الخطوط العريضة للقسم

  • موضوع السياسة العامة المقارنة يطرح في العادة أسئلة تدور حول كيف ولماذا تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة. لذلك يتم إعتماد السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية لتحديد جوانب التشابه  والاختلاف بين الأنظمة السياسية ومختلف المؤسسات الصانعة للسياسات ومختلف الفواعل المؤثرة فيها،  إلى جانب هذ يتم استعراض طرق التحليل المقارن للسياسة  العامة مع النظر إلى المناهج المستخدمة في كيفية معالجة مشاكل السياسة العامة، مع التركيز على القضايا المنهجية وقضايا الموضوعية لبناء النظرية واختبار النظرية عند صياغة السياسة العامة، التي تعد من علامات النضج الفكري لهذا الحقل كون أن الدراسات المقارنة تزداد إبتعادا عن البحث عