هذا المقياس موجه لطلبة السنة ثانية ماستر علوم سياسية تخصص الإدارة المحلية (أعمال موجهة )، ويعد كتخصص علمي قائم ضمن إطار العلوم السياسية كما أنه يمثل نقطة إلتقاء بين العديد من التخصصات منها والإدارة العامة والإقتصاد والقانون، هذا ما جعله حقل خصب للدراسة والبحث لكونه مرتبط بديناميكية الحياة العامة (علم حل المشاكل العامة) .
الكلمات المفتاحية: المقارنة، السياسات، المؤسسات ، المصالح، المعتقدات .
السياسات العامة المقارنة (comparative public policies )هو مجال بحثي يهدف إلى شرح مخرجات السياسة ونتائجها ، ويشكل هذا الحقل المعرفي نقطة إلتقاء لتخصصات العلوم السياسية وعلم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والعلاقات الدولية وعلم الإدارة. ومنذ مطلع ستينيات القرن العشرين شهد هذا الحق تطورًا كبيرا بفضل استخدام المناهج الكمية والأساليب الاحصائية، كما يهتم هذا المقياس بتحليل المقارن للسياسات العامة على مستوى الدولة من جهة وعلى مستوى مابين الدول ( المقارنة الدولية) وإلى المقارنة العابرة للدول ، بمعنى عدم الاقتصار على الاطار الوطني للسياسات وتشسليط الضوء على التشابهات الناتجة عن التفاعلات مابين الدول وما يحفز مختلف البلدان على إعتماد سياسات متشابهة عوض الاهتمام عن ما يميزها واختلافاتها وبمعنى آخر البحث عن الاسباب والعوامل المؤدية إلى تقارب السياسات وإنسجامها ، على هذا الأساس يهتم التحليل المقارن للسياسات على التقارب ةتشابه السياسات العامة التي تتبناها مختلف الدول خاصة في ظل تنامي تأثيرات العولمة وتشابك التفاعلات الدولية وإنعكاساتها على السياسات الوطنية ومن خلال هذا تتمحور أهداف هذا المقياس فيما يلي:
1-تلقين منهجية البحث لدى الطلبةوالتحليل وفق الأطر المنهجية والعلمية المتعمدة في هذا التخصص العلمي .
2- تمكين الطالب من إدراك ومعرفة التحولات والتطورات النظرية الحاصلة في مجال علم السياسة العامة
3- الإحاطة بمقتربات التحليل لعملية صنع القرار .
1- تعريف الطلبة بمفاهيم ومداخل ونظريات السياسة العامة.
2- توجيه الطالب نحو إدراك المشاكل العامة وتقديم تصورات لحلها من خلال السياسات العامة.
3-توجيه الطالب نحو فهم أبعاد وخلفيات رسم السياسة العامة
4- تمكين الطالب من كيفية إستخدام المنهج المقارن وأساليبه في مجال السياسات العامة
المقياس مبرمج لطلبة السنة ثانية ماستر علوم سياسية تخصص الإدارة المحلية ، الذين لديهم مكتسبات ومعلومات عامة عن هذا المجال من خلال دراستهم لمجموعة من المقاييس المرتبطة بحقل السياسة العامة مثل مقياس النظم السياسية المقارنة ونظريات صنع القرار ونظريات النظم السياسية والمنهج المقارن ومختلف المناهج الكمية .
تجدون في هذا الاختبار مجموعة من الأسئلة التي تسمح لك بالدخول إلى تصفح المقياس
السياسة العامة هي أحد المجالات البحثية الحديثة نسبيا في حقل السياسة المقارنة ، تكشف عن طبيعة النظام السياسي، وقياس درجة أدائه من خلال التركيز على نوعية مخرجاته
أما من الناحية الأكاديمية فالسياسات العامة تساعدنا على فهم ديناميات النظام السياسي من خلال معرفة القوى المؤثرة فيه، إلى جانب ذلك فهي تمكننا من دراسة قدرة النظم السياسية على الاستجابة لمتطلبات المجتمع وباشباع حاجات الفئات المستهدفة، من هذا المنطلق يمكن تقديم بعض التعريفات للسياسات العامة وهي كما يلي :
تعريف هارولد لازويل "Harold D. Lasswell " (لاب الروحي لعلم السياسات) ) ويعد اشهر تعريف للسياسات العامة:من يحصل على ماذا ؟ ومت ؟ وكيف ؟ وقد تناول لا زويل تحليل السياسات العامة بشيئ من التحليل المعمق والمفصل محدثا بذلك تحولا نوعيا في هذا المجال .
على ضوء هذا أخذ مفهوم السياسة العامة معنى برنامج عمل أين أعتبرت السياسة العامة بمثابة عملية إتخاذ القرارات وبإعدا سياسات تخدم وتحفظ على بنية التنظيمات القطاعية للدولة، بهذا الخصوص إعتبر توامس داي السياسات العامة بأنها إختيار الحكومة لقيام بعمل ما أو الإمتناع عن القيام به، كما عرفها جون كلود نيوش بأنها " سلسلة من الإجراءات التي تنطوي على إنتاج حلول للمشاكل يتم إضفاء الطابع المؤسساتي عليها".
وعرفها جون كلود طونيغ " بأنها " برنامج عمل السلطات الحكومية تتشكل من مجموعة عمليات التفاعل تساهم في تحمل المسؤولية وحل عدد معين من المشاكل وفق أجندة السلطات "، وعرفها أيضا جيمس أنردسون بانها " منهج عمل هادف يتم إتباعه في التعامل مع مشكلة مجتمعية معينة" ، إلى جانب هذا نجد بعض الدارسين العرب حيث عرفتها أماني مسعود وربطتها بوظائف النظام السياسي معتبرة أنها " تسمح بدراسة النظام السياسي أو قدراته بمعنى دراسة لأداء النظام السياسي والحكومي والإداري لدولة ما "، إضافة غلى هذا قدم خيري عبد القوي تعريفا للسياسة العامة يقول فيه: " تلك العمليات والإجراءات السياسية وغير السياسية التي تتخذها الحكمة ، للوصول إلى إتفاق على تعريف المشكلة والتعرف على بدائل حلها وأسس المفاضلة بسنها لإختيار بديل يقترح إقراره ليكون على شكل سياسة عامة ملزمة تتضمن حلولا مرضية لمشكلات معينة.
