الخطوط العريضة للقسم

  • هذا المقياس موجه لطلبة السنة ثانية ماستر علوم سياسية تخصص الإدارة المحلية (أعمال موجهة )، ويعد كتخصص علمي قائم ضمن إطار العلوم السياسية كما أنه يمثل نقطة إلتقاء بين العديد من التخصصات منها  والإدارة العامة والإقتصاد والقانون، هذا ما جعله حقل خصب للدراسة والبحث  لكونه مرتبط بديناميكية الحياة العامة (علم حل المشاكل العامة) .

    الكلمات المفتاحية: المقارنة، السياسات، المؤسسات ، المصالح، المعتقدات . 

    • د/ نعيم شلغوم - أستاذ محاضر قسم "أ"- كلية الحقوق والعلوم السياسية - جامعة سطيف2

      الإيميل المهني: n.chelghoum@univ-setif2 

      رابط الدخول إلى التحاور مع الأستاذ المحاضر

      meet.google.com/xvs-jjwg-ixq  

    • السياسات العامة المقارنة (comparative public policies )هو مجال بحثي يهدف إلى شرح مخرجات السياسة ونتائجها ، ويشكل هذا الحقل المعرفي نقطة إلتقاء  لتخصصات العلوم السياسية وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والعلاقات الدولية وعلم الإدارة. ومنذ مطلع ستينيات القرن العشرين شهد هذا الحق تطورًا كبيرا بفضل استخدام المناهج الكمية والأساليب الاحصائية، كما يهتم هذا المقياس بتحليل المقارن للسياسات العامة على مستوى الدولة  من جهة وعلى مستوى مابين الدول ( المقارنة الدولية) وإلى المقارنة العابرة للدول ، بمعنى عدم الاقتصار  على الاطار الوطني للسياسات وتشسليط الضوء على التشابهات الناتجة عن التفاعلات مابين الدول  وما يحفز مختلف البلدان على إعتماد سياسات متشابهة عوض الاهتمام  عن ما يميزها واختلافاتها  وبمعنى آخر البحث عن الاسباب والعوامل المؤدية  إلى تقارب السياسات وإنسجامها ، على هذا الأساس يهتم التحليل المقارن للسياسات على التقارب ةتشابه السياسات العامة التي تتبناها مختلف الدول خاصة في ظل تنامي تأثيرات العولمة وتشابك التفاعلات الدولية وإنعكاساتها على السياسات الوطنية ومن خلال هذا تتمحور أهداف هذا المقياس فيما يلي: 

      الأهداف العامة :

      1-تلقين منهجية البحث لدى الطلبةوالتحليل وفق الأطر المنهجية والعلمية المتعمدة في هذا التخصص العلمي .

      2-  تمكين الطالب من إدراك ومعرفة التحولات والتطورات النظرية الحاصلة في مجال علم السياسة العامة

      3-  الإحاطة بمقتربات التحليل لعملية صنع القرار  .

      الأهداف الخاصة :

      1- تعريف الطلبة بمفاهيم ومداخل ونظريات السياسة العامة.

      2- توجيه الطالب نحو إدراك المشاكل العامة وتقديم تصورات لحلها من خلال  السياسات العامة.

      3-توجيه الطالب نحو فهم أبعاد وخلفيات رسم السياسة العامة

      4- تمكين الطالب من كيفية إستخدام المنهج المقارن وأساليبه في مجال السياسات العامة

      الفئة المستهدفة :

      المقياس مبرمج لطلبة السنة ثانية ماستر علوم سياسية تخصص الإدارة المحلية  ، الذين لديهم مكتسبات ومعلومات عامة عن هذا المجال من خلال دراستهم لمجموعة من المقاييس المرتبطة بحقل السياسة العامة مثل مقياس النظم السياسية المقارنة ونظريات صنع القرار ونظريات النظم السياسية والمنهج المقارن ومختلف المناهج الكمية .

    • مفتوح: الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024، 10:37 AM
      يُغلق: الخميس، 10 سبتمبر 2026، 10:37 AM

      تجدون في هذا الاختبار مجموعة من الأسئلة  التي تسمح لك بالدخول إلى تصفح المقياس

  • مثل العديد من العلوم الاجتماعية  فإن علم السياسات العامة أو "علم تحليل السياسة العامة " أو علم "تدخل الدولة" (Science de L’état en action) عرف تطورات على لصعيدين المفاهيمي والنظري، ولعل أن الأصول هذا العلم تعود إلى كتاب "علم السياسات" لـ "هارولد لازويل" الذي يشرح فيه دور الاقتصاد في السياسة العامة وكيفية رسم السياسات العامة في كل نظام سياسي ، وبهذا المعنى علم السياسات العامة يخص العمل الحكومي أو النشاط العمومي لاي نظام سياسي (أي الأسلوب أو الطريقة لتي تعالج القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية ...إلخ) وهذا النشاط يعني تلك الديناميكية التي أنتجت هذه السياسة العامة، وهنا يجب تجنب النظرة السطحية والمبسطة حول كيان الدولة الذي كان يعتبر كيانا متجانسا أو تعبير عن العقلانية الشاملة[1]

    •  السياسة العامة هي أحد المجالات البحثية الحديثة نسبيا في حقل السياسة المقارنة ، تكشف عن طبيعة النظام السياسي، وقياس درجة أدائه من خلال التركيز على نوعية مخرجاته

      أما من الناحية الأكاديمية فالسياسات العامة تساعدنا على فهم ديناميات النظام السياسي من خلال معرفة القوى المؤثرة فيه، إلى جانب ذلك فهي تمكننا  من دراسة قدرة النظم السياسية على الاستجابة لمتطلبات المجتمع وباشباع حاجات الفئات المستهدفة، من هذا المنطلق يمكن تقديم بعض التعريفات للسياسات العامة وهي كما يلي : 

      تعريف هارولد لازويل "Harold D. Lasswell " (لاب الروحي لعلم السياسات)  ) ويعد اشهر تعريف للسياسات العامة:من يحصل على ماذا ؟ ومت ؟ وكيف ؟ وقد تناول لا زويل  تحليل السياسات العامة  بشيئ من التحليل المعمق والمفصل محدثا بذلك تحولا نوعيا في هذا المجال .

      على ضوء هذا أخذ مفهوم السياسة العامة معنى برنامج عمل  أين أعتبرت السياسة العامة بمثابة عملية إتخاذ القرارات وبإعدا سياسات تخدم وتحفظ على بنية التنظيمات القطاعية للدولة، بهذا الخصوص إعتبر توامس داي السياسات العامة بأنها إختيار الحكومة لقيام بعمل ما أو الإمتناع عن القيام به، كما عرفها جون كلود نيوش بأنها " سلسلة من الإجراءات التي تنطوي على إنتاج حلول  للمشاكل يتم إضفاء الطابع المؤسساتي عليها".

      وعرفها جون كلود طونيغ " بأنها " برنامج عمل السلطات الحكومية تتشكل من مجموعة عمليات التفاعل تساهم في تحمل المسؤولية وحل عدد معين من المشاكل وفق أجندة السلطات "، وعرفها أيضا جيمس أنردسون بانها " منهج عمل  هادف يتم إتباعه في التعامل مع مشكلة مجتمعية معينة" ، إلى جانب هذا نجد بعض الدارسين العرب حيث عرفتها أماني مسعود وربطتها بوظائف النظام السياسي معتبرة أنها " تسمح بدراسة النظام السياسي أو قدراته  بمعنى دراسة لأداء النظام السياسي والحكومي والإداري لدولة ما "، إضافة غلى هذا قدم خيري عبد القوي تعريفا للسياسة العامة يقول فيه: " تلك العمليات والإجراءات السياسية وغير السياسية التي تتخذها الحكمة ، للوصول إلى إتفاق على تعريف المشكلة والتعرف على بدائل حلها وأسس المفاضلة بسنها لإختيار بديل يقترح إقراره ليكون على شكل سياسة عامة ملزمة تتضمن حلولا مرضية لمشكلات معينة.

         

    • للإحاطة بحقل  السياسات العامة من الناحية المفاهيمية والنظرية يقتضي العودة إلى مختلف التصورات المعتمدة في تحليل السياسات العامة التي تجمع كلها على أنها نتاج عمل الدولة المتفاعلة مع شبكة معقدة من الفاعلين، ومن خلال هذا عرف علم السياسات العامة تطورات كبيرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ما يجعل أدبياتها ودراساتها متأثر بالطابع العلمي الأنجلوسكسوني الذي يعتمد على نموذج الحديث في دراسة كيفية اشتغال الأنظمة السياسية ومجال تدخلها، والذي يهتم أيضا بتدخل الفواعل غير الرسمية مثل المجتمع المدني والقطاع الخاص، لكن رغم هذه الإسهامات العلمية الأنجلوسكسونية إلا أنها إعتمدت في الأصل على المنظور الأوروبي الذي هو نتاج تجذر ثقافة الدولة (الجانب الأخلاقي والفلسفي والقانوني) ومن خلالها بقيت الدولة حاضرة بقوة في تحليل علمية رسم السياسات العامة وتنفيذها، وتجدر الإشارة هنا أن أفكار فريديريك هيجل وكارل ماركس وماكس فيبر تؤكد كلها على مفهوم الدولة كمؤسسة مهيمنة على رسم السياسات العامة وتنفيذها.

      في هذا الصدد نجد الأدبيات الأوروبية متشبعة وممجدة "لفكر الدولة" ونخص هنا بالذكر دولة الرفاه المتدخلة التي تتدخل في مجالات واسعة، ولهذا نجد أن محللي السياسة العامة الأوروبيون المهتمون بدراسة دور الدولة متأخرون عن الأنجلوسكسون المهتمون بدراسة دور التنظيمات والجماعات غير الرسمية هذا ما سمح بإعطاء صورة عن مدى تطور المجتمعات الحديثة المعقدة في تنظيماتها، من حيث تطبيق النموذج الحديث في تحليل تنفيذ السياسات العامة من خلال أدوات وتقنيات تحليل تلائم تعددية الفاعلين، وفي هذا الصدد نجد صعوبة تأقلم الأوروبيون مع هذا النموذج الحديث الذي ظهر في أمريكا في سنوات الخمسينات، نظرا لتجذر الثقافة القانونية في أوروبا من خلال دولة الرفاه الاجتماعي التي عرفت اوج تطورها خلال سنوات المجد الثلاثين الممتدة من (1945-1975) حققت خلالها الدولة المتدخلة نتائج جيدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الأوروبية.

      وعلى ضوء النظرية البيروقراطية "لماكس فيبر" التي شكلت اطروحته نقطة التقاء بين المنظور الأوروبي المهتم بالدولة والمنظور الأنجلوسكسوني (الأمريكي) المهتم بالتنظيمات، وهنا نجد الخاصية البيروقراطية للدولة أحدثت تطور نسبي على أساس نظام محدد لتدخلات الدولة التي تعمل على تنظيم أعمال وأنشطة مختلف الفاعلين والوسطاء المكلفين بتطبيق السياسات العامة، وعلى هذا الأساس يلتقي "ماكس فيبر"  مع طرح "فريديريك تايلور" الأمريكي في نقطة تطور أداء المؤسسة الاقتصادية، ماكس فيبر طرح فكرة الأداء السياسي الجيد، وتايلور طرح فكرة الأداء الصناعي ووفقا لهذا أخذ الأداء الإداري إلى الأداء السياسي الذي هو مرتبط بالاستقرار وفكرة السلوك الإنساني.   

      ومن هذا المنظور علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات يُنظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد  وهذا ما يجب النظر إليه بعناية من حيث  التحليل والتوصيات التي تقدم لا حقا على ضوء هذه الإسهامات يمكن افشارة إلى أهم التصورات والتعريفات لوصف هذا العلم وهو كمايلي:

      1- علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات ينظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد.   

      2- يتسم علم السياسة العامة بأنه متعدد في المناهج الفكرية والتطبيقات العملية كما أنه يعتبر نقطة التقاء لمجموعة من التخصصات العلمية، ولذلك ما يجعل منه تخصص متشعب بتشعب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولهذا نجد أن هذا العلم مرتبط بمختلف التخصصات الأكاديمية دون الوقوع بوضوح في مجال حصري لأي تخصص واحد، وبالتالي الحصول على تحليل كامل للظاهرة يتطلب توسيع وتعميق التحليل بإستخدام مناهج ومقاربات نظرية متنوعة تعكس ثراء هذا العلم.

      3- ما هو ملاحظ أن منهج علم السياسة العامة موجه بشكل واعي وصريح نحو القيمة ففي كثير من الحالات ،يتعامل موضوعها المركزي مع أبعاد الديمقراطية والكرامة الإنسانية، وهذا التوجه القيمي كما ينظر إليه السلوكيون الذين يركزون على الخلفية " الوضعية" في العلوم الاجتماعية ، يعترف بأنه لا توجد مشكلة اجتماعية ولا توجه منهجي متحرر من القيم، وعليه لفهم مشكلة ما يجب على الإقرار بالقيم ومكوناتها، ومثلا لا يوجد عالم سياسة بدون قيمه الخاصة وبالتالي لا بد من الاعتراف بأهمية القيم  في إيجاد الحلول للمشكلات وهذا التوجه الذي يمثل جوهر الما بعد الوضعية[1].

      ومن خلال هذا ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل المعرفي أبرزهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي، والذي يعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات[1]، وعلى هذا الأساس ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل وعلى رأسهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي ويعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات، حيث يقول لا زويل إن السياسة العامة تشبه السياسة فهي " معرفة من هو الذي يأخذ وماذا يأخذ، وكيف يأخذ، ولماذا يأخذ؟ هذا التعريف يركز على الجوانب الاقتصادية، فلا زويل ينظر لسياسة الدولة على أنها عملية توزيع الموارد المالية (الموازنة) مع ما يلحق بها من مصادر قوة من علاقات وأولويات ومزايا ومعلومات، وهذا التعريف يعني ان مربط الفرس في السياسة العامة هو الموازنة العامة للدولة وكيفية تفصيل المنافذ الانفاقية على برامج ومؤسسات الدولة [2] .


      [1] -- Coulomb(eds). FARMERS AND POLITICS IN FRANCE  .Enstone ,Oxon (UK): The Arkleton Trust. (1991). p 36

      [2] - محمد زاهي بشير المغيربي، قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1994، ص 241.

      [3]PATRIK HASSENTEUFEL. Sociologie politique : l’action publique.2é édition. Armand Colin. Paris. 2011.P 20-21

      [4] -أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، السياسات العامة المقارنة، ترجمة أمل شوقي، الاهلية للنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص22.

    • فتحت: الثلاثاء، 10 أكتوبر 2023، 10:22 AM
      تستحق: الأربعاء، 10 يناير 2024، 3:22 PM

      تجدون في الأسفل مجموعة من الكتب والمقالات إستعن بها في إنجاز بحث موضوعه التطور النظري للسياسة العامة بين منظوري النظام السياسي و المنظور المؤسساتي ؟ 

    • يهدف هذا الويكي إلى تعزيز التعاون وتفاعل الطلبة فيما بينهم لتنمية معارفهم ومكتسباتهم  حول مقياس السياسة العامة المقارنة .

      ضرورة تفاعل الطلبة ومشاركتهم في إثراء النقاش حول الجوانب النظرية والمنهجية للسياسات العامة المقارنة

  • عرف حقل السياسات العامة تطورات ونجاحات ملموسة علىالصعيد النظري فمنذ ظهوره في عقد الخمسينيات من القرن العشرين لا يزال هذا الحقل الأكاديمي يشهد إهتماما كيسرا وإنتشارا واسعا في الأوساط الأكاديمية والتي جعلته يشهد تطورات ملحوظة، بالنظر  إلى إيلاء علماء السياسة وخاصة الأمريكيين منهم الذين جعلوا منه مجالا خصبا وثريا للدراسة ، وهذا ما ينعكس في تنوع وتعدد النظريات وإستخدا مناهج متنوعة دفعت بهذا الحقل إلى مصاف العلمية.

    وفي سياق الثورات المعرفية التي مر بها علم السياسة تم  التأسيس لحقل السياسات العامة أين لاقى إقبالا واسعا من طرف الدراسين والأكاديميين الذين عملوا على تطويره من الناحية النظرية ومن خلال ذلك بدأ هذا الحقل يتشكل تدريجيا ويحتل نطاقا واسعا في مجال علم السياسة مع نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين، في هذا السياق ساهمت الحركة السلوكية في تقديم تحليلات ودرساسات أضفت العلمية على الدراسات السياسية وتم من خلالها صياغة النظريات إمبريقية عامة ومجردة ، وعلى هذا المنوال سار رواد الحركة مابعد السلوكية في معالجة جوانب القصور النظرية والمنهجية في دراسة الظواهر السياسية ، وخلال هذه المرحلة بدأ علم السياسات العامة في التشكل والتبلور بالنظر الى تنامي إهتمام علماء لسياسة بتناول القضايا الوثيقة الصلة بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النظم السياسية في الواقع العملي، وهنا دعا دايفيد إيستون إلى ضرورة إحداث تطور في منهاجية تحليل السياسات العامة لإيجاد حلول للمشاكل والقضايا التي تواجهها الانظمة السياسية والمجتمعات .

    في هذا الصدد طورت كل جامعة أمريكية تقريبًا برنامجًا للدراسات العليا في الشؤون العامة (أو أعادت تنظيم برنامج الإدارة العامة الخاص بها) لتلبية الطلب الواضح على محللي السياسة الأميركان البارزين.  وعلى رأسهم هارولد لا زويل، إلى جانب هذا ساهم تراث  الإدارة العامة الأمريكية التي مثلت استمرارًا للحركة التقدمية  وللدراسات التحليلية للسياسة في أوائل القرن العشرين  في الولايات المتحدة والتي أكدت على أهمية التحليل العلمي للقضايا الاجتماعية ونظام الحكم الديمقراطي.

          

    • أنشطة موضعية 

    • مفتوح: الاثنين، 9 مايو 2016، 12:40 PM
      مغلق: الأحد، 19 يونيو 2016، 12:40 PM
    • من يصنع السياسات العامة ؟

    • يدور النقاش حول دور المؤسسات الرسمية في صنع  السياسة العامة في الدولة وهذا ما يتطلب الاجابة على الإشكالية التالية::

      ماهي المؤسسة السياسية التي تقوم بتنفيذ السياسة العامة ؟ 

      كيف يؤثر الدستور على رسم  السياسات العامة ؟

      ماهو دور البرلمان في رسم السياسة العامة؟ 

      من هي المؤسسة التي تقوم بتقييم سياسات الحكومة ؟

      كيف تؤثر طبيعة النظام السياسي على رسم السياسة العامة ؟

  •  أستخدم مدخل السياسة العامة المقارنة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كمدخل لمقارنة النظم السياسيةوفقا للمنظور السلوكي المهيمن (التنمية والتحديث) على هذه المرحلة الذي إتسم بسيطرة النظريات الاجتماعية والاقتصادية على دراسات السياسة المقارنة المبكرة في الحقبة الحديثة (الخمسينيات) وكان جوهر هذا التناول يقوم على المحاججة بأن الدول تستجيب للمسار العام للنمو الاقتصادي والتحديث الاجتماعي( منظور التنمية والتحديث) بسياسات متماثلة  من حيث الاساس ، وينظر إلى المستويات المرتفعة للتطور الاقتصادي والتصنيع على أنها المسؤولة عن ايجاد إضطرابات اقتصادية واجتماعية ، وبيئية جديدة وتوفير مصادر مالية أكبر تستطيع الحكومات الافادة منها في رد فعلها  على هذه المشكلات، وهكذا فإن الضمان الاجتماعي وغيره من برامج دولة  الرفاه (welfare state) التي تضطلع بها الدولة  تظهر ووتوسع في كل مكان ببلوغ الأمم مستويات أعلى من التطور الاقتصادي، وهذا الأسلوب يشير إلى التقارب في السياسات القومية وتضاؤل الصراع الإيديولوجي كلما إنتقلت الأمم من المجتمعات التقليدية وحققت طفرة رأسمالية مبكرة   إلى المرحلة الحديثة من وضع الدول المتقدمة إقتصاديا [1].

    وكنتيجة أيضا بتزايد دور الدولة في الحياة العامة وتعقدها بدأ هذا الحقل يشغل حيزا واسعا في الدراسات السياسية المقارنة حيث أصبحت نواتج السياسة العامة (Outcomes ) إحدى المجالات الرئيسية التي نالت إهتماما لدى علماء السياسة وبذلك اصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا مكملا  لحقل السياسة المقارنة ، وتتسم ادبيات السياسة العامة المقارنة بإحتوائها على الأقل على اربعة عناصر رئيسية :

    1- الإهتمام بالعملية السياسية.

    2- إدراك تعقد وتشابك السياسة العامة مع إدراك الحاجة إلى تركيز البحث على قطاعتا مختلفة من السياسة العامة 

    3- الإتجاه نحو دراسات مقارنة فعلية بين مختل الدول والنظم السياسية مصحوبة بتحديد أكثر دقة مجالات السياسة العامة 

    4- دمج الإدارة العامة في دراسة السياسة العامة وذلك من خلال إعادة إكتشاف مركزية الدولة وأهمية الجهاز الحكومي كمتغير حاسم وأساس في دراسة السياسة العامة في الدول المختلفة.   


    [5] -  أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص28.

    •  أصبح توظيف المنهج المقارن مهما بالنسبة لتحليل السياسة العامة ذا قيمة كبيرة يشهد رواجا وانتشارو واسعا في أدبيات التحليل السياسات العامة، خاصة عند الباحثين الغربيين الذين قدموا  أدوات وطرائق لمقارنة السياسات سمحت بتفسير أوجه التشابه والاختلاف حول السياسات الوطنية المعتمدة في مختلف البلدان. 

