يواجه باحثو العلوم الاجتماعية والسياسية إحباطات وصعوبات كبيرة في إجراء الدراسات المقارنة. ففي حالة مجموعات البيانات العابرة للحدود التي تكون صغيرة الحجم نسبيًا لا تستطيع التقنيات الكمية التقليدية، مثل التحليل الإحصائي ذات المتغيرات المتعددة الحفاظ على أنماط التفاعل الإحصائي، علاوة على ذلك إذا أراد الباحثون مقارنة دول مختلفة فإن المناهج الإحصائية تشجعهم على زيادة حجم العينة وتجاهل أو على الأقل إغفال جوانب أخرى قابلة للمقارنة مثل الجوانب التاريخية والثقافية والجغرافية للظاهرة الاجتماعية قيد الدراسة، وعلى هذا الأساس استندت مدرسة البحث الاجتماعي المقارن في بداياتها إلى البحث الاجتماعي الموضوعي لا سيما دراسات ثيدا سكوكبول المعمقة حول المسارات التاريخية المقارنة، ومنهج جون ستيوارت ميل المقارن (منهج الاتفاق والاختلاف)[1].
وعلى الرغم من الإسهامات المنهجية المقارنة التي جاءت لتواجه الصعاب التي تعترض العلوم الاجتماعية والسياسية المقارنة، إلا أن التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال يواجه مجموعة من المشاكل والصعوبات أولها تحدي التناسق المفاهيمي والنظري هذا ما يمنع من تقديم إسهام كبير في تصميم السياسات العامة بالربط بين الدراسات التطبيقية والنظرية، بالنظر إلى وجود اختلافات جوهرية بين تقاليد البحث المقارن في تحليل السياسات من خلال عدم وجود طرق وأساليب المقارنة متعددة وكيفية ربطها بتحليل السياسات العامة ضمن حالات المقارنة، حيث يسود "التحيز الوطني" أو "القومية المنهجية" التي لاحظها بعض الباحثين في مختلف مجالات العلوم السياسية الناطقة بالفرنسية والدولية فيما يتعلق بالملاحظات المنهجية في مقارنة السياسات العامة، وبهذا الخصوص بين بعض المحللين أن الكثير من الأعمال المقارنة في السياسات العامة يشكو عيوبا عدة ومتميزة بانحرافات منهجية أدت إلى مقارنات ليست بشيء، مقارنات لا قيمة لها تنسب إلى نفسها صفة الدراسات المقارنة ولكنها في الواقع ليس فيها مقارنة أو ما فيها إلا القليل منها[2]، وعلى ضوء هذا يمكن ذكر العديد من الصعوبات والمشاكل العملية والنظرية المرتبطة بالتحليل المقارن للسياسات العامة:
يواجه التحليل المقارن للسياسات العامة مشاكل منهجية يحتاج حلها تتطلب إعادة النظر في الأساليب والأطر المنهجية المعتمدة والتي تتعلق أساسا بكيفية بناء مواضيع قابلة للمقارنة وممارسة العمل المقارن واستراتيجية كتابة المقارنة، وهذا كله ينطوي على عجز وقصور نظري في مقدمتها إهمال مسألة التغيير في السياسات العامة وايضا قلة الاهتمام بانتشار الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة، ولمعالجة هذه النقائص التي تشكل تحديا ماثلا أمام التحليل المقارن للسياسات العامة في الوقت الحاضر، الذي اصبح مطالب أكثر من أي وقت مضى على رد الاعتبار لمظاهر التغيير وبإدراج الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة المتزايدة والمؤثرة في السياسات الوطنية [1].
