الخطوط العريضة للقسم

  • إن التباين الكبير في الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للدول المختلفة يجعل من الصعب عزل المتغيرات المسؤولة عن السياسات العامة التي تم إقرارها، أي أنه من الصعب عزل أسباب الاختلافات في خصائص النظم السياسية أو في مخرجات ونواتج السياسات العامة إذا كانت هناك تباينات جغرافية ومناخية ولغوية واقتصادية وتاريخية ودينية واسعة وهذا لا يحدث بالنسبة للذين يركزون على تحليل السياسة العامة في بلد واحد وذلك لإمكانية عزل تأثير العديد من المتغيرات المستقلة، وهنا لا بد من التركيز منذ البداية على عدد محدود من النظم السياسية ومن مجالات السياسة العامة المقابلة للمقارنة [1].

    وفي هذا الصد نجد الاعتماد على المتغيرات في إجراء المقارنات القائمة بناءا مؤشرات كمية والتي تحصر تطور دولة الرفاه مثلا في مستوى النفقات الاجتماعية أو تحصر صنف السياسة الاقتصادية المنتهجة في نسبة التضخم ومعدل البطالة، وهذا التبسيط المفرط لأوضاع الواقع الوطني موجود في الأعمال الكمية المعتمدة على المتغيرات   ولعل أن هذا النوع من المقارنات السائد خلال عقدي الستينات والسبعينات قد ابان على أوجه قصور كثيرة ، من خلال التبسيط المفرط في التحاليل الرامية إلى إظهار أساليب وطنية للسياسات العامة ، والعيب في هذه التحاليل  أنها تقدم مواصفات سطحية للسياسات العامة في بلد معين بالاعتماد على عدد قليل من السمات البارزة مثل الإلزام مقابل الإجماع والتوقع مقابل القدرة على الرد[2] .

    وفي هذا الإطار يكون الاقتصار على فحص الاختلافات بين السياسات ونتائجها بشكل مباشر لا تشير إلى أنواع المشكلات التي قد تظهر، وهنا غالبا ما يكون من المستحيل تحديد ما إذا كانت نتائج السياسات المختلفة ناتجة عن اختلافات في خصوصيات السياسات نفسها أو في طبيعة المشكلات التي تسعى إلى التخفيف من حدتها أو في البيئات الثقافية العامة التي تعمل فيها أو مزيج من هذه العوامل التي تنطبق عليها أسئلة مماثلة من وجهة نظر هياكل السياسات بدلا من التركيز على نتائجها، وهنا قد تختلف السياسات الموجهة نحو معالجة نفس الاهتمامات بشكل عام في دولتين مختلفتين لكن الاختلاف في المناهج وأساليب التحليل ومحاولة تحليلها من منظور مقارن قد تكون غير مجدية حيث قد تنجم التباينات الأكثر تحديدا في السياسات نفسها عن اختلافات ثقافية أساسية أو اختلافات إدارية وسياسية بين الدول، ولا تكون الأوزان النسبية لهذين النوعين من التأثير واضحة دائما، وسواء تم التركيز على السياسات أو النتائج فإن التحليل المقارن يواجه معضلة فكرية، وعلى سبيل المثال نجد تحليل سياسات الخدمات الاجتماعية المتشابهة عموما في دولتين أم أنها ممارسة محفوفة بالفشل؟ قد تستند السياسات إلى مفاهيم مختلفة تماما لأكثر احتياجات الخدمات الاجتماعية إلحاحا وأفضل السبل لتلبية تلك الاحتياجات، وقد تستخدم أنظمة ضريبية ومزايا متباينة وقد تعمل في بيئات توجد فيها علاقات مختلفة بين برامج المزايا العامة والخاصة أو بين المستويات الوطنية ودون الوطنية للحكومة وفي مثل هذه الحالات قد تكون المتغيرات كثيرة و متنوعة [3].



    [1] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 264-265.

    [2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص224.

    [3] - Arthur Cyr and Peter de Leon .Comparative Policy Analysis. Introduction for the December 1975 issue of Policy Sciences, Vol. 6, No. 4. June 1975 .pp 02-03.