      إن هذا الحقل الأكاديمي يحاول تقديم أجوبة للأسئلة التالية : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة ، التي يمكن القول إنها أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم ، سمحت بتوليد العديد من الحسابات التي تسعى إلى شرح تطورات سياسية معينة. أنشأت التعميمات من البحث المستنير

    • عنوان الكتاب قراءات في السياسة المقارنة -قضايا منهاجية ومداخل نظرية- يعد هذا الكتاب قيما بالنسبة لمجال السياسات العامة المقارنة ، تناول فيه الكاتب بصورة مفصلة لتطور حقل السياسة العامة المقارنة التي يعتبرها مكملة للسياسة المقارنة  

    • كتاب جماعي باللغة الإنجليزية يحتوي على العديد من الإسهامات الأكاديمية ذات الصلة بتحليل السياسات العامة نظريا ومنهجيا 

    • يتم التطرق في هذا المحور إلى  تطور التحليل المقارن للسياسات العامة  منذ أواخر عقد الخمسينيات وخلال هذه الفترة بدأت الإرهاصات الأولى لظهور هذا العلم على يد عالم السياسي الأمريكي" هارولد لازويل" في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 .  ولهذا فقد كان للثورة السلوكية دورا كبيرا في بلورة حقل السياسة العامة المقارنة منذ أواخر الخمسينيات ومنذ ذلك الوقت عرف هذا الحقل تطورات كبيرة على الصعيدين النظري والمنهجي، حيث مع مطلع عقد السبعينات القرن العشرين، ومع تشكل الحركة المابعد السلوكية بزعامة دايفيد إيستون ظهر حقل السياسة العامة المقارنة ومنذ هذه الفترة نال إهتماما متزايدا لدى الباحثين والدارسين  الذين ركزوا على إدراج منهج المقارن في دراسة السياسات العامة ويبرز ذلك في تزايد الاعمال المقارنة حيث تزايدت أهمية السياسات العامة بإرتباطها بالمنهج المقارن .

      في هذا الإطار حظي إستخدام المنهج المقارن باهتمام كبير في علم السياسة كونه يمثل بديلا للمنهج التجريبي ، حيث أن استخدامه يؤدي إلى تفسير العلاقة بين المتغيرات عبر إثبات أو تفنيد الفرضيات، من المفيد التذكير هنا بأن رائد علم الاجتماع  الاجتماع الفرنسي "إيميل دور كايم  يعتبر المقارنة بأنها  الاداة الوحيدة القادرة على إقامة الدليل على وجود السببية في السوسيولوجيا، ويقول في هذا الصدد: " ليس لنا سوى وسيلة واحدة نثبت بها أن ظاهرة سبب لظاهرة أخرى ، هي مقارنة الحالات التي تكون  فيها الظاهرتين حاضرتين معا وغائبتين معا ، والبحث عما إذا كانت  التغيرات لتي تميزهما  في هذه التوليفات المختلفة من الظروف  شاهدة بأن إحداهما تابعة للأخرى". ونتيجة لتزايد الأعمال والدراسات المقارنة للسياسات العامة إلى طرح تساؤلات تدور حول : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث تحديد مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذا النوع  من الأسئلة تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي تعتبر أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم تعود إلى (أعمال أرسطو) ، وقد سمحت الأعمال المقارنة الصادرة في هذا المجال بتوليد العديد من الإهتمامات البحثية التي تسعى إلى تفسير تطورات سياسية معينة تمكنت هذه الأبحاث بصورة نسبية من تقديم  تعميمات مستنيرة.

      إلى جانب هذا أدى تطوير مفهوم النظام السياسي من طرف رواد الحركة السلوكية والذي صار يركز على الجوانب الرسمية وغير الرسمية في الحياة السياسية، ولقد أدى هذا التصور والمفهوم الجديد  إلى التركيز على مدخلات النظام السياسي والنشاطات المختلفة التي تتم فيذلك الجانب مثل الأحزاب السياسية والجماعات المصلحية والسلوك الانتخاب والثقافة السياسية وغيرها، وفي تفس الوقت لم تركز الدراسات السياسية على المخرجات وعلى وظائف التحويل لتي يقوم بها النظام السياسي ، ولقد عبر مكريدس على هذا التوجه في السياسة المقارنة بكلة (أيديولوجية المدخلات) والذي تم من خلاله التقليل من دور الدولة إلى اضيق الحدود وإعتبارها مجرد منظمة تنقل وتعكس وتعبر عن الأوامر والتعليمات الآتية من جهة أخرى، لكن مع مطلع عقد السبعينات تم حدوث تحول كبير في هذا التوجه  من خلال التحول نحو الإهتمام بنواتج السياسة العامة التي أصبحت غحدى مسؤوليات الرئيسية لعلم السياسة، وفي هذا السياق لقيت الدراسة المقارنة للسياسة العامة رواجا واسعا  لجملة من العوامل منها تطور أساليب تحليل البيانات  التي تعتمد على الحاسوب الالي ، إضافة إلى رد الفعل القوي  ضد التركيز السلوكيين على المدخلات وإهمال لمخرجات لناظم السياسي (السياسة العامة) ، كما أن إحساس بعض علماء السياسة بأهمية التعامل مع القضايا والمشاكل الرئيسية التي تواجه العالم وهذا ما دعى إليه دافيد إيستون.

      وكنتيجة لهذا أصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا أساسيا من حقل السياسة المقارنة أين عرفت السياسة العامة المقارنة مع منتصف عقد الثمانينات تحولات مهمة أدت إلى ازدياد أهميته في دراسة للدول المختلفة، أين إهتمت بدراسة خصائص النظام السياسي ونواتج السياسة العامة في البلدان النامية وفي هذا الشأن إتقفت معظم الأدبيات على وجود علاقة وطيدة بين خصائص النظام السياسي وسياساته العامة وعلى هذا الأساس تقترح هذه الدراسات أن البحث في خصائص النظام السياسي  قد يؤدي إلى فهم  القيود التي تضعها هذه الخصائص  على عملية صنع السياسة العامة، ما يعني تفسير عوامل والأسباب المؤدية إلى وجود الإختلافات في السياسات العامة بين مختلف الدول.

    • يرجى الإطلاع على هذه المقالة باللغة الإنجليزية التي تناول فيها الباحث "ويلسون وونغ " السياسة العامة المقارنة 

  • أستخدم مدخل السياسات العامة المقارنة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كنتيجة أيضا بتزايد دور الدولة في الحياة العامة وتعقدها بدأ هذا الحقل يشغل حيزا واسعا في الدراسات السياسية المقارنة حيث أصبحت نواتج السياسة العامة (Outcomes ) إحدى المجالات الرئيسية التي نالت إهتماما لدى علماء السياسة وبذلك اصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا مكملا لحقل السياسة المقارنة وتتسم ادبيات السياسة العامة المقارنة باحتوائها على الأقل على اربعة عناصر رئيسية :

    1- الاهتمام بالعملية السياسية.

    2- إدراك تعقد وتشابك السياسة العامة مع إدراك الحاجة إلى تركيز البحث على قطاعتا مختلفة من السياسة العامة 

    3- الإتجاه نحو دراسات مقارنة فعلية بين مختل الدول والنظم السياسية مصحوبة بتحديد أكثر دقة مجالات السياسة العامة 

    4- دمج الإدارة العامة في دراسة السياسة العامة وذلك بإعادة إكتشاف مركزية الدولة وأهمية الجهاز الحكومي كمتغير حاسم وأساس في دراسة السياسة العامة في الدول المختلفة.   

      • عادة ما يطرح موضوع السياسة العامة المقارنة  أسئلة تدور حول كيف ولماذا تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة. لذلك يتم إعتماد السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية لتحديد جوانب التشابه  والاختلاف بين الأنظمة السياسية ومختلف المؤسسات الصانعة للسياسات ومختلف الفواعل المؤثرة فيها،  إلى جانب هذ يتم استعراض طرق التحليل المقارن للسياسة  العامة مع النظر إلى المناهج المستخدمة في كيفية معالجة مشاكل السياسة العامة، مع التركيز على القضايا المنهجية وقضايا الموضوعية لبناء النظرية واختبار النظرية عند صياغة السياسة العامة، التي تعد من علامات النضج الفكري لهذا الحقل كون أن الدراسات المقارنة تزداد إبتعادا عن البحث عن العامل الواحد والنظريات التقريرية ،وتتجه إلى دمج منظورات مختلفة لغرض تقديم تفسيرات مقبولة لتطور السياسة.

        ولهذا يتطلب التحليل المقارن تحديد وصياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة وهنا لم يعد السؤال يطرح وفق صيغة هل ينبغي أن نقارن أو هل يمكن ان نقارن وإنما صار  السؤال كيف نقارن؟ وهو سؤال متعلق بمنهجية المقارنة والعناصر التي تجرى مقارنتها ومستوى المقارنة، ولعل أن المقارنة السياسية قد لاقت إهتماما كبيرا في الأوساط الدارسين والباحثين في علم السياسة، أين كانت المعالجة الحديثة تكون إستاتيكية  أو ديناميكية، فالمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف ، وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها  هذه الأبنية بإنجازها، أما بالنسبة للمقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية والتي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإنما إلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها والإختلافات البنائية والوظيفية بينها[1].

        بناءا على هذا إهتمت دراسات السياسات العامة المقارنة بمناقشة موضوع تأثير خصائص النظام السياسي على السياسات العامة ونواتجها أي بالبحث عن العلاقة بين طبيعة النظام السياسي وبين مخرجات ونواتج السياسة العامة،  ومن خلال الدراسات الأولية حول العلاقة بين خصائص النظام السياسي وطبيعة السياسات العامة برزت مجموعة من الفرضيات المختلفة التي حاولت أن تفسر هذه العلاقة ومن أهم هذه الفرضيات :

        1- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما زادت الحاجة إلى المساوة في توزيع الرخاء.

        2- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما كان معدل لنمو الاقتصادي منخفضا.

        3- كلما كان النظام السايسي ، كلما أدى ذلك إلى تنمية إقتصادية سريعة.

        4- كلما كان مستوى الديمقراطية  عاليا ، كلما كان معدل التضخم عاليا .

        5- كل النظم السياسية سواء كانت شيوعية أو رأسمالية ، ديمقراطية أو تسلطية  - تتجه نحو نفس النمط وهو نمط الدولة الرفاه الاجتماعي ،  هذه الفرضية تنفي أن مخرجات السياسة العامة تختلف وفقا لطبيعة وخصائص النظام السياسي.[2]

        تحيلنا هذه الفرضيات إلى طرق تبيين كيفية مقارنة السياسات العامة والتي على ما يبدوا أنها صعبة ومعقدة بالنظر إلى أن حقل السياسات العامة يمثل نقطة تقاطع وإلتقاء العديد من التخصصات، ومن أجل بلورة هوية تخصص السياسة العامة المقارنة يقتضي المنطق المنهجي الاشارة إلى شروط وأسس المقارنة الجيدة في حقل السياسات العامة، إلى جانب عدم تجاوز  وتجاهل الإطار النظري للسياسة العامة وهو جانب متعلق بالـ" كيف" الذي يمثل خلفية ينطلق منها التحليل المقارن: 

        1- شروط المقارنة الجيدة وأسسها: إن إجراء المقارنة يقتضي التساؤل عن الشروط الضرورية لممارسة لمقارنة محكمة منهجيا ، وهنا طرح بعض المحللين عالجوه في ثلاثة مستويات :

        1-1- المستوى الأول بناء الموضوع ومشكلة القابلية المقارنة: إن القيام بالمقارنة يفترض  ترك موقفين متضادين ، الاول هو القول بأن هذا الشيئ لا يقبل المقارنة، والثاني إعتبار كل شيئ قابل للمقارنة كماهو في صورته الظاهرة ، في الحالة لاولى يكون التركيز على الخصوصية الوطنية لهذه أو تلك من العمليات السياسية حتى تصير تلك الخصوصية مانعا من كل تأمل مقارن، على إعتبار أنه لا يمكن لنا المقارنة من دون وجود "قابلية المقارنة"، وفي الوقت نفسه فإن قابلية المقارنة نادرا ما تكون شيئ معطى محصلامن الأول وإنما هي بضد ذلك تحتاج إلى بناء ، وفي عملية البناء هذه لابد من الإحتياط  والتوقي لعدم الوقوع في شرك الإسمية والترجمة بمعنى الإقبال على مقارنة شيئين  لأنهما يسميان بإسم واحد في بلدان مختلفة [3].

        وبمعنى آخر يتعين على الباحثين أن يصبحوا أكثر وعيا ذاتيا في ملاحظة التعقيدات المفروضة على التنظير السطحي ، بإخضاع دقة المعلومات المحصلة عبر الدول وقابليتها للمقارنة إلى تمحيص متأن يتجاوز ماكان عليه في سنوات السبعينات فعلى الباحثون الذين يميلون لأن يكونوا أكثر إتقانا في تحديد المؤشرات والإختبارات التجريبية التي يصنعون منها نظرياتهم ، ولعل أن تزايد خلال السنوات الأخيرة ، الإدراك بأن التحليل يحتاج إلى إستخدام كل من جوانب التشابه والإختلاف واسعة النطاق  ودراسات الحالات الفردية ذات المضمون الثري ، فالإستراتيجيات المقارنة يمكن أن تظهر تعددية تعتمد على الغرض التحليلي قيد البحث بدلا من أن تعاق بمشكلة الفرد ، وعلى سبيل المثال لا الحصر بوسعنا المقارنة بين التفاح والبرتقال دون أن يكون هناك سبب ولا حاجة  بصورة مطلقة ماإذاكان التشابه أو الإختلاف هو الأكثر تأثيرا [4].

        إن بناء الموضوع  وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة  السياسة العامة وتفسير أنماطها . كما أن  السياسة العامة المقارنة تدور أيضًا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية . وبالتالي جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتركيز على التعميمات الجاهزة(بمعنى الروايات الكبرى). إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها  إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب السياسات العامة في بلدان أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا   باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[5].  

        2 - ممارسة المقارنة : استعمال مستوى تحليل واحد ومتجانس على ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي  يعني إنجاز العمل المقارن  على ايدي باحث  واحد ،   الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة  من قبل عدد من الباحثين ،ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس  التساؤل ولعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، هذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا ، ولعل أن التوجه السائد حاليا  في الأعمال المقارنة هو الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي إلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وإزدياد إشكالية التفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[6] .

        3- مسألة كتابة المقارنة: تطرح هذه المسألة في المقارنة الجماعية بصورة خاصة وتكون ذات أهمية كبيرة إذا كانت فرقة متععدة القوميات (الجنسيات) فتكون هذه الفرق  البحثية  يجعل التسليم  العمل أكثر تعقيدا، والمسالة تتعقل هنا بإستراتجية كتابة المقارنة يعني كيفية تنظيم النص وهنا يوجد إختياران مختلفان إما الهيكلة بوسطة الميادين الوطنية وهنا تكون الكتابة موجهة  بالميدان و القطاع (صنف السياسة العامة)  أكثر مماهي موجهة بقابلية المقارنة للموضع الذي بني سلفا وهنا لا تكون المقارنة في معناها الصحيح إل ا بطريقة ختامية بتقديم جداول ومخططات المقارنة ، ولعل أن العيب الذي يشوب هذه الخيار من النوع من المقارنة جعلها مصطنعة (رديئة) لا تحاول الغوص في تفسير التشابهات والاختلافات الذي هو صلب تخصص السياسة العامة المقارنة والتنبؤ بالمآلات. أما بالنسبة للخيار الثاني لكتابة الأعمال المقارنة  فهو  المبني في كتابته على سلم تحليل يوجهه وفرضيات البحث ، ويطبق عمليا بإجراء تبويب وتقسيمات لا تحيل أبدا على حالة وطنية بعينها بصورة صريحة ، فيكون موضوع الدخول تحليليا دائما وليس وطنيا وهذا يسهل الذهاب وافيب بين الحالات المقارنة ، إلا أن هذه الاستراتيجية في الكتابة لها عيبها ويكمن في تشويه الحالات الوطنية بافقتصار فيها على إعتبار ما يدخل في إطار المقارنة ، ومع ذلك يبدوا هذا الخيار أكثر موافقة للمنهج المقارن واصلح له ، لكن صلاحيته تتوقف على صلاحية الموضوع المقارن (له القابلية للمقارنة) [7] .
        مستويات المقارنة :  تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية ، بل التركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة ، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على الإختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].

        1- مقارنة السياسة العامة ضمن الإطار الوطني : لقد إتخذ حقل السياست العامة المقارنة في عقدي السبعينيات والثماننيات من الدولة القومية نقطة إنطلاقه وركز الكثير من الباحثين على الحالات الوطنية تماشيا والتوجه المنهجي الذي جاء في إطار مابعد السلوكية بالتقليل من عدد حالات المقارنة، في هذا الإطار تبرز الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة سلسلة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق(comparisons N-small) فقد خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [9].

         في سياق متصل كان لمفهوم الأسلوب الوطني للسياسة" الذي قدمه جيريمي رتشاردسون  في دراسته لأساليب السياسة في أوروبا الغربية سنة 1982. ومنذ ذلك الوقت لا يزال هذا  المفهوم قيد التطوير نظريًا وتجريبيًا. بتناول نطاقه ووحدة وسلم التحليل - القطاعي والوطني والمؤسسي - ومضمونه ومكوناته في مختلف البلدان  . 

        [1]- عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة ، مركز البحوث والدراسات السياسية(كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة ، 1993، ص ص 403-404 .

        [2] -محمد زاهي بشير المغيربي قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط ،1،1994.

        [3] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص224-225.

        [4] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 33.

        [5]- Martin Lodge. Comparative Public Policy. (Handbook of public policy analysis: theory, politics, and methods  /edited by Frank Fischer, Gerald J. Miller, and Mara S. Sidney) .p p 273-275.2007 see at :http://www.untag-smd.ac.id/files/Perpustakaan_Digital_2/PUBLIC%20POLICY%20(Public%20Administration%20and%20public%20policy %20125)%20Handbook%20of%20Public%20Policy%20Analysis%20Th.pdf  :

        [6] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.

        [7] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 227-228.

        [1] - آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان، 2020، ص12.

        [9] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة ،  مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.

        • المطلوب من الطلبة في هذا النشاط التفاعلي تقديم فهمهم لمنهجية المقارنة للسياسات العامة تبعا لما تم التطرق إليه في هذا المحور.

      •  أصبح توظيف المنهج المقارن مهما بالنسبة لتحليل السياسة العامة ذا قيمة كبيرة والذي يشهد رواجا وانتشارا واسعا في أدبيات التحليل السياسات العامة، خاصة عند الباحثين الغربيين الذين قدموا  أدوات وطرائق لمقارنة السياسات سمحت بتفسير أوجه التشابه والاختلاف حول السياسات الوطنية المعتمدة في مختلف البلدان، حيث يحاول هذا الحقل الأكاديمي تقديم أجوبة للأسئلة التالية : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي يمكن القول إنها أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم سمحت بتوليد العديد من الحسابات التي تسعى إلى شرح تطورات سياسية معينة .

        يرتكز تعريف السياسة العامة المقارنة على دراسة كيف ولماذا؟ ولأيما غرض تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة للفعل أو اللافعل، في الوقت الذي يبدوا فيه هذا التعريف مباشرا فإنه يحتوي على عدد من المميزات المفاهيمية المهمة تستدعي الوقوف عنده للتمييز بين المفردات الرئيسية الواردة في هذا التعريف: دراسة (كيف)، و(لماذا)، و(لأي غرض)، (تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة في الفعل واللافعل) [1].

        ولعل من أهم التعريفات الواردة هنا أيضا نجد تعريف جيمس أندرسون للسياسة العامة بأنها مسار عمل هادف وموجه نحو تحقيق هدف محدد إلا أن النتيجة النهائية لصنع السياسات العامة قد تكون غير عقلانية وقد لا تحل مشكلة عامة بشكل فعلي وغالبا ما تكون حل وسط عقلاني بين مختلف الفاعلين المعنيين بها وفقا لأهدافها وحوافزها التي يتم تصفيتها أو هيكلتها بواسطة المؤسسات السياسية، وقد أضاف أندرسون إلى "هذا التعريف التركيز على ما ينفذ فعليًا بدلًا مما يقترح ويعتزم تنفيذه كما يميز بين السياسة والقرار الذي هو في جوهره اختيار محدد من بين بدائل، وينظر إلى السياسة على أنها شيء يتطور بمرور الوقت"، وفي إطار الدراسة المقارنة للسياسة العامة فإن الإجابة على سؤال "ما هي السياسة العامة؟" ينبغي أن تكون اللبنة الأولى والمهمة في تعريف السياسة العامة المقارنة وهي مجال من مجالات الدراسة متعددة التخصصات، تستخدم السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية للمقارنة بين مختلف الأنظمة والمؤسسات عادة ما تكون دولا أو حكومات، ويطرح هذا المجال عادةً أسئلة حول كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة  ويواجه هذا المجال مشكلات تتعلق بتضارب هوية المنهج مقابل المجال، والافتقار إلى إطار نظري متماسك وشامل  يتم على اساسه معالجة هذه المشكلات بأبحاث الناشئة تساهم في خلق معرفة متكاملة ومؤثرة في العلوم الاجتماعية[2].