ولعل ان هذا النمط من التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال مهيمنا إلا أن الأعمال الحديثة بينت أن هذا النمط رغم قدرته التفسيرية إلا أنه لا يخلو من مشاكل ونقائص ضمن الصعيدين المنهجي والنظري، ولعل من أولى الصعوبات التي يواجهها الباحثون المقارنون اختيار عدد الوحدات المراد مقارنتها، وهنا تطرح مسألة اختيار القضايا الوطنية فعليا عددا لا يحصى من المشكلات الواقعية (العلاقات، ومعرفة اللغات الأجنبية، والشبكات الاجتماعية والعلاقات المؤسسية) وكذا الاستراتيجية المقارنة المطلوب إتباعها (اختيار الحالات المتشابهة أو المختلفة)، ولعل أن هذه القضايا تبرز جليا في حالة المقارنات بين المستويات دون الوطنية التي يحتمل أن يتضاعف عدد حالاتها، ولأن العمل على السياسات دون الوطنية ينطوي على تناول التعقيد المؤسسي والسياسي والإقليمي لكل نظام وطني على حدا يعد امرا صعبا ومعقدا، وخذا ما وضحه "جيري ستوكر" قائلا: "إن المقارنة بين الدول القومية صعبة بما فيه الكفاية ولكن من حيث الديمقراطيات فعلى الأقل لا يوجد سوى 121 من هذه الحالات، علاوة على هذا في بلد واحد قد يكون هناك عدة مستويات مختلفة من الحكومة المحلية كما أن شكل كل سلطة محلية تختلف وفقا للاختيار المحلي أو الظروف المحلية السائدة "[2].
وعلى ضوء هذا تبرز مشكلة التباين داخل دولة واحدة والتي تكمن في أن الدراسة المقارنة للسياسة العامة بين دول مختلفة قد تخفي بعض الاختلافات المهمة في السياسات العامة حتى داخل الدولة الواحدة، ولعل أن هذه المشكلة تبرز خصوصا عند استعمال البيانات التجميعية في تحليل السياسة العامة حيث أن بيانات السياسة العامة عادة ما يتم تجميعها على اساس المتوسط القومي العام، ولكن هذه المتوسطات قد تكون مضللة وخادعة عند استعمالها في المقارنة بين مختلف النظم السياسية لأن اختلاف السياسات العامة وآثارها داخل الدولة الواحدة قد تكون أكبر متوسط الاختلافات بين الدول المختلفة والمتقدمة[3]، وهنا تبرز أهمية مقارنة عمليات السياسات التي تحدث على مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي والتي تركز تحديدا على الخيارات العامة التي تتضمن إنشاء أنظمة حوكمة أو ترتيبات مؤسسية، التي تبرز قيمة المقارنة على المستوى الوطني لتكوين هذه الأنظمة وتطبيقها وتكييفها مع المستويين المحلي والدولي[4].
ولذلك فإن صعوبة البحث المقارن تكمن في التصور والتنظيم والتنفيذ فعند دراسة أكثر من دولة تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، كما أنه يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث البشرية والمالية على حد سواء لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود وهذا ما أدى إلى تناقص للدراسات المقارنة، وعلى هذا الصعيد من المهم التذكير بأن دراسات السياسات العامة المقارنة لا تزال في مراحلها الأولى، فعلى عكس الدراسات المقارنة لعمليات التصويت، أو الانتماء الحزبي، أو المواقف، أو الانتخابات، فإن معظم الدراسات المقارنة للسياسات العامة عادة ما تكون محدودة النطاق: إما أنها تقارن بين عدد قليل من الدول أو أنها تركز على مجال سياسي واحد (غالبا ما تكون "المعايير التقليدية" لدولة الرفاه المتمثلة في: المعاشات التقاعدية، أو الصحة، أو أشكال مختلفة من مساعدات الفقراء)، وكما هو الحال مع أي منهج بحثي تكون فيه القضايا الأساسية بالغة التعقيد والبيانات المتاحة محدودة، وهنا ينصب التركيز على خصائص أوضاع السائدة في بلد أو مؤسسة محددة تؤدي إلى نتائج معينة أو اختلافات عابرة للحدود ولكن ربما نرى هذه التفاصيل الصغيرة لكننا نفتقر إلى المنظور الذي يسمح لنا برؤيتها بصورة شاملة[5]، ولهذا لا بد من النظر إلى السياسة العامة من منظور أوسع من دون التركيز فقط على مستوى الكلي للدولة القومية الذي قد يؤدي إلى تجاهل وإهمال المصادر العامة والخاصة البديلة لإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، فقبل أن نستطيع مقارنة وتقييم أداء الحكومات المركزية أو القومية في توفير هذه الحاجات، يجب أن نحدد أولا درجة مسؤولية الحكومة المركزية في هذا الإطار وعلى وجه التحديد فإن ذلك يتطلب معرفة:
1-كيفية تقسيم مسؤولية توفير هذه الحاجات المختلفة للأفراد والجماعات – الصحية والتعليمية وغيرها- بين الحكومة المركزية والأجهزة الحكومية المحلية.
