الخطوط العريضة للقسم

  • أستخدم مدخل السياسات العامة المقارنة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كنتيجة أيضا بتزايد دور الدولة في الحياة العامة وتعقدها بدأ هذا الحقل يشغل حيزا واسعا في الدراسات السياسية المقارنة حيث أصبحت نواتج السياسة العامة (Outcomes ) إحدى المجالات الرئيسية التي نالت إهتماما لدى علماء السياسة وبذلك اصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا مكملا لحقل السياسة المقارنة وتتسم ادبيات السياسة العامة المقارنة باحتوائها على الأقل على اربعة عناصر رئيسية :

    1- الاهتمام بالعملية السياسية.

    2- إدراك تعقد وتشابك السياسة العامة مع إدراك الحاجة إلى تركيز البحث على قطاعتا مختلفة من السياسة العامة 

    3- الإتجاه نحو دراسات مقارنة فعلية بين مختل الدول والنظم السياسية مصحوبة بتحديد أكثر دقة مجالات السياسة العامة 

    4- دمج الإدارة العامة في دراسة السياسة العامة وذلك بإعادة إكتشاف مركزية الدولة وأهمية الجهاز الحكومي كمتغير حاسم وأساس في دراسة السياسة العامة في الدول المختلفة.   

      • عادة ما يطرح موضوع السياسة العامة المقارنة  أسئلة تدور حول كيف ولماذا تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة. لذلك يتم إعتماد السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية لتحديد جوانب التشابه  والاختلاف بين الأنظمة السياسية ومختلف المؤسسات الصانعة للسياسات ومختلف الفواعل المؤثرة فيها،  إلى جانب هذ يتم استعراض طرق التحليل المقارن للسياسة  العامة مع النظر إلى المناهج المستخدمة في كيفية معالجة مشاكل السياسة العامة، مع التركيز على القضايا المنهجية وقضايا الموضوعية لبناء النظرية واختبار النظرية عند صياغة السياسة العامة، التي تعد من علامات النضج الفكري لهذا الحقل كون أن الدراسات المقارنة تزداد إبتعادا عن البحث عن العامل الواحد والنظريات التقريرية ،وتتجه إلى دمج منظورات مختلفة لغرض تقديم تفسيرات مقبولة لتطور السياسة.

        ولهذا يتطلب التحليل المقارن تحديد وصياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة وهنا لم يعد السؤال يطرح وفق صيغة هل ينبغي أن نقارن أو هل يمكن ان نقارن وإنما صار  السؤال كيف نقارن؟ وهو سؤال متعلق بمنهجية المقارنة والعناصر التي تجرى مقارنتها ومستوى المقارنة، ولعل أن المقارنة السياسية قد لاقت إهتماما كبيرا في الأوساط الدارسين والباحثين في علم السياسة، أين كانت المعالجة الحديثة تكون إستاتيكية  أو ديناميكية، فالمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف ، وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها  هذه الأبنية بإنجازها، أما بالنسبة للمقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية والتي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإنما إلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها والإختلافات البنائية والوظيفية بينها[1].

        بناءا على هذا إهتمت دراسات السياسات العامة المقارنة بمناقشة موضوع تأثير خصائص النظام السياسي على السياسات العامة ونواتجها أي بالبحث عن العلاقة بين طبيعة النظام السياسي وبين مخرجات ونواتج السياسة العامة،  ومن خلال الدراسات الأولية حول العلاقة بين خصائص النظام السياسي وطبيعة السياسات العامة برزت مجموعة من الفرضيات المختلفة التي حاولت أن تفسر هذه العلاقة ومن أهم هذه الفرضيات :

        1- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما زادت الحاجة إلى المساوة في توزيع الرخاء.

        2- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما كان معدل لنمو الاقتصادي منخفضا.

        3- كلما كان النظام السايسي ، كلما أدى ذلك إلى تنمية إقتصادية سريعة.

        4- كلما كان مستوى الديمقراطية  عاليا ، كلما كان معدل التضخم عاليا .

        5- كل النظم السياسية سواء كانت شيوعية أو رأسمالية ، ديمقراطية أو تسلطية  - تتجه نحو نفس النمط وهو نمط الدولة الرفاه الاجتماعي ،  هذه الفرضية تنفي أن مخرجات السياسة العامة تختلف وفقا لطبيعة وخصائص النظام السياسي.[2]

        تحيلنا هذه الفرضيات إلى طرق تبيين كيفية مقارنة السياسات العامة والتي على ما يبدوا أنها صعبة ومعقدة بالنظر إلى أن حقل السياسات العامة يمثل نقطة تقاطع وإلتقاء العديد من التخصصات، ومن أجل بلورة هوية تخصص السياسة العامة المقارنة يقتضي المنطق المنهجي الاشارة إلى شروط وأسس المقارنة الجيدة في حقل السياسات العامة، إلى جانب عدم تجاوز  وتجاهل الإطار النظري للسياسة العامة وهو جانب متعلق بالـ" كيف" الذي يمثل خلفية ينطلق منها التحليل المقارن: 

        1- شروط المقارنة الجيدة وأسسها: إن إجراء المقارنة يقتضي التساؤل عن الشروط الضرورية لممارسة لمقارنة محكمة منهجيا ، وهنا طرح بعض المحللين عالجوه في ثلاثة مستويات :

        1-1- المستوى الأول بناء الموضوع ومشكلة القابلية المقارنة: إن القيام بالمقارنة يفترض  ترك موقفين متضادين ، الاول هو القول بأن هذا الشيئ لا يقبل المقارنة، والثاني إعتبار كل شيئ قابل للمقارنة كماهو في صورته الظاهرة ، في الحالة لاولى يكون التركيز على الخصوصية الوطنية لهذه أو تلك من العمليات السياسية حتى تصير تلك الخصوصية مانعا من كل تأمل مقارن، على إعتبار أنه لا يمكن لنا المقارنة من دون وجود "قابلية المقارنة"، وفي الوقت نفسه فإن قابلية المقارنة نادرا ما تكون شيئ معطى محصلامن الأول وإنما هي بضد ذلك تحتاج إلى بناء ، وفي عملية البناء هذه لابد من الإحتياط  والتوقي لعدم الوقوع في شرك الإسمية والترجمة بمعنى الإقبال على مقارنة شيئين  لأنهما يسميان بإسم واحد في بلدان مختلفة [3].