        إستنادا إلى هذه التعريفات للسياسة العامة التي تشير إلى تعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسمين المؤثرين في عملية صنعها إلا أن تنطوي على صفة العامة (Public) والتي شير إلى أن الحكومة لا تزال تلعب دورا محوريا في صنعها، وبهذا المعنى فإن السياسة العامة المقارنة هي مقارنة بين السياسات التي تضعها حكومات أو مؤسسات عامة مختلفة، وهنا نجد الجانب المتعلق بكيف من تعريف السياسة العامة  الذي هو مستمد من دراسات حول الحكومة المقارنة والإدارة العامة والعلوم السياسية بشكل عام، ومن خلال دراسات "الكيف" التي نجدها تركز على الحكومات وكيف تنتقي إجراءاتها وهنا لابد من الانتباه ايضا لما يجري داخل الدولة وما حواليها، ويتطلب الأمر معرفة جوانب الهياكل والعمليات التي يتم التوصل إليها القرارات الحكومية وكيف تعمل الحكومات المختلفة ومؤسساتها المرتبطة بالأحزاب وجماعات المصالح وبيروقراطيات إزاء المشاكل السياسية المتنوعة[3].

        في هذا الصدد يؤكد أحد علماء السياسة أن السياسة العامة هي المتغير التابع الرئيسي الذي يسعى علم السياسة إلى تفسيره، وهذا يعني بالضرورة أهمية السياسة العامة في حقل السياسة المقارنة، وأن هناك حاجة ماسة إلى فحص ومقارنة السياسات العامة لمختلف النظم السياسية إلى جانب مقارنة النظم السياسية في إطار سياساتها العامة[4]، ويعد المنهج المقارن في دراسة عمليات صنع السياسات ومخرجاتها ونتائجها أداة مهمة، وإن كانت غير مُستغلة بالشكل الأمثل لدى الباحثين وصنّاع السياسات، ومما لاشك فيه أنه يساعدنا على فهم عملية صنع السياسات وتداعياتها في الدول الأخرى، كما يسلط الضوء على عمليات صنع السياسات في أي بلد. ويقدم دروسا قيمة حول كيفية صنع السياسات العامة بطرق مختلفة، وينبهنا إلى أهمية مراعاة ظروف كل دولة، كما يتيح لنا مقارنة السياسات في مختلف الدول فهما أعمق وأشمل للعوامل الأساسية التي تحرك عملية صنع السياسات وتأثيرها على العالم[5].

        ووفقا لهذا يعرف "هايدنهايمر" السياسة العامة المقارنة أنها "دراسة كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة مسارات عمل أو تقاعس معينة"، وإدراكًا منهم لتأثير وأهمية المؤسسات على صنع السياسات، اقترح دراسة السياسة العامة المقارنة "تتطلب فهم جوانب الهياكل والعمليات التي تُتخذ من خلالها القرارات الحكومية"، وينبغي على الباحثين أن يضعوا في اعتبارهم أهمية هذه المحددات النهائية لخيارات السياسة التي تتخذها الدول[6]، ومن خلال هذا ركزت الدراسات المقارنة للسياسة العامة على هدفين مركزيين: السياسة العامة المقارنة في جوهرها تسعى إلى تحديد ما يفسر الأنماط المرصودة في السياسة العامة، بالإضافة إلى الشكيك في القوالب النمطية من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية، ومن خلال هذا يسعى  الدارسين المهتمين  بمجال السياسة العامة المقارنة إلى معرفة ما إذا كانت هناك علاقة مباشرة لطبيعة النظام السياسي(ديمقراطي / سلطوي) وبين مؤشرات الأداءات المختلفة التي حددها غابريال ألموند في  (الأداء الاستخراجي- الأداء التوزيعي- الأداء التنظيمي - الأداء الرمزي )،  ومن خلال هذه العناصر الرئيسية يمكن إجراء المقارنة للسياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وفي أجزاء مختلفة من العالم ويمكن تلخيص السياسات العامة للدول والمقارنة بينها وفقا للمخرجات أي وفقا للأعمال والأفعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها  . 

        ومن خلال هذا ينطلق منطق السياسة العامة المقارنة في البحث عن محددات السياسة العامة والذي يسمح بزيادة عدد الملاحظات وضبطها ضمنيًامن دون افتراض أنماط محددة، وكما هو معروف تعتبر المقارنة جوهر أي مسعى بحثي ما يجعل هذا حقل السياسة العامة المقارنة علمًا اجتماعيا بالنظر إلى صعوبة إجراء تجارب واقعية، حيث تُقدم المقارنة عبر الزمن أو الدول أو على مستوى القطاعات وسيلة لاستكشاف وتقييم أنماط تدخل الدولة بهدف تحديد المتغيرات وعزلها[7].

        2- كيفية إجراء المقارنة في مجال السياسات العامة: تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية، بل بالتركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على تفسير الاختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].

        في هذا الصدد يشير التحليل المقارن للسياسات العامة باعتبارها جزء من السياسة المقارنة ويركز هذا المفهوم على الجذور السياسية لخيارات السياسة، بينما في كثير من دراسات الاقتصاد السياسي المقارن، يُلاحظ قلة الاهتمام أو الفهم لتفاصيل السياسات العامة المحددة المطروحة، وهنا تشير الدراسات إلى إمكانية تطبيق كلي لنطاق النظرية السياسية الإمبريقية- حتى الدراسات التي تركز على السلوك السياسي الجماهيري - على خيارات السياسة، أين تكون الروابط بين المتغيرات المستقلة المفترضة في بعض المناهج وخيارات السياسة بعيدة نوعا ما لكنها لا تزال روابط منطقية وهامة، وعلى ضوء يستند هذا المفهوم للمقارنة إلى استدلال احتمالي للعلاقات السببية بين المتغيرات التي تجعل الباحث يعتمد على تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا أو الأكثر اختلافًا من أجل التحكم في المتغيرات المستقلة وذلك للوصول إلى نظريات شبيهة بالقوانين، في هذا الصدد تعتمد العديد من الدراسات الكمية للسياسات العامة إلى حد ما على هذا المفهوم للسياسة العامة المقارنة في دراسة دولة الرفاه، أو وضع جداول الأعمال السياسة، أو أساليب تنفيذ السياسات العامة[9].

        على ضوء هذا يطرح التحليل المقارن صياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة والعناصر التي تجرى على أساسها المقارنة ومستوى المقارنة، والمقارنة في الدراسات الحديثة قد تكون إستاتيكية أو ديناميكية، والمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها هذه الأبنية بإنجازها، أما المقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية التي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها و الاختلافات البنائية والوظيفية بينها[10].

        وبالتالي بناء موضوع السياسة العامة وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة  السياسة العامة وتفسير أنماطها، فالسياسة العامة المقارنة تدور أيضا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية،  ولهذا فإن جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتعميم المفرط (في التوصيفات الكبرى)، إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب وخبرات السياسات العامة في أماكن أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[11].  

        ووفقا لهذا صمم التحليل المقارن للسياسات خصيصا لشرح نتائج السياسات العامة وتحديد أنماطها المهمة المحتملة وفهم الديناميكيات ضمن مجال نشاط معين، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن نموذج الأسباب والنتائج  لا يسمح بإثبات ضرورة أو كفاية الشروط كمتغيرات من خلال التضحية بالتعميم لصالح التعقيد، يؤدي هذا النهج الكيفي في النهاية إلى طريقة أخرى لبناء النظريات واختبارها، في هذا الإطار يرتكز المنطق الأساسي للمنهج المقارن على اختيار الحالات الذي يعد العنصر الحاسم في تصميم البحث، وذلك بهدف "تعظيم التباين الإمبريقي، وتقليل تباين الخطأ، والتحكم في التباين الخارجي" بمعنى أن اختيار الحالات يهدف إلى ضمان التحكم في أكبر عدد ممكن من مصادر التباين المنهجي، مما يزيد من احتمالية تحديد العلاقة بين المتغيرات المستقلة والتابعة المفترضة في التحليل، في المقابل ترتكز منهجية الإحصاء التي تنجز هذه العناصر الأساسية لتصميم البحث من خلال إدراج متغيرات تحكم في النماذج الإحصائية،  يعتمد كلا المنهجين على اختيار المتغيرات المستقلة والتابعة وكيفية تطبيقها عمليًا[12].

        هذا ما يجعل تحديد الأدوات المناسبة للمنهج المقارن محل جدل ومن دون الخوض في تفاصيل منهجية البحث المقارن برزت بشكل خاص دراسات واسعة النطاق، تمحورت حول مقارنة "مجموعات الدول" المختلفة ضمن أساليب إجراء دراسات مقارنة للسياسات العامة وقد قدمت هذه الدراسات تقديرات تقريبية لتطورات نماذج من دولة الرفاه المختلفة، وأشارت إلى مفارقات مثيرة للاهتمام ودحضت من خلالها العديد من الخرافات (مثل "التقارب" و"التنافس في جوهرها")، حيث كانت الدراسات التي تستخدم البيانات الإجمالية العابرة للحدود الوطنية عبر عدد كبير من البلدان حاسمة في استخلاص رؤى حول العوامل (أو المتغيرات) المرتبطة بأوجه التشابه والاختلاف بين الدول والمجالات والفترات الزمنية، بغض النظر عن جاذبية الأساليب الإحصائية في إرساء فهم متين يتجاوز الطابع السردي للدراسات المقارنة، إلا أنه ينبغي التعامل مع النتائج المستخلصة من هذه الأساليب بحذر شديد نظرا لاعتمادها (الذي لا مفر منه في أغلب الأحيان) على البيانات الرسمية، في هذا الشأن نجد دارسو السياسات العامة المقارنة غالبا ما دأبوا على دراسة ما تسمح به الدول أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة الشفافية الدولية، أو ما ترغب في أن تدرسه (من خلال إنتاج مجموعات بيانات محددة) وفقًا لمنهجيات بحثية تعكس فهما خاصا ومناسبا للمناهج الإحصائية[13].

        ولهذا فإن اعتماد مستوى تحليل واحد ومتجانس من ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي  يعني إنجاز العمل المقارن على ايدي باحث  واحد، الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة من قبل عدد من الباحثين ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس التساؤل والعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، وهذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا، ولعل أن التوجه السائد حاليا  في الأعمال المقارنة يتمثل في الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي غلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وازدياد مخاطر لتفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[14] .

        في هذا الإطار برزت الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة وعلى رأسهم ارن ليجفارت سلسة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق والقليلة العدد(Small- Number- Comparisons )، وفي هذا الشأن خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [15].

        وفي سياق التحول النظري نحو المابعد السلوكية الذي جاء بأعمال مقارنة تركز على طبيعة السياسات العامة  نفسها، وأعتمدت تعتمد معظم تحليلات السياسات المقارنة على أسلوب المقارنة باستخدام عينة وهذا ما دعا إليه أرند ليجفارت بإستخدام أسلوب عدد صغير من العينات ( Small Number ) بدلا من الأساليب الميدانية والإحصائية ودراسات الحالة التي تستخدم هذه الدراسات المقارنة أدلة من حالات متعددة باستخدام عينة صغيرة كآلية لتعظيم التباين الإمبريقي والتحكم في التباين الخارجي، وعلى العموم اعتمدت الأعمال المقارنة في هذه المرحلة على أساليب جون ستيورات ميل في دراسة الاختلافات والتقارب والتغير المصاحب لها، وهذا لبناء أو اختبار النظريات متوسطة المدى وهو التوجه المنهجي الذي تبنته أدبيات السياسة العامة المقارنة[16]، بالجمع بين المناهج الكيفية والكمية ومن خلالها أجريت أغلب الدراسات المتعمقة لعملية صنع السياسات للكشف عن العلاقات السببية باستخدام مناهج نوعية مثل تتبع العمليات، بينما يعتمد البحث المقارن في السياسات العامة في الغالب على تقنيات كمية لإيجاد الارتباطات بين المتغيرات التابعة والمستقلة ذات العلاقة، وللجمع بين هذين المنهجين لا بد من إيجاد طريقة منهجية سليمة لربط المناهج الموجهة نحو التغاير في المناهج الموجهة نحو دراسة الحالة، ومما ساعد على تبني هذا التوجه المنهجي ازدياد حجم الأدبيات المتعلقة بكيفية الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي مع مرور السنوات وتشمل العديد من الطرق المقترحة لدمج هذين المنهجين باعتماد التصاميم البحثية ذات المنهج المختلط والذي مثل سبيل واعد للجمع بين قوة الدراسات الكمية في تحديد أنماط الارتباط في بيانات العديد من الدول، وقوة الدراسات الكيفية في تتبع العمليات السببية التي تؤدي إلى نتيجة محددة[17].

        ومن هنا تبرز أهمية مدخل السياسة العامة المقارنة باعتباره أداة تحليلية مناسبة للتعامل مع ديناميكيات التغير الاجتماعي الذي يتطلب صياغة وترتيب الأولويات وتطوير وتنفيذ وتطبيق بدائل السياسة العامة، ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن تحليل السياسة العامة يجمع بين حقلين أساسيين من حقول العلم ذات الأهمية المركزية لعملية التحول التي تحدث في جميع انحاء إفريقيا حاليا وهما علم السياسة وعلم الاقتصاد[18].



        op[1] - أرنولد هايدنهايمر، المرجع نفسه، ص22.

        [2]- Wilson Wong, op cit .p p 01-02

        [3] - - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص ص 21-22.

        [4] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 241.

        [5]- Anneliese Dodds. Comparative Public Policy. First published by PALGRAVE MACMILLAN. New York. 2013. p05

        [6] - Wilson Wong ,op cit.p02.

        [7] - Martin Lodge.. Op cit. p275.

        [8]- آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان،2020، ص12.

        [9] -B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez. Substance and Methods in the Comparative Study of Policy Change, Journal of Comparative Policy Analysis: Research and Practice, 20:2, 2018. p 136. DOI : 10.1080/13876988.2017.1322764

        [10] - عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة، مركز البحوث والدراسات السياسية (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1993

        [11]- Martin Lodge.. Op cit.p p 273-275.

        [12] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit.p137.

        [13] - Martin Lodge (eds(.op cit.  P 276

        [14] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.

        [15] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.

        [16] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p136.

        [17] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten. Comparative Public Policy Analysis: Shortcomings, Pitfalls, and Avenues for the Future. ISSN 1862-2860, Springer Fachmedien Wiesbaden GmbH, Wiesbaden, Vol. 63, Iss. 2, p308.

        [18] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.

      • على الرغم من أن النقاش الأولي حول المنهج المقارن تناول في المقام الأول الأنظمة السياسية والسلوك السياسي إلا أنه يمكن تطبيق المنطق نفسه بسهولة على دراسات السياسات المقارنة، فاختيار عدد محدود من الحالات بعناية قد يكون أنسب لتحليل السياسات العامة منه لتحليل الأنظمة السياسية من منطلق أن فهم ديناميكيات مجال سياسي داخل دولة واحدة يعد أمرا صعبا بحد ذاته، حيث قد يؤدي استخدام دراسات السياسات ذات العينة الكبيرة إلى إغفال الكثير من الاختلافات الدقيقة الضرورية للفهم المقارن لصنع السياسات وتنفيذها، ويوفر هذا الفهم البدائل المختلفة للمقارنة مرونة كبيرة للباحثين المهتمين بتفسير نتائج السياسات العامة ومخرجاتها علاوة على ذلك فهو يحثنا على القيام بنظرة شاملة لتجنب مخاطر التحيز في الاختيار وعدم تجانس الأسباب[1].

        حيث يكشف أن تحليل السياسات المقارن ينطوي على قضايا جوهرية ومنهجية تتطلب توضيح مصطلح "التحليل المقارن السياسات " رغم عدم إهتماما "المفكرين الأوائل " بالتحديات المنهجية عند مقارنة حالتين أو أكثر، ولهذا تبنى الباحثون مفهومين مختلفين ينطوي كل منهما على مشكلات وقيود محددة، لذلك لابد من توضيح المفهوم الذي نستخدمه وفقا لنوع السببية التي نعتزم استكشافها، لكن عدم وضوح المنهج المحفز للبحث قد لا يؤدي إلا إلى عدم وضوح جوانب أخرى من البحث، في هذا الصدد نجد أن المفهوم الأول للعمل المقارن الذي يركز على طبيعة السياسات نفسها تعتمد معظم تحليلات السياسات المقارنة على أسلوب المقارنة ذي العينة الصغيرة(Small Number)، على عكس الأساليب الميدانية والإحصائية ودراسات الحالة والتي يعتبرها أرند ليجفارت تستخدم الدراسات المقارنة كأدلة من حالات متعددة ذات عينة صغيرة كآلية لتعظيم التباين الإمبريقي والتحكم في التباين الخارجي. وهي تعتمد عمومًا على أساليب جون ستيورات ميل في الفروق والتشابه والتغير المتزامن  لبناء أو اختبار نظريات متوسطة المدى[2].

        بهذا الخصوص جادل أرند ليجفارت في مقالته الرائدة حول التحليل المقارن بوجود أربعة مناهج وتصاميم بحثية أساسية في العلوم الاجتماعية، وهي: التجريب، والتحليل الإحصائي، ودراسات الحالة، والمنهج المقارن، وقد استخدمت كل هذه المناهج البحثية الأساسية لتقديم رؤى دقيقة حول السياسات العامة في مختلف البيئات والسياقات، وهنا يعتبر المنهج الإحصائي الأكثر شيوعًا في العلوم الاجتماعية إلا أن دراسات الحالة لا تزال معتمد بكثرة في دراسات السياسات العامة فهناك سيل غير منقطع من الدراسات التي تناقش بشكل مفصل وكبير السياسة (س) في الدولتين (ص) و(ع) تساهم كلها في توسيع معرفتنا الجماعية ولكنها لا تسمح لنا في كثير من الأحيان إجراء تحليل مقارن دقيق[3].

        ولعل أن لكل من هذه الأساليب التحليلية الأربعة تتضمن مجموعة أساسية من عناصر تصميم البحث التي ينبغي مراعاتها في البحث وتتلخص هذه المجموعة فيما يلي: تعظيم التباين التجريبي، وتقليل تباين الخطأ، والتحكم في التباين الخارجي، وهذا التصور لتصميم البحث المقارن يستند إلى قياس المتغير التابع أي ملاحظة تتكون من ثلاثة عناصر أولها العلاقة "الحقيقية" بين المتغير المستقل (المفترض) والمتغير التابع، وهنا يوجد احتمال لتعرض الملاحظة إلى الخطأ، وقد يكون هذا العنصر مرتفعًا بشكل خاص في البحوث الكيفية التي تعتمد بشكل كبير على ملاحظات باحث واحد، أو عدد محدود من الباحثين، ولكنه قد يكون موجودًا أيضًا في البحوث الكمية. على الرغم من أننا قد نلاحظ علاقة قوية بين متغير ما (س) ومتغير ما (ص)، كيف لنا أن نعرف أن هذه العلاقة تحدث فقط لأنهما مرتبطان بمتغير ما (ع)؟ يمكن لهذا التباين الدخيل أن يشوش أي نتائج نتوصل إليها، سواء تم التوصل إليها من خلال مناهج كمية أو نوعية. إن التعامل مع التباين الخارجي والعلاقات الزائفة أمر سهل نسبياً بالنسبة للعمل الكمي - كل ما يحتاجه الباحث هو إدخال متغيرات التحكم في النموذج - وتحديد ما إذا كانت العلاقة بين العلاقة المستقلة والعلاقة التابعة تحافظ على قوتها.    

        2-1-تصميم البحث المقارن وفق أسلوب الحالات الأكثر تشابها: تميل معظم أوراق السياسات العامة المقارنة إلى اعتماد تصميم "الأنظمة الأكثر تشابهًا"، حيث يتم اختيار حالات متشابهة قدر الإمكان، ولكنها تختلف في بعض السمات الرئيسية. قد لا يتم هذا الاختيار بشكل صريح من قِبل الباحث، بل قد يكون نتاجًا لمدى معرفته أو مهاراته اللغوية. والمنطق هنا هو أن اختيار الحالات المتشابهة وسيلة للتحكم في التباين الخارجي الذي قد يُشوش العلاقة بين المتغيرات. قد يكون البدء بتحديد عينة من الحالات الناجحة وغير الناجحة مفيدًا بشكل خاص لدراسات السياسات العامة المقارنة، وإذا كان أحد أهداف البحث هو نشر التدخلات السياسية الناجحة، فإن فهم العوامل المرتبطة بنتائج السياسة قد يكون بداية مفيدة، وإن لم يكن بالضرورة استنتاجًا مفيدًا للتحليل، وهنا يعد أخذ العينات بناءً على المتغير التابع مفيدًا لاستبعاد الشروط الضرورية للنتائج، بمعنى إذا ظهر متغير (س) في بعض الحالات بنفس النتائج ولم يظهر في حالات أخرى، فلا يمكن أن يكون (س) شرطًا ضروريًا. علاوة على ذلك، كما هو الحال في تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا، يُبقي هذا النوع من التحليل عددًا من العوامل ثابتًا، ثم يبحث عن الاختلافات في العملية التي أدت إلى النتائج، ومن ناحية أخرى، تركز تصميمات الأنظمة الأكثر تشابهًا على الاختلافات، وغالبًا ما تكون اختلافات دقيقة للغاية، التي قد تظهر في أنظمة متشابهة ظاهريا[4].