للإحاطة بحقل السياسات العامة من الناحية المفاهيمية والنظرية يقتضي العودة إلى مختلف التصورات المعتمدة في تحليل السياسات العامة التي تجمع كلها على أنها نتاج عمل الدولة المتفاعلة مع شبكة معقدة من الفاعلين، ومن خلال هذا عرف علم السياسات العامة تطورات كبيرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ما يجعل أدبياتها ودراساتها متأثر بالطابع العلمي الأنجلوسكسوني الذي يعتمد على نموذج الحديث في دراسة كيفية اشتغال الأنظمة السياسية ومجال تدخلها، والذي يهتم أيضا بتدخل الفواعل غير الرسمية مثل المجتمع المدني والقطاع الخاص، لكن رغم هذه الإسهامات العلمية الأنجلوسكسونية إلا أنها إعتمدت في الأصل على المنظور الأوروبي الذي هو نتاج تجذر ثقافة الدولة (الجانب الأخلاقي والفلسفي والقانوني) ومن خلالها بقيت الدولة حاضرة بقوة في تحليل علمية رسم السياسات العامة وتنفيذها، وتجدر الإشارة هنا أن أفكار فريديريك هيجل وكارل ماركس وماكس فيبر تؤكد كلها على مفهوم الدولة كمؤسسة مهيمنة على رسم السياسات العامة وتنفيذها.
في هذا الصدد نجد الأدبيات الأوروبية متشبعة وممجدة "لفكر الدولة" ونخص هنا بالذكر دولة الرفاه المتدخلة التي تتدخل في مجالات واسعة، ولهذا نجد أن محللي السياسة العامة الأوروبيون المهتمون بدراسة دور الدولة متأخرون عن الأنجلوسكسون المهتمون بدراسة دور التنظيمات والجماعات غير الرسمية هذا ما سمح بإعطاء صورة عن مدى تطور المجتمعات الحديثة المعقدة في تنظيماتها، من حيث تطبيق النموذج الحديث في تحليل تنفيذ السياسات العامة من خلال أدوات وتقنيات تحليل تلائم تعددية الفاعلين، وفي هذا الصدد نجد صعوبة تأقلم الأوروبيون مع هذا النموذج الحديث الذي ظهر في أمريكا في سنوات الخمسينات، نظرا لتجذر الثقافة القانونية في أوروبا من خلال دولة الرفاه الاجتماعي التي عرفت اوج تطورها خلال سنوات المجد الثلاثين الممتدة من (1945-1975) حققت خلالها الدولة المتدخلة نتائج جيدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الأوروبية.
وعلى ضوء النظرية البيروقراطية "لماكس فيبر" التي شكلت اطروحته نقطة التقاء بين المنظور الأوروبي المهتم بالدولة والمنظور الأنجلوسكسوني (الأمريكي) المهتم بالتنظيمات، وهنا نجد الخاصية البيروقراطية للدولة أحدثت تطور نسبي على أساس نظام محدد لتدخلات الدولة التي تعمل على تنظيم أعمال وأنشطة مختلف الفاعلين والوسطاء المكلفين بتطبيق السياسات العامة، وعلى هذا الأساس يلتقي "ماكس فيبر" مع طرح "فريديريك تايلور" الأمريكي في نقطة تطور أداء المؤسسة الاقتصادية، ماكس فيبر طرح فكرة الأداء السياسي الجيد، وتايلور طرح فكرة الأداء الصناعي ووفقا لهذا أخذ الأداء الإداري إلى الأداء السياسي الذي هو مرتبط بالاستقرار وفكرة السلوك الإنساني.
ومن هذا المنظور علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات يُنظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد وهذا ما يجب النظر إليه بعناية من حيث التحليل والتوصيات التي تقدم لا حقا على ضوء هذه الإسهامات يمكن افشارة إلى أهم التصورات والتعريفات لوصف هذا العلم وهو كمايلي:
1- علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات ينظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد.
2- يتسم علم السياسة العامة بأنه متعدد في المناهج الفكرية والتطبيقات العملية كما أنه يعتبر نقطة التقاء لمجموعة من التخصصات العلمية، ولذلك ما يجعل منه تخصص متشعب بتشعب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولهذا نجد أن هذا العلم مرتبط بمختلف التخصصات الأكاديمية دون الوقوع بوضوح في مجال حصري لأي تخصص واحد، وبالتالي الحصول على تحليل كامل للظاهرة يتطلب توسيع وتعميق التحليل بإستخدام مناهج ومقاربات نظرية متنوعة تعكس ثراء هذا العلم.
3- ما هو ملاحظ أن منهج علم السياسة العامة موجه بشكل واعي وصريح نحو القيمة ففي كثير من الحالات ،يتعامل موضوعها المركزي مع أبعاد الديمقراطية والكرامة الإنسانية، وهذا التوجه القيمي كما ينظر إليه السلوكيون الذين يركزون على الخلفية " الوضعية" في العلوم الاجتماعية ، يعترف بأنه لا توجد مشكلة اجتماعية ولا توجه منهجي متحرر من القيم، وعليه لفهم مشكلة ما يجب على الإقرار بالقيم ومكوناتها، ومثلا لا يوجد عالم سياسة بدون قيمه الخاصة وبالتالي لا بد من الاعتراف بأهمية القيم في إيجاد الحلول للمشكلات وهذا التوجه الذي يمثل جوهر الما بعد الوضعية[1].
ومن خلال هذا ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل المعرفي أبرزهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي، والذي يعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات[1]، وعلى هذا الأساس ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل وعلى رأسهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي ويعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات، حيث يقول لا زويل إن السياسة العامة تشبه السياسة فهي " معرفة من هو الذي يأخذ وماذا يأخذ، وكيف يأخذ، ولماذا يأخذ؟ هذا التعريف يركز على الجوانب الاقتصادية، فلا زويل ينظر لسياسة الدولة على أنها عملية توزيع الموارد المالية (الموازنة) مع ما يلحق بها من مصادر قوة من علاقات وأولويات ومزايا ومعلومات، وهذا التعريف يعني ان مربط الفرس في السياسة العامة هو الموازنة العامة للدولة وكيفية تفصيل المنافذ الانفاقية على برامج ومؤسسات الدولة [2] .
[1] -- Coulomb(eds). FARMERS AND POLITICS IN FRANCE .Enstone ,Oxon (UK): The Arkleton Trust. (1991). p 36
[2] - محمد زاهي بشير المغيربي، قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1994، ص 241.
[3]PATRIK HASSENTEUFEL. Sociologie politique : l’action publique.2é édition. Armand Colin. Paris. 2011.P 20-21
[4] -أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، السياسات العامة المقارنة، ترجمة أمل شوقي، الاهلية للنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص22.
تجدون في الأسفل مجموعة من الكتب والمقالات إستعن بها في إنجاز بحث موضوعه التطور النظري للسياسة العامة بين منظوري النظام السياسي و المنظور المؤسساتي ؟
يهدف هذا الويكي إلى تعزيز التعاون وتفاعل الطلبة فيما بينهم لتنمية معارفهم ومكتسباتهم حول مقياس السياسة العامة المقارنة .
ضرورة تفاعل الطلبة ومشاركتهم في إثراء النقاش حول الجوانب النظرية والمنهجية للسياسات العامة المقارنة
عرف حقل السياسات العامة تطورات ونجاحات ملموسة علىالصعيد النظري فمنذ ظهوره في عقد الخمسينيات من القرن العشرين لا يزال هذا الحقل الأكاديمي يشهد إهتماما كيسرا وإنتشارا واسعا في الأوساط الأكاديمية والتي جعلته يشهد تطورات ملحوظة، بالنظر إلى إيلاء علماء السياسة وخاصة الأمريكيين منهم الذين جعلوا منه مجالا خصبا وثريا للدراسة ، وهذا ما ينعكس في تنوع وتعدد النظريات وإستخدا مناهج متنوعة دفعت بهذا الحقل إلى مصاف العلمية.