2- كيفية تقسيم مسؤولية أداء هذه الوظائف وتوفير هذه السلع والخدمات بين القطاع العام والخاص، وباختصار قبل وضع أحكام معيارية أو إمبريقية حول التزام النظام السياسي بالتعليم أو صحة أو رفاهية مواطنيه، يجب الأخذ بعين الاعتبار مسؤولية السلطات المحلية والقطاع الخاص في هذا الإطار[6].
يتضح مما سبق أن نظريات البحث المقارن في السياسات العامة أثمرت رؤى مهمة حول أنماط نتائج ومخرجات السياسات العامة، لا سيما في الدول الصناعية الغربية والتي أدت إلى تطوير المقاربات النظرية مثل نظرية موارد القوة والمؤسسية، لتصبح أدوات رئيسية كما ساهمت في تطوير النظرية في مجال البحث في السياسات العامة وخارجها. ومع ذلك، فقد أظهرت الدراسات والبحوث في الوقت الحالي وجود عدة نقاط ضعف في البحث المقارن في السياسات العامة، والتي تعود بصورة جزئية إلى الخيارات المنهجية المنتهجة ويمكن تفسيرها أيضا بمستوى التجريد الذي عادةً ما يميز هذه الدراسات[1]، التي فقد تسهم في التغلب على بعض نقاط ضعف بحوث السياسات العامة المقارنة من خلال تركيزها على العملية، والميل إلى التعمق في دراسة نطاق وشروط ومعايير اختيار هذه الحالات، ومن خلال تحليل بعض نقاط الضعف في بحوث السياسات العامة المقارنة الحالية والتي يبدو أنها ليست ثابتة بل يمكن معالجتها عبر دمج نظريات عملية السياسة بعناية في الحجج النظرية والتصميم البحثي التجريبي لبحوث السياسات المقارنة.
التي تتطلب في الوقت الحالي إعتماد تقنيات جديدة تتيح لنا فهما أعمق لعمليات تحديد السياسات العامة لا تعني إنكار إسهامات التقدم الذي أحرزه العقد الماضي في تطوير النظريات أو في تحسين أساليب اختبار الفرضيات. إنما إلى ضرورة اعتماد هذه التقنيات لتجاوز العقبات المنهجية التي باتت واضحة لنا مع ازدياد الوعي بها نتيجةً للتقدم المحرز في تحليل السياسات العامة المقارن، الذي يتطلب التركيز على تفسير وتحديد التباين والاختلاف ، ولذلك فإن هذا التوجه المنهجي يشكل خطوة تمهيدية في تطوير صورة أكثر تفصيلا لتفاعل المتغيرات التي تحدد نطاق نتائج السياسات في الدولة الحديثة، وهو بتعبير أخر يمثل مقدمة ضرورية قد تكون الخطوة التالية والمهمة في سبيل تطوير تحليل السياسات العامة ألا وهي ظهور تاريخ مقارن لتطور السياسات العامة[2].
[1] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص244.
[2] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.
[3] - زاهي محمد بشير المغيربي ، قراءات في السياسة المقارنة ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1994، ص 264-265.
[4]-Oran R. young(eds). CHOOSING GOVERNANCE SYSTEMS : APLEAFOR COMPARATIVE RESEARCH .the oxford handbook of PUBLIC POLICY. General Editor: Robert E. Goodin. Oxford University Press. New York. First published 2006.P 844
[5] -Frank R. Baumgartner, Christian Breunig, and Emiliano Grossman. Advancing the Study of Comparative Public Policy. In : Comparative Policy Agendas : Theory, Tools, Data., Oxford University Press. 2019.p35.
[6] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 265-266.
[7] - FRANCIS G. CASTLES .Comparative Public Policy Analysis : Problems, Progress and Prospects. Volume 20, Number 3, Summer.1985.op 220-221.
[2] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten.op cit . p308 .
تجدون في هذ المستند الذي يشير فيه الباحثين GeorgWenzelburger · Carsten Jensen Francis G. Castles الذين تطرقوا إلى الصعوبات والمشاكل التي يواجهها التحليل المقارن للسياسات العامة
من أهم المشكلات التي قد تظهر في تحليل المقارن للسياسات العامة اختيار العينة بناءا على المتغير التابع فكثيرا ما يميل الباحثون إلى تضمين الحالات الناجحة فقط في عينتهم، مما يؤدي ذلك إلى استبعاد التباين الحاصل في المتغير الذي يحاولون تفسيره، وهنا أشار باحثو السياسة المقارنة إلى أن أخذ العينات بناء على المتغير التابع يعتبر "خطأً استدلاليًا جسيمًا" ومصدرًا الاختيار الانحياز نظرا لعدم وجود تباين جوهري ومع ذلك، فإن هذا النقد لا يصح إلا في المقارنات ذات العينات الكبيرة والتي تركز على النتائج بدلا من الأسباب[1].
ولهذا يتمثل التحدي الرئيسي للباحثين عند استخدام المنهج المقارن في اختيار الحالات التي ستدرج في "عينة" الدول التي على أساسها تجرى المقارنة للسياسات العامة وفق عينة صغيرة (Small Number) تسمح لنا باختيار حالات الدراسة وتحديدها للتحكم في عدد من المتغيرات في الحالات المختارة، يشابه هذا التحكم إدخال متغيرات تحكم في معادلة الانحدار الهادفة إلى عزل التأثيرات المُفترض للمتغير المستقل وربما عدة - متغيرات مستقلة على المتغير التابع - وعادة ما يكون ذلك خيارًا سياسيًا، وعلى عكس المناهج الأخرى لا يتم اختيار الحالات عشوائيًا بل يتم تصميمها لإظهار جانب من جوانب السياسات العامة في حالات مختلفة وتتمثل النقطة الأهم عند التفكير في تصميمات البحوث المقارنة التي في غالبها تطرح إشكالية عامة تتعلق بتصميم البحث الذي يتناول طبيعة "العينة" المراد تحليلها، وهنا تثير المقارنة الواسعة بين الدول مشكلات جوهرية سواء على مستوى العينات المتوسطة الحجم أو المقارنات ذات العينات الصغيرة، فمثلا جوهر المقارنة في دراسات تغيرات تنظيم الدولة أثبتت الدراسات المقارنة صعوبتها ويعود ذلك إلى صعوبة قياس درجة الإصلاح الإداري حتى على أوسع نطاق وهذا ما يتطلب مراعاة اختلاف الأوضاع المؤسسية الأولية فضلا عن اختلاف الثقافات [2].
إن التباين الكبير في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول المختلفة يجعل من الصعب عزل المتغيرات المسؤولة عن السياسات العامة التي تم إقرارها، أي أنه من الصعب عزل أسباب الاختلافات في خصائص النظم السياسية أو في مخرجات ونواتج السياسات العامة إذا كانت هناك تباينات جغرافية ومناخية ولغوية واقتصادية وتاريخية ودينية واسعة وهذا لا يحدث بالنسبة للذين يركزون على تحليل السياسة العامة في بلد واحد وذلك لإمكانية عزل تأثير العديد من المتغيرات المستقلة، وهنا لا بد من التركيز منذ البداية على عدد محدود من النظم السياسية ومن مجالات السياسة العامة المقابلة للمقارنة [1].