        2-2- تصميم البحث المقارن وفق أسلوب الحالات الأكثر إختلافا: إن النصيحة المعتادة في السياسة المقارنة ذات المنهجية الكيفية بالتركيز على تصميمات الأنظمة الأكثر اختلافًا، حيث تتمثل الحجة الأساسية في أنه إذا ظهرت علاقات بين المتغيرات في أنظمة سياسية شديدة الاختلاف يُفترض أنه إذا وُجدت علاقة بين متغير مستقل ومتغير تابع فمن المرجح أن تكون هذه العلاقة "صحيحة" أكثر مما لو وُجدت في مجموعة حالات أكثر تقييدًا. ويختلف منطق تصميم "الأنظمة الأكثر اختلافًا" اختلافًا كبيرًا فمن خلال اختيار حالات (سواء على المستوى الوطني أو دون الوطني) تختلف اختلافًا كبيرًا في مجموعة من المتغيرات، ومع ذلك، يميل استخدام تصميمات "الأنظمة الأكثر اختلافًا" إلى الاعتماد على وجود فرضيات محددة بوضوح شديد حول السلوك، وعادةً ما يكون أكثر فعالية مع الدراسات ذات العينة الكبيرة. في الواقع، كان المنطق الأصلي لـ"الأنظمة الأكثر اختلافًا" هو استخدامه على بيانات المستوى الفردي بدلًا من بيانات المستوى الكلي أو المتوسط ​​ وهو الاستخدام الأكثر شيوعًا في دراسات السياسات العامة المقارنة. لذا، تميل استراتيجية "الأنظمة الأكثر اختلافًا" إلى أن تكون أقل فائدة لتحليل السياسات المقارنة مقارنةً بجوانب أخرى من العلوم الاجتماعية.

        مع ذلك، يبدو تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا أقل ملاءمةً لدراسات السياسات المقارنة مقارنةً بالتحليل السياسي المقارن الذي يركز بشكل أكبر على سلوك الأفراد. وكما تشير المقالات في هذا العدد الخاص، يركز جزء كبير من تحليل السياسات المقارنة على إجراءات الحكومات الوطنية أو دون الوطنية، وبالتالي فإن البحث عن "قوانين"، باستثناء أبسطها، قد يكون في غاية الصعوبة.[5]

        وعلى الرغم من فوائد تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا إلا أنه يثير مشاكل في التصور والقياس بدرجة أكبر بكثير من تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا. ولا يزال تحديد جيوفاني ساروتري  لـ"مشكلة التنقل" في البحوث المقارنة ذا أهمية بالغة، وهو وثيق الصلة بشكل خاص بالتصاميم الأكثر اختلافًا، فالمفاهيم المألوفة والهادفة في بعض السياقات قد لا تكون كذلك في سياقات أخرى، لا سيما عند إجراء البحوث في بيئات ثقافية وسياسية مختلفة، حتى المصطلحات السياسية التي تبدو قابلة للتداول بين الدول قد تحمل دلالات مختلفة في سياقات مختلفة[6].

        يتضح  مما سبق أن المنهج المقارن والبحث المقارن بشكل عام بشكل عام يمثل آلية فعّالة لتنظيم البحوث حول طيف واسع من الظواهر الاجتماعية، نظرًا لقدرته على تجنب بعض التعميمات المفرطة للدراسات الإحصائية ذات العينات الكبيرة، والتخصيص المفرط لدراسات الحالة. كما يُمكن للمنهج المقارن تجنب العديد من مشكلات الصلاحية الخارجية المتأصلة في تصميمات البحوث الإمبريقية، من هذه المزايا العامة للمنهج المقارن، هل يمكن أن يُقدم فوائد محددة لدراسة السياسات العامة؟ دون المبالغة في الادعاءات، أرى أن هناك فوائد، يركز جزء كبير من أدبيات السياسات العامة، وخاصة تلك القائمة على العلوم السياسية على عمليات صنع السياسات العامة، يتطلب فهم العملية فهمًا دقيقًا للأحداث، كما في تحليل الحالات لذلك، إذا أراد الباحث فهم الاختلافات بين العمليات ونتائج تلك الاختلافات، فقد يكون من الأفضل استخدام المنهج المقارن[7].

        إن العدد الكبير من الحالات، والقدرة على استخدام التحليل الإحصائي، يجعل البحث عن هذه العلاقات الثابتة (نسبيًا) أكثر جدوى في هذه السياقات مقارنةً بتحليل السياسات المقارنة. لذا، مع عدد محدود من الحالات المشمولة في المقارنة، يصبح استخدام الأساليب الكمية القائمة على الاحتمالات أقل ملاءمة، إن لم يكن مستحيلاً، وبالتالي فإن أساليب ميل للاختلافات والتقارب والتغير المصاحب أكثر ملاءمة (ميل، 1843). أما عند توفر عدد أكبر من الحالات، يصبح التحليل التوافقي (مثل تحليل المقارنة النوعية للمجموعات الضبابية) مفيدًا في كلتا الحالتين، تُمكّن أدبيات المهتمة بالتحليل الكمي المقارن QCA الباحث من تقييم أنماط العلاقات الثابتة، والسببية المفترضة بشكل أوضح من معظم النماذج الاحتمالية[8].

        يُطرح سؤال شائع في تصميم البحوث المقارنة حول ما إذا كان ينبغي التركيز على تصميمات البحوث الأكثر اختلافًا أم الأكثر تشابهًا، وما نستخلصه من هذا أن التصميمات الأكثر تشابهًا موجهة نحو دراسة الحالات، إذ تهدف إلى التحكم في أكبر عدد ممكن من المتغيرات من خلال اختيار حالات محددة. على النقيض من ذلك، فإن تصميم الأنظمة الأكثر اختلافًا يكون موجهًا نحو المتغيرات، حيث يمكن اختبار المتغيرات المختارة في أكبر عدد ممكن من الحالات، إلى أن تتبلور نظرية في نهاية المطاف (إن وجدت)، مما يؤدي إلى ممارسة جديدة لبناء النظريات[9].

         وبهذا الخصوص ركزت بعض الدراسات القديمة التي تقارن السياسات العامة والتي كانت أقرب إلى ما يمكن إعتباره مسارًا واعدًا للتحفيز المتبادل من بعض الدراسات الحديثة، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات كانت أقل تطورًا من الناحية المنهجية واستخدمت مناهج مختلطة بطريقة ضمنية. ومع ذلك، فإن أبحاث علماء المقارنة البارزين، مثل شميدت وهوبر وستيفنز والتي اعتمدت في دراساتها المقارنة بين الدول أساسا على المناهج الكمية لكنها كانت في غالبها كانت غنية بالحجج الكيفية الضمنية، ورغم أن هذه الحجج لا تُدمج في تصميم متطور للمناهج المختلطة إلا ان مناقشة خصوصيات الدول وتوضيح أنماط الارتباط الموجودة في البيانات الكمية يظهر مدى إلمام الباحثين بحالاتهم الموجودة قيد الدراسة ويضفي مصداقية عالية على نتائجهم الكمية، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات لم تستخدم أحدث تقنيات تحديد العلاقات السببية إلا أن عرض الأنماط الارتباطية وعمق الأدلة الوصفية والتوضيحية الواردة في مناقشة الحالات قد أسهما بالفعل في تقديم حجة مقنعة للغاية حول العلاقات السببية وشكلت السبيل الأمثل لبحوث السياسات المقارنة والتي قد تجعلها حججها تأخذ مسارا مختلفا، وبهذا الخصوص لوحظ أن الجمع بين نظريات السياسات العامة المقارنة ونظريات عملية صنع السياسات، والمزج بين الأنماط الكمية القائمة على الارتباطات مع المتعمقة في معرفة بدراسات الحالة قد يكون سبيلًا أكثر جدوى لتقديم رؤى ثاقبة حول أسباب اختلاف السياسات العامة بين الدول وتغيرها بمرور الوقت[10].

        يتضح مما سبق أن المقارنة تعد عملية محورية في بناء النظريات واختبارها في دراسات السياسات العامة ذلك أن فهم ديناميكيات هذه السياسات في سياق معين يعد أمرا ذا قيمة إلى حد كبير على الرغم من اختلاف صياغتها وتأكيدها على جوانب مختلفة من السياسة العامة المقارنة، ما يعني أنه لا يمكن بناء المعرفة دون مقارنة وهذا ما تعكسه ان التفسيرات للخصائص المشتركة للسياسات في مختلف الدول والقابلة للتطبيق في مجالات مقارنة مختلفة، سواء أكانت عابرة للحدود الوطنية، أو عابرة للحدود دون الوطنية، أو حتى عبر الزمن، وعلى الرغم من افتراض الباحثين أن المقارنة ممكنة فقط على المستوى الوطني، ولكن يمكن إجراء مقارنات فعّالة للسياسات (وغيرها من الظواهر) على المستوى دون الوطني أيضا إضافة إلى هذا تمثل ظاهرة تغيير السياسات وأصبحت تشغل حيزا مهما في تحليل السياسات العامة ما يجعل المقارنة عبر الزمن تصبح ذات أهمية خاصة[11].

        كما تبرز أهمية التحليل المقارن عند مناقشة طبيعته التي على ما يبدو أنه يمثل تحليل قائم على الوحدات الجغرافية، ومما لاشك فيه أنه الشكل الأكثر شيوعا للتحليل المقارن أنه يتطلب التفكير في إجراء المقارنات بين مجالات السياسة المختلفة وهنا جادل غاري فريمان قائلا بان الاختلافات بين مجالات السياسة قد تكون أكثر أهمية من الاختلافات بين الدول في حد ذاتها ومن المؤكد أنها قد تكون أكثر اختلافًا من الاختلافات الموجودة بين الوحدات دون الوطنية داخل دولة معينة، ومن خلال دراسة اختلافات السياسات العامة يمكن للباحثين تحديد مدى اتساق عملية صنع السياسات داخل وحدة جغرافية عبر مجالات السياسة المختلفة، علاوة على عن فهم تبعات مشكلات سياسية محددة على هذه العملية، في هذا الصدد قدم عالم الاجتماع إريك ألاردت تحليلًا شيقًا لكيفية التفكير في عملية البحث المقارن مستندا بصورة جزئية إلى تمييز تيون وبريزورسكي بين التصاميم الأكثر تشابهًا والأكثر اختلافًا، وقد أثار ألاردت نقطة مهمة للغاية حول البحث المقارن، مشيرا إلى إلى أن الجزء الكبير من النقاشات التي دارت بين تيون وبريزورسكي والعديد من الباحثين الآخرين في السياسة المقارنة وعلم الاجتماع إلى أن هدف من البحث المقارن قد يكون اختبار النظرية وتأكيد ثوابت السياسات العامة، حيث ركزت بحوث السياسات العامة المقارنة في تسهيل نقل السياسات و"صنع السياسات القائمة على الثوابت" ما يعني أن تحديد الثوابت في أنظمة السياسات أمر بالغ الأهمية فبدونه لا يمكن فهم أوجه التشابه في صنع السياسات، وفي مدى نجاحها وفشلها ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى صعوبة انتشارها عبر الحدود الوطنية[12].

        إذن تتيح المنهجية المقارنة كما وضحها ارند ليجفارت فرصا عديدة لباحثي السياسات العامة لتعزيز فهمنا الجماعي للسياسات وعملية صنع القرار، ورغم ذلك قد لا يكون تطبيق هذه المنهجية أمرا سهلًا كغيرها من المنهجيات الشائعة في العلوم الاجتماعية التي تتطلب استخدامها لمعرفة واسعة بالحالات المتاحة للاختيار قبل البدء به كما يتطلب فهما دقيقًا للحالات المختارة، لا سيما عند استخدام أساليب مثل تتبع العمليات في تحليلها، فإذا توفرت هذه الشروط فإن هذه المقارنات تتفضي إلى بلورة رؤى ثاقبة حول أسباب خيارات السياسة العامة ونتائجها.



        [1] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.

        [2] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p136.

        [3] - B. Guy Peters .The Comparative Method and Comparative Public Policy .

        [4] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p137.

        [5] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p138.

        [6] - B. Guy Peters.op cit. P04.

        [7] - B. Guy Peters.op cit. P08.

        [8] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p138

        [9] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. op  cit. p137.

        [10]- Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten. Op cit.p 308.

        [11] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p136.

        [12] - B. Guy Peters.op cit. p04

  • كان مفهوم أنماط السياسة موجودًا في علوم السياسة منذ ظهور الإسهام الأكاديمي  لجيريمي ريتشاردسون وآخرون حول أنماط السياسة في أوروبا الغربية في عام 1982. ومع ذلك ، لا يزال المفهوم قيد التطوير نظريًا وتجريبيًا. ستجمع هذه الجلسة علماء من جميع أنحاء العالم لمناقشة جوانب المفهوم ، بما في ذلك نطاقه ووحدة التحليل - القطاعي والوطني والمؤسسي - ومحتواه ومكوناته في بلدان مختلفة، في هذا الصدد يعد " أرنولد هايدنهايمر" أول من طرح سؤالا جوهريًا على علماء الدراسات المقارنة مؤكدا على وجود اختلافات دقيقة عديدة في كيفية تعامل الدول مع التحديات المختلفة التي تواجهها، وتساءل: "إلى أي مدى يمكن دمج هذه العادات والخبرات في أنماط متماسكة لصنع السياسات، وتطبيق هذه الأنماط بشكل منهجي في معظم المجالات، أم أن قطاعات العمل العام المختلفة تطور خصوصياتها المميزة؟" وقد لاقت هذه التساؤلات صدىً في مقال ثيودور لوي التصنيفي، الذي أشار فيه إلى أن أصنافا مختلفة من السياسات العامة تعزز أنواعا مختلفة من النشاط السياسي ووفقا لثيودور لوي توجد علاقة واضحة بين السياسة العامة والسياسة والسياسات التوزيعية هي ذات طابع زبائني تنتج علاقات تبعية بين صانعي السياسات والإدارة من جهة والمستفيدين من جهة أخرى، كما أن السياسات التنظيمية تؤدي إلى إعادة التوزيع يتمخض عنها ظهور لعبة سياسية أكثر صراعا تتجه إلى خلق علاقة تنافسية وأكثر استقلالية وعدوانية بين الحكومة والفرد[1] .


    [1]- Jeremy Richardson. Policy Style. Dans Laurie Boussaguet.Sophie Jacquot. Pauline Ravinet. Dictionnaire des politiques publiques. 3ed. Presses de Science Po. Paris 2010. P608

     

    • 1- مفهوم أسلوب السياسة العامة: في إطار التحول الحاصل في براديغم السياسات العامة في أواخر السبعينات  والذي يعد من  علامات النضج الفكري في حقل السياسة العامة المقارنة كون الدراسات المقارنة تزداد ابتعادا عن البحث عن العامل الواحد والنظريات التقريرية وتقبلا للحاجة إلى دمج منظورات مختلفة لغرض تقديم تفسيرات مقبولة لتطور السياسة، والذي يعكسه ظهور نموذج الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة والذي تعود جذوره إلى فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة أين حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في طريقة تعامل الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ من هنا نشأ مفهوم أسلوب السياسة من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء"[1]،ولهذا فإن مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة يبرز جليا أثر خصوصيات المناطق السياسية التي تبرز بلا شك أن هناك "طريقة فرنسية" أو ألمانية أو بريطانية للقيام بالأشياء، وهي في نهاية المطاف هناك إختلافات أكثر أهمية بين مختلف السياسات القطاعية.[2]

      إلى جانب هذا يحمل مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة معنى التفاعل بين موقف الحكومة من المشاكل العامة والعلاقة بين الحكومة وبين الفواعل الأخرى للعملية السياسية، وهذا النمط من التحليل سهل من إجراء المقارنة بين السياسات العامة الوطنية وتفسيرها سمح بالتأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، مبرزا في ذلك أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح [3].وبحسب "جيريمي ريتشاردسون" أن مفهوم "أسلوب السياسة العامة " ظهر في فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة والذي حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ ما يعني أن مفهوم أسلوب السياسة نشأ من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء معينة[4].

      وعلى ضوء هذا يعتبر مفهوم أسلوب السياسات العامة بسيطا جدا هذه البساطة جعلته شائع الاستخدام بشكل متكرر في العديد من البحوث الإمبريقية التي أظهرت فائدة النموذج التصنيفي الأولي لأنماط السياسات العامة ووصف العمليات السياسية لـ "تيودور لوي" من خلال مراعاته لعاملين رئيسيين: يتمثل العامل الأول في طريقة عمل الحكومة في حل المشكلات والتي تعطي صورة حول طبيعة بعض الحكومات التي تتبنى موقف استباقي/فعال في مواجهة المشكلات العامة بينما تبدو حكومات أخرى في تبنيها لنهج تفاعلي، أما العامل الثاني فيتمثل في العلاقات بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية المحدد لأسلوب السياسة، وعلى سبيل المثال: هل تأخذ الحكومات بعين الاعتبار مجموعات المصالح؟ هل حقا الحكومة حريصة على التوفيق بين المصالح والتوافق مع المجموعات المنظمة، أم أنها تميل إلى فرض قراراتها بغض النظر عن معارضة هذه المجموعات؟ وبالتالي أصبح من الأهمية بمكان الإقرار بهذين العاملين باعتبارهما جوانب رئيسية في النظام السياسي لأي بلد[5].  

      2- الأساليب الوطنية كمنهجية لمقارنة السياسات العامة: ومن خلال هذا يمكن تحديد الأنماط الإجرائية الوطنية التي عرفها "أرنولد هايدنهايمر" بـ"نماذج صنع السياسات الوطنية" تعتبر بمثابة منظورا جديدا وبديلا للسياسات العامة يتمثل في طبيعة العملية السياسية، التي تحدد كيفية تطور الدول "إجراءات تشغيل معيارية" لتنفيذ السياسات العامة قد تكون لها آثار قوية و"منعزلة" تجعل الأساليب السياسية مختلفة بين القطاعات، التي تستدعي التركيز على أنظمة صنع القرار بدلا من القرارات ذاتها بدلا من الخوض في مسألة الاختلافات في السياسات الناتجة عن الأنواع المختلفة للعمليات السياسية، والتي تطرح مجموعة من الأسئلة: هل تأخذ الحكومات جماعات المصالح بعين الاعتبار؟، هل حقا الحكومة مسالمة وتسعى للتوصل إلى توافق في الآراء مع الجماعات المنظمة أم أنها تميل إلى فرض قراراتها من دون إعارة الاهتمام لمعارضة هذه الجماعات؟ ولفهم مجريات العملية السياسية وطبيعتها والتي تمثل الجوانب الأساسية المميزة للنظام السياسي لأي دولة، وعلى العموم يتحدد أسلوب السياسات العامة في أي بلد من خلال تفاعل عاملين إثنين وهما: موقف الحكومة تجاه المشاكل العامة وحلها، أما الثاني فيتمثل في العلاقة بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية، ومن خلال هذا التعريف  يمكن تصنيف طرق اشتغال المجتمعات إلى أربعة أساليب أساسية للسياسة العامة"[6]

      1- مجتمعات تندرج ضمن فئة تؤكد على التوافق والموقف التفاعلي في حل المشاكل.

      2- مجتمعات الأخرى ضمن فئة تؤكد على الإجماع، ولكنها تشمل أيضاً مجموعة من القيم المعيارية التي تسمح باتباع نهج استباقي أو فعال تجاه المشكلات العامة.  

      3- بعض المجتمعات لا تزال تتفق بشكل أقل على مسألة الإجماع، وتنظر إلى الدولة على أنها نشطة وتميل إلى فرض سياسات لمواجهة الجماعات المنظمة المعارضة لها.

      4- مجتمعات تكون فيها الحكومات أكثر رد فعلية من كونها استباقية، وفي هذه الحالة يجب فرض التغيير وإدارته بشكل جيد على الجماعات المنظمة التي تعارض مقاومتها.

      العلاقات التوافقية

       نهج تفاعلي                                                   نهج استباقي/فعال

      علاقات الإلزام

      يوضح هذا الشكل الأساليب الوطنية للسياسات العامة

      على سبيل المثال لا الحسر يقارن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة بين حالات السويد وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، حيث يمكن تصنيف السويد (معظم الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أوائل التسعينيات) في الربع العلوي الأيسر من الرسم البياني: حيث حظيت بمستوى كبير للابتكار في السياسة العامة بتبنيها الأسلوب الاستباقي الذي سمح في الوقت نفسه ببناء توافق في الآراء، أما فرنسا فيمكن اعتبارها أكثر ميلا إلى تطبيق أسلوب محفز لكن مع فرض حلول غالبا ما تكون ناتجة عن مواجهة ومقاومة الجماعات وهذا وفق ما يقوله المثل الفرنسي "عندما تريد تجفيف مستنقع، لا تستشر الضفادع!"، في المقابل، نجد بريطانيا العظمى (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انتخاب "مارغريت تاتشر" عام 1979) تتسم بأسلوب تفاوضي احتل مكان واسعا ضمن نهج التفاعل مع المشكلات العامة، كما تميزت ألمانيا بأسلوب محفز وتوافقي احتلت فيه المفاوضات مكانة كبيرة في إطار نهج تفاعلي مع المشاكل العامة لكن مع نهاية عقد السبعينات أصبحت سياساتها أكثر تفاعلية وكان من الصعب إرساء التوافق ضمن إطار أسلوب السياسات العامة المحفزة لا سيما في قطاع الطاقة[7]، في سياق متصل سلط لينارت لوندكفيست الضوء على اختلاف الأساليب التنظيمية(أسلوب السياسة) في كل من الولايات المتحدة وفرنسا حيث لاحظ "دينيس كوبوك" وجود اختلاف بين الأساليب التنظيمية في فرنسا والولايات المتحدة خاصة هذه الأخيرة التي تثير الشك حول النفوذ الكبير والمحتمل لجماعات المصالح في المقابل اعتبر هذه الأساليب في فرنسا بأنها تعكس الارتباط الحتمي والوثيق للمصالح بنتائج السياسات "[8].