وفي سياق الثورات المعرفية التي مر بها علم السياسة تم التأسيس لحقل السياسات العامة أين لاقى إقبالا واسعا من طرف الدراسين والأكاديميين الذين عملوا على تطويره من الناحية النظرية ومن خلال ذلك بدأ هذا الحقل يتشكل تدريجيا ويحتل نطاقا واسعا في مجال علم السياسة مع نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين، في هذا السياق ساهمت الحركة السلوكية في تقديم تحليلات ودرساسات أضفت العلمية على الدراسات السياسية وتم من خلالها صياغة النظريات إمبريقية عامة ومجردة ، وعلى هذا المنوال سار رواد الحركة مابعد السلوكية في معالجة جوانب القصور النظرية والمنهجية في دراسة الظواهر السياسية ، وخلال هذه المرحلة بدأ علم السياسات العامة في التشكل والتبلور بالنظر الى تنامي إهتمام علماء لسياسة بتناول القضايا الوثيقة الصلة بالمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النظم السياسية في الواقع العملي، وهنا دعا دايفيد إيستون إلى ضرورة إحداث تطور في منهاجية تحليل السياسات العامة لإيجاد حلول للمشاكل والقضايا التي تواجهها الانظمة السياسية والمجتمعات .
في هذا الصدد طورت كل جامعة أمريكية تقريبًا برنامجًا للدراسات العليا في الشؤون العامة (أو أعادت تنظيم برنامج الإدارة العامة الخاص بها) لتلبية الطلب الواضح على محللي السياسة الأميركان البارزين. وعلى رأسهم هارولد لا زويل، إلى جانب هذا ساهم تراث الإدارة العامة الأمريكية التي مثلت استمرارًا للحركة التقدمية وللدراسات التحليلية للسياسة في أوائل القرن العشرين في الولايات المتحدة والتي أكدت على أهمية التحليل العلمي للقضايا الاجتماعية ونظام الحكم الديمقراطي.
يعد حقل السياسة العامة حقلا ثريا يزخر بالعديد من الأطر النظرية المختلفة والمتنوعة يمكن اعتمادها كمرجعية
تجدون في هذا المجلد مجموعة المراجع حول السياسة العامة .
تمرين :
أذكر المداخل النظرية المعتمدة في تحليل السياسة العامة، محددا التحولات النظرية الحاصلة في علم السياسة العامة ؟
السؤال الثاني ميز بين المداخل التقليدية والحديثة في دراسة السياسة العامة؟
هذه الصورة لعالم السياسة الأمريكي "دايفيد إيستون" المطلوب من الطلبة تحليل السياسة العامة من منظور النظرية التي قدمها إيستون حول النظام السياسي
يدور النقاش حول دور المؤسسات الرسمية في صنع السياسة العامة في الدولة وهذا ما يتطلب الاجابة على الإشكالية التالية::
ماهي المؤسسة السياسية التي تقوم بتنفيذ السياسة العامة ؟
كيف يؤثر الدستور على رسم السياسات العامة ؟
ماهو دور البرلمان في رسم السياسة العامة؟
من هي المؤسسة التي تقوم بتقييم سياسات الحكومة ؟
كيف تؤثر طبيعة النظام السياسي على رسم السياسة العامة ؟
أستخدم مدخل السياسة العامة المقارنة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كمدخل لمقارنة النظم السياسيةوفقا للمنظور السلوكي المهيمن (التنمية والتحديث) على هذه المرحلة الذي إتسم بسيطرة النظريات الاجتماعية والاقتصادية على دراسات السياسة المقارنة المبكرة في الحقبة الحديثة (الخمسينيات) وكان جوهر هذا التناول يقوم على المحاججة بأن الدول تستجيب للمسار العام للنمو الاقتصادي والتحديث الاجتماعي( منظور التنمية والتحديث) بسياسات متماثلة من حيث الاساس ، وينظر إلى المستويات المرتفعة للتطور الاقتصادي والتصنيع على أنها المسؤولة عن ايجاد إضطرابات اقتصادية واجتماعية ، وبيئية جديدة وتوفير مصادر مالية أكبر تستطيع الحكومات الافادة منها في رد فعلها على هذه المشكلات، وهكذا فإن الضمان الاجتماعي وغيره من برامج دولة الرفاه (welfare state) التي تضطلع بها الدولة تظهر ووتوسع في كل مكان ببلوغ الأمم مستويات أعلى من التطور الاقتصادي، وهذا الأسلوب يشير إلى التقارب في السياسات القومية وتضاؤل الصراع الإيديولوجي كلما إنتقلت الأمم من المجتمعات التقليدية وحققت طفرة رأسمالية مبكرة إلى المرحلة الحديثة من وضع الدول المتقدمة إقتصاديا [1].
وكنتيجة أيضا بتزايد دور الدولة في الحياة العامة وتعقدها بدأ هذا الحقل يشغل حيزا واسعا في الدراسات السياسية المقارنة حيث أصبحت نواتج السياسة العامة (Outcomes ) إحدى المجالات الرئيسية التي نالت إهتماما لدى علماء السياسة وبذلك اصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا مكملا لحقل السياسة المقارنة ، وتتسم ادبيات السياسة العامة المقارنة بإحتوائها على الأقل على اربعة عناصر رئيسية :
1- الإهتمام بالعملية السياسية.
2- إدراك تعقد وتشابك السياسة العامة مع إدراك الحاجة إلى تركيز البحث على قطاعتا مختلفة من السياسة العامة
3- الإتجاه نحو دراسات مقارنة فعلية بين مختل الدول والنظم السياسية مصحوبة بتحديد أكثر دقة مجالات السياسة العامة
4- دمج الإدارة العامة في دراسة السياسة العامة وذلك من خلال إعادة إكتشاف مركزية الدولة وأهمية الجهاز الحكومي كمتغير حاسم وأساس في دراسة السياسة العامة في الدول المختلفة.
[5] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص28.
أصبح توظيف المنهج المقارن مهما بالنسبة لتحليل السياسة العامة ذا قيمة كبيرة يشهد رواجا وانتشارو واسعا في أدبيات التحليل السياسات العامة، خاصة عند الباحثين الغربيين الذين قدموا أدوات وطرائق لمقارنة السياسات سمحت بتفسير أوجه التشابه والاختلاف حول السياسات الوطنية المعتمدة في مختلف البلدان.