وفي هذا الصد نجد الاعتماد على المتغيرات في إجراء المقارنات القائمة بناءا مؤشرات كمية والتي تحصر تطور دولة الرفاه مثلا في مستوى النفقات الاجتماعية أو تحصر صنف السياسة الاقتصادية المنتهجة في نسبة التضخم ومعدل البطالة، وهذا التبسيط المفرط لأوضاع الواقع الوطني موجود في الأعمال الكمية المعتمدة على المتغيرات ولعل أن هذا النوع من المقارنات السائد خلال عقدي الستينات والسبعينات قد ابان على أوجه قصور كثيرة ، من خلال التبسيط المفرط في التحاليل الرامية إلى إظهار أساليب وطنية للسياسات العامة ، والعيب في هذه التحاليل أنها تقدم مواصفات سطحية للسياسات العامة في بلد معين بالاعتماد على عدد قليل من السمات البارزة مثل الإلزام مقابل الإجماع والتوقع مقابل القدرة على الرد[2] .
وفي هذا الإطار يكون الاقتصار على فحص الاختلافات بين السياسات ونتائجها بشكل مباشر لا تشير إلى أنواع المشكلات التي قد تظهر، وهنا غالبا ما يكون من المستحيل تحديد ما إذا كانت نتائج السياسات المختلفة ناتجة عن اختلافات في خصوصيات السياسات نفسها أو في طبيعة المشكلات التي تسعى إلى التخفيف من حدتها أو في البيئات الثقافية العامة التي تعمل فيها أو مزيج من هذه العوامل التي تنطبق عليها أسئلة مماثلة من وجهة نظر هياكل السياسات بدلا من التركيز على نتائجها، وهنا قد تختلف السياسات الموجهة نحو معالجة نفس الاهتمامات بشكل عام في دولتين مختلفتين لكن الاختلاف في المناهج وأساليب التحليل ومحاولة تحليلها من منظور مقارن قد تكون غير مجدية حيث قد تنجم التباينات الأكثر تحديدا في السياسات نفسها عن اختلافات ثقافية أساسية أو اختلافات إدارية وسياسية بين الدول، ولا تكون الأوزان النسبية لهذين النوعين من التأثير واضحة دائما، وسواء تم التركيز على السياسات أو النتائج فإن التحليل المقارن يواجه معضلة فكرية، وعلى سبيل المثال نجد تحليل سياسات الخدمات الاجتماعية المتشابهة عموما في دولتين أم أنها ممارسة محفوفة بالفشل؟ قد تستند السياسات إلى مفاهيم مختلفة تماما لأكثر احتياجات الخدمات الاجتماعية إلحاحا وأفضل السبل لتلبية تلك الاحتياجات، وقد تستخدم أنظمة ضريبية ومزايا متباينة وقد تعمل في بيئات توجد فيها علاقات مختلفة بين برامج المزايا العامة والخاصة أو بين المستويات الوطنية ودون الوطنية للحكومة وفي مثل هذه الحالات قد تكون المتغيرات كثيرة و متنوعة [3].
[1] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 264-265.
[2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص224.
[3] - Arthur Cyr and Peter de Leon .Comparative Policy Analysis. Introduction for the December 1975 issue of Policy Sciences, Vol. 6, No. 4. June 1975 .pp 02-03.
إن الهدف من التحليل المقارن للسياسة العامة هو تفسير وتقييم التشابهات والاختلافات في السياسة العامة ومخرجاتها وآثارها بين الدول المختلفة، ولك للقيام بذلك يجب أن نفحص العديد من مؤشرات السياسة العامة مثل القوانين التشريعية والأوامر التنفيذية والقرارات القضائية والميزانيات والمتغيرات المؤثرة الأخرى مثل الأمية ومتوسط الدخل ومعدلات الجريمة ...إلخ[1]، ولذلك فإن دراسة أكثر من دولة، تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، حيث يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث، البشرية والمالية على حد سواء، هائلة لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود، وهنا لا يقتصر تحليل السياسات المقارنة على المقارنة بين الدول فحسب. فعلى سبيل المثال نشرت مجلة تحليل السياسات المقارنة عام 1997 مجموعة واسعة من المقالات البحثية التي تقارن قضايا السياسات عبر المناطق والأزمنة والأماكن، وقد تنوعت أسئلة البحث التي كانت تتناول سابقًا الأبعاد الدولية والعابرة للحدود لعملية صنع السياسات، بعد إدراج مناطق جغرافية جديدة مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وقضايا شاملة جديدة من الدراسات الجندرية والثقافية، وتحديدًا مشكلات السياسات العابرة للحدود المتعلقة بتغير المناخ والإرهاب والأوبئة والفساد...إلخ [2].