      من خلال هذا يبدو جليا أن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة اهتم بعملية إنتاج السياسات العامة وبالجوانب الكيفية والنوعية فيه وبالتفاعل بين المتغيرات، انتهى بالدراسين الى التأكيد على أن الاختلافات في العمليات الوطنية لإنتاج السياسات العامة أدى إلى تصنيفات تقدم "أساليب وطنية" متباينة للسياسات العامة انطلاقا من المزواجة بين بعدين هما نمط تكفل صناع السياسات بالمشاكل العامة وبنية التفاعلات بين مختلف الفاعلين المشاركين في السياسات العامة، وهذا كله أدى إلى ظهور نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة Policy Styles""[9]، الذي يقوم على تحليل معقد لعملية صنع وتنفيذ السياسات العامة وهذا الأمر لا يتوقف عند هذا فحسب بل امتد ليسلط الضوء والوقوف على حقيقة كيفية تطوير مختلف المجتمعات لـ "إجراءات التشغيل المعيارية" في صنع وتنفيذ السياسات، وبعبارة اخرى معظم المجتمعات تقوم بتطوير معايير معينة لشرعنة نشاط السياسة وغالبا ما تعكس هذه المعايير القيم الأصيلة للمجتمع غالبا ما تأخذ شكل قواعد دستورية وقانونية[10].

      ولذلك فإن الأعمال التي قامت بتطبيق الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة غلب عليها الوصف أكثر من التفسير لكنها ساهمت في تجديد التأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، قامت بذلك في عدة مواضيع مركزة على أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح[11]، ومن خلال هذا أصبح بوسع المقارنات بين السياسات على مستوى الدول أن تستفيد من مجموعة منوعة من التوجهات الفكرية في القوت الذي تحاول فيه أن تظل قريبة من المعلومات التجريبية الواقعية قدر الإمكان، ويلتقي هدف تطوير سياسات أفضل بهدف تطوير نظريات أفضل خصوصا في علمان الذي يزداد اعتماده على بعضه البعض، فبالمقارنة نتعلم أن نرى بصورة أوضح، فإذا ما كنا حذرين منهجيا في التفاصيل ومتحمسين للمعنى الأوسع للأحداث فسوف يكون بمقدورنا أن نبدأ برؤية فكرية للكيفية التي يمكن للعمل اليومي المعقد لصناعة السياسة – الذي هو خليط من الأفكار والمؤسسات والوسائل السياسية والتقاليد العريقة – أن يساهم في إغناء الاختيارات الجماعية [12]، وفي هذا الصدد نجد أنه منذ الصياغة الأولية لمفهوم أسلوب السياسات العامة دارت نقاشات عديدة حول فائدته في التحليل المقارن للسياسات العامة، بالنسبة للبعض لا يمكن اعتباره مفهوما جديدا بل مجرد شكل بسيط من أشكال التفسيرات الثقافية (الغامضة) والراسخة، وكما يعتبره رواد آخرين أنه نظرية بحد ذاتها تمتلك قيمة تنبؤية: حيث بمجرد تحديد خصائص أسلوب وطني يصبح من الممكن التنبؤ بالنتائج في مواقف العمل العام، بعبارة أخرى، تعتبر أصناف السياسات العامة بمثابة «تعميمات فضفاضة» وفي أفضل الأحوال تبقى «أداة منهجية جيدة للمقارنة »، ولذلك يبدو هذا التصنيف بسيطا لكن قيمته الإرشادية يعزز النموذج التصنيفي السياسات العامة واستخدامه ضمن منظور مقارن مع تجنب التصنيف المحدد بدقة والمرتبط ببلد معين[13].

      3- صعوبات تحديد أسلوب السياسة: من الناحية العملية، يعتقد أن صانعي السياسات (سواء كانوا سياسيين أو موظفين مدنيين) سيحاولون غالبا وضع إجراءات تشغيل معيارية للتعامل مع القضايا التي تدخل في الأجندة السياسية للحكومة (بمعنى هناك أسلوب سلوكي للسياسة) الذي لا ينتهي فيه تدفق القضايا ويجب وضع إجراءات "لمعالجتها"، على الرغم من صعوبة ذلك إلا أنه يمكن لعلماء السياسة تحديد الخصائص الرئيسية للطرق التي يصوغ بها مجتمع معين سياساته العامة وينفذها وكما يرى "جيريمي ريتشادسون" أن إدراك هذه المهمة الصعبة والعمليات المعقدة قائلا "لا نرغب بالقول أن السياسات العامة في أي مجتمع تصاغ وتنفذ دائما بطريقة معينة حتى لو أمكن تحديد أسلوب سائد إلا أنه ستحدث دائما استثناءات"، ويضرب مثالا على ذلك إعادة تنظيم قطاع المياه في بريطانيا حيث جاءت قضية المياه مخالفة للمعيار السائد المتمثل في إقرار السياسات المقبولة فقط (أي المقبولة لدى الجهات المعنية) متجاوزة الأسلوب البريطاني المعتاد في صنع السياسات العامة، علما أن هذا الأسلوب معروف لدى المحللين بميله إلى التشاور وتجنب التغييرات الجذرية في السياسات والإرادة الشديدة في تجنب أي إجراءات قد تهدد المصالح الراسخة[14].

      هذا ما يعني أن الأسلوب الوطني في رسم سياسة عامة معينة يتضمن بعض جوانب القصور قد لا يكون فيها بالضرورة "توافق" دائم وتام ووثيق بين القيم المعيارية المتعلقة بعملية صنع السياسات العامة والسلوك السياسي الفعلي فقد يتعارضان ويتباعدان لعدة أسباب، حيث قد يولي مجتمع معين أهمية بالغة لقيم الحوار والتشاور يفرض إحاطة عملية صنع السياسات بعدد كبير من اللجان الاستشارية أو خوض عمليات تشاور طويلة وواسعة النطاق، إلا أن هذه المشاورات قد تكون في الواقع مجرد واجهة لإخفاء الجهة الفعلية المسؤولة عن اتخاذ القرار، ففي بريطانيا مثلا من الشائع أن تدعي الجماعات البيئية أن التحقيقات العامة في مخططات بناء الطرق الجديدة أو مقترحات مشاريع الطاقة النووية لا تمنحها فرصة حقيقية للتأثير على نتائج السياسة الفعلية، لذلك قد تستخدم المشاورات التي تشارك فيها العديد من جماعات الضغط وآلاف الأفراد لإخفاء ما يمكن تسميته "مفاوضات الدائرة الداخلية" لتشمل عدد محدود جدا من الجماعات "المهمة"، ما يعني أنه هناك صراع ليس فقط بين القيم المعيارية والممارسة الفعلية ولكن حتى بين القيم المعيارية نفسها، فكما يفرض المنطق السياسي بأن "الحكومات يجب أن تحكم" في المقابل "يجب على الحكومات التشاور والتوافق"، لكن يمكن القول أن هاتان القيمتان قد تتعارضان في ظروف معينة فكما يصوت الناخبون لصالح إيجاد "حكومة قوية" لكنهم في الوقت ذاته يرفضون وجود "حكومة المواجهة" .[15]

      تجدر الإشارة أن ما يعزز الانتقادات الموجهة للأساليب الوطنية للسياسات العامة نجد النموذج التصنيف الثلاثي لصنع القرار لـ "تيودور لوي" الذي قسم السياسات العامة إلى ثلاثة أصناف رئيسية (توزيعية، وتنظيمية، وإعادة توزيعية)، وأن كل صنف من هذه السياسات العامة تختلف توجهاتها باختلاف الصنف الأساسي للسياسة العامة مما يظهر ذلك أكثر من أسلوب واحد للسياسة العامة لمعالجة مشكلة واحدة، حيث يرى أن صنف السياسة يعد أحد "الشروط المنشأة للاختلافات في الخصائص الإجرائية للأنظمة السياسية"، ومن خلال هذا يفترض بعض المحللين أن يلقى مفهوم أسلوب السياسة الوطنية إنتقادا لدى "تيودور لوي" فقد يطالب بدلا من تحديد أسلوب السياسة تحديد مضمون السياسة أولا، لأن هذا النموذج التصنيفي يقوم على منطق يجعل العلاقات تكون مختلفة عندما تحاول الدولة توزيع المنافع في مقابل قيامها بتعزيز جاذبية الضبط والإكراه[16].

      علاوة على هذا يواجه مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة صعوبات كبيرة تتمثل في تحديد الأسلوب السائد في التقسيم القطاعي لعملية صنع السياسات العامة وهي ظاهرة مألوفة في كل البلدان فإذا تمت صياغة السياسات بشكل مستقل تبقى لكل سياسة قطاعية "مجتمع السياسة" و"شبكات السياسة" و"دوائر السياسة" وهذا ما يعكس الخصائص الأساسية للنظام السياسي، وفي المقابل لا يوجد أسلوب سياسي واحد خاص يحكم "نخبة السياسات" التي تقوم بتطوير كل سياسة قطاعية وتحويلها إلى قسم شبه مغلق تؤدي إلى خلق أساليب سياسية مختلفة حتى داخل النظام السياسي نفسه، فقد يكون الأسلوب يصف بدقة سياسة قطاعية معينة إلا أنه في الواقع غير مناسب لوصف قطاع آخر مما قد يترتب عن ذلك توصيفات مضللة للأنظمة الوطنية لصنع السياسات العامة، علاوة على هذا قد تظهر سياسة قطاعية واحدة أكثر من أسلوب سياسي واحد ومن الممكن أن يشكل هذا الأمر جوهر لقضية السياسة نفسها وتكون كعامل أو كطريقة "لمعالجة" مشكلة محددة، في هذا الصدد جادل "تيودور لوي" في تصنيفه الشهير للقضايا والمشاكل بأن أصنافا مختلفة من السياسات العامة تخلق أنواعا مختلفة من السلوك السياسي، مؤكدا على وجود مجموعة متنوعة من السلوكيات السياسية المختلفة ( أطلق عليها أصناف السياسة) في المجتمع وكما يقول لوي أنه يشعر بهذه السلوكيات التي تفسر تبعا لأنواع القضايا والمشاكل المطروحة[17].

      وفي إطار هذه الإنتقادات الموجهة لهذا الإطار المنهجي نجد على سبيل المثال لا الحسر سياسة الإصلاح الإداري التي تجسد معنى الأسلوب الوطني ظلت مقارنتها "بشكل عام" (بمعنى حركات الإصلاح الإداري الواسعة) والمحصورة إلى حد كبير في التركيز على الخصوصية المؤسسية للتجارب الوطنية، فإنّ تحليل قضايا أكثر تحديدًا في السياسة الإدارية يتحدى الصور النمطية للبلدان أو مجالات سياسية معينة المتعلقة أساسا بظاهرةـ "التبعية للمسار"، وعلى سبيل المثال نجد كل من بريطانيا وألمانيا (على المستوى الاتحادي) غالبا ما ينظر إليها على أنهما على طرفي نقيض فيما يتعلق بمدى وسرعة إدخال الإصلاحات الإدارية في العمليات الحكومية، لكن عند التركيز على مسألة الكفاءة يبدو أن ألمانيا كانت تفكر في الكفاءة في ثمانينيات القرن الماضي (ثم نسيتها في أعقاب التوحيد حتى أواخر التسعينيات)، بينما لم يكتشف كبار موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا الكفاءة إلا في أوائل التسعينيات[18].

      وبالتالي يمكن القول أنه رغم الإسهامات التي جاء بها نموذج الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة إلا أن هنالك سوى عدد قليل من المحاولات المنهجية للمقارنة الوظيفية بين مجالا السياسة المختلفة ما بين الدول، وهنا بوسع الباحثين أن يسعوا مثلا إلى تقرير ما إذا كانت العمليات السياسية في الإسكان مثلا تتطابق مع أساليب السياسة الوطنية العامة أكثر من انطباق عمليات الإدارة الاقتصادية، وإحدى الصعوبات في هذا المجال هي الاتفاق على كيفية إنتقاء المؤشرات المعنية وقياسها، والصعوبة الأخرى تتعلق بحقيقة كون أساليب السياسة الوطنية تتغير على مر الزمن [19].


      [1] - Jeremy Richardson. A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style, Palgrave, 2018, p01.

      [2] -Jeremy Richardson. Op cit . P608

      [3] - صالح بلحاج ، المرجع نفسه، ص 221.

      [4] - Jeremy Richardson . A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter[7]  One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style ,Palgrave , 2018, p01.

      [5] -Jeremy Richardson. Op cit . P P610-611.

      [6] -Jeremy Richardson. Op cit . P611.

      7] -Jeremy Richardson. Op cit . P P612-613.

      [8] -Jeremy Richardson. Op cit . P609.

      [9] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.

      [10] - Jeremy Richardson ed. Policy Styles in Western Europ. Winchester, Mass : George Allen & Unwin, 1982, pp 02-03.

      [11] -- صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.

      [12] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 48.

       [13] -Jeremy Richardson. Op cit . P611.

      [14] - Jeremy Richardson ed. op cit. p03.

      [15] - Jeremy Richardson ed.op cit .p02 .

      [16] Jeremy Richardson ed. op cit. p04.

      [17] - Jeremy Richardson ed. op cit. p03.

       Martin Lodge (eds(.op cit. p286- [18]  ..

      [19] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 515.

    • يُغلق: الأحد، 13 ديسمبر 2026، 1:50 PM

      كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في طريقة تعامل الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟

      من خلال الأساليب الوطنية التالية: (التوافق، الإلزام، نهج تفاعلي، نهج إستباقي) حدد طريقة التفاعل بين الحكومة مع

      المشاكل العامة وعلاقتها مع الفواعل الأخرى، أي من هذه الأساليب تلائم الدول السلطوية والدول الديمقراطية ؟ 

  • يعتبر المنظور المؤسسي من الأسس النظرية التي تستند إليها تحليلات السياسة العامة المقارنة التي لاتزال تمثل أساسا للتحليل والتفسير، وهذا لما تمثله المؤسسات السياسية من أهمية كبرى في حياة المجتمعات والدول وهذا ما يؤكده علماء السياسة المعاصرين أن أي نظام سياسي حديث سواء كان ديمقراطيا أو شموليا  –يميز بالضرورة بوجود العديد من المؤسسات والإجراءات لحل وتسوية الصراعات التي تلازم المجتمعات الحديثة، ويرجع وينر نجاح مجتمع مقارنة بمجتمع آخر بمقدرة الأفراد المجتمع الناجح على بناء وتكييف واستمرار مؤسسات معقدة لإنجاز أهداف عامة [1]. إستنادا إلى هذا نجد أن هذا الاتجاه النظري له تأثير واسع على التحليل السياسي المقارن ويبرز ذلك جليا في التطورات النظرية والمنهجية التي شهدها حقل السياسة العامة المقارنة أين كان التحليل المؤسسي محل نقاش واهتمام الباحثين والدارسين، في هذا الصدد أظهرت الكثير من الأدبيات والإسهامات الأكاديمية على أهمية المؤسسات في التحليل المقارن وأصبحت مدخلا مهما لتفسير الكثير من الظواهر السياسية في مختلف البلدان رغم الانتقادات التي واجهها من طرف رواد المدرسة السلوكية لكن مع مرور الوقت أبان هذه الاتجاه النظري على أهميته المحورية في حقل السياسة المقارنة الذي يحيلنا إلى تسليط الضوء على طبيعة هذه التحولات والتطورات النظرية التي شهدها المنظور المؤسسي في المرحلتين التقليدية (ما قبل العلمية) والسلوكية وما بعد السلوكية (العلمية) الذي احتل مجالا واسعا ومهما للتحليل في السياسة المقارنة. 

    ولعل أن هذا التحول والناتج عن التحديات الفكرية اجتذبت المفكرين من مختلف الخلفيات الفكرية مما حفز النقاش في مجال السياسة المقارنة، وهنا لوحظ بروز ميولا نحو التوليف بين مختلف المناهج الفكرية وهكذا فإن مثقفا ماركسيا ما يزال يؤمن بأن أولئك الذين يهيمنون على مؤسسات الدولة مقيدين بأحكام عملية تراكم رأس المال، يقر في الوقت نفسه، بان ضمن تلك المقيدات يوجد متسع للمناورة وللسياسات والاستراتيجيات المتنافسة، وهنالك مجال لأجهزة الدولة المختلفة ليك تضع السياسات وتعكسها وأن تتخذ الاختيارات وترتكب الأخطاء، وهنا برز بعض التقارب باتجاه دراسة النتائج السياسية المتباينة والعلاقات البنيوية الكامنة فيها، وقد أعتبر هذا التوجه ملائما للممارسين التحليل المقارن للسياسات العامة[2] .     

    في هذا الإطار ركزت معظم أدبيات السياسة العامة في البلدان النامية على مناقشة وتحليل عمليات اتخاذ القرارات ووضع السياسة العامة، وتأكيدها على أهمية عامل النظام (Order) ودور مختلف النخب في عملية صنع السياسة العامة، وتهتم هذه الأدبيات بصفة عامة بكيفية تحسين قدرات اتخاذ القرار وتنفيذ السياسة العامة لدى النخب السياسية في الدول النامية، كذلك يبرز التركيز على ضرورة تركز السلطة والقوة في يد الحكومة المركزية، وهذا ما يشير إلى درجة تأثر هذه الأدبيات بأفكار صامويل هنتجتون حول مستوى المأسسة (Institutionalization) في الدول النامية وأثر ذلك على تنفيذ سياسة عامة معينة[3] .



    [1] -عبد الغفار رشاد القصبي "أ" ، المرجع نفسه ، ص110.

    [2] -  أرنولد هايدنهايمر ، المرجع نفسه، ص 524.

    [3] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259. 

      • ينطلق المنظور المؤسسي الجديد من فرضيتين أساسيتين وهما: الفرضية الأولى مفادها أن المؤسسات تخلق عناصر النظام وقابلية التنبؤ وتصوغ اللاعبين وتعينهم أو تعيقهم في أثناء حركتهم ضمن منطق الأفعال الملائمة، إنها حاملة للهويات والأدوار ومؤشر على شخصية الكيان السياسي وتاريخه ورائه ، وهي توفره روابط تشده المواطنين بعضهم إلى بعض على من الأشياء الكثيرة التي تفرق بينهم كما تؤثر في التغيير المؤسساتي وتخلق عناصر اللاكفاءة التاريخية، أما الفرضية الثانية تنطلق من أن ترجمة البنى إلى فعل سياسي وترجمة الفعل إلى إستمرارية وتغيير مؤسساتي تتولدان عبر علميات قابلة للفهم وروتينية فهذه العمليات تنتج أنماط فعل ونماذج تنظيمية متكررة ، وأحد الصعوبات أمام باحثي المؤسسات هو شرح كيف يجري إرساء استقرار هذه العمليات أو زعزعتها وماهي العوامل التي تديم هذه العمليات الجارية أو تعيقها [1].  

        من خلال هذا سعت أبحاث العلوم السياسية والسياسات العامة إلى الإجابة على سؤال كيف تؤثر الاختلافات المؤسسية الوطنية في السياسات العامة والتي تصاغ وفقا لتنظيم الدولة ومؤسساتها؟ وعلى ضوء هذا برز التحليل المؤسسي المقارن بصورة جديدة على مدى العقود الثلاثة الماضية تقريبًا، انتشر مصطلحا "المؤسسي" و"المؤسسية" انتشارًا واسعًا في معظم فروع العلوم الاجتماعية. وكان السياق المشترك لظهور وانتشار المنظورات المؤسسية أو ما يسمى بالمنظورات المؤسسية الجديدة خلال هذه الفترة هو التشكيك في المنظورات التقليدية والمهيمنة في تلك الفروع المختلفة، وفي هذا الإطار برزت النقاشات الدائرة حول تعريف المؤسسات وهو اتجاه يعتبره الباحثين أنه ثورة في التنظير وإعادة تحديد السياسة المقارنة أصبح التركيز على الفرد في المؤسسات السياسية وتعتبر البؤرة الصحيحة والملائمة لعلم السياسة المقارنة، وعلى هذا الأساس انصب التركيز الأساسي لكل من العمل النظري والتجريبي في السياسة المقارنة على مقارنة مختلفة على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة[2]، ومن جهة أخرى انتقلت منهجية التحليل من الماكرو (الكلي) الذي كانت سائدة في إطار التحليل التقليدي أين كان يميل المنظرين في كتابتهم إلى التحليل الكلي التركيز على العموميات إلى إطار الميكرو (الجزئي) عبر تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات، والملاحظات الامبريقية المعتمدة في هذا الشأن تشير إلا أن العمليات داخل المؤسسات السياسية وما تطرحه من تفاعلات فيها من نتائج كمحصلة لعمليات التوفيق والمساومة، تؤثر في الاحداث وفي حركة المجتمع وعلاقات التفاعل المؤسسي بين المؤسسات السياسية كالمنافسة بين الهيئات التشريعية والبيروقراطية [3] .

        وما يعرف على النظرية المؤسساتية الجديدة أنها أعادت المؤسسات إلى تفسير السياسة والمجتمع واكتسبت من خلال هذا زخما كبيرا ومتعاظما في العلوم السياسية ذلك أن لها مضامين كبيرة متعلقة بدراسة الدولة بالانتقال إلى المؤسسات، أين أصبح من المسلم به منذ عقدي السبعينات والثمانينات القول بأن "للمؤسسات أهمية بالغة" وأن السياسات "تعتمد على المسار التاريخي للمؤسسات"، ويعود هذا الاهتمام بالمؤسسات جزئيًا إلى غياب استجابات مماثلة من الأنظمة السياسية المختلفة تجاه مدخلات أو صدمات خارجية متشابهة ولذا، استكشفت دراسات مقارنة للسياسات العامة أسباب نجاة بعض الدول المتقدمة من سنوات الركود الاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي بشكل أفضل من غيرها، حيث ارتبطت المؤسسات السياسية بدرجات متفاوتة من الاستجابة فيما يتعلق بتبني السياسات القائمة على خصخصة شركات المرافق العامة نظرا لتأثير العولمة التي فرضت قيود على الميزانيات العامة بدرجات متفاوتة من ضغوط التكيف على الأنظمة الوطنية مما شكل تحديًا جزئيًا لوصفات النجاح التي سادت في سبعينيات القرن الماضي[4].

