًا لتأثير المؤسسات السياسية، أو ساحات شبكية ومع ذلك، قد تُقلل هذه الصعوبات عندما ينشغل الباحثون بالأسباب لكن من دون تحديدها لطبيعة التغيير السياسي بدقة[21]،
[1]-Ellen m. Immergut .INSTITUTIONAL CONSTRAINTS ON POLICY. The Oxford Handbooks of Political. Edited by MICHAEL MORAN, MARTIN REIN, And ROBERT E. GOODIN Oxford University Press Inc., New York.2006.P557.
[2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 194-222.
[3] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.
[4] - Ellen m. Immergut.op cut. P562.
[5] - PONTUSSON, Harry Jonas. From Comparative Public Policy to Political Economy: Putting Political Institutions in their Place and Taking Interests Seriously .Comparative political studies, 1995, vol. 28, no. 1, p117.
[6] - Martin Lodge (eds(.op cit. p 279
[7] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 55-56.
[8] -Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .pp 50-51.
[9] - صالح بلحاج، تحليل السياسات العامة (الديناميكيات والمعارف الأساسية)، درا بن مرابط، الجزائر، 2015، ص 138.
[10] -Ellen m. Immergut .Opcit.p 562.
[11] - B. Guy Peters.op cit. p05.
[12] - Patrick Hassenteufel. Sociologie politique :L’action publique. Armend colin Edituer. Paris .2010. p149.
[13] - B. Guy Peters.op cit. p08.
[14] - Wilson Wong . op cit . p05.
[15] - Ellen m. Immergut .Opcit.p 561.
[16] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 138-139.
[17]- فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، ط1، 2001، ص 237.
[18] - Martin Lodge (eds(.op cit. p 277
[19] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص228.
[20] - Martin Lodge (eds(.op cit. p 282.
[21] -B. G. Peters et al.op cit. p136.
حدد الإجابات الصحيحة من بين ما ذكر في الآتي:
1- أهمية المأسسة (Institutionalization) على تنفيذ السياسة العامة في مختلف الدول .
2- التحليل المؤسسي المقارن يسمح بمعرفة تأثير بنية المؤسسات على أدائها بناءا على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة.
3- تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات (التحليل الجزئي) وتسليط الضوء على التفاعلات الداخلية وفقا لعمليات التوافق والمساومة.
4- علاقات التفاعل المؤسسي من خلال الدستور والقوانين الناظمة للعلاقات بين المؤسسات السياسية وفقط.
5- تركز النظرية المؤسسية الجديدة على القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين تجاه السياسات العامة .
المؤسسات تهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات وفقا للقانون ولإجراءات المعمول بها في داخلها وفقط .
6- المؤسسية الجديدة تفسر درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.
مما لا شك فيه أن تصميم السياسات العامة يعد الإطار الأكثر دقة لتحسين توحيد معايير السياسات العامة المقارنة من حيث المنهج والمضمون، وجوهر السؤال المطروح هنا يكمن فيما إذا كان لتحليل المقارن السياسات منهج يفيد تصميم نظرية للسياسات العامة، بمعنى لآخر كيفية توفير تصميم إطار نظري ومنهجي للسياسات لتطوير مجال السياسات العامة باعتباره فرع من فروع دراسات السياسات وهنا نجد خمسة اعتبارات على الأقل تدعم هذا الطرح[1].
1-تصميم السياسات هو في جوهره مسعى مقارن، قائم على التعلم من تجارب الدول المختلفة، ومن مجالات السياسات المتنوعة، ومن الحكومات المختلفة. وقد كان مفيدًا بشكل خاص مقارنة خيارات أدوات السياسة، وأنماط الحوكمة، وأساليب التنفيذ، وقدرات الحكومات، ومساحات التصميم.
2- منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي دعا جميع الباحثين إلى سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال تصميم السياسات العامة إلى مزيد من التكامل بين دراسات السياسات وصنع القرار.
3-على عكس النظريات التقليدية لعملية صنع السياسات العامة فإن تصميم السياسات يدور حول معالجة كل قضية سياسية بطريقة منهجية وعرضها في سياقها، ومعنى هذا أن مقارنة السياسات العامة من خلال نماذج القرارات الأربعة المذكورة سابقًا: تحديد المشكل والتقييم ، التنفيذ الحلول والتدخل هي عمليات في جوهرها مجموعة من الأنشطة تهدف إلى شرح كيفية عمل السياسة وذلك لتحسين استراتيجيات الحكومة وتوقع آثارها غير المرغوب فيها، يتكون التقييم من تحديد مشكلة السياسة واختيار المعايير الصحيحة لقياس نتائج السياسة التي تعالج هذه المشكلة. يرتبط التنفيذ عادةً بصياغة السياسات كمجموعة من الأنشطة المتعلقة باختيار الأدوات وتعبئة الدولة للموارد. أخيرًا، يشير التدخل إلى الإصلاحات الإدارية والابتكارات والتصميم المؤسسي التي تجعل السياسة أكثر فعالية. كل نموذج من هذه النماذج يحظى بالفعل باهتمام في مجال السياسات العامة، لكن تصميم السياسات هو الطريقة الأكثر شمولًا لمقارنتها.