ولذلك فإن قيمة النتائج تتحدد بنوعية ومستوى البيانات المستخدمة ولكن من أهم المشاكل التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة هي عدم توفر أو عدم دقة البيانات الأساسية والمهمة، وبالذات فيما يتعلق ببيانات الدول النامية حيث تؤدي الموارد المادية والفنية المحدودة إلى صعوبة جمع البيانات وعدم الوثوق في مصداقيتها ودقتها، ولهذا تمثل مشكلة صلاحية ومصداقية البيانات تواجه الباحثين الذين يعتمدون على البيانات التجمعية، وبالإضافة على هذا هناك مشاكل أخرى نذكر منها:
1-عدم إمكانية مقارنة بعض جوانب السياسة العامة، فعلى سبيل المثال فإن الإنفاق على الدفاع في بعض الدول يشمل الإنفاق على الشرطة المحلية بينما لا يشمله في دول أخرى .
2-التزوير والخداع في تقديم المؤشرات والبيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .
3- وجود أخطاء كثيرة في عملية جمع البيانات[3]..
ولهذا فإن أحد الشواغل الحاسمة التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة يتمثل في قابلية البيانات للمقارنة وهذا الأمر لا يزال يشكل عائقا رئيسيا أمام العمل المقارن وهذا بدوره يؤدي إلى الحاجة إلى وجود مخزون أكبر من دراسات الدقيقة لمصادر البيانات الأولية للحالات عبر الوطنية، ورغم إحراز تقدم كبير في جمع البيانات وتحليلها في السنوات الأخيرة إلا أن هذا التقدم حدث بشكل أساسي في المجالات التي يكون فيها التحديد الكمي سهلا نسبيا مثل الإحصاءات الاقتصادية والديموغرافية التي تقترح التأمل في الحدود الحالية للتحليل المقارن الذي على ما يبدو يحتاج لمزيد من البحث وبأخذه بعمليتين محددتين مترابطين: فالعملية الأولى جاءت لتعبر عن الحاجة إلى عمل مفاهيمي قائم على منهجية متماسكة لدراسات السياسات للتعامل مع التعقيدات التي تنطوي عليها الجهود المقارنة، وهذا الجانب يتطلب مطابقة البنى النظرية مع البيانات والأدلة التي تم جمعها بدقة سواء كانت كمية أو نوعية، وبهذا الخصوص أشار "هارولد لازويل" فإن حيوية المنهج المقارن ستعتمد على "ما إذا كان توسيع مخزون "الحقائق" المقبولة على أنها متصلة ومتزامنة مع التغييرات "المنهجية" التي تجعل الحقائق لا غنى عنها" لفهم وإدارة عملية السياسة، أما العملية الثانية: فتتمحور حول بذل المزيد من العمل لشرح المتغيرات الثقافية وتوسيع نطاقها وهي إذا تمت هذه المهمة بمزيد من المعالجة والتفصيل فسنكون قادرين بشكل أفضل على تحديد آثار العوامل الثقافية على عملية السياسة، ولهذا أصبح من الأهمية بمكان إعادة التأكيد على قيمة التحليل المقارن في فترة تبدو فيها علوم السياسة عند مفترق طرق حرج من المنظورين المحلي والدولي، يؤكد التقدير المتزايد لأبحاث السياسات عبر الوطنية وتأثيرات السياسات على الحاجة إلى التحليل المقارن. من الواضح أن الاهتمام بدراسات السياسات وأهميتها قد نما في السنوات الأخيرة، لكن حدود هذا المجال لا تزال غامضة ومن الممكن أن الجهود المبذولة لتحديد وتوضيح معالم مجال السياسة العامة المقارنة ستزداد تعقيدا [4].