        في هذا السياق تزايد الاهتمام بالمؤسسات الذي أخذ مسمى المدرسة المؤسسية الجديدة وهي مدرسة تهدف إلى "هيكلة السياسة" من خلال إعطاء أهمية نظرية للمؤسسات، وتشير المؤسسية الجديدة إلى أن الباحث السياسي يستفيد من البدء بالمؤسسات بدلا من الفاعلين، وينطلق هذا المنظور من أن أنطولوجيا المؤسسية الجديدة تتكون من مؤسسات تتعايش مع مختلف الفاعلين سواء كانت مجموعات أو أفراد أو طبقات اجتماعية أو نخب سياسية[5]، وفي هذا الصدد يبرز وزن المؤسسات وأثر الديناميكيات المؤسسية كمتغير أساسي في هذا المدخل النظري الذي يفترض أن القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين، وتهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات عاكسة بذلك درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.

        ووفقا لهذا تعد المؤسسات مهمة لأنها مؤلفة من مجموعات من الأعراف الرسمية وغير الرسمية فهي تفرض سلوكيات وتمنعها، وما من شك في أن المؤسسات هي إبتكار بشري وهي أبعد ما تكون عن الثبات[6]. ومن هذا المنطلق يتم تسليط الضوء على ما يجري داخل المؤسسات السياسية من جهة وفي علاقتها بالمجتمع والتي حيث تنطلق مسلمات المؤسساتية الجديدة على أن المؤسسات السياسية تؤدي دورا أكثر استقلالية معتبر إن لدولة عبر مؤسساتها السياسية تتمتع بقدر من التماسك ولاستقلال، ولذلك جاء هذ المنظور بمنهجية جديدة تتمثل إضافة اهتمامات  وأبعاد ومتغيرات جديدة للتحليل تنطلق من أن المؤسسة لها تكوينها وبنيتها الداخلية وعملياتها ومعاييرها الخاصة بها، وهي تنمو وتتطور وتدخل في علاقات جديدة وتضم أدوارا ووحدات ليست جامدة وإنما هي آخذة في التفاعل والحركة [7]. 

        وكما يجادل أنصار المنظور المؤسسي وعلى رأسهم "كاتلين تيلين رائدة النظرية المؤسساتية التاريخية والتي ترى أن هؤلاء يواجهون تحديًا جديدًا يتمثل في تجاوز تحليل السكون المقارن والانتقال نحو التحليل بمنظور مؤسسي ديناميكي حقيقي قادر على استيعاب ليس فقط الآثار المؤسسية، بل أيضًا إعادة إنتاج المؤسسات وتغيرها، ومن جهة ثانية ترى أنه من الضروري تناول نقاط القوة والضعف في منهجية دراسة مؤسسات وحالة التغير السياسي والاقتصادي، ولهذا قدمت الباحثة "كاتلين تيلين" إطارا مؤسسيًا تاريخيا بديلا لتحليل المؤسسات والتغير المؤسسي،  وعلى هذا الصعيد تطرح الاتجاه النظري المؤسسي المعاصر تحديات نظرية هائلة، في دراسة التغيير المؤسسي، وهنا من المهم التذكير بأن معظم الدراسات التقليدية في الاقتصاد السياسي للدول الصناعية المتقدمة إرتكزت في دراساتها المقارنة على عنصر المؤسسات باعتباره متغيرا تفسيريا رئيسيا (مستقلا أو وسيطًا) يُؤثر في مختلف السياسات والنتائج السياسية على مستوى الدول[8].



        [1] - جيمس مارش ويوهان أولسن، في المؤسساتية الجديدة،( دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية)، ترجمة علي البراني وابتسام الخضرا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ، ط1، 2022، ص29 .

        [2] - Mark Pennington.op cit.p p13-14.

        [3] -عبد الغفار رشاد القصبي"ب"، المرجع نفسه، ص113.

        [4] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 279

        [5] -André Lecours .L’approche néo-institutionnaliste en science politique : unité ou diversité?. Revue Politique et Sociétés. Volume 21, Number 3, 2002.p04

        [6] - جيمس غيبسون، المؤسسات القضائية، دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية ، ترجمة علي براني وإبتسام خضراء، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة، 2002، ص 894.

        [7] - عبد الغفار رشاد القصبي"ج"، مناهج البحث في علم السياسة، جامعة القاهرة ، ط2، 2007، ص ص185-186.

        [8]- Kathleen Thelen (eds).Beyond Comparative Statics: Historical Institutional Approaches .to Stability and Change in the Political Economy of Labor. COMPARATIVE INSTITUTIONAL ANALYSIS. Edited by GLENN MORGAN, JOHN L . CAMPBELL, COLIN CROUCH, OVE KAJ PEDERSEN And RICHARD WHITLEY. Oxford University Press, New York .2010 .p p 43- 44.

         
      • أبدى علماء الاجتماع اهتمامًا بدراسة تأثير القيود المؤسسية على السياسات العامة لأسباب عملية ونظرية، فالسبب الأول هو أنه في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، واجهت موجة من السياسات الطموحة - مثل مبادرة "المجتمع العظيم" التي أطلقها ليندون بينز جونسون في الولايات المتحدة، أو توسيع صلاحيات الحكومة الفيدرالية من خلال الإصلاح الدستوري في ألمانيا - خيبة أمل- فعلى الرغم من الدعم الشعبي غير المسبوق لاستخدام أدوات الحكومة لتحسين وضع المجتمعات لم تحقق العديد من هذه البرامج أهدافها، ولم تحل المشكلات التي كان من المفترض معالجتها بل إن الأموال التي خُصصت لم تُنفق في بعض الحالات، أما السبب الثاني فتمثل في سعي الباحثين إلى فهم جذور هذه الإخفاقات السياسية أين تحول اهتمامهم النظري من المجتمعات إلى المؤسسات، وتوصلوا إلى حقيقة مفادها أنه ثمة ترابط تاريخي ونظري بين دراسات السياسات العامة والنظرية المؤسسية نظرا لتاثير المؤسسات على السياسات العامة، وغيرت السياسات فهمنا للمؤسسات، ومن خلال هذا أدت دراسات السياسات إلى تفسير مؤسسي للسياسة وبرز ت نظريات جديد للحكم الديمقراطي[1].

        في خضم التحولات النظرية التي عرفها علم السياسة الذي أدى مع نهاية الثمانينات إلى بروز منظور المؤسساتية الجديدة والذي أخذ كمضلة للتحليل المقارن للسياسة العامة، أين عادت المؤسسات السياسية التي حجبتها المدرستين السلوكية والبنيوية لمدة من الزمن، ورجعت إلى ميدان التحليل وصارت موضوع بحوث متجددة في علم السياسة وموضوع نقاش وجدال شديد بين الباحثين من أصحاب المقاربات المؤسساتية الجديدة (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) على أن الدور المهيكل الذي تؤديه المؤسسات بمنظور المؤسساتية الجديدة التي تعظم دور التركات المؤسساتية مع هيمنة ظاهرة المفاهيم المؤسساتية التاريخية  يتقدمها مفهوم التبعية للمسار ومفهوم المسارات الوطنية، علاوة على العنصر الثالث الجديد الذي ميز تلك الاعمال إدماج البعد المعرفي في مقارنة السياسات العامة، فأدى ذلك إلى جمع متزايد بين المتغيرات الثلاثة المشهورة  وهي المصالح والمؤسسات والأفكار كما بينه وأحسن بيانه عالم السياسة الأمريكي بيتر هول [2].

        لقد ساعد هذا المنظور المؤسسي علم السياسة العامة بشكل حقيقي من خلال بروز دراسات شاملة للقطاعات والبلدان في الاقتصاد الكلي والسياسة الخارجية وقد أسفر ذلك عن كم هائل من المعرفة والمقارنات بين الدول حول مشاكل السياسات العامة، والأنظمة المؤسسية وفجوات التنفيذ وأدوات السياسات العامة، وبهذ الخصوص ازداد اهتمام الباحثين بالمؤسسات وتقارب السياسات العامة وانتشارها، نتيجةً لعملية ترابط بين المستويات العابرة للحدود الوطنية والوطنية ودون الوطنية مع أنماط الإكراه الرأسية أو الأفقية[3].

        وإذا كانت دراسات السياسات العامة قد حسنت فهمنا للمؤسسات فهل يمكن لمنظور مؤسسي أن يساعدنا في تحسين السياسات العامة؟ في أي مجال يعتمد تحليل السياسات على كمّ هائل من المعلومات والمعارف التقنية التي لا ترتبط بالضرورة بالمؤسسات أو السياسة أو المجتمع، ومع ذلك فإن القرارات المتعلقة بكيفية التعامل مع هذه المعلومات هي خيار سياسي أو اجتماعي أو عام، على حد تعبير بعض المصطلحات الشائعة. بمجرد تعريفنا للسياسة العامة بأنها "خيار جماعي" والتي تطرح العديد من الأسئلة في العلوم السياسية والاجتماعية الكثير لتقوله عنها: من يتخذ هذه القرارات؟ ما الإجراءات التي ينبغي اتباعها لاتخاذ هذه القرارات؟ كيف نميّز بين الخيارات "الجيدة" و"السيئة"؟ ومن خلال هذا يسعى النموذج المؤسسي للاختيار الديمقراطي إلى تحسين جوهر خيارات السياسة العامة لتحسين الإجراءات المستخدمة في اتخاذ وتجسيد هذه الخيارات[4].

        ومن خلال هذا برزت دراسات أولت أهمية لتبني المنهج المؤسسي لفهم الدور المميز للمؤسسات السياسية والاقتصادية في دراسة السياسات العامة المقارنة، في هذا الصدد أعطى التحليل المؤسسي التاريخي في السياسة المقارنة الأولوية للمؤسسات السياسية وبينما قد يكون هذا التركيز على النظام السياسي مُبررًا إلى حد كبير لأغراض السياسة العامة المقارنة، ينبغي لدارسي الاقتصاد السياسي المقارن إيلاء اهتمام منهجي ليس فقط للمؤسسات الاقتصادية، بل أيضًا لمجموعة من المتغيرات الاقتصادية الهيكلية التي تتجاوز الحدود التقليدية للتحليل المؤسسي الذي يعد منهجا يوفر أساسًا مهما لتحليل الفاعلين الجماعيين ومصالحهم لتفسير التغيير المؤسسي وإعادة تنظيم السياسات داخل المؤسسات المستقرة[5].  

        وبصورة عامة مهد هذا التقليد الراسخ للمؤسسية القديمة لظهور المؤسسية الجديدة في العلوم السياسية والتي جاءت لتكرر نفس الحجج - التي تستند إلى المؤسسات لتفسير التنوع المستمر في النتائج عبر مختلف الدول - فعلى سبيل المثال، لفتت الدراسات المقارنة التي تناولت وساطة المصالح النقابية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي الانتباه إلى تأثير الاختلافات في قوة وهيكل العمل المنظم في الديمقراطيات المتقدمة على نتائج الاقتصاد الكلي، بغض النظر عن نوع النظرية المؤسسية (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) التي يختارها الباحث تبرز ثلاثة تأثيرات مؤسسية متميزة عند الحديث عن السياسات العامة المقارنة، أولها أن "للدول أهمية بالغة" - بمعنى وجود "أنماط وطنية" محددة (ناشئة عن تفاعل بين الأطراف غير الرسمية والمؤسسات الرسمية) أو أن عوامل نظام السياسات الرسمية العامة تؤثر على كيفية استجابة الأنظمة لمختلف تحديات السياسات - سواء على مستوى سمات النظام السياسي المؤسسي الكلي، مثل القواعد المتعلقة بالأنظمة الانتخابية أو الفيدرالية أو على مستوى الآليات المؤسسية المتوسطة أو ما يسمى بالترابط السياسي المؤسسي وأنماط التفاعل بين الدولة والجماعات المجتمعية أو قواعد ومواقع صنع القرار، في المقابل يؤكد آخرون على أهمية "القطاعات" أو - مجالات السياسات - مشيرين إلى خصائص قطاعية متميزة تشكل تحديات متباينة لصانعي السياسات، ومن خلال التقسيم القطاعي للسياسات استخدمت البحوث المقارنة بشكل متزايد هاتين المقاربتين في تحقيقاتها، وعلى سبيل المثال استخدام مجالين سياسيين في دولتين لاستكشاف أي "منطق" يبدو أنه يهيمن، سواء كان على المستوى الوطني أو القطاعي [6].  

        ومن خلال هذه المنهجية المؤسسية المقارنة يمكن فهم طبيعة السياسات العامة التي هي شكل خاص من اشكال العمل الجماعي، والتي تتضمنها أشكال من قواعد اللعبة وتصورات الرهان والتي تمثلها المؤسسات وهي بحسب المؤرخ الاقتصادي الأمريكي دوغلاس نورث أن المؤسسات عبارة عن قواعد اللعبة وتصورات للرهان لابد منها للعمل العام التي تضفي الاستقرار على التعاون بين الفاعلين بطرق رسمية وغير رسمية، وعلى ضوء هذا تأخذ المؤسسات معنى قواعد لعبة السياسات العامة[7].

        بهذا الخصوص نلاحظ حدوث تحول في الأدبيات السياسية المقارنة منذ أوائل الثمانينيات أين قام عدد من العلماء نموذج التطوير والتحليل المؤسسي (Institutional Analysis and Development) الذي عمل على توسيع مجال تحليل المقارن للسياسات العامة(التفاعلات/Les Interactions ) ، وقد أبان على أهمية و فائدة المقارنات النظرية لشرح نتائج اللعبة السياسية معتبرا المؤسسات – قواعد اللعبة - هي المتغير التفسيري الأكثر أهمية، وكما هو الحال في ألعاب الطاولة فإن القواعد المؤسسية في الألعاب السياسية والتي لها تأثيرات حتمية وواسعة النطاق على استراتيجيات اللاعبين، وتوزيع الموارد، وضبط سلسلة من التحركات تؤدي إلى تحديد النتائج  السياسات العامة في نهاية المطاف، وقد أعتمد هذا النموذج أو الأدوات المؤسسية الأخرى (مثل نظرية اللعبة أو تحليل اللاعبين الذين لديهم حق الطعن) لتطوير البحث المقارن في السياسة العامة جعلت معظم الباحثين يواجهون مسألة المقارنة بين المؤسسات بطرقهم الخاصة[8].

        ولقد جاء الأعمال المتعلقة بالمقارنة المنجزة في إطار النظرية المؤسساتية الجديدة مركزة على نظرية التبعية للمسار"Path Dependecy " الذي يقصد من الناحية التفسيرية إلى إبراز القلة في التغيير وضيق نطاقه في المقام الأول، يعني إلى بيان تأثير الحواجز المؤسساتية والمعرفية المانعة للتغيير في السياسات وبيان القيود الخارجية المتمثلة في تقلص الاختيارات المنظورة وفي الآثار النهائية التاجمة عن الاختيارات السابقة    

        في هذا الصدد نجد أن التحليل المقارن للسياسات العامة أصبح يعير اهتماما كبيرا لمتغير تأثير القواعد المؤسساتية الرسمية في إستقلالية صاحب القرار الذي يختلف من دولة إلى أخرى بحسب طبيعة النظام السياسي، فهو بغير شك في دول القانون أقوى منه في غيرها، فالمنتخبون مثلا قدرتهم على اتخاذ القرار تكون ذات شأن إذا كانت السلطة التشريعية قوية في النظام والعكس بالعكس، في هذا المعنى وللمثال دائما ليس من شك في أن أعضاء البرلمان الجزائري أقل استقلالية في عملية صنع القرار من نظرائهم الفرنسيين وأن هؤلاء بدورهم مقيدون في اتخاذ القرار أكثر من نظرائهم الأمريكيين، والملاحظة صحيحة أيضا فيما يخص قدرة المنتخبين في المستوى المحلي على اتخاذ القرار بسبب الاختلاف في مقدار المركزية واللامركزية بالبلدان المذكورة، ومع ذلك يبقى صحيحا أن القواعد المؤسساتية تعمل في جميع الأحوال كقيود مقلصة لحرية الاختيار ومانعة من بلوغ رشادة القرار[9]. وتجد الإشارة هنا أن الدراسات المؤسسية تتفق على استنتاج واحد: وهو أن المؤسسات وتأثيراتها المؤسسية تخل بالتوازن المفترض في النموذج التعددي وبالتالي توجه قرارات السياسة العامة نحو مسارات معينة دون غيرها، كما هو الحال في نماذج التبعية للمسار( path dependency)[10].

        علاوة على هذا من المفيد التذكير بأن التحليل المقارن جد مهم في اختبار الافتراضات العامة وتطوير افتراضات محددة في الزمان والمكان، وكما ذكرنا سابقا يعد فهم السياق أمرا بالغ الأهمية للتحليل المقارن وبدون هذا الفهم ستكون أي قدرة على استخدام نتائج التحليل المقارن سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الجوانب العملية محدودة، فقد تكون هذه الحاجة إلى فهم السياق ودمجه في التحليل ذات أهمية خاصة لدراسات السياسات العامة المقارنة، على اعتبار أن السياسة غالبًا ما تتضمن جانبا ثقافيا واجتماعيًا هاما وبدونه قد لا يفهم الباحث الأهمية الحقيقية للنتائج السياسات[11]، في هذا الصدد تشير أدبيات العمل العام والسياسة العامة إلى تأثير العوامل السياقية (The contextualisation) منها السياق الدولتي والذي يتضمن تأثير القواعد اللعبة الرسمية (القواعد الدستورية) وغير الرسمية للمؤسسات السياسية والإدارية، بمعنى نمط تنظيم الدولة وتسييرها – من حيث العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية والتسلسل الهرمي الإداري والعلاقات الإدارية/السياسية، نمط التوظيف الإداري، ملف الشخصيات السياسية، هيكلة النظام الحزبي، وطريقة تنظيم الأحزاب السياسية، العلاقات بين المركز والمحيط - كل هذه العوامل السياقية لها أثر مهم بصورة خاصة على عمليات القرار وعلى تنفيذ السياسات العامة[12] .  

        في هذا الصدد سعى رواد المنهجية المقارنة إلى إدخال السياق في التحليل بشكل مباشر أكثر من المناهج الكمية والإمبريقية التي حاولت استبعاد السياق باعتباره عنصرا دخيلا مشوشا على رصد وتتبع العلاقات، ويعد السياق (The Conext) مهما في دراسة السياسة العامة في كثير من الحالات بالغ الأهمية لفهم الديناميكيات السياسية والتي تجهل عملية صنع السياسات العامة التي لا تتم في بيئة مختبرية معقمة، بل في مؤسسات معقدة ذات قيم وإجراءات تؤثر على نتائج هذه العملية بقدر أو أكثر من التفضيلات والخيارات الفردية[13].

        وبهذا الخصوص إعتمد الباحثين المهتمين بالدراسات المؤسسية المقارنة منهجية تحليل العوامل السياقية (Analysis Contextual Factors) في 224 دراسة وشملت تطبيقاتها جميع القارات سياسات قطاعية متعددة تناولت مجالات البيئة والصحة والمالية/الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتكنولوجية والسياحية، وقد قام هذا النوع من الإسهامات في تطوير وتطبيق نظريات خاصة بعملية صنع السياسة العامة واختبار قدرتها التفسيرية ضمن مختلف الترتيبات المؤسسية وبإخضاع هذه النظريات لاختبارات ميدانية تبعا لاختلاف هذه الترتيبات المؤسسية، هذا ما سمح للباحثين من إعادة مراجعة في نظرياتهم وصقلها عبر مراعاة تأثير العوامل السياقية بما في ذلك  الثقافة والبنية السياسية والنظام الاقتصادي، والتي غالبا ما تكون مختلفة بين الدول لكنها تؤثر بشكل كبير على نتائج السياسات العامة بالإضافة إلى تسليط الضوء على سلوكيات مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين ودرجة تأثيرهم في مجال هذه السياسات[14].

        وهكذا ساهمت البحوث المتعلقة بالسياسات العامة - كدولة الرفاه، والسياسات الحضرية، والسياسة الضريبية، والسياسة الاقتصادية، والسياسة الصحية، والسياسة البيئية - في إعادة إحياء الاهتمام بالمؤسسات، فمع تكرار الدراسات التي أظهرت أن نتائج السياسات لا يمكن تفسيرها بتفضيلات المواطنين أو بالموازنة  بين آراء جماعات المصالح، أو بالقوى أو الفاعلين الاجتماعيين المهيكلين (مثل "الطبقات") اتجه اهتمام الباحثين إلى كيفية تأثير تنظيم النظام السياسي على صنع السياسات وتنفيذها[15]، ومن خلال هذا تم إجراء المقارنة على السياسات العامة بتسليط الضوء على عالم الإجراءات الذي لا يتوقف عند القواعد الرسمية وغير الرسمية لممارسة السلطة وحدها، ولكنه يشمل أيضا القواعد والإجراءات  غير الرسمية يعني جميع الأنماط العملية المتبعة فعلا في عملية القرار، وفيها مثلا أساليب العمل والروتين السائد في الرئاسة والوزرات وكيفية تنظيم العمل وتوزيعه بين مختلف الوزرات المختصة بملف معين، ولعل أن هذه المسالة المتعلقة بالقواعد ولإجراءات غير الرسمية تحيل بوجه أخص وأهم على واقع العمل الحكومي وعلى كيفية سير الأمور بداخل الآلة الحكومية وهي مسالة مهمة لكل حكومة عامة ولأصحاب القرار في قمة الهرم السياسي خاصة[16].    