        وبمعنى آخر يتعين على الباحثين أن يصبحوا أكثر وعيا ذاتيا في ملاحظة التعقيدات المفروضة على التنظير السطحي ، بإخضاع دقة المعلومات المحصلة عبر الدول وقابليتها للمقارنة إلى تمحيص متأن يتجاوز ماكان عليه في سنوات السبعينات فعلى الباحثون الذين يميلون لأن يكونوا أكثر إتقانا في تحديد المؤشرات والإختبارات التجريبية التي يصنعون منها نظرياتهم ، ولعل أن تزايد خلال السنوات الأخيرة ، الإدراك بأن التحليل يحتاج إلى إستخدام كل من جوانب التشابه والإختلاف واسعة النطاق  ودراسات الحالات الفردية ذات المضمون الثري ، فالإستراتيجيات المقارنة يمكن أن تظهر تعددية تعتمد على الغرض التحليلي قيد البحث بدلا من أن تعاق بمشكلة الفرد ، وعلى سبيل المثال لا الحصر بوسعنا المقارنة بين التفاح والبرتقال دون أن يكون هناك سبب ولا حاجة  بصورة مطلقة ماإذاكان التشابه أو الإختلاف هو الأكثر تأثيرا [4].

        إن بناء الموضوع  وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة  السياسة العامة وتفسير أنماطها . كما أن  السياسة العامة المقارنة تدور أيضًا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية . وبالتالي جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتركيز على التعميمات الجاهزة(بمعنى الروايات الكبرى). إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها  إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب السياسات العامة في بلدان أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا   باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[5].  

        2 - ممارسة المقارنة : استعمال مستوى تحليل واحد ومتجانس على ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي  يعني إنجاز العمل المقارن  على ايدي باحث  واحد ،   الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة  من قبل عدد من الباحثين ،ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس  التساؤل ولعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، هذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا ، ولعل أن التوجه السائد حاليا  في الأعمال المقارنة هو الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي إلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وإزدياد إشكالية التفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[6] .

        3- مسألة كتابة المقارنة: تطرح هذه المسألة في المقارنة الجماعية بصورة خاصة وتكون ذات أهمية كبيرة إذا كانت فرقة متععدة القوميات (الجنسيات) فتكون هذه الفرق  البحثية  يجعل التسليم  العمل أكثر تعقيدا، والمسالة تتعقل هنا بإستراتجية كتابة المقارنة يعني كيفية تنظيم النص وهنا يوجد إختياران مختلفان إما الهيكلة بوسطة الميادين الوطنية وهنا تكون الكتابة موجهة  بالميدان و القطاع (صنف السياسة العامة)  أكثر مماهي موجهة بقابلية المقارنة للموضع الذي بني سلفا وهنا لا تكون المقارنة في معناها الصحيح إل ا بطريقة ختامية بتقديم جداول ومخططات المقارنة ، ولعل أن العيب الذي يشوب هذه الخيار من النوع من المقارنة جعلها مصطنعة (رديئة) لا تحاول الغوص في تفسير التشابهات والاختلافات الذي هو صلب تخصص السياسة العامة المقارنة والتنبؤ بالمآلات. أما بالنسبة للخيار الثاني لكتابة الأعمال المقارنة  فهو  المبني في كتابته على سلم تحليل يوجهه وفرضيات البحث ، ويطبق عمليا بإجراء تبويب وتقسيمات لا تحيل أبدا على حالة وطنية بعينها بصورة صريحة ، فيكون موضوع الدخول تحليليا دائما وليس وطنيا وهذا يسهل الذهاب وافيب بين الحالات المقارنة ، إلا أن هذه الاستراتيجية في الكتابة لها عيبها ويكمن في تشويه الحالات الوطنية بافقتصار فيها على إعتبار ما يدخل في إطار المقارنة ، ومع ذلك يبدوا هذا الخيار أكثر موافقة للمنهج المقارن واصلح له ، لكن صلاحيته تتوقف على صلاحية الموضوع المقارن (له القابلية للمقارنة) [7] .
        مستويات المقارنة :  تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية ، بل التركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة ، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على الإختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].

        1- مقارنة السياسة العامة ضمن الإطار الوطني : لقد إتخذ حقل السياست العامة المقارنة في عقدي السبعينيات والثماننيات من الدولة القومية نقطة إنطلاقه وركز الكثير من الباحثين على الحالات الوطنية تماشيا والتوجه المنهجي الذي جاء في إطار مابعد السلوكية بالتقليل من عدد حالات المقارنة، في هذا الإطار تبرز الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة سلسلة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق(comparisons N-small) فقد خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [9].

         في سياق متصل كان لمفهوم الأسلوب الوطني للسياسة" الذي قدمه جيريمي رتشاردسون  في دراسته لأساليب السياسة في أوروبا الغربية سنة 1982. ومنذ ذلك الوقت لا يزال هذا  المفهوم قيد التطوير نظريًا وتجريبيًا. بتناول نطاقه ووحدة وسلم التحليل - القطاعي والوطني والمؤسسي - ومضمونه ومكوناته في مختلف البلدان  . 

        [1]- عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة ، مركز البحوث والدراسات السياسية(كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة ، 1993، ص ص 403-404 .

        [2] -محمد زاهي بشير المغيربي قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط ،1،1994.

        [3] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص224-225.

        [4] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 33.

        [5]- Martin Lodge. Comparative Public Policy. (Handbook of public policy analysis: theory, politics, and methods  /edited by Frank Fischer, Gerald J. Miller, and Mara S. Sidney) .p p 273-275.2007 see at :http://www.untag-smd.ac.id/files/Perpustakaan_Digital_2/PUBLIC%20POLICY%20(Public%20Administration%20and%20public%20policy %20125)%20Handbook%20of%20Public%20Policy%20Analysis%20Th.pdf  :

        [6] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.

        [7] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 227-228.

        [1] - آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان، 2020، ص12.

        [9] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة ،  مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.

        • المطلوب من الطلبة في هذا النشاط التفاعلي تقديم فهمهم لمنهجية المقارنة للسياسات العامة تبعا لما تم التطرق إليه في هذا المحور.