إن هذا الحقل الأكاديمي يحاول تقديم أجوبة للأسئلة التالية : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة ، التي يمكن القول إنها أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم ، سمحت بتوليد العديد من الحسابات التي تسعى إلى شرح تطورات سياسية معينة. أنشأت التعميمات من البحث المستنير
عنوان الكتاب قراءات في السياسة المقارنة -قضايا منهاجية ومداخل نظرية- يعد هذا الكتاب قيما بالنسبة لمجال السياسات العامة المقارنة ، تناول فيه الكاتب بصورة مفصلة لتطور حقل السياسة العامة المقارنة التي يعتبرها مكملة للسياسة المقارنة
كتاب جماعي باللغة الإنجليزية يحتوي على العديد من الإسهامات الأكاديمية ذات الصلة بتحليل السياسات العامة نظريا ومنهجيا
يتم التطرق في هذا المحور إلى تطور التحليل المقارن للسياسات العامة منذ أواخر عقد الخمسينيات وخلال هذه الفترة بدأت الإرهاصات الأولى لظهور هذا العلم على يد عالم السياسي الأمريكي" هارولد لازويل" في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 . ولهذا فقد كان للثورة السلوكية دورا كبيرا في بلورة حقل السياسة العامة المقارنة منذ أواخر الخمسينيات ومنذ ذلك الوقت عرف هذا الحقل تطورات كبيرة على الصعيدين النظري والمنهجي، حيث مع مطلع عقد السبعينات القرن العشرين، ومع تشكل الحركة المابعد السلوكية بزعامة دايفيد إيستون ظهر حقل السياسة العامة المقارنة ومنذ هذه الفترة نال إهتماما متزايدا لدى الباحثين والدارسين الذين ركزوا على إدراج منهج المقارن في دراسة السياسات العامة ويبرز ذلك في تزايد الاعمال المقارنة حيث تزايدت أهمية السياسات العامة بإرتباطها بالمنهج المقارن .
في هذا الإطار حظي إستخدام المنهج المقارن باهتمام كبير في علم السياسة كونه يمثل بديلا للمنهج التجريبي ، حيث أن استخدامه يؤدي إلى تفسير العلاقة بين المتغيرات عبر إثبات أو تفنيد الفرضيات، من المفيد التذكير هنا بأن رائد علم الاجتماع الاجتماع الفرنسي "إيميل دور كايم يعتبر المقارنة بأنها الاداة الوحيدة القادرة على إقامة الدليل على وجود السببية في السوسيولوجيا، ويقول في هذا الصدد: " ليس لنا سوى وسيلة واحدة نثبت بها أن ظاهرة سبب لظاهرة أخرى ، هي مقارنة الحالات التي تكون فيها الظاهرتين حاضرتين معا وغائبتين معا ، والبحث عما إذا كانت التغيرات لتي تميزهما في هذه التوليفات المختلفة من الظروف شاهدة بأن إحداهما تابعة للأخرى". ونتيجة لتزايد الأعمال والدراسات المقارنة للسياسات العامة إلى طرح تساؤلات تدور حول : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث تحديد مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذا النوع من الأسئلة تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي تعتبر أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم تعود إلى (أعمال أرسطو) ، وقد سمحت الأعمال المقارنة الصادرة في هذا المجال بتوليد العديد من الإهتمامات البحثية التي تسعى إلى تفسير تطورات سياسية معينة تمكنت هذه الأبحاث بصورة نسبية من تقديم تعميمات مستنيرة.
إلى جانب هذا أدى تطوير مفهوم النظام السياسي من طرف رواد الحركة السلوكية والذي صار يركز على الجوانب الرسمية وغير الرسمية في الحياة السياسية، ولقد أدى هذا التصور والمفهوم الجديد إلى التركيز على مدخلات النظام السياسي والنشاطات المختلفة التي تتم فيذلك الجانب مثل الأحزاب السياسية والجماعات المصلحية والسلوك الانتخاب والثقافة السياسية وغيرها، وفي تفس الوقت لم تركز الدراسات السياسية على المخرجات وعلى وظائف التحويل لتي يقوم بها النظام السياسي ، ولقد عبر مكريدس على هذا التوجه في السياسة المقارنة بكلة (أيديولوجية المدخلات) والذي تم من خلاله التقليل من دور الدولة إلى اضيق الحدود وإعتبارها مجرد منظمة تنقل وتعكس وتعبر عن الأوامر والتعليمات الآتية من جهة أخرى، لكن مع مطلع عقد السبعينات تم حدوث تحول كبير في هذا التوجه من خلال التحول نحو الإهتمام بنواتج السياسة العامة التي أصبحت غحدى مسؤوليات الرئيسية لعلم السياسة، وفي هذا السياق لقيت الدراسة المقارنة للسياسة العامة رواجا واسعا لجملة من العوامل منها تطور أساليب تحليل البيانات التي تعتمد على الحاسوب الالي ، إضافة إلى رد الفعل القوي ضد التركيز السلوكيين على المدخلات وإهمال لمخرجات لناظم السياسي (السياسة العامة) ، كما أن إحساس بعض علماء السياسة بأهمية التعامل مع القضايا والمشاكل الرئيسية التي تواجه العالم وهذا ما دعى إليه دافيد إيستون.
وكنتيجة لهذا أصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا أساسيا من حقل السياسة المقارنة أين عرفت السياسة العامة المقارنة مع منتصف عقد الثمانينات تحولات مهمة أدت إلى ازدياد أهميته في دراسة للدول المختلفة، أين إهتمت بدراسة خصائص النظام السياسي ونواتج السياسة العامة في البلدان النامية وفي هذا الشأن إتقفت معظم الأدبيات على وجود علاقة وطيدة بين خصائص النظام السياسي وسياساته العامة وعلى هذا الأساس تقترح هذه الدراسات أن البحث في خصائص النظام السياسي قد يؤدي إلى فهم القيود التي تضعها هذه الخصائص على عملية صنع السياسة العامة، ما يعني تفسير عوامل والأسباب المؤدية إلى وجود الإختلافات في السياسات العامة بين مختلف الدول.
يرجى الإطلاع على هذه المقالة باللغة الإنجليزية التي تناول فيها الباحث "ويلسون وونغ " السياسة العامة المقارنة
الطابع المتعدد لتخصص السياسة العامة المقارنة هي نقمة ونعمة في الوقت نفسه، حيث من جهة يمكن أن يثري محتوى ووجهات نظر السياسة العامة المقارنة، ومن جهة أخرى يمثل مصدرا لمشكلة تداخل الحدود وتشويش هوية التخصصات والدراسات الأخرى على هذا الحقل.
أستخدم مدخل السياسات العامة المقارنة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كنتيجة أيضا بتزايد دور الدولة في الحياة العامة وتعقدها بدأ هذا الحقل يشغل حيزا واسعا في الدراسات السياسية المقارنة حيث أصبحت نواتج السياسة العامة (Outcomes ) إحدى المجالات الرئيسية التي نالت إهتماما لدى علماء السياسة وبذلك اصبحت السياسة العامة المقارنة جزءا مكملا لحقل السياسة المقارنة وتتسم ادبيات السياسة العامة المقارنة باحتوائها على الأقل على اربعة عناصر رئيسية :
1- الاهتمام بالعملية السياسية.