4- يسهل إطار تصميم السياسات النقاش بين الباحثين من مختلف المدارس الفكرية قد يبدأ ذلك بربط تصميم السياسات العامة بالسياسة المقارنة بحثًا عن أنماط "أساليب التنفيذ" وردود الفعل السياسية، ومع ذلك يشمل التصميم أيضا القرارات التي تتخذها الحكومة فيما يتعلق بوضع الأجندة وصياغة السياسات وتقييمها. وبالتالي يمكن القول أن ظهور العديد من نظريات تصميم السياسات منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فإن معظمها يشترك في الطموح الأصلي لعلوم السياسة كمنهج قائم على حل المشكلات ويُقدّم دعمًا نظريًا واضحًا للمعرفة الإمبريقية المستمدة من التجربة الحكومية، ولعل أن هذا البعد الموضوعي للسياسة المقارنة يدعم موقفها المعياري دون التخلي عن إطارها العلمي[2].
من خلال ما سبق يتضح أن حقل السياسات العامة المقارنة يضطلع بدور متميز في عالم لا يزال يشكو من نمطية المفاهيم والقيم وهذا مايتطابق مع ما إعتبره "هربرت سيمون" هيمنة "نماذج الإدارة القائمة"، جاء التحليل المؤسسي المقارن في الإعلاء من شأن دور السياسات العامة المقارنة بإثراء التطورات والحجج الوطنية وتحدياتها، وبينما يُرجّح أن تُضيف المقارنة المناسبة معلومات إلى عملية صنع السياسات وتتيح تقييم نقدي لمدى وطبيعة التطورات السياسية المعاصرة، ينبغي مع ذلك أن يسعى تحليل السياسات العامة المقارنة المعاصر إلى تجنّب الوقوع في فخ "ما يجدي نفعًا". فاستخلاص الدروس للتطبيق لا سيما في السياقات الحزبية التي تهيمن عليها المصالح قصيرة الأجل وهنا من المرجح أن يؤدي ذلك إلى خلق آثارٍ سلبية غير مقصودة وغير متوقعة، وبدلًا من ذلك، يرجح أن تُسهم السياسات العامة المقارنة في تعزيز ذكاء عملية صنع القرار من خلال التقييم النقدي لأي إعلان عن ابتكار وطني في السياسات العامة فالإشارة إلى التجارب المقارنة واستكشافها تتجاوز مجرد الحكايات العابرة بل هو التساؤل النقدي والمستمر الذي يمثل جوهر السياسة العامة المقارنة[3].
وعلى ضوء هذا ينظر إلى التأثير الكبير للقواعد والإجراءات المؤسسية على سياسات صنع القرار وتنفيذ مختلف تصاميم السياسات والدروس التي يمكن استخلاصها من المنظور المؤسسي لتصميم السياسات؟ وبهذا الخصوص لا تزال الأبحاث حول التأثير الدقيق للإجراءات المؤسسية على صنع القرار السياسي، وتأثيرات تفاعل القواعد المؤسسية مع السياقات السياسية والاجتماعية، وحتى التاريخية، في بداياتها وحتى الوقت الحالي نجد أثر البحث في السياسات العامة لا يزال ساريا على تطور النظرية المؤسسية، وفي المقابل نجد للنظرية المؤسسية آثار بارزة على تطوير السياسات العامة، علاوة على هذا نجد أن البحث في أثر القواعد والإجراءات المؤسسية على السياسات العامة ذات صلة بالحلول السياسية القائمة على الأساليب الإجرائية، فمع تزايد تخلي صانعي السياسات المعاصرين عن ثقتهم في السياسات التي تضعها وتنفذها الحكومة فإنهم يتجهون بشكل متزايد إلى حلول سياسية قائمة على "بدء عملية" أو "إنشاء شبكة" أو "تحديد إجراء"، وهنا يبرز دور التحليل المؤسسي في توفير أساس للنقد والوصفات الملائمة للسياسات العامة رغم أن البحث في أثر القواعد والإجراءات على السياسة لا يزال في مراحله الأولية المبكرة يفتح آفاقا واسعة للبحث [4].
1- إتجهت المدرسة المؤسسية التقليدية نحو التحليل النمطي المعياري.
2- الإتجاه المثالي المعياري للمدرسة المؤسسية التقليدية تقدم تفسيرات وافية على كيفية صنع السياسات العامة ومقارنتها.
3- تمكنت النظرية المؤسسية التقليدية من سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال السياسات العامة.
4- المؤسسية الجديدة أسهمت في تفسير التشابهات والإختلافات بين السياسات العامة تبعا لإختلاف بينة المؤسسات وتفاوت أدائها .
5- قامت المؤسسية التقليدية إلى وضع إطار واحد وملائم لمختلف النظم السياسية لتصميم السياسات العامة متماثلة ومتقاربة.
6-هناك منظور مؤسسي موحد لتصميم السياسات العامة.