      •  أصبح توظيف المنهج المقارن مهما بالنسبة لتحليل السياسة العامة ذا قيمة كبيرة والذي يشهد رواجا وانتشارا واسعا في أدبيات التحليل السياسات العامة، خاصة عند الباحثين الغربيين الذين قدموا  أدوات وطرائق لمقارنة السياسات سمحت بتفسير أوجه التشابه والاختلاف حول السياسات الوطنية المعتمدة في مختلف البلدان، حيث يحاول هذا الحقل الأكاديمي تقديم أجوبة للأسئلة التالية : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي يمكن القول إنها أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم سمحت بتوليد العديد من الحسابات التي تسعى إلى شرح تطورات سياسية معينة .

        يرتكز تعريف السياسة العامة المقارنة على دراسة كيف ولماذا؟ ولأيما غرض تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة للفعل أو اللافعل، في الوقت الذي يبدوا فيه هذا التعريف مباشرا فإنه يحتوي على عدد من المميزات المفاهيمية المهمة تستدعي الوقوف عنده للتمييز بين المفردات الرئيسية الواردة في هذا التعريف: دراسة (كيف)، و(لماذا)، و(لأي غرض)، (تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة في الفعل واللافعل) [1].

        ولعل من أهم التعريفات الواردة هنا أيضا نجد تعريف جيمس أندرسون للسياسة العامة بأنها مسار عمل هادف وموجه نحو تحقيق هدف محدد إلا أن النتيجة النهائية لصنع السياسات العامة قد تكون غير عقلانية وقد لا تحل مشكلة عامة بشكل فعلي وغالبا ما تكون حل وسط عقلاني بين مختلف الفاعلين المعنيين بها وفقا لأهدافها وحوافزها التي يتم تصفيتها أو هيكلتها بواسطة المؤسسات السياسية، وقد أضاف أندرسون إلى "هذا التعريف التركيز على ما ينفذ فعليًا بدلًا مما يقترح ويعتزم تنفيذه كما يميز بين السياسة والقرار الذي هو في جوهره اختيار محدد من بين بدائل، وينظر إلى السياسة على أنها شيء يتطور بمرور الوقت"، وفي إطار الدراسة المقارنة للسياسة العامة فإن الإجابة على سؤال "ما هي السياسة العامة؟" ينبغي أن تكون اللبنة الأولى والمهمة في تعريف السياسة العامة المقارنة وهي مجال من مجالات الدراسة متعددة التخصصات، تستخدم السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية للمقارنة بين مختلف الأنظمة والمؤسسات عادة ما تكون دولا أو حكومات، ويطرح هذا المجال عادةً أسئلة حول كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة  ويواجه هذا المجال مشكلات تتعلق بتضارب هوية المنهج مقابل المجال، والافتقار إلى إطار نظري متماسك وشامل  يتم على اساسه معالجة هذه المشكلات بأبحاث الناشئة تساهم في خلق معرفة متكاملة ومؤثرة في العلوم الاجتماعية[2].

        إستنادا إلى هذه التعريفات للسياسة العامة التي تشير إلى تعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسمين المؤثرين في عملية صنعها إلا أن تنطوي على صفة العامة (Public) والتي شير إلى أن الحكومة لا تزال تلعب دورا محوريا في صنعها، وبهذا المعنى فإن السياسة العامة المقارنة هي مقارنة بين السياسات التي تضعها حكومات أو مؤسسات عامة مختلفة، وهنا نجد الجانب المتعلق بكيف من تعريف السياسة العامة  الذي هو مستمد من دراسات حول الحكومة المقارنة والإدارة العامة والعلوم السياسية بشكل عام، ومن خلال دراسات "الكيف" التي نجدها تركز على الحكومات وكيف تنتقي إجراءاتها وهنا لابد من الانتباه ايضا لما يجري داخل الدولة وما حواليها، ويتطلب الأمر معرفة جوانب الهياكل والعمليات التي يتم التوصل إليها القرارات الحكومية وكيف تعمل الحكومات المختلفة ومؤسساتها المرتبطة بالأحزاب وجماعات المصالح وبيروقراطيات إزاء المشاكل السياسية المتنوعة[3].

        في هذا الصدد يؤكد أحد علماء السياسة أن السياسة العامة هي المتغير التابع الرئيسي الذي يسعى علم السياسة إلى تفسيره، وهذا يعني بالضرورة أهمية السياسة العامة في حقل السياسة المقارنة، وأن هناك حاجة ماسة إلى فحص ومقارنة السياسات العامة لمختلف النظم السياسية إلى جانب مقارنة النظم السياسية في إطار سياساتها العامة[4]، ويعد المنهج المقارن في دراسة عمليات صنع السياسات ومخرجاتها ونتائجها أداة مهمة، وإن كانت غير مُستغلة بالشكل الأمثل لدى الباحثين وصنّاع السياسات، ومما لاشك فيه أنه يساعدنا على فهم عملية صنع السياسات وتداعياتها في الدول الأخرى، كما يسلط الضوء على عمليات صنع السياسات في أي بلد. ويقدم دروسا قيمة حول كيفية صنع السياسات العامة بطرق مختلفة، وينبهنا إلى أهمية مراعاة ظروف كل دولة، كما يتيح لنا مقارنة السياسات في مختلف الدول فهما أعمق وأشمل للعوامل الأساسية التي تحرك عملية صنع السياسات وتأثيرها على العالم[5].