2- إدراك تعقد وتشابك السياسة العامة مع إدراك الحاجة إلى تركيز البحث على قطاعتا مختلفة من السياسة العامة
3- الإتجاه نحو دراسات مقارنة فعلية بين مختل الدول والنظم السياسية مصحوبة بتحديد أكثر دقة مجالات السياسة العامة
4- دمج الإدارة العامة في دراسة السياسة العامة وذلك بإعادة إكتشاف مركزية الدولة وأهمية الجهاز الحكومي كمتغير حاسم وأساس في دراسة السياسة العامة في الدول المختلفة.
إلى جانب هذا يحمل مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة معنى التفاعل بين موقف الحكومة من المشاكل العامة والعلاقة بين الحكومة وبين الفواعل الأخرى للعملية السياسية، وهذا النمط من التحليل سهل من إجراء المقارنة بين السياسات العامة الوطنية وتفسيرها سمح بالتأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، مبرزا في ذلك أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح [3].وبحسب "جيريمي ريتشاردسون" أن مفهوم "أسلوب السياسة العامة " ظهر في فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة والذي حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ ما يعني أن مفهوم أسلوب السياسة نشأ من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء معينة[4].
وعلى ضوء هذا يعتبر مفهوم أسلوب السياسات العامة بسيطا جدا هذه البساطة جعلته شائع الاستخدام بشكل متكرر في العديد من البحوث الإمبريقية التي أظهرت فائدة النموذج التصنيفي الأولي لأنماط السياسات العامة ووصف العمليات السياسية لـ "تيودور لوي" من خلال مراعاته لعاملين رئيسيين: يتمثل العامل الأول في طريقة عمل الحكومة في حل المشكلات والتي تعطي صورة حول طبيعة بعض الحكومات التي تتبنى موقف استباقي/فعال في مواجهة المشكلات العامة بينما تبدو حكومات أخرى في تبنيها لنهج تفاعلي، أما العامل الثاني فيتمثل في العلاقات بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية المحدد لأسلوب السياسة، وعلى سبيل المثال: هل تأخذ الحكومات بعين الاعتبار مجموعات المصالح؟ هل حقا الحكومة حريصة على التوفيق بين المصالح والتوافق مع المجموعات المنظمة، أم أنها تميل إلى فرض قراراتها بغض النظر عن معارضة هذه المجموعات؟ وبالتالي أصبح من الأهمية بمكان الإقرار بهذين العاملين باعتبارهما جوانب رئيسية في النظام السياسي لأي بلد[5].
2- الأساليب الوطنية كمنهجية لمقارنة السياسات العامة: ومن خلال هذا يمكن تحديد الأنماط الإجرائية الوطنية التي عرفها "أرنولد هايدنهايمر" بـ"نماذج صنع السياسات الوطنية" تعتبر بمثابة منظورا جديدا وبديلا للسياسات العامة يتمثل في طبيعة العملية السياسية، التي تحدد كيفية تطور الدول "إجراءات تشغيل معيارية" لتنفيذ السياسات العامة قد تكون لها آثار قوية و"منعزلة" تجعل الأساليب السياسية مختلفة بين القطاعات، التي تستدعي التركيز على أنظمة صنع القرار بدلا من القرارات ذاتها بدلا من الخوض في مسألة الاختلافات في السياسات الناتجة عن الأنواع المختلفة للعمليات السياسية، والتي تطرح مجموعة من الأسئلة: هل تأخذ الحكومات جماعات المصالح بعين الاعتبار؟، هل حقا الحكومة مسالمة وتسعى للتوصل إلى توافق في الآراء مع الجماعات المنظمة أم أنها تميل إلى فرض قراراتها من دون إعارة الاهتمام لمعارضة هذه الجماعات؟ ولفهم مجريات العملية السياسية وطبيعتها والتي تمثل الجوانب الأساسية المميزة للنظام السياسي لأي دولة، وعلى العموم يتحدد أسلوب السياسات العامة في أي بلد من خلال تفاعل عاملين إثنين وهما: موقف الحكومة تجاه المشاكل العامة وحلها، أما الثاني فيتمثل في العلاقة بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية، ومن خلال هذا التعريف يمكن تصنيف طرق اشتغال المجتمعات إلى أربعة أساليب أساسية للسياسة العامة"[6]:
1- مجتمعات تندرج ضمن فئة تؤكد على التوافق والموقف التفاعلي في حل المشاكل.
2- مجتمعات الأخرى ضمن فئة تؤكد على الإجماع، ولكنها تشمل أيضاً مجموعة من القيم المعيارية التي تسمح باتباع نهج استباقي أو فعال تجاه المشكلات العامة.
3- بعض المجتمعات لا تزال تتفق بشكل أقل على مسألة الإجماع، وتنظر إلى الدولة على أنها نشطة وتميل إلى فرض سياسات لمواجهة الجماعات المنظمة المعارضة لها.
4- مجتمعات تكون فيها الحكومات أكثر رد فعلية من كونها استباقية، وفي هذه الحالة يجب فرض التغيير وإدارته بشكل جيد على الجماعات المنظمة التي تعارض مقاومتها.
العلاقات التوافقية
نهج تفاعلي
نهج استباقي/فعال
علاقات الإلزام
يوضح هذا الشكل الأساليب الوطنية للسياسات العامة
على سبيل المثال لا الحسر يقارن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة بين حالات السويد وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، حيث يمكن تصنيف السويد (معظم الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أوائل التسعينيات) في الربع العلوي الأيسر من الرسم البياني: حيث حظيت بمستوى كبير للابتكار في السياسة العامة بتبنيها الأسلوب الاستباقي الذي سمح في الوقت نفسه ببناء توافق في الآراء، أما فرنسا فيمكن اعتبارها أكثر ميلا إلى تطبيق أسلوب محفز لكن مع فرض حلول غالبا ما تكون ناتجة عن مواجهة ومقاومة الجماعات وهذا وفق ما يقوله المثل الفرنسي "عندما تريد تجفيف مستنقع، لا تستشر الضفادع!"، في المقابل، نجد بريطانيا العظمى (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انتخاب "مارغريت تاتشر" عام 1979) تتسم بأسلوب تفاوضي احتل مكان واسعا ضمن نهج التفاعل مع المشكلات العامة، كما تميزت ألمانيا بأسلوب محفز وتوافقي احتلت فيه المفاوضات مكانة كبيرة في إطار نهج تفاعلي مع المشاكل العامة لكن مع نهاية عقد السبعينات أصبحت سياساتها أكثر تفاعلية وكان من الصعب إرساء التوافق ضمن إطار أسلوب السياسات العامة المحفزة لا سيما في قطاع الطاقة[7]، في سياق متصل سلط لينارت لوندكفيست الضوء على اختلاف الأساليب التنظيمية(أسلوب السياسة) في كل من الولايات المتحدة وفرنسا حيث لاحظ "دينيس كوبوك" وجود اختلاف بين الأساليب التنظيمية في فرنسا والولايات المتحدة خاصة هذه الأخيرة التي تثير الشك حول النفوذ الكبير والمحتمل لجماعات المصالح في المقابل اعتبر هذه الأساليب في فرنسا بأنها تعكس الارتباط الحتمي والوثيق للمصالح بنتائج السياسات "[8].