على الرغم من أن الدراسات المتخصصة خلقت العديد من الأفكار القيمة إلا أن ظهور السياسة العامة المقارنة كشيء يشبه المجال الموحد هو أمر حديث إلى حد ما ونابعة من الأدبيات العامة وبقدر ما يكون هناك مجتمع من الباحثين المنخرطين في حوار مستمر والسعي الجماعي لبناء النظرية، فإن أصول هذا التقليد البحثي لم تكن قابلة للمقارنة على اعتبار أنها منشائها الأساسي نابع من دراسة السياسة الأمريكية وبالتالي يمكن القول أن جذور السياسة العامة المقارنة كانت ذات طابع مقارن لكنها أخذت معنى الأكثر تشابها، وكنتيجة لهذا كان علماء السياسة المقارنة خارج الولايات المتحدة كانوا يحاولون وحتى وقت قريب مواجهة معضلة تجنب التوافق القسري من خلال تطبيق منهج معين بحذر على الحالات التي لم يكن بالضرورة مناسبا لتفسيرها مع الحرص على تقييم النتائج بشكل نقدي وتعديل النظرية إذا لزم الأمر (وفقًا للطريقة الإستقرائية الافتراضية)، وبدلا من ذلك تمكن علماء السياسة المقارنة الدوليون أن يبتكروا أساليب خاصة بهم كانت أكثر ملائمة للتحليل المقارن، ورغم أن هذا الخيار الأخير ربما يكون الأكثر وضوحا، فإن مدى كونه أكثر ملاءمة لبناء المعرفة في مجتمع عالمي من العلماء يتوقف على ما إذا كانت وجهات النظر البديلة ناجحة في تحدي الأساليب والنماذج السائدة وإحلال محلها (هي عملية أقرب إلى مفاهيم توماس كون تغيير النموذج المعرفي)[5].
علاوة على هذا نجد الهويات التخصصية المتنازع عليها التي يشهدها حقل السياسة العامة المقارنة من حيث : الطريقة أو المجال صعوبة في تطوير النظرية نظرا لتعقيد موضوعه وطبيعته المتعدد التخصصات المتمثل في تطبيق واستعارة النظريات من التخصصات الأخرى، وعدم وجود إطار نظري متماسك وشامل، إلى جانب الاختلاف في وحدة التحليل ، والانضباط الأساسي ، والاهتمامات الرئيسية للمجالات دراسية الثلاثة السياسة العامة المقارنة، والسياسة المقارنة، والإدارة العامة المقارنة تبقى مجالات متطورة ومميزة ومترابطة [6] ، وهذه التخصصات تبقى مهمة بالنسبة للتحليل المقارن للسياسات وتطور النظرية السياسية الإمبريقية فهو يعد أحد أهم السبل لتطوير نظرية السياسة من جهة ولتحسين جودة السياسات العامة من جهة أخرى، إلا أنه ينطوي أيضا على التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية التي يجب علينا إدراكها حيث يتطلب التحليل المقارن الجيد للسياسات العامة بدمج ثلاثة مصادر واسعة على الأقل من الأدبيات الأكاديمية: أولها الأدبيات المتعلقة بالسياسة العامة التي لا تقتصر على الأطر النظرية والتحليلية فحسب بل تلك التي تشمل معلومات جوهرية حول كل مجال من مجالات السياسة، ثانيًا: يتطلب الأمر معرفة وفهما عميقا للسياسة المقارنة ليس فقط من الناحية النظرية، بل أيضًا من خلال دراسة الحالات الواقعية التي يتم تضمينها في التحليل، وأخيرًا، يتطلب الأمر مهارات منهجية للتحليل سواء كانت كيفية أو كمية[7].
[1] - - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.
[2] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.
[3] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.
[4] - Arthur Cyr and Peter de Leon. Op cit.pp 16-17.
[5] - Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .p 49.
[6] - Wilson Wong .Comparative Public Policy Department of Government and Public Administration, The ChineseUniversity of Hong Kong, Hong Kong, China. January 2016. P03
[7] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.