        ووفقا لهذا يعرف "هايدنهايمر" السياسة العامة المقارنة أنها "دراسة كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة مسارات عمل أو تقاعس معينة"، وإدراكًا منهم لتأثير وأهمية المؤسسات على صنع السياسات، اقترح دراسة السياسة العامة المقارنة "تتطلب فهم جوانب الهياكل والعمليات التي تُتخذ من خلالها القرارات الحكومية"، وينبغي على الباحثين أن يضعوا في اعتبارهم أهمية هذه المحددات النهائية لخيارات السياسة التي تتخذها الدول[6]، ومن خلال هذا ركزت الدراسات المقارنة للسياسة العامة على هدفين مركزيين: السياسة العامة المقارنة في جوهرها تسعى إلى تحديد ما يفسر الأنماط المرصودة في السياسة العامة، بالإضافة إلى الشكيك في القوالب النمطية من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية، ومن خلال هذا يسعى  الدارسين المهتمين  بمجال السياسة العامة المقارنة إلى معرفة ما إذا كانت هناك علاقة مباشرة لطبيعة النظام السياسي(ديمقراطي / سلطوي) وبين مؤشرات الأداءات المختلفة التي حددها غابريال ألموند في  (الأداء الاستخراجي- الأداء التوزيعي- الأداء التنظيمي - الأداء الرمزي )،  ومن خلال هذه العناصر الرئيسية يمكن إجراء المقارنة للسياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وفي أجزاء مختلفة من العالم ويمكن تلخيص السياسات العامة للدول والمقارنة بينها وفقا للمخرجات أي وفقا للأعمال والأفعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها  . 

        ومن خلال هذا ينطلق منطق السياسة العامة المقارنة في البحث عن محددات السياسة العامة والذي يسمح بزيادة عدد الملاحظات وضبطها ضمنيًامن دون افتراض أنماط محددة، وكما هو معروف تعتبر المقارنة جوهر أي مسعى بحثي ما يجعل هذا حقل السياسة العامة المقارنة علمًا اجتماعيا بالنظر إلى صعوبة إجراء تجارب واقعية، حيث تُقدم المقارنة عبر الزمن أو الدول أو على مستوى القطاعات وسيلة لاستكشاف وتقييم أنماط تدخل الدولة بهدف تحديد المتغيرات وعزلها[7].

        2- كيفية إجراء المقارنة في مجال السياسات العامة: تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية، بل بالتركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على تفسير الاختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].

        في هذا الصدد يشير التحليل المقارن للسياسات العامة باعتبارها جزء من السياسة المقارنة ويركز هذا المفهوم على الجذور السياسية لخيارات السياسة، بينما في كثير من دراسات الاقتصاد السياسي المقارن، يُلاحظ قلة الاهتمام أو الفهم لتفاصيل السياسات العامة المحددة المطروحة، وهنا تشير الدراسات إلى إمكانية تطبيق كلي لنطاق النظرية السياسية الإمبريقية- حتى الدراسات التي تركز على السلوك السياسي الجماهيري - على خيارات السياسة، أين تكون الروابط بين المتغيرات المستقلة المفترضة في بعض المناهج وخيارات السياسة بعيدة نوعا ما لكنها لا تزال روابط منطقية وهامة، وعلى ضوء يستند هذا المفهوم للمقارنة إلى استدلال احتمالي للعلاقات السببية بين المتغيرات التي تجعل الباحث يعتمد على تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا أو الأكثر اختلافًا من أجل التحكم في المتغيرات المستقلة وذلك للوصول إلى نظريات شبيهة بالقوانين، في هذا الصدد تعتمد العديد من الدراسات الكمية للسياسات العامة إلى حد ما على هذا المفهوم للسياسة العامة المقارنة في دراسة دولة الرفاه، أو وضع جداول الأعمال السياسة، أو أساليب تنفيذ السياسات العامة[9].

        على ضوء هذا يطرح التحليل المقارن صياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة والعناصر التي تجرى على أساسها المقارنة ومستوى المقارنة، والمقارنة في الدراسات الحديثة قد تكون إستاتيكية أو ديناميكية، والمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها هذه الأبنية بإنجازها، أما المقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية التي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها و الاختلافات البنائية والوظيفية بينها[10].

        وبالتالي بناء موضوع السياسة العامة وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة  السياسة العامة وتفسير أنماطها، فالسياسة العامة المقارنة تدور أيضا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية،  ولهذا فإن جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتعميم المفرط (في التوصيفات الكبرى)، إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب وخبرات السياسات العامة في أماكن أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[11].  

        ووفقا لهذا صمم التحليل المقارن للسياسات خصيصا لشرح نتائج السياسات العامة وتحديد أنماطها المهمة المحتملة وفهم الديناميكيات ضمن مجال نشاط معين، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن نموذج الأسباب والنتائج  لا يسمح بإثبات ضرورة أو كفاية الشروط كمتغيرات من خلال التضحية بالتعميم لصالح التعقيد، يؤدي هذا النهج الكيفي في النهاية إلى طريقة أخرى لبناء النظريات واختبارها، في هذا الإطار يرتكز المنطق الأساسي للمنهج المقارن على اختيار الحالات الذي يعد العنصر الحاسم في تصميم البحث، وذلك بهدف "تعظيم التباين الإمبريقي، وتقليل تباين الخطأ، والتحكم في التباين الخارجي" بمعنى أن اختيار الحالات يهدف إلى ضمان التحكم في أكبر عدد ممكن من مصادر التباين المنهجي، مما يزيد من احتمالية تحديد العلاقة بين المتغيرات المستقلة والتابعة المفترضة في التحليل، في المقابل ترتكز منهجية الإحصاء التي تنجز هذه العناصر الأساسية لتصميم البحث من خلال إدراج متغيرات تحكم في النماذج الإحصائية،  يعتمد كلا المنهجين على اختيار المتغيرات المستقلة والتابعة وكيفية تطبيقها عمليًا[12].

        هذا ما يجعل تحديد الأدوات المناسبة للمنهج المقارن محل جدل ومن دون الخوض في تفاصيل منهجية البحث المقارن برزت بشكل خاص دراسات واسعة النطاق، تمحورت حول مقارنة "مجموعات الدول" المختلفة ضمن أساليب إجراء دراسات مقارنة للسياسات العامة وقد قدمت هذه الدراسات تقديرات تقريبية لتطورات نماذج من دولة الرفاه المختلفة، وأشارت إلى مفارقات مثيرة للاهتمام ودحضت من خلالها العديد من الخرافات (مثل "التقارب" و"التنافس في جوهرها")، حيث كانت الدراسات التي تستخدم البيانات الإجمالية العابرة للحدود الوطنية عبر عدد كبير من البلدان حاسمة في استخلاص رؤى حول العوامل (أو المتغيرات) المرتبطة بأوجه التشابه والاختلاف بين الدول والمجالات والفترات الزمنية، بغض النظر عن جاذبية الأساليب الإحصائية في إرساء فهم متين يتجاوز الطابع السردي للدراسات المقارنة، إلا أنه ينبغي التعامل مع النتائج المستخلصة من هذه الأساليب بحذر شديد نظرا لاعتمادها (الذي لا مفر منه في أغلب الأحيان) على البيانات الرسمية، في هذا الشأن نجد دارسو السياسات العامة المقارنة غالبا ما دأبوا على دراسة ما تسمح به الدول أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة الشفافية الدولية، أو ما ترغب في أن تدرسه (من خلال إنتاج مجموعات بيانات محددة) وفقًا لمنهجيات بحثية تعكس فهما خاصا ومناسبا للمناهج الإحصائية[13].