من خلال هذا يبدو جليا أن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة اهتم بعملية إنتاج السياسات العامة وبالجوانب الكيفية والنوعية فيه وبالتفاعل بين المتغيرات، انتهى بالدراسين الى التأكيد على أن الاختلافات في العمليات الوطنية لإنتاج السياسات العامة أدى إلى تصنيفات تقدم "أساليب وطنية" متباينة للسياسات العامة انطلاقا من المزواجة بين بعدين هما نمط تكفل صناع السياسات بالمشاكل العامة وبنية التفاعلات بين مختلف الفاعلين المشاركين في السياسات العامة، وهذا كله أدى إلى ظهور نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة Policy Styles""[9]، الذي يقوم على تحليل معقد لعملية صنع وتنفيذ السياسات العامة وهذا الأمر لا يتوقف عند هذا فحسب بل امتد ليسلط الضوء والوقوف على حقيقة كيفية تطوير مختلف المجتمعات لـ "إجراءات التشغيل المعيارية" في صنع وتنفيذ السياسات، وبعبارة اخرى معظم المجتمعات تقوم بتطوير معايير معينة لشرعنة نشاط السياسة وغالبا ما تعكس هذه المعايير القيم الأصيلة للمجتمع غالبا ما تأخذ شكل قواعد دستورية وقانونية[10].
ولذلك فإن الأعمال التي قامت بتطبيق الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة غلب عليها الوصف أكثر من التفسير لكنها ساهمت في تجديد التأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، قامت بذلك في عدة مواضيع مركزة على أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح[11]، ومن خلال هذا أصبح بوسع المقارنات بين السياسات على مستوى الدول أن تستفيد من مجموعة منوعة من التوجهات الفكرية في القوت الذي تحاول فيه أن تظل قريبة من المعلومات التجريبية الواقعية قدر الإمكان، ويلتقي هدف تطوير سياسات أفضل بهدف تطوير نظريات أفضل خصوصا في علمان الذي يزداد اعتماده على بعضه البعض، فبالمقارنة نتعلم أن نرى بصورة أوضح، فإذا ما كنا حذرين منهجيا في التفاصيل ومتحمسين للمعنى الأوسع للأحداث فسوف يكون بمقدورنا أن نبدأ برؤية فكرية للكيفية التي يمكن للعمل اليومي المعقد لصناعة السياسة – الذي هو خليط من الأفكار والمؤسسات والوسائل السياسية والتقاليد العريقة – أن يساهم في إغناء الاختيارات الجماعية [12]، وفي هذا الصدد نجد أنه منذ الصياغة الأولية لمفهوم أسلوب السياسات العامة دارت نقاشات عديدة حول فائدته في التحليل المقارن للسياسات العامة، بالنسبة للبعض لا يمكن اعتباره مفهوما جديدا بل مجرد شكل بسيط من أشكال التفسيرات الثقافية (الغامضة) والراسخة، وكما يعتبره رواد آخرين أنه نظرية بحد ذاتها تمتلك قيمة تنبؤية: حيث بمجرد تحديد خصائص أسلوب وطني يصبح من الممكن التنبؤ بالنتائج في مواقف العمل العام، بعبارة أخرى، تعتبر أصناف السياسات العامة بمثابة «تعميمات فضفاضة» وفي أفضل الأحوال تبقى «أداة منهجية جيدة للمقارنة »، ولذلك يبدو هذا التصنيف بسيطا لكن قيمته الإرشادية يعزز النموذج التصنيفي السياسات العامة واستخدامه ضمن منظور مقارن مع تجنب التصنيف المحدد بدقة والمرتبط ببلد معين[13].
3- صعوبات تحديد أسلوب السياسة: من الناحية العملية، يعتقد أن صانعي السياسات (سواء كانوا سياسيين أو موظفين مدنيين) سيحاولون غالبا وضع إجراءات تشغيل معيارية للتعامل مع القضايا التي تدخل في الأجندة السياسية للحكومة (بمعنى هناك أسلوب سلوكي للسياسة) الذي لا ينتهي فيه تدفق القضايا ويجب وضع إجراءات "لمعالجتها"، على الرغم من صعوبة ذلك إلا أنه يمكن لعلماء السياسة تحديد الخصائص الرئيسية للطرق التي يصوغ بها مجتمع معين سياساته العامة وينفذها وكما يرى "جيريمي ريتشادسون" أن إدراك هذه المهمة الصعبة والعمليات المعقدة قائلا "لا نرغب بالقول أن السياسات العامة في أي مجتمع تصاغ وتنفذ دائما بطريقة معينة حتى لو أمكن تحديد أسلوب سائد إلا أنه ستحدث دائما استثناءات"، ويضرب مثالا على ذلك إعادة تنظيم قطاع المياه في بريطانيا حيث جاءت قضية المياه مخالفة للمعيار السائد المتمثل في إقرار السياسات المقبولة فقط (أي المقبولة لدى الجهات المعنية) متجاوزة الأسلوب البريطاني المعتاد في صنع السياسات العامة، علما أن هذا الأسلوب معروف لدى المحللين بميله إلى التشاور وتجنب التغييرات الجذرية في السياسات والإرادة الشديدة في تجنب أي إجراءات قد تهدد المصالح الراسخة[14].