        وعلى غرار هذه الدراسات والبحوث التي تقارن قوة وصحة نظريات السياسة العامة من خلال البنى المؤسسية، تركز البحوث الناشئة في مجال السياسة العامة المقارنة على تطوير أفضل للنظرية، حيث نجد نظرية أجندة العمل المؤسسي Institutional Agenda: تتضمن جعل مؤسسة بعينها مثل المؤسسة التشريعية، الإدارية أو التنفيذية، تأخذ بالعمل على مواجهة القضية العامة المعنية بإيجاد الحل تبعا لأهميتها ضمن أجندة العمل المؤسسي أو الحكومي وهو الأمر الذي يتولاه الرسميون والحكوميون باهتمام جاد وأولوية خاصة[17]، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى دراسة السياسة العامة المقارنة من منظور أنشطة الدولة، فقد يكون هناك ما يدعو إلى تركيز هذا المجال على تلك المجالات التي تمارس فيها الدولة (مهما كان تعريفها وتطبيقها) ضغوطًا على مواطنيها (سواء بالمعنى القسري أو التحريري)[18].

        وعلى ضوء هذا جاءت الدراسات المقارنة ضمن منظور المؤسساتية الجديدة لتطوير التحليل المؤسسي المقارن للسياسات العامة بإظهار خصوصيات التركيبات والصور الوطنية في قطاعات معينة، حيث تمكنت الأعمال المنجزة في إطار المؤسساتية الجديدة من تركيز الإهتمام على هيكلة هذه التركيبات التي أدت إلى فهم الإختلافات الدولية في عدد كبير من السياسات العامة مركزة على ظواهر الاستمرار والثبات لكنها في المقابل أهملت ظواهر التغير والتطور التي تعتري السياسات العامة[19].

         في هذا الصدد أجريت دراسات العمل المباشر من منظور مقارن على نطاق واسع داخل الدولة الواحدة  ولكن بشكل أقل بكثير في سياق عابر للحدود، وبهذا الخصوص يمكن التسليم بأن سياسات الإصلاح الإداري يمكن اعتبارها سياسات عامة تطبقها الدولة على نفسها، والتي من خلالها تؤثر على مواطنيها، فإن ازدهار الدراسات العابرة للحدود حول التغيير الإداري (والتي غالبًا ما تُسمى "الإدارة العامة") خلال عقدي الثمانينات والتسعينات والتي تعتبر جزءًا أساسيًا من الدراسات المقارنة المعاصرة للسياسات العامة، وعلى هذا الصعيد استخدم "مايكل بارزيلاي" مفهوم "تغيير سياسة الإدارة العامة" لتطبيق منهج مشابه لمنهج كينغدون (مع بعض الإضافات) في أبحاث دراسة الحالة المقارنة في المقابل، قدم كل من كريستوفر بوليت وجيرت بوكيرت سردا مؤسسيا تاريخيا أكثر شمولًا للإصلاح الإداري المقارن، ومن خلال هذا أصبحت المقارنة جوهرا أساسيا في دراسات التغيرات التي تحدث في تنظيم الدولة نفسها، وهنا حدد الباحثون والدراسون لهذا الموضوع درجات مختلفة (من حيث شمولية) التغيير وسعوا إلى استكشاف مسارات إصلاحية مختلفة[20].

        بهذا الخصوص تعد إشكالية التغيير في السياسات العامة متعددة الجوانب والأبعاد تثير العديد من التساؤلات مفادها: لماذا يحدث (أو لا يحدث)؟ من أين ينشأ؟ كيف يُمكن قياسه؟ متى يصبح غير قابل للعكس؟ كيف يُمكن التنبؤ به؟ قد يكون موضوع تغيير السياسة هو تعريف القضية المطروحة، أو هيكل ومضمون جدول الأعمال، أو محتوى برنامج السياسة أو تنفيذه، كما قد يرتبط تغيير السياسة بإيقاع السياسات واتجاهها ونطاقها، كما تم دراستها من خلال المنهج التدريجي لتشارلز ليندبلوم 1959 أو التوازن المتقطع  لكل من جونز وباومغارتنر ،علاوة على هذا تكمن المشكلة في آثار التغيير في إمكانية عكسه أو عدم عكسه وهذا ما أبرزته نظرية التبعية المسار لجيمس ماهوني وبول بيرسون، من جهة أخرى تم دراستها أيضا على مستويات مختلفة من التجريد بالتركيز إما على البنى (المؤسسات وأنماط السلوك) أو على الفاعلية (التفضيلات والأفعال الفردية)، وهنا يمكن تعريف الآليات السببية بناءًا على كيفية معالجة معضلة السببية الخطية والشرطية، أو على مدى التركيز على المتغيرات المستقلة الداخلية أو الخارجية، ولذلك فإن الإجابة عن هذه الأسئلة بطرق مختلفة ووفقا للتفضيلات المعرفية والمنهجية التي تحدد الأولوية الممنوحة لاتجاه وديناميكيات تطوير السياسات، فضلًا عن التركيز على العوامل السببية ونتائج السياسات ، والتي اعتمدت في نهاية المطاف على تعريف السياسات العامة باعتبارها مجال للممارسة النفوذ والقوة، أو عمل مؤسساتي، أو منتديات نقاش، أو أهدافًا لتأثير المؤسسات السياسية، أو ساحات شبكية ومع ذلك، قد تُقلل هذه الصعوبات عندما ينشغل الباحثون بالأسباب لكن من دون تحديدها لطبيعة التغيير السياسي بدقة[21]،



        [1]-Ellen m. Immergut .INSTITUTIONAL CONSTRAINTS ON POLICY. The Oxford Handbooks of Political. Edited by MICHAEL MORAN, MARTIN REIN, And ROBERT E. GOODIN Oxford University Press Inc., New York.2006.P557.

         

        [2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 194-222.  

        [3] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.

        [4] - Ellen m. Immergut.op cut. P562.

        [5] - PONTUSSON, Harry Jonas.  From Comparative Public Policy to Political Economy: Putting Political Institutions in their Place and Taking Interests Seriously .Comparative political studies, 1995, vol. 28, no. 1, p117.

        [6] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 279

        [7] -  صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 55-56.  

        [8] -Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .pp 50-51.

        [9] - صالح بلحاج، تحليل السياسات العامة (الديناميكيات والمعارف الأساسية)، درا بن مرابط، الجزائر، 2015، ص 138. 

        [10] -Ellen m. Immergut .Opcit.p 562.

        [11] - B. Guy Peters.op cit. p05.

        [12] - Patrick Hassenteufel. Sociologie politique :L’action publique. Armend colin Edituer. Paris .2010. p149.

        [13] - B. Guy Peters.op cit. p08.

        [14] - Wilson Wong . op cit . p05.

        [15] - Ellen m. Immergut .Opcit.p 561.

        [16] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 138-139.

        [17]- فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، ط1، 2001، ص 237.

        [18] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 277

        [19] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص228.

        [20] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 282.

        [21] -B. G. Peters et al.op cit. p136.

        • التسليمات فتحت: السبت، 2 مايو 2026، 3:10 PM
          التقييمات فتحت: السبت، 2 مايو 2026، 3:10 PM
          التقييمات تغلق: الأربعاء، 2 ديسمبر 2026، 3:10 PM

          حدد الإجابات الصحيحة من بين ما ذكر في الآتي: 

          1- أهمية المأسسة (Institutionalization) على تنفيذ السياسة العامة في مختلف الدول .

          2- التحليل المؤسسي المقارن يسمح بمعرفة تأثير بنية المؤسسات على أدائها بناءا على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة.

          3- تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات (التحليل الجزئي) وتسليط الضوء على التفاعلات الداخلية وفقا لعمليات التوافق والمساومة.

          4- علاقات التفاعل المؤسسي من خلال الدستور والقوانين الناظمة للعلاقات بين المؤسسات السياسية وفقط.

          5- تركز النظرية المؤسسية الجديدة على القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين تجاه السياسات العامة .

          المؤسسات تهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات وفقا للقانون ولإجراءات المعمول بها في داخلها وفقط .

          6- المؤسسية الجديدة تفسر درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.

      • مما لا شك فيه أن تصميم السياسات العامة يعد الإطار الأكثر دقة لتحسين توحيد معايير السياسات العامة المقارنة من حيث المنهج والمضمون، وجوهر السؤال المطروح هنا يكمن فيما إذا كان لتحليل المقارن السياسات منهج يفيد تصميم نظرية للسياسات العامة، بمعنى لآخر كيفية توفير تصميم إطار نظري ومنهجي للسياسات لتطوير مجال السياسات العامة باعتباره فرع من فروع دراسات السياسات وهنا نجد خمسة اعتبارات على الأقل تدعم هذا الطرح[1].

        1-تصميم السياسات هو في جوهره مسعى مقارن، قائم على التعلم من تجارب الدول المختلفة، ومن مجالات السياسات المتنوعة، ومن الحكومات المختلفة. وقد كان مفيدًا بشكل خاص مقارنة خيارات أدوات السياسة، وأنماط الحوكمة، وأساليب التنفيذ، وقدرات الحكومات، ومساحات التصميم.

        2- منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي دعا جميع الباحثين إلى سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال تصميم السياسات العامة إلى مزيد من التكامل بين دراسات السياسات وصنع القرار.

        3-على عكس النظريات التقليدية لعملية صنع السياسات العامة فإن تصميم السياسات يدور حول معالجة كل قضية سياسية بطريقة منهجية وعرضها في سياقها، ومعنى هذا أن مقارنة السياسات العامة من خلال نماذج القرارات الأربعة المذكورة سابقًا: تحديد المشكل والتقييم ، التنفيذ الحلول والتدخل هي عمليات في جوهرها مجموعة من الأنشطة تهدف إلى شرح كيفية عمل السياسة وذلك لتحسين استراتيجيات الحكومة وتوقع آثارها غير المرغوب فيها، يتكون التقييم من تحديد مشكلة السياسة واختيار المعايير الصحيحة لقياس نتائج السياسة التي تعالج هذه المشكلة. يرتبط التنفيذ عادةً بصياغة السياسات كمجموعة من الأنشطة المتعلقة باختيار الأدوات وتعبئة الدولة للموارد. أخيرًا، يشير التدخل إلى الإصلاحات الإدارية والابتكارات والتصميم المؤسسي التي تجعل السياسة أكثر فعالية. كل نموذج من هذه النماذج يحظى بالفعل باهتمام في مجال السياسات العامة، لكن تصميم السياسات هو الطريقة الأكثر شمولًا لمقارنتها.

        4- يسهل إطار تصميم السياسات النقاش بين الباحثين من مختلف المدارس الفكرية قد يبدأ ذلك بربط تصميم السياسات العامة بالسياسة المقارنة بحثًا عن أنماط "أساليب التنفيذ" وردود الفعل السياسية، ومع ذلك يشمل التصميم أيضا القرارات التي تتخذها الحكومة فيما يتعلق بوضع الأجندة وصياغة السياسات وتقييمها. وبالتالي يمكن القول أن ظهور العديد من نظريات تصميم السياسات منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فإن معظمها يشترك في الطموح الأصلي لعلوم السياسة كمنهج قائم على حل المشكلات ويُقدّم دعمًا نظريًا واضحًا للمعرفة الإمبريقية المستمدة من التجربة الحكومية، ولعل أن هذا البعد الموضوعي للسياسة المقارنة يدعم موقفها المعياري دون التخلي عن إطارها العلمي[2].

        من خلال ما سبق يتضح أن حقل السياسات العامة المقارنة يضطلع بدور متميز في عالم لا يزال يشكو من نمطية المفاهيم والقيم وهذا مايتطابق مع ما إعتبره "هربرت سيمون" هيمنة "نماذج الإدارة القائمة"، جاء التحليل المؤسسي المقارن في الإعلاء من شأن دور السياسات العامة المقارنة بإثراء التطورات والحجج الوطنية وتحدياتها، وبينما يُرجّح أن تُضيف المقارنة المناسبة معلومات إلى عملية صنع السياسات وتتيح تقييم نقدي لمدى وطبيعة التطورات السياسية المعاصرة، ينبغي مع ذلك أن يسعى تحليل السياسات العامة المقارنة المعاصر إلى تجنّب الوقوع في فخ "ما يجدي نفعًا". فاستخلاص الدروس للتطبيق لا سيما في السياقات الحزبية التي تهيمن عليها المصالح قصيرة الأجل وهنا من المرجح أن يؤدي ذلك إلى خلق آثارٍ سلبية غير مقصودة وغير متوقعة، وبدلًا من ذلك، يرجح أن تُسهم السياسات العامة المقارنة في تعزيز ذكاء عملية صنع القرار من خلال التقييم النقدي لأي إعلان عن ابتكار وطني في السياسات العامة فالإشارة إلى التجارب المقارنة واستكشافها تتجاوز مجرد الحكايات العابرة بل هو التساؤل النقدي والمستمر الذي يمثل جوهر السياسة العامة المقارنة[3].  

        وعلى ضوء هذا ينظر إلى التأثير الكبير للقواعد والإجراءات المؤسسية على سياسات صنع القرار وتنفيذ مختلف تصاميم السياسات والدروس التي يمكن استخلاصها من المنظور المؤسسي لتصميم السياسات؟ وبهذا الخصوص لا تزال الأبحاث حول التأثير الدقيق للإجراءات المؤسسية على صنع القرار السياسي، وتأثيرات تفاعل القواعد المؤسسية مع السياقات السياسية والاجتماعية، وحتى التاريخية، في بداياتها وحتى الوقت الحالي نجد أثر البحث في السياسات العامة لا يزال ساريا على تطور النظرية المؤسسية، وفي المقابل نجد للنظرية المؤسسية آثار بارزة على تطوير السياسات العامة، علاوة على هذا نجد أن البحث في أثر القواعد والإجراءات المؤسسية على السياسات العامة ذات صلة بالحلول السياسية القائمة على الأساليب الإجرائية، فمع تزايد تخلي صانعي السياسات المعاصرين عن ثقتهم في السياسات التي تضعها وتنفذها الحكومة فإنهم يتجهون بشكل متزايد إلى حلول سياسية قائمة على "بدء عملية" أو "إنشاء شبكة" أو "تحديد إجراء"، وهنا يبرز دور التحليل المؤسسي في توفير أساس للنقد والوصفات الملائمة للسياسات العامة رغم أن البحث في أثر القواعد والإجراءات على السياسة لا يزال في مراحله الأولية المبكرة يفتح آفاقا واسعة للبحث [4].



        [1] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 06

        [2] - Fontaine, Guillaume.op cit.pp 06-07. 

        [3] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 282.

        [4] - Ellen m. Immergut .Opcit .pp 567-568.

        • مفتوح: السبت، 2 مايو 2026، 3:35 PM
          يُغلق: الأربعاء، 2 ديسمبر 2026، 3:35 PM

          1- إتجهت المدرسة المؤسسية التقليدية نحو التحليل النمطي المعياري.

          2- الإتجاه المثالي المعياري للمدرسة المؤسسية التقليدية تقدم تفسيرات وافية على كيفية صنع السياسات العامة ومقارنتها.

          3- تمكنت النظرية المؤسسية التقليدية من سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال السياسات العامة.

          4- المؤسسية الجديدة أسهمت في تفسير التشابهات والإختلافات بين السياسات العامة تبعا لإختلاف بينة المؤسسات وتفاوت أدائها .

          5-  قامت المؤسسية التقليدية إلى وضع إطار واحد وملائم لمختلف النظم السياسية لتصميم السياسات العامة متماثلة ومتقاربة. 

          6-هناك منظور مؤسسي موحد لتصميم السياسات العامة. 

  • يواجه باحثو العلوم الاجتماعية والسياسية إحباطات وصعوبات كبيرة في إجراء الدراسات المقارنة. ففي حالة مجموعات البيانات العابرة للحدود التي تكون صغيرة الحجم نسبيًا لا تستطيع التقنيات الكمية التقليدية، مثل التحليل الإحصائي ذات المتغيرات المتعددة الحفاظ على أنماط التفاعل الإحصائي، علاوة على ذلك إذا أراد الباحثون مقارنة دول مختلفة فإن المناهج الإحصائية تشجعهم على زيادة حجم العينة وتجاهل أو على الأقل إغفال جوانب أخرى قابلة للمقارنة مثل الجوانب التاريخية والثقافية والجغرافية للظاهرة الاجتماعية قيد الدراسة، وعلى هذا الأساس استندت مدرسة البحث الاجتماعي المقارن في بداياتها إلى البحث الاجتماعي الموضوعي لا سيما دراسات ثيدا سكوكبول المعمقة حول المسارات التاريخية المقارنة، ومنهج جون ستيوارت ميل المقارن (منهج الاتفاق والاختلاف)[1].

    وعلى الرغم من الإسهامات المنهجية المقارنة التي جاءت لتواجه الصعاب التي تعترض العلوم الاجتماعية والسياسية المقارنة، إلا أن التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال يواجه مجموعة من المشاكل والصعوبات أولها تحدي التناسق المفاهيمي والنظري هذا ما يمنع من تقديم إسهام كبير في تصميم السياسات العامة بالربط بين الدراسات التطبيقية والنظرية، بالنظر إلى وجود اختلافات جوهرية بين تقاليد البحث المقارن في تحليل السياسات من خلال عدم وجود طرق وأساليب المقارنة متعددة وكيفية ربطها بتحليل السياسات العامة ضمن حالات المقارنة، حيث يسود "التحيز الوطني" أو "القومية المنهجية" التي لاحظها بعض الباحثين في مختلف مجالات العلوم السياسية الناطقة بالفرنسية والدولية فيما يتعلق بالملاحظات المنهجية في مقارنة السياسات العامة، وبهذا الخصوص بين بعض المحللين أن الكثير من الأعمال المقارنة في السياسات العامة يشكو عيوبا عدة ومتميزة بانحرافات منهجية أدت إلى مقارنات ليست بشيء، مقارنات لا قيمة لها تنسب إلى نفسها صفة الدراسات المقارنة ولكنها في الواقع ليس فيها مقارنة أو ما فيها إلا القليل منها[2]،  وعلى ضوء هذا يمكن ذكر العديد من الصعوبات والمشاكل العملية والنظرية المرتبطة بالتحليل المقارن للسياسات العامة:



    [1]- RAGIN, Charles C. The Comparative Method: Moving Beyond Qualitative and Quantitative Strategies. Fuzzy-Set Social Science Chicago: University of Chicago Press, 2000, p299.

    [2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص222.

      • يواجه التحليل المقارن للسياسات العامة مشاكل منهجية يحتاج حلها تتطلب إعادة النظر في الأساليب والأطر المنهجية المعتمدة والتي تتعلق أساسا بكيفية بناء مواضيع قابلة للمقارنة وممارسة العمل المقارن واستراتيجية كتابة المقارنة، وهذا كله ينطوي على عجز وقصور نظري في مقدمتها إهمال مسألة التغيير في السياسات العامة وايضا قلة الاهتمام بانتشار الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة، ولمعالجة هذه النقائص التي تشكل تحديا ماثلا أمام التحليل المقارن للسياسات العامة في الوقت الحاضر، الذي اصبح مطالب أكثر من أي وقت مضى على رد الاعتبار لمظاهر التغيير وبإدراج الأبعاد العابرة للدول في السياسات العامة المتزايدة والمؤثرة في السياسات الوطنية [1].

        ولعل ان هذا النمط من التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال مهيمنا إلا أن الأعمال الحديثة بينت أن هذا النمط رغم قدرته التفسيرية إلا أنه لا يخلو من مشاكل ونقائص ضمن الصعيدين المنهجي والنظري، ولعل من أولى الصعوبات التي يواجهها الباحثون المقارنون اختيار عدد الوحدات المراد مقارنتها، وهنا تطرح مسألة اختيار القضايا الوطنية فعليا عددا لا يحصى من المشكلات الواقعية (العلاقات، ومعرفة اللغات الأجنبية، والشبكات الاجتماعية والعلاقات المؤسسية) وكذا الاستراتيجية المقارنة المطلوب إتباعها (اختيار الحالات المتشابهة أو المختلفة)، ولعل أن هذه القضايا تبرز جليا في حالة المقارنات بين المستويات دون الوطنية التي يحتمل أن يتضاعف عدد حالاتها، ولأن العمل على السياسات دون الوطنية ينطوي على تناول التعقيد المؤسسي والسياسي والإقليمي لكل نظام وطني على حدا يعد امرا صعبا ومعقدا، وخذا ما وضحه "جيري ستوكر" قائلا: "إن المقارنة بين الدول القومية صعبة بما فيه الكفاية ولكن من حيث الديمقراطيات  فعلى الأقل لا يوجد سوى 121 من هذه الحالات، علاوة على هذا في  بلد واحد قد يكون هناك عدة مستويات مختلفة من الحكومة المحلية كما أن شكل كل سلطة محلية تختلف وفقا للاختيار المحلي أو الظروف المحلية السائدة "[2].

        وعلى ضوء هذا تبرز مشكلة التباين داخل دولة واحدة والتي تكمن في أن الدراسة المقارنة للسياسة العامة بين دول مختلفة قد تخفي بعض الاختلافات المهمة في السياسات العامة حتى داخل الدولة الواحدة، ولعل أن هذه المشكلة تبرز خصوصا عند استعمال البيانات التجميعية في تحليل السياسة العامة حيث أن بيانات السياسة العامة عادة ما يتم تجميعها على اساس المتوسط القومي العام، ولكن هذه المتوسطات قد تكون مضللة وخادعة عند استعمالها في المقارنة  بين مختلف النظم السياسية لأن اختلاف السياسات العامة وآثارها داخل الدولة الواحدة قد تكون أكبر متوسط الاختلافات بين الدول المختلفة والمتقدمة[3]، وهنا تبرز أهمية مقارنة عمليات السياسات التي تحدث على مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي والتي تركز تحديدا على الخيارات العامة التي تتضمن إنشاء أنظمة حوكمة أو ترتيبات مؤسسية، التي تبرز قيمة المقارنة على المستوى الوطني لتكوين هذه الأنظمة وتطبيقها وتكييفها مع المستويين المحلي والدولي[4].