        ولهذا فإن اعتماد مستوى تحليل واحد ومتجانس من ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي  يعني إنجاز العمل المقارن على ايدي باحث  واحد، الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة من قبل عدد من الباحثين ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس التساؤل والعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، وهذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا، ولعل أن التوجه السائد حاليا  في الأعمال المقارنة يتمثل في الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي غلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وازدياد مخاطر لتفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[14] .

        في هذا الإطار برزت الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة وعلى رأسهم ارن ليجفارت سلسة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق والقليلة العدد(Small- Number- Comparisons )، وفي هذا الشأن خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [15].

        وفي سياق التحول النظري نحو المابعد السلوكية الذي جاء بأعمال مقارنة تركز على طبيعة السياسات العامة  نفسها، وأعتمدت تعتمد معظم تحليلات السياسات المقارنة على أسلوب المقارنة باستخدام عينة وهذا ما دعا إليه أرند ليجفارت بإستخدام أسلوب عدد صغير من العينات ( Small Number ) بدلا من الأساليب الميدانية والإحصائية ودراسات الحالة التي تستخدم هذه الدراسات المقارنة أدلة من حالات متعددة باستخدام عينة صغيرة كآلية لتعظيم التباين الإمبريقي والتحكم في التباين الخارجي، وعلى العموم اعتمدت الأعمال المقارنة في هذه المرحلة على أساليب جون ستيورات ميل في دراسة الاختلافات والتقارب والتغير المصاحب لها، وهذا لبناء أو اختبار النظريات متوسطة المدى وهو التوجه المنهجي الذي تبنته أدبيات السياسة العامة المقارنة[16]، بالجمع بين المناهج الكيفية والكمية ومن خلالها أجريت أغلب الدراسات المتعمقة لعملية صنع السياسات للكشف عن العلاقات السببية باستخدام مناهج نوعية مثل تتبع العمليات، بينما يعتمد البحث المقارن في السياسات العامة في الغالب على تقنيات كمية لإيجاد الارتباطات بين المتغيرات التابعة والمستقلة ذات العلاقة، وللجمع بين هذين المنهجين لا بد من إيجاد طريقة منهجية سليمة لربط المناهج الموجهة نحو التغاير في المناهج الموجهة نحو دراسة الحالة، ومما ساعد على تبني هذا التوجه المنهجي ازدياد حجم الأدبيات المتعلقة بكيفية الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي مع مرور السنوات وتشمل العديد من الطرق المقترحة لدمج هذين المنهجين باعتماد التصاميم البحثية ذات المنهج المختلط والذي مثل سبيل واعد للجمع بين قوة الدراسات الكمية في تحديد أنماط الارتباط في بيانات العديد من الدول، وقوة الدراسات الكيفية في تتبع العمليات السببية التي تؤدي إلى نتيجة محددة[17].

        ومن هنا تبرز أهمية مدخل السياسة العامة المقارنة باعتباره أداة تحليلية مناسبة للتعامل مع ديناميكيات التغير الاجتماعي الذي يتطلب صياغة وترتيب الأولويات وتطوير وتنفيذ وتطبيق بدائل السياسة العامة، ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن تحليل السياسة العامة يجمع بين حقلين أساسيين من حقول العلم ذات الأهمية المركزية لعملية التحول التي تحدث في جميع انحاء إفريقيا حاليا وهما علم السياسة وعلم الاقتصاد[18].



        op[1] - أرنولد هايدنهايمر، المرجع نفسه، ص22.

        [2]- Wilson Wong, op cit .p p 01-02

        [3] - - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص ص 21-22.

        [4] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 241.

        [5]- Anneliese Dodds. Comparative Public Policy. First published by PALGRAVE MACMILLAN. New York. 2013. p05

        [6] - Wilson Wong ,op cit.p02.

        [7] - Martin Lodge.. Op cit. p275.

        [8]- آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان،2020، ص12.

        [9] -B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez. Substance and Methods in the Comparative Study of Policy Change, Journal of Comparative Policy Analysis: Research and Practice, 20:2, 2018. p 136. DOI : 10.1080/13876988.2017.1322764

        [10] - عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة، مركز البحوث والدراسات السياسية (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1993

        [11]- Martin Lodge.. Op cit.p p 273-275.

        [12] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit.p137.

        [13] - Martin Lodge (eds(.op cit.  P 276

        [14] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.

        [15] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.

        [16] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p136.

        [17] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten. Comparative Public Policy Analysis: Shortcomings, Pitfalls, and Avenues for the Future. ISSN 1862-2860, Springer Fachmedien Wiesbaden GmbH, Wiesbaden, Vol. 63, Iss. 2, p308.

        [18] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.

      • على الرغم من أن النقاش الأولي حول المنهج المقارن تناول في المقام الأول الأنظمة السياسية والسلوك السياسي إلا أنه يمكن تطبيق المنطق نفسه بسهولة على دراسات السياسات المقارنة، فاختيار عدد محدود من الحالات بعناية قد يكون أنسب لتحليل السياسات العامة منه لتحليل الأنظمة السياسية من منطلق أن فهم ديناميكيات مجال سياسي داخل دولة واحدة يعد أمرا صعبا بحد ذاته، حيث قد يؤدي استخدام دراسات السياسات ذات العينة الكبيرة إلى إغفال الكثير من الاختلافات الدقيقة الضرورية للفهم المقارن لصنع السياسات وتنفيذها، ويوفر هذا الفهم البدائل المختلفة للمقارنة مرونة كبيرة للباحثين المهتمين بتفسير نتائج السياسات العامة ومخرجاتها علاوة على ذلك فهو يحثنا على القيام بنظرة شاملة لتجنب مخاطر التحيز في الاختيار وعدم تجانس الأسباب[1].