هذا ما يعني أن الأسلوب الوطني في رسم سياسة عامة معينة يتضمن بعض جوانب القصور قد لا يكون فيها بالضرورة "توافق" دائم وتام ووثيق بين القيم المعيارية المتعلقة بعملية صنع السياسات العامة والسلوك السياسي الفعلي فقد يتعارضان ويتباعدان لعدة أسباب، حيث قد يولي مجتمع معين أهمية بالغة لقيم الحوار والتشاور يفرض إحاطة عملية صنع السياسات بعدد كبير من اللجان الاستشارية أو خوض عمليات تشاور طويلة وواسعة النطاق، إلا أن هذه المشاورات قد تكون في الواقع مجرد واجهة لإخفاء الجهة الفعلية المسؤولة عن اتخاذ القرار، ففي بريطانيا مثلا من الشائع أن تدعي الجماعات البيئية أن التحقيقات العامة في مخططات بناء الطرق الجديدة أو مقترحات مشاريع الطاقة النووية لا تمنحها فرصة حقيقية للتأثير على نتائج السياسة الفعلية، لذلك قد تستخدم المشاورات التي تشارك فيها العديد من جماعات الضغط وآلاف الأفراد لإخفاء ما يمكن تسميته "مفاوضات الدائرة الداخلية" لتشمل عدد محدود جدا من الجماعات "المهمة"، ما يعني أنه هناك صراع ليس فقط بين القيم المعيارية والممارسة الفعلية ولكن حتى بين القيم المعيارية نفسها، فكما يفرض المنطق السياسي بأن "الحكومات يجب أن تحكم" في المقابل "يجب على الحكومات التشاور والتوافق"، لكن يمكن القول أن هاتان القيمتان قد تتعارضان في ظروف معينة فكما يصوت الناخبون لصالح إيجاد "حكومة قوية" لكنهم في الوقت ذاته يرفضون وجود "حكومة المواجهة" .[15]
تجدر الإشارة أن ما يعزز الانتقادات الموجهة للأساليب الوطنية للسياسات العامة نجد النموذج التصنيف الثلاثي لصنع القرار لـ "تيودور لوي" الذي قسم السياسات العامة إلى ثلاثة أصناف رئيسية (توزيعية، وتنظيمية، وإعادة توزيعية)، وأن كل صنف من هذه السياسات العامة تختلف توجهاتها باختلاف الصنف الأساسي للسياسة العامة مما يظهر ذلك أكثر من أسلوب واحد للسياسة العامة لمعالجة مشكلة واحدة، حيث يرى أن صنف السياسة يعد أحد "الشروط المنشأة للاختلافات في الخصائص الإجرائية للأنظمة السياسية"، ومن خلال هذا يفترض بعض المحللين أن يلقى مفهوم أسلوب السياسة الوطنية إنتقادا لدى "تيودور لوي" فقد يطالب بدلا من تحديد أسلوب السياسة تحديد مضمون السياسة أولا، لأن هذا النموذج التصنيفي يقوم على منطق يجعل العلاقات تكون مختلفة عندما تحاول الدولة توزيع المنافع في مقابل قيامها بتعزيز جاذبية الضبط والإكراه[16].
علاوة على هذا يواجه مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة صعوبات كبيرة تتمثل في تحديد الأسلوب السائد في التقسيم القطاعي لعملية صنع السياسات العامة وهي ظاهرة مألوفة في كل البلدان فإذا تمت صياغة السياسات بشكل مستقل تبقى لكل سياسة قطاعية "مجتمع السياسة" و"شبكات السياسة" و"دوائر السياسة" وهذا ما يعكس الخصائص الأساسية للنظام السياسي، وفي المقابل لا يوجد أسلوب سياسي واحد خاص يحكم "نخبة السياسات" التي تقوم بتطوير كل سياسة قطاعية وتحويلها إلى قسم شبه مغلق تؤدي إلى خلق أساليب سياسية مختلفة حتى داخل النظام السياسي نفسه، فقد يكون الأسلوب يصف بدقة سياسة قطاعية معينة إلا أنه في الواقع غير مناسب لوصف قطاع آخر مما قد يترتب عن ذلك توصيفات مضللة للأنظمة الوطنية لصنع السياسات العامة، علاوة على هذا قد تظهر سياسة قطاعية واحدة أكثر من أسلوب سياسي واحد ومن الممكن أن يشكل هذا الأمر جوهر لقضية السياسة نفسها وتكون كعامل أو كطريقة "لمعالجة" مشكلة محددة، في هذا الصدد جادل "تيودور لوي" في تصنيفه الشهير للقضايا والمشاكل بأن أصنافا مختلفة من السياسات العامة تخلق أنواعا مختلفة من السلوك السياسي، مؤكدا على وجود مجموعة متنوعة من السلوكيات السياسية المختلفة ( أطلق عليها أصناف السياسة) في المجتمع وكما يقول لوي أنه يشعر بهذه السلوكيات التي تفسر تبعا لأنواع القضايا والمشاكل المطروحة[17].
وفي إطار هذه الإنتقادات الموجهة لهذا الإطار المنهجي نجد على سبيل المثال لا الحسر سياسة الإصلاح الإداري التي تجسد معنى الأسلوب الوطني ظلت مقارنتها "بشكل عام" (بمعنى حركات الإصلاح الإداري الواسعة) والمحصورة إلى حد كبير في التركيز على الخصوصية المؤسسية للتجارب الوطنية، فإنّ تحليل قضايا أكثر تحديدًا في السياسة الإدارية يتحدى الصور النمطية للبلدان أو مجالات سياسية معينة المتعلقة أساسا بظاهرةـ "التبعية للمسار"، وعلى سبيل المثال نجد كل من بريطانيا وألمانيا (على المستوى الاتحادي) غالبا ما ينظر إليها على أنهما على طرفي نقيض فيما يتعلق بمدى وسرعة إدخال الإصلاحات الإدارية في العمليات الحكومية، لكن عند التركيز على مسألة الكفاءة يبدو أن ألمانيا كانت تفكر في الكفاءة في ثمانينيات القرن الماضي (ثم نسيتها في أعقاب التوحيد حتى أواخر التسعينيات)، بينما لم يكتشف كبار موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا الكفاءة إلا في أوائل التسعينيات[18].
وبالتالي يمكن القول أنه رغم الإسهامات التي جاء بها نموذج الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة إلا أن هنالك سوى عدد قليل من المحاولات المنهجية للمقارنة الوظيفية بين مجالا السياسة المختلفة ما بين الدول، وهنا بوسع الباحثين أن يسعوا مثلا إلى تقرير ما إذا كانت العمليات السياسية في الإسكان مثلا تتطابق مع أساليب السياسة الوطنية العامة أكثر من انطباق عمليات الإدارة الاقتصادية، وإحدى الصعوبات في هذا المجال هي الاتفاق على كيفية إنتقاء المؤشرات المعنية وقياسها، والصعوبة الأخرى تتعلق بحقيقة كون أساليب السياسة الوطنية تتغير على مر الزمن [19].
[1] - Jeremy Richardson. A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style, Palgrave, 2018, p01.
[2] -Jeremy Richardson. Op cit . P608
[3] - صالح بلحاج ، المرجع نفسه، ص 221.
[4] - Jeremy Richardson . A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter[7] One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style ,Palgrave , 2018, p01.
[5] -Jeremy Richardson. Op cit . P P610-611.
[6] -Jeremy Richardson. Op cit . P611.
7] -Jeremy Richardson. Op cit . P P612-613.
[8] -Jeremy Richardson. Op cit . P609.
[9] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.
[10] - Jeremy Richardson ed. Policy Styles in Western Europ. Winchester, Mass : George Allen & Unwin, 1982, pp 02-03.
[11] -- صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.
أجب بصحيح أو خطأ
مفهوم الأساليب الوطنية يمثل براديغم جديد في السياسات العامة.
يركز مفهوم الأساليب الوطنية على تحديد الخصائص الأساسية للنظام السياسي.
هناك علاقة بين التقسيم القطاعي والأساليب الوطنية للسياسة العامة.
يسمح مفهوم الأساليب الوطنية في تطوير السياسة قطاعية وتحويلها.
الأسلوب الوطنية للسياسة العماة تخلق أصناف مختلفة من السلوك السياسي.
كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في طريقة تعامل الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟
من خلال الأساليب الوطنية التالية: (التوافق، الإلزام، نهج تفاعلي، نهج إستباقي) حدد طريقة التفاعل بين الحكومة مع
المشاكل العامة وعلاقتها مع الفواعل الأخرى، أي من هذه الأساليب تلائم الدول السلطوية والدول الديمقراطية ؟
يعتبر المنظور المؤسسي من الأسس النظرية التي تستند إليها تحليلات السياسة العامة المقارنة التي لاتزال تمثل أساسا للتحليل والتفسير، وهذا لما تمثله المؤسسات السياسية من أهمية كبرى في حياة المجتمعات والدول وهذا ما يؤكده علماء السياسة المعاصرين أن أي نظام سياسي حديث سواء كان ديمقراطيا أو شموليا –يميز بالضرورة بوجود العديد من المؤسسات والإجراءات لحل وتسوية الصراعات التي تلازم المجتمعات الحديثة، ويرجع وينر نجاح مجتمع مقارنة بمجتمع آخر بمقدرة الأفراد المجتمع الناجح على بناء وتكييف واستمرار مؤسسات معقدة لإنجاز أهداف عامة [1]. إستنادا إلى هذا نجد أن هذا الاتجاه النظري له تأثير واسع على التحليل السياسي المقارن ويبرز ذلك جليا في التطورات النظرية والمنهجية التي شهدها حقل السياسة العامة المقارنة أين كان التحليل المؤسسي محل نقاش واهتمام الباحثين والدارسين، في هذا الصدد أظهرت الكثير من الأدبيات والإسهامات الأكاديمية على أهمية المؤسسات في التحليل المقارن وأصبحت مدخلا مهما لتفسير الكثير من الظواهر السياسية في مختلف البلدان رغم الانتقادات التي واجهها من طرف رواد المدرسة السلوكية لكن مع مرور الوقت أبان هذه الاتجاه النظري على أهميته المحورية في حقل السياسة المقارنة الذي يحيلنا إلى تسليط الضوء على طبيعة هذه التحولات والتطورات النظرية التي شهدها المنظور المؤسسي في المرحلتين التقليدية (ما قبل العلمية) والسلوكية وما بعد السلوكية (العلمية) الذي احتل مجالا واسعا ومهما للتحليل في السياسة المقارنة.
ولعل أن هذا التحول والناتج عن التحديات الفكرية اجتذبت المفكرين من مختلف الخلفيات الفكرية مما حفز النقاش في مجال السياسة المقارنة، وهنا لوحظ بروز ميولا نحو التوليف بين مختلف المناهج الفكرية وهكذا فإن مثقفا ماركسيا ما يزال يؤمن بأن أولئك الذين يهيمنون على مؤسسات الدولة مقيدين بأحكام عملية تراكم رأس المال، يقر في الوقت نفسه، بان ضمن تلك المقيدات يوجد متسع للمناورة وللسياسات والاستراتيجيات المتنافسة، وهنالك مجال لأجهزة الدولة المختلفة ليك تضع السياسات وتعكسها وأن تتخذ الاختيارات وترتكب الأخطاء، وهنا برز بعض التقارب باتجاه دراسة النتائج السياسية المتباينة والعلاقات البنيوية الكامنة فيها، وقد أعتبر هذا التوجه ملائما للممارسين التحليل المقارن للسياسات العامة[2] .
في هذا الإطار ركزت معظم أدبيات السياسة العامة في البلدان النامية على مناقشة وتحليل عمليات اتخاذ القرارات ووضع السياسة العامة، وتأكيدها على أهمية عامل النظام (Order) ودور مختلف النخب في عملية صنع السياسة العامة، وتهتم هذه الأدبيات بصفة عامة بكيفية تحسين قدرات اتخاذ القرار وتنفيذ السياسة العامة لدى النخب السياسية في الدول النامية، كذلك يبرز التركيز على ضرورة تركز السلطة والقوة في يد الحكومة المركزية، وهذا ما يشير إلى درجة تأثر هذه الأدبيات بأفكار صامويل هنتجتون حول مستوى المأسسة (Institutionalization) في الدول النامية وأثر ذلك على تنفيذ سياسة عامة معينة[3] .
[1] -عبد الغفار رشاد القصبي "أ" ، المرجع نفسه ، ص110.
[2] - أرنولد هايدنهايمر ، المرجع نفسه، ص 524.
[3] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.
يواجه باحثو العلوم الاجتماعية والسياسية إحباطات وصعوبات كبيرة في إجراء الدراسات المقارنة. ففي حالة مجموعات البيانات العابرة للحدود التي تكون صغيرة الحجم نسبيًا لا تستطيع التقنيات الكمية التقليدية، مثل التحليل الإحصائي ذات المتغيرات المتعددة الحفاظ على أنماط التفاعل الإحصائي، علاوة على ذلك إذا أراد الباحثون مقارنة دول مختلفة فإن المناهج الإحصائية تشجعهم على زيادة حجم العينة وتجاهل أو على الأقل إغفال جوانب أخرى قابلة للمقارنة مثل الجوانب التاريخية والثقافية والجغرافية للظاهرة الاجتماعية قيد الدراسة، وعلى هذا الأساس استندت مدرسة البحث الاجتماعي المقارن في بداياتها إلى البحث الاجتماعي الموضوعي لا سيما دراسات ثيدا سكوكبول المعمقة حول المسارات التاريخية المقارنة، ومنهج جون ستيوارت ميل المقارن (منهج الاتفاق والاختلاف)[1].
وعلى الرغم من الإسهامات المنهجية المقارنة التي جاءت لتواجه الصعاب التي تعترض العلوم الاجتماعية والسياسية المقارنة، إلا أن التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال يواجه مجموعة من المشاكل والصعوبات أولها تحدي التناسق المفاهيمي والنظري هذا ما يمنع من تقديم إسهام كبير في تصميم السياسات العامة بالربط بين الدراسات التطبيقية والنظرية، بالنظر إلى وجود اختلافات جوهرية بين تقاليد البحث المقارن في تحليل السياسات من خلال عدم وجود طرق وأساليب المقارنة متعددة وكيفية ربطها بتحليل السياسات العامة ضمن حالات المقارنة، حيث يسود "التحيز الوطني" أو "القومية المنهجية" التي لاحظها بعض الباحثين في مختلف مجالات العلوم السياسية الناطقة بالفرنسية والدولية فيما يتعلق بالملاحظات المنهجية في مقارنة السياسات العامة، وبهذا الخصوص بين بعض المحللين أن الكثير من الأعمال المقارنة في السياسات العامة يشكو عيوبا عدة ومتميزة بانحرافات منهجية أدت إلى مقارنات ليست بشيء، مقارنات لا قيمة لها تنسب إلى نفسها صفة الدراسات المقارنة ولكنها في الواقع ليس فيها مقارنة أو ما فيها إلا القليل منها[2]، وعلى ضوء هذا يمكن ذكر العديد من الصعوبات والمشاكل العملية والنظرية المرتبطة بالتحليل المقارن للسياسات العامة:
محتوى مفصل للدروس بصيغة pdf