        ولذلك فإن صعوبة البحث المقارن تكمن في التصور والتنظيم والتنفيذ فعند دراسة أكثر من دولة تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، كما أنه يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث البشرية والمالية على حد سواء لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود وهذا ما أدى إلى تناقص للدراسات المقارنة، وعلى هذا الصعيد من المهم التذكير بأن دراسات السياسات العامة المقارنة لا تزال في مراحلها الأولى، فعلى عكس الدراسات المقارنة لعمليات التصويت، أو الانتماء الحزبي، أو المواقف، أو الانتخابات، فإن معظم الدراسات المقارنة للسياسات العامة عادة ما تكون محدودة النطاق: إما أنها تقارن بين عدد قليل من الدول أو أنها تركز على مجال سياسي واحد (غالبا ما تكون "المعايير التقليدية" لدولة الرفاه المتمثلة في: المعاشات التقاعدية، أو الصحة، أو أشكال مختلفة من مساعدات الفقراء)، وكما هو الحال مع أي منهج بحثي تكون فيه القضايا الأساسية بالغة التعقيد والبيانات المتاحة محدودة، وهنا ينصب التركيز على خصائص أوضاع السائدة في بلد أو مؤسسة محددة تؤدي إلى نتائج معينة أو اختلافات عابرة للحدود ولكن ربما نرى هذه التفاصيل الصغيرة لكننا نفتقر إلى المنظور الذي يسمح لنا برؤيتها بصورة شاملة[5]، ولهذا لا بد من النظر إلى السياسة العامة من منظور أوسع من دون التركيز فقط على مستوى الكلي للدولة القومية الذي قد يؤدي إلى تجاهل وإهمال المصادر العامة والخاصة البديلة لإشباع الحاجات الإنسانية الأساسية، فقبل أن نستطيع مقارنة وتقييم أداء الحكومات المركزية أو القومية في توفير هذه الحاجات، يجب أن نحدد أولا درجة مسؤولية الحكومة المركزية في هذا الإطار وعلى وجه التحديد فإن ذلك يتطلب معرفة:

        1-كيفية تقسيم مسؤولية توفير هذه الحاجات المختلفة للأفراد والجماعات – الصحية والتعليمية وغيرها- بين الحكومة المركزية والأجهزة الحكومية المحلية.

        2- كيفية تقسيم مسؤولية أداء هذه الوظائف وتوفير هذه السلع والخدمات بين القطاع العام والخاص، وباختصار قبل وضع أحكام معيارية أو إمبريقية حول التزام النظام السياسي بالتعليم أو صحة أو رفاهية مواطنيه، يجب الأخذ بعين الاعتبار مسؤولية السلطات المحلية والقطاع الخاص في هذا الإطار[6]. 

        يتضح مما سبق أن نظريات البحث المقارن في السياسات العامة أثمرت رؤى مهمة حول أنماط نتائج ومخرجات السياسات العامة، لا سيما في الدول الصناعية الغربية والتي أدت إلى تطوير المقاربات النظرية مثل نظرية موارد القوة والمؤسسية، لتصبح أدوات رئيسية كما ساهمت في تطوير النظرية في مجال البحث في السياسات العامة وخارجها. ومع ذلك، فقد أظهرت الدراسات والبحوث في الوقت الحالي وجود عدة نقاط ضعف في البحث المقارن في السياسات العامة، والتي تعود بصورة جزئية إلى الخيارات المنهجية المنتهجة ويمكن تفسيرها أيضا بمستوى التجريد الذي عادةً ما يميز هذه الدراسات[1]، التي فقد تسهم في التغلب على بعض نقاط ضعف بحوث السياسات العامة المقارنة من خلال تركيزها على العملية، والميل إلى التعمق في دراسة نطاق وشروط ومعايير اختيار هذه الحالات، ومن خلال تحليل بعض نقاط الضعف في بحوث السياسات العامة المقارنة الحالية والتي يبدو أنها ليست ثابتة بل يمكن معالجتها عبر دمج نظريات عملية السياسة بعناية في الحجج النظرية والتصميم البحثي التجريبي لبحوث السياسات المقارنة.

        التي تتطلب في الوقت الحالي إعتماد تقنيات جديدة تتيح لنا فهما أعمق لعمليات تحديد السياسات العامة لا تعني إنكار إسهامات التقدم الذي أحرزه العقد الماضي في تطوير النظريات أو في تحسين أساليب اختبار الفرضيات. إنما إلى ضرورة اعتماد هذه التقنيات لتجاوز العقبات المنهجية التي باتت واضحة لنا مع ازدياد الوعي بها نتيجةً للتقدم المحرز في تحليل السياسات العامة المقارن، الذي يتطلب التركيز على تفسير وتحديد التباين والاختلاف ، ولذلك فإن هذا التوجه المنهجي يشكل خطوة تمهيدية في تطوير صورة أكثر تفصيلا لتفاعل المتغيرات التي تحدد نطاق نتائج السياسات في الدولة الحديثة، وهو بتعبير أخر يمثل مقدمة ضرورية قد تكون الخطوة التالية والمهمة في سبيل تطوير تحليل السياسات العامة ألا وهي ظهور تاريخ مقارن لتطور السياسات العامة[2].




        [1] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص244.

        [2] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.

        [3] - زاهي محمد بشير المغيربي ، قراءات في السياسة المقارنة ، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، 1994، ص 264-265.

        [4]-Oran R. young(eds). CHOOSING GOVERNANCE SYSTEMS : APLEAFOR COMPARATIVE RESEARCH .the oxford handbook of PUBLIC POLICY. General Editor: Robert E. Goodin. Oxford University Press. New York. First published 2006.P 844

        [5] -Frank R. Baumgartner, Christian Breunig, and Emiliano Grossman. Advancing the Study of Comparative Public Policy. In : Comparative Policy Agendas : Theory, Tools, Data., Oxford University Press. 2019.p35.

        [6] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 265-266.

        [7] - FRANCIS G. CASTLES .Comparative Public Policy Analysis : Problems, Progress and Prospects. Volume 20, Number 3, Summer.1985.op 220-221.

        [2] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten.op cit . p308 .

        • تجدون في هذ المستند الذي يشير فيه الباحثين GeorgWenzelburger · Carsten Jensen  Francis G. Castles الذين تطرقوا إلى الصعوبات والمشاكل التي يواجهها التحليل المقارن للسياسات العامة 

      • من أهم المشكلات التي قد تظهر في تحليل المقارن للسياسات العامة اختيار العينة بناءا على المتغير التابع فكثيرا ما يميل الباحثون إلى تضمين الحالات الناجحة فقط في عينتهم، مما يؤدي ذلك إلى استبعاد التباين الحاصل في المتغير الذي يحاولون تفسيره، وهنا أشار باحثو السياسة المقارنة إلى أن أخذ العينات بناء على المتغير التابع يعتبر "خطأً استدلاليًا جسيمًا" ومصدرًا الاختيار الانحياز نظرا لعدم وجود تباين جوهري ومع ذلك، فإن هذا النقد لا يصح إلا في المقارنات ذات العينات الكبيرة والتي تركز على النتائج بدلا من الأسباب[1].

        ولهذا يتمثل التحدي الرئيسي للباحثين عند استخدام المنهج المقارن في اختيار الحالات التي ستدرج في "عينة" الدول التي على أساسها تجرى المقارنة للسياسات العامة وفق عينة صغيرة (Small Number) تسمح لنا باختيار حالات الدراسة وتحديدها للتحكم في عدد من المتغيرات في الحالات المختارة، يشابه هذا التحكم إدخال متغيرات تحكم في معادلة الانحدار الهادفة إلى عزل التأثيرات المُفترض للمتغير المستقل وربما عدة - متغيرات مستقلة على المتغير التابع - وعادة ما يكون ذلك خيارًا سياسيًا، وعلى عكس المناهج الأخرى لا يتم اختيار الحالات عشوائيًا بل يتم تصميمها لإظهار جانب من جوانب السياسات العامة في حالات مختلفة وتتمثل النقطة الأهم عند التفكير في تصميمات البحوث المقارنة التي في غالبها تطرح إشكالية عامة تتعلق بتصميم البحث الذي يتناول طبيعة "العينة" المراد تحليلها، وهنا تثير المقارنة الواسعة بين الدول مشكلات جوهرية سواء على مستوى العينات المتوسطة الحجم أو المقارنات ذات العينات الصغيرة، فمثلا جوهر المقارنة في دراسات تغيرات تنظيم الدولة أثبتت الدراسات المقارنة صعوبتها ويعود ذلك إلى صعوبة قياس درجة الإصلاح الإداري حتى على أوسع نطاق وهذا ما يتطلب مراعاة اختلاف الأوضاع المؤسسية الأولية فضلا عن اختلاف الثقافات [2].



        [1] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.

        [2] -Martin Lodge (eds(.op cit.  p 282.

      • إن التباين الكبير في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول المختلفة يجعل من الصعب عزل المتغيرات المسؤولة عن السياسات العامة التي تم إقرارها، أي أنه من الصعب عزل أسباب الاختلافات في خصائص النظم السياسية أو في مخرجات ونواتج السياسات العامة إذا كانت هناك تباينات جغرافية ومناخية ولغوية واقتصادية وتاريخية ودينية واسعة وهذا لا يحدث بالنسبة للذين يركزون على تحليل السياسة العامة في بلد واحد وذلك لإمكانية عزل تأثير العديد من المتغيرات المستقلة، وهنا لا بد من التركيز منذ البداية على عدد محدود من النظم السياسية ومن مجالات السياسة العامة المقابلة للمقارنة [1].

        وفي هذا الصد نجد الاعتماد على المتغيرات في إجراء المقارنات القائمة بناءا مؤشرات كمية والتي تحصر تطور دولة الرفاه مثلا في مستوى النفقات الاجتماعية أو تحصر صنف السياسة الاقتصادية المنتهجة في نسبة التضخم ومعدل البطالة، وهذا التبسيط المفرط لأوضاع الواقع الوطني موجود في الأعمال الكمية المعتمدة على المتغيرات   ولعل أن هذا النوع من المقارنات السائد خلال عقدي الستينات والسبعينات قد ابان على أوجه قصور كثيرة ، من خلال التبسيط المفرط في التحاليل الرامية إلى إظهار أساليب وطنية للسياسات العامة ، والعيب في هذه التحاليل  أنها تقدم مواصفات سطحية للسياسات العامة في بلد معين بالاعتماد على عدد قليل من السمات البارزة مثل الإلزام مقابل الإجماع والتوقع مقابل القدرة على الرد[2] .

        وفي هذا الإطار يكون الاقتصار على فحص الاختلافات بين السياسات ونتائجها بشكل مباشر لا تشير إلى أنواع المشكلات التي قد تظهر، وهنا غالبا ما يكون من المستحيل تحديد ما إذا كانت نتائج السياسات المختلفة ناتجة عن اختلافات في خصوصيات السياسات نفسها أو في طبيعة المشكلات التي تسعى إلى التخفيف من حدتها أو في البيئات الثقافية العامة التي تعمل فيها أو مزيج من هذه العوامل التي تنطبق عليها أسئلة مماثلة من وجهة نظر هياكل السياسات بدلا من التركيز على نتائجها، وهنا قد تختلف السياسات الموجهة نحو معالجة نفس الاهتمامات بشكل عام في دولتين مختلفتين لكن الاختلاف في المناهج وأساليب التحليل ومحاولة تحليلها من منظور مقارن قد تكون غير مجدية حيث قد تنجم التباينات الأكثر تحديدا في السياسات نفسها عن اختلافات ثقافية أساسية أو اختلافات إدارية وسياسية بين الدول، ولا تكون الأوزان النسبية لهذين النوعين من التأثير واضحة دائما، وسواء تم التركيز على السياسات أو النتائج فإن التحليل المقارن يواجه معضلة فكرية، وعلى سبيل المثال نجد تحليل سياسات الخدمات الاجتماعية المتشابهة عموما في دولتين أم أنها ممارسة محفوفة بالفشل؟ قد تستند السياسات إلى مفاهيم مختلفة تماما لأكثر احتياجات الخدمات الاجتماعية إلحاحا وأفضل السبل لتلبية تلك الاحتياجات، وقد تستخدم أنظمة ضريبية ومزايا متباينة وقد تعمل في بيئات توجد فيها علاقات مختلفة بين برامج المزايا العامة والخاصة أو بين المستويات الوطنية ودون الوطنية للحكومة وفي مثل هذه الحالات قد تكون المتغيرات كثيرة و متنوعة [3].



        [1] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 264-265.

        [2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص224.

        [3] - Arthur Cyr and Peter de Leon .Comparative Policy Analysis. Introduction for the December 1975 issue of Policy Sciences, Vol. 6, No. 4. June 1975 .pp 02-03.

      • إن الهدف من التحليل المقارن للسياسة العامة هو تفسير وتقييم التشابهات والاختلافات في السياسة العامة ومخرجاتها وآثارها بين الدول المختلفة، ولك للقيام بذلك يجب أن نفحص العديد من مؤشرات السياسة العامة مثل القوانين التشريعية والأوامر التنفيذية والقرارات القضائية والميزانيات والمتغيرات المؤثرة الأخرى مثل الأمية ومتوسط الدخل ومعدلات الجريمة ...إلخ[1]، ولذلك فإن دراسة أكثر من دولة، تتزايد المشكلات المرتبطة بجمع البيانات وتحليلها بشكل كبير، حيث يمكن أن تصبح التكاليف الباهظة لإجراء البحوث، البشرية والمالية على حد سواء، هائلة لدرجة أنها تُحبط أي محاولة للقيام بعمل عابر للحدود، وهنا لا يقتصر تحليل السياسات المقارنة على المقارنة بين الدول فحسب. فعلى سبيل المثال نشرت مجلة تحليل السياسات المقارنة عام 1997 مجموعة واسعة من المقالات البحثية التي تقارن قضايا السياسات عبر المناطق والأزمنة والأماكن، وقد تنوعت أسئلة البحث التي كانت تتناول سابقًا الأبعاد الدولية والعابرة للحدود لعملية صنع السياسات، بعد إدراج مناطق جغرافية جديدة مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، وقضايا شاملة جديدة من الدراسات الجندرية والثقافية، وتحديدًا مشكلات السياسات العابرة للحدود المتعلقة بتغير المناخ والإرهاب والأوبئة والفساد...إلخ [2].

        ولذلك فإن قيمة النتائج تتحدد بنوعية ومستوى البيانات المستخدمة ولكن من أهم المشاكل التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة هي عدم توفر أو عدم دقة البيانات الأساسية والمهمة، وبالذات فيما يتعلق ببيانات الدول النامية حيث تؤدي الموارد المادية والفنية المحدودة إلى صعوبة جمع البيانات وعدم الوثوق في مصداقيتها ودقتها، ولهذا تمثل مشكلة صلاحية ومصداقية البيانات تواجه الباحثين الذين يعتمدون على البيانات التجمعية، وبالإضافة على هذا هناك مشاكل أخرى نذكر منها:

        1-عدم إمكانية مقارنة بعض جوانب السياسة العامة، فعلى سبيل المثال فإن الإنفاق على الدفاع في بعض الدول يشمل الإنفاق على الشرطة المحلية بينما لا يشمله في دول أخرى .

        2-التزوير والخداع في تقديم المؤشرات والبيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

        3- وجود أخطاء كثيرة في عملية جمع البيانات[3]..

        ولهذا فإن أحد الشواغل الحاسمة التي تواجه التحليل المقارن للسياسة العامة يتمثل في قابلية البيانات للمقارنة وهذا الأمر لا يزال يشكل عائقا رئيسيا أمام العمل المقارن وهذا بدوره يؤدي إلى الحاجة إلى وجود مخزون أكبر من دراسات الدقيقة لمصادر البيانات الأولية للحالات عبر الوطنية، ورغم إحراز تقدم كبير في جمع البيانات وتحليلها في السنوات الأخيرة إلا أن هذا التقدم حدث بشكل أساسي في المجالات التي يكون فيها التحديد الكمي سهلا نسبيا مثل الإحصاءات الاقتصادية والديموغرافية التي تقترح التأمل في الحدود الحالية للتحليل المقارن الذي على ما يبدو يحتاج لمزيد من البحث وبأخذه بعمليتين محددتين مترابطين: فالعملية الأولى جاءت لتعبر عن الحاجة إلى عمل مفاهيمي قائم على منهجية متماسكة لدراسات السياسات للتعامل مع التعقيدات التي تنطوي عليها الجهود المقارنة، وهذا الجانب يتطلب مطابقة البنى النظرية مع البيانات والأدلة التي تم جمعها بدقة سواء كانت كمية أو نوعية، وبهذا الخصوص أشار "هارولد لازويل" فإن حيوية المنهج المقارن ستعتمد على "ما إذا كان توسيع مخزون "الحقائق" المقبولة على أنها متصلة ومتزامنة مع التغييرات "المنهجية" التي تجعل الحقائق لا غنى عنها" لفهم وإدارة عملية السياسة، أما العملية الثانية: فتتمحور حول بذل المزيد من العمل لشرح المتغيرات الثقافية وتوسيع نطاقها وهي إذا تمت هذه المهمة بمزيد من المعالجة والتفصيل فسنكون قادرين بشكل أفضل على تحديد آثار العوامل الثقافية على عملية السياسة، ولهذا أصبح من الأهمية بمكان إعادة التأكيد على قيمة التحليل المقارن في فترة تبدو فيها علوم السياسة عند مفترق طرق حرج من المنظورين المحلي والدولي، يؤكد التقدير المتزايد لأبحاث السياسات عبر الوطنية وتأثيرات السياسات على الحاجة إلى التحليل المقارن. من الواضح أن الاهتمام بدراسات السياسات وأهميتها قد نما في السنوات الأخيرة، لكن حدود هذا المجال لا تزال غامضة ومن الممكن أن الجهود المبذولة لتحديد وتوضيح معالم مجال السياسة العامة المقارنة ستزداد تعقيدا [4].

        على الرغم من أن الدراسات المتخصصة خلقت العديد من الأفكار القيمة إلا أن ظهور السياسة العامة المقارنة كشيء يشبه المجال الموحد هو أمر حديث إلى حد ما ونابعة من الأدبيات العامة وبقدر ما يكون هناك مجتمع من الباحثين المنخرطين في حوار مستمر والسعي الجماعي لبناء النظرية، فإن أصول هذا التقليد البحثي لم تكن قابلة للمقارنة على اعتبار أنها منشائها الأساسي نابع من دراسة السياسة الأمريكية وبالتالي يمكن القول أن جذور السياسة العامة المقارنة كانت ذات طابع مقارن لكنها أخذت معنى الأكثر تشابها، وكنتيجة لهذا كان علماء السياسة المقارنة خارج الولايات المتحدة كانوا يحاولون وحتى وقت قريب مواجهة معضلة تجنب التوافق القسري من خلال تطبيق منهج معين بحذر على الحالات التي لم يكن بالضرورة مناسبا لتفسيرها مع الحرص على تقييم النتائج بشكل نقدي وتعديل النظرية إذا لزم الأمر (وفقًا للطريقة الإستقرائية الافتراضية)، وبدلا من ذلك تمكن علماء السياسة المقارنة الدوليون أن يبتكروا أساليب خاصة بهم كانت أكثر ملائمة للتحليل المقارن، ورغم أن هذا الخيار الأخير ربما يكون الأكثر وضوحا، فإن مدى كونه أكثر ملاءمة لبناء المعرفة في مجتمع عالمي من العلماء يتوقف على ما إذا كانت وجهات النظر البديلة ناجحة في تحدي الأساليب والنماذج السائدة وإحلال محلها (هي عملية أقرب إلى مفاهيم توماس كون تغيير النموذج المعرفي)[5].

        علاوة على هذا نجد الهويات التخصصية المتنازع عليها التي يشهدها حقل السياسة العامة المقارنة من حيث : الطريقة أو المجال صعوبة في تطوير النظرية نظرا لتعقيد موضوعه وطبيعته المتعدد التخصصات المتمثل في تطبيق واستعارة النظريات من التخصصات الأخرى، وعدم وجود إطار نظري متماسك وشامل، إلى جانب الاختلاف في وحدة التحليل ، والانضباط الأساسي ، والاهتمامات الرئيسية للمجالات دراسية الثلاثة السياسة العامة المقارنة، والسياسة المقارنة، والإدارة العامة المقارنة تبقى مجالات متطورة ومميزة ومترابطة [6] ، وهذه التخصصات تبقى مهمة بالنسبة للتحليل المقارن للسياسات وتطور النظرية السياسية الإمبريقية فهو يعد أحد أهم السبل لتطوير نظرية السياسة من جهة ولتحسين جودة السياسات العامة من جهة أخرى، إلا أنه ينطوي أيضا على التحديات التي تواجه العلوم الاجتماعية التي يجب علينا إدراكها حيث يتطلب التحليل المقارن الجيد للسياسات العامة بدمج ثلاثة مصادر واسعة على الأقل من الأدبيات الأكاديمية: أولها الأدبيات المتعلقة بالسياسة العامة التي لا تقتصر على الأطر النظرية والتحليلية فحسب بل تلك التي تشمل معلومات جوهرية حول كل مجال من مجالات السياسة، ثانيًا: يتطلب الأمر معرفة وفهما عميقا للسياسة المقارنة ليس فقط من الناحية النظرية، بل أيضًا من خلال دراسة الحالات الواقعية التي يتم تضمينها في التحليل، وأخيرًا، يتطلب الأمر مهارات منهجية للتحليل سواء كانت كيفية أو كمية[7]


        [1] - - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.

        [2] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.

        [3]  - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 266.

        [4] - Arthur Cyr and Peter de Leon. Op cit.pp 16-17.

        [5] - Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .p 49.

        [6] -  Wilson Wong .Comparative Public Policy Department of Government and Public Administration, The ChineseUniversity of Hong Kong, Hong Kong, China. January 2016. P03

        [7] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p137.