        حيث يكشف أن تحليل السياسات المقارن ينطوي على قضايا جوهرية ومنهجية تتطلب توضيح مصطلح "التحليل المقارن السياسات " رغم عدم إهتماما "المفكرين الأوائل " بالتحديات المنهجية عند مقارنة حالتين أو أكثر، ولهذا تبنى الباحثون مفهومين مختلفين ينطوي كل منهما على مشكلات وقيود محددة، لذلك لابد من توضيح المفهوم الذي نستخدمه وفقا لنوع السببية التي نعتزم استكشافها، لكن عدم وضوح المنهج المحفز للبحث قد لا يؤدي إلا إلى عدم وضوح جوانب أخرى من البحث، في هذا الصدد نجد أن المفهوم الأول للعمل المقارن الذي يركز على طبيعة السياسات نفسها تعتمد معظم تحليلات السياسات المقارنة على أسلوب المقارنة ذي العينة الصغيرة(Small Number)، على عكس الأساليب الميدانية والإحصائية ودراسات الحالة والتي يعتبرها أرند ليجفارت تستخدم الدراسات المقارنة كأدلة من حالات متعددة ذات عينة صغيرة كآلية لتعظيم التباين الإمبريقي والتحكم في التباين الخارجي. وهي تعتمد عمومًا على أساليب جون ستيورات ميل في الفروق والتشابه والتغير المتزامن  لبناء أو اختبار نظريات متوسطة المدى[2].

        بهذا الخصوص جادل أرند ليجفارت في مقالته الرائدة حول التحليل المقارن بوجود أربعة مناهج وتصاميم بحثية أساسية في العلوم الاجتماعية، وهي: التجريب، والتحليل الإحصائي، ودراسات الحالة، والمنهج المقارن، وقد استخدمت كل هذه المناهج البحثية الأساسية لتقديم رؤى دقيقة حول السياسات العامة في مختلف البيئات والسياقات، وهنا يعتبر المنهج الإحصائي الأكثر شيوعًا في العلوم الاجتماعية إلا أن دراسات الحالة لا تزال معتمد بكثرة في دراسات السياسات العامة فهناك سيل غير منقطع من الدراسات التي تناقش بشكل مفصل وكبير السياسة (س) في الدولتين (ص) و(ع) تساهم كلها في توسيع معرفتنا الجماعية ولكنها لا تسمح لنا في كثير من الأحيان إجراء تحليل مقارن دقيق[3].

        ولعل أن لكل من هذه الأساليب التحليلية الأربعة تتضمن مجموعة أساسية من عناصر تصميم البحث التي ينبغي مراعاتها في البحث وتتلخص هذه المجموعة فيما يلي: تعظيم التباين التجريبي، وتقليل تباين الخطأ، والتحكم في التباين الخارجي، وهذا التصور لتصميم البحث المقارن يستند إلى قياس المتغير التابع أي ملاحظة تتكون من ثلاثة عناصر أولها العلاقة "الحقيقية" بين المتغير المستقل (المفترض) والمتغير التابع، وهنا يوجد احتمال لتعرض الملاحظة إلى الخطأ، وقد يكون هذا العنصر مرتفعًا بشكل خاص في البحوث الكيفية التي تعتمد بشكل كبير على ملاحظات باحث واحد، أو عدد محدود من الباحثين، ولكنه قد يكون موجودًا أيضًا في البحوث الكمية. على الرغم من أننا قد نلاحظ علاقة قوية بين متغير ما (س) ومتغير ما (ص)، كيف لنا أن نعرف أن هذه العلاقة تحدث فقط لأنهما مرتبطان بمتغير ما (ع)؟ يمكن لهذا التباين الدخيل أن يشوش أي نتائج نتوصل إليها، سواء تم التوصل إليها من خلال مناهج كمية أو نوعية. إن التعامل مع التباين الخارجي والعلاقات الزائفة أمر سهل نسبياً بالنسبة للعمل الكمي - كل ما يحتاجه الباحث هو إدخال متغيرات التحكم في النموذج - وتحديد ما إذا كانت العلاقة بين العلاقة المستقلة والعلاقة التابعة تحافظ على قوتها.    

        2-1-تصميم البحث المقارن وفق أسلوب الحالات الأكثر تشابها: تميل معظم أوراق السياسات العامة المقارنة إلى اعتماد تصميم "الأنظمة الأكثر تشابهًا"، حيث يتم اختيار حالات متشابهة قدر الإمكان، ولكنها تختلف في بعض السمات الرئيسية. قد لا يتم هذا الاختيار بشكل صريح من قِبل الباحث، بل قد يكون نتاجًا لمدى معرفته أو مهاراته اللغوية. والمنطق هنا هو أن اختيار الحالات المتشابهة وسيلة للتحكم في التباين الخارجي الذي قد يُشوش العلاقة بين المتغيرات. قد يكون البدء بتحديد عينة من الحالات الناجحة وغير الناجحة مفيدًا بشكل خاص لدراسات السياسات العامة المقارنة، وإذا كان أحد أهداف البحث هو نشر التدخلات السياسية الناجحة، فإن فهم العوامل المرتبطة بنتائج السياسة قد يكون بداية مفيدة، وإن لم يكن بالضرورة استنتاجًا مفيدًا للتحليل، وهنا يعد أخذ العينات بناءً على المتغير التابع مفيدًا لاستبعاد الشروط الضرورية للنتائج، بمعنى إذا ظهر متغير (س) في بعض الحالات بنفس النتائج ولم يظهر في حالات أخرى، فلا يمكن أن يكون (س) شرطًا ضروريًا. علاوة على ذلك، كما هو الحال في تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا، يُبقي هذا النوع من التحليل عددًا من العوامل ثابتًا، ثم يبحث عن الاختلافات في العملية التي أدت إلى النتائج، ومن ناحية أخرى، تركز تصميمات الأنظمة الأكثر تشابهًا على الاختلافات، وغالبًا ما تكون اختلافات دقيقة للغاية، التي قد تظهر في أنظمة متشابهة ظاهريا[4].

        2-2- تصميم البحث المقارن وفق أسلوب الحالات الأكثر إختلافا: إن النصيحة المعتادة في السياسة المقارنة ذات المنهجية الكيفية بالتركيز على تصميمات الأنظمة الأكثر اختلافًا، حيث تتمثل الحجة الأساسية في أنه إذا ظهرت علاقات بين المتغيرات في أنظمة سياسية شديدة الاختلاف يُفترض أنه إذا وُجدت علاقة بين متغير مستقل ومتغير تابع فمن المرجح أن تكون هذه العلاقة "صحيحة" أكثر مما لو وُجدت في مجموعة حالات أكثر تقييدًا. ويختلف منطق تصميم "الأنظمة الأكثر اختلافًا" اختلافًا كبيرًا فمن خلال اختيار حالات (سواء على المستوى الوطني أو دون الوطني) تختلف اختلافًا كبيرًا في مجموعة من المتغيرات، ومع ذلك، يميل استخدام تصميمات "الأنظمة الأكثر اختلافًا" إلى الاعتماد على وجود فرضيات محددة بوضوح شديد حول السلوك، وعادةً ما يكون أكثر فعالية مع الدراسات ذات العينة الكبيرة. في الواقع، كان المنطق الأصلي لـ"الأنظمة الأكثر اختلافًا" هو استخدامه على بيانات المستوى الفردي بدلًا من بيانات المستوى الكلي أو المتوسط ​​ وهو الاستخدام الأكثر شيوعًا في دراسات السياسات العامة المقارنة. لذا، تميل استراتيجية "الأنظمة الأكثر اختلافًا" إلى أن تكون أقل فائدة لتحليل السياسات المقارنة مقارنةً بجوانب أخرى من العلوم الاجتماعية.

        مع ذلك، يبدو تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا أقل ملاءمةً لدراسات السياسات المقارنة مقارنةً بالتحليل السياسي المقارن الذي يركز بشكل أكبر على سلوك الأفراد. وكما تشير المقالات في هذا العدد الخاص، يركز جزء كبير من تحليل السياسات المقارنة على إجراءات الحكومات الوطنية أو دون الوطنية، وبالتالي فإن البحث عن "قوانين"، باستثناء أبسطها، قد يكون في غاية الصعوبة.[5]

        وعلى الرغم من فوائد تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا إلا أنه يثير مشاكل في التصور والقياس بدرجة أكبر بكثير من تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا. ولا يزال تحديد جيوفاني ساروتري  لـ"مشكلة التنقل" في البحوث المقارنة ذا أهمية بالغة، وهو وثيق الصلة بشكل خاص بالتصاميم الأكثر اختلافًا، فالمفاهيم المألوفة والهادفة في بعض السياقات قد لا تكون كذلك في سياقات أخرى، لا سيما عند إجراء البحوث في بيئات ثقافية وسياسية مختلفة، حتى المصطلحات السياسية التي تبدو قابلة للتداول بين الدول قد تحمل دلالات مختلفة في سياقات مختلفة[6].

        يتضح  مما سبق أن المنهج المقارن والبحث المقارن بشكل عام بشكل عام يمثل آلية فعّالة لتنظيم البحوث حول طيف واسع من الظواهر الاجتماعية، نظرًا لقدرته على تجنب بعض التعميمات المفرطة للدراسات الإحصائية ذات العينات الكبيرة، والتخصيص المفرط لدراسات الحالة. كما يُمكن للمنهج المقارن تجنب العديد من مشكلات الصلاحية الخارجية المتأصلة في تصميمات البحوث الإمبريقية، من هذه المزايا العامة للمنهج المقارن، هل يمكن أن يُقدم فوائد محددة لدراسة السياسات العامة؟ دون المبالغة في الادعاءات، أرى أن هناك فوائد، يركز جزء كبير من أدبيات السياسات العامة، وخاصة تلك القائمة على العلوم السياسية على عمليات صنع السياسات العامة، يتطلب فهم العملية فهمًا دقيقًا للأحداث، كما في تحليل الحالات لذلك، إذا أراد الباحث فهم الاختلافات بين العمليات ونتائج تلك الاختلافات، فقد يكون من الأفضل استخدام المنهج المقارن[7].

        إن العدد الكبير من الحالات، والقدرة على استخدام التحليل الإحصائي، يجعل البحث عن هذه العلاقات الثابتة (نسبيًا) أكثر جدوى في هذه السياقات مقارنةً بتحليل السياسات المقارنة. لذا، مع عدد محدود من الحالات المشمولة في المقارنة، يصبح استخدام الأساليب الكمية القائمة على الاحتمالات أقل ملاءمة، إن لم يكن مستحيلاً، وبالتالي فإن أساليب ميل للاختلافات والتقارب والتغير المصاحب أكثر ملاءمة (ميل، 1843). أما عند توفر عدد أكبر من الحالات، يصبح التحليل التوافقي (مثل تحليل المقارنة النوعية للمجموعات الضبابية) مفيدًا في كلتا الحالتين، تُمكّن أدبيات المهتمة بالتحليل الكمي المقارن QCA الباحث من تقييم أنماط العلاقات الثابتة، والسببية المفترضة بشكل أوضح من معظم النماذج الاحتمالية[8].

        يُطرح سؤال شائع في تصميم البحوث المقارنة حول ما إذا كان ينبغي التركيز على تصميمات البحوث الأكثر اختلافًا أم الأكثر تشابهًا، وما نستخلصه من هذا أن التصميمات الأكثر تشابهًا موجهة نحو دراسة الحالات، إذ تهدف إلى التحكم في أكبر عدد ممكن من المتغيرات من خلال اختيار حالات محددة. على النقيض من ذلك، فإن تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا يكون موجهًا نحو المتغيرات، حيث يمكن اختبار المتغيرات المختارة في أكبر عدد ممكن من الحالات، إلى أن تتبلور نظرية في نهاية المطاف (إن وجدت)، مما يؤدي إلى ممارسة جديدة لبناء النظريات[9].

         وبهذا الخصوص ركزت بعض الدراسات القديمة التي تقارن السياسات العامة والتي كانت أقرب إلى ما يمكن إعتباره مسارًا واعدًا للتحفيز المتبادل من بعض الدراسات الحديثة، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات كانت أقل تطورًا من الناحية المنهجية واستخدمت مناهج مختلطة بطريقة ضمنية. ومع ذلك، فإن أبحاث علماء المقارنة البارزين، مثل شميدت وهوبر وستيفنز والتي اعتمدت في دراساتها المقارنة بين الدول أساسا على المناهج الكمية لكنها كانت في غالبها كانت غنية بالحجج الكيفية الضمنية، ورغم أن هذه الحجج لا تُدمج في تصميم متطور للمناهج المختلطة إلا ان مناقشة خصوصيات الدول وتوضيح أنماط الارتباط الموجودة في البيانات الكمية يظهر مدى إلمام الباحثين بحالاتهم الموجودة قيد الدراسة ويضفي مصداقية عالية على نتائجهم الكمية، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات لم تستخدم أحدث تقنيات تحديد العلاقات السببية إلا أن عرض الأنماط الارتباطية وعمق الأدلة الوصفية والتوضيحية الواردة في مناقشة الحالات قد أسهما بالفعل في تقديم حجة مقنعة للغاية حول العلاقات السببية وشكلت السبيل الأمثل لبحوث السياسات المقارنة والتي قد تجعلها حججها تأخذ مسارا مختلفا، وبهذا الخصوص لوحظ أن الجمع بين نظريات السياسات العامة المقارنة ونظريات عملية صنع السياسات، والمزج بين الأنماط الكمية القائمة على الارتباطات مع المتعمقة في معرفة بدراسات الحالة قد يكون سبيلًا أكثر جدوى لتقديم رؤى ثاقبة حول أسباب اختلاف السياسات العامة بين الدول وتغيرها بمرور الوقت[10].

        يتضح مما سبق أن المقارنة تعد عملية محورية في بناء النظريات واختبارها في دراسات السياسات العامة ذلك أن فهم ديناميكيات هذه السياسات في سياق معين يعد أمرا ذا قيمة إلى حد كبير على الرغم من اختلاف صياغتها وتأكيدها على جوانب مختلفة من السياسة العامة المقارنة، ما يعني أنه لا يمكن بناء المعرفة دون مقارنة وهذا ما تعكسه ان التفسيرات للخصائص المشتركة للسياسات في مختلف الدول والقابلة للتطبيق في مجالات مقارنة مختلفة، سواء أكانت عابرة للحدود الوطنية، أو عابرة للحدود دون الوطنية، أو حتى عبر الزمن، وعلى الرغم من افتراض الباحثين أن المقارنة ممكنة فقط على المستوى الوطني، ولكن يمكن إجراء مقارنات فعّالة للسياسات (وغيرها من الظواهر) على المستوى دون الوطني أيضا إضافة إلى هذا تمثل ظاهرة تغيير السياسات وأصبحت تشغل حيزا مهما في تحليل السياسات العامة ما يجعل المقارنة عبر الزمن تصبح ذات أهمية خاصة[11].

        كما تبرز أهمية التحليل المقارن عند مناقشة طبيعته التي على ما يبدو أنه يمثل تحليل قائم على الوحدات الجغرافية، ومما لاشك فيه أنه الشكل الأكثر شيوعا للتحليل المقارن أنه يتطلب التفكير في إجراء المقارنات بين مجالات السياسة المختلفة وهنا جادل غاري فريمان قائلا بان الاختلافات بين مجالات السياسة قد تكون أكثر أهمية من الاختلافات بين الدول في حد ذاتها ومن المؤكد أنها قد تكون أكثر اختلافًا من الاختلافات الموجودة بين الوحدات دون الوطنية داخل دولة معينة، ومن خلال دراسة اختلافات السياسات العامة يمكن للباحثين تحديد مدى اتساق عملية صنع السياسات داخل وحدة جغرافية عبر مجالات السياسة المختلفة، علاوة على عن فهم تبعات مشكلات سياسية محددة على هذه العملية، في هذا الصدد قدم عالم الاجتماع إريك ألاردت تحليلًا شيقًا لكيفية التفكير في عملية البحث المقارن مستندا بصورة جزئية إلى تمييز تيون وبريزورسكي بين التصاميم الأكثر تشابهًا والأكثر اختلافًا، وقد أثار ألاردت نقطة مهمة للغاية حول البحث المقارن، مشيرا إلى إلى أن الجزء الكبير من النقاشات التي دارت بين تيون وبريزورسكي والعديد من الباحثين الآخرين في السياسة المقارنة وعلم الاجتماع إلى أن هدف من البحث المقارن قد يكون اختبار النظرية وتأكيد ثوابت السياسات العامة، حيث ركزت بحوث السياسات العامة المقارنة في تسهيل نقل السياسات و"صنع السياسات القائمة على الثوابت" ما يعني أن تحديد الثوابت في أنظمة السياسات أمر بالغ الأهمية فبدونه لا يمكن فهم أوجه التشابه في صنع السياسات، وفي مدى نجاحها وفشلها ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى صعوبة انتشارها عبر الحدود الوطنية[12].

        إذن تتيح المنهجية المقارنة كما وضحها ارند ليجفارت فرصا عديدة لباحثي السياسات العامة لتعزيز فهمنا الجماعي للسياسات وعملية صنع القرار، ورغم ذلك قد لا يكون تطبيق هذه المنهجية أمرا سهلًا كغيرها من المنهجيات الشائعة في العلوم الاجتماعية التي تتطلب استخدامها لمعرفة واسعة بالحالات المتاحة للاختيار قبل البدء به كما يتطلب فهما دقيقًا للحالات المختارة، لا سيما عند استخدام أساليب مثل تتبع العمليات في تحليلها، فإذا توفرت هذه الشروط فإن هذه المقارنات تتفضي إلى بلورة رؤى ثاقبة حول أسباب خيارات السياسة العامة ونتائجها.



        [1] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.

        [2] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p136.

        [3] - B. Guy Peters .The Comparative Method and Comparative Public Policy .

        [4] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p137.

        [5] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p138.

        [6] - B. Guy Peters.op cit. P04.

        [7] - B. Guy Peters.op cit. P08.

        [8] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p138

        [9] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p137.

        [10]- Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten. Op cit.p 308.

        [11] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p136.

        [12] - B. Guy Peters.op cit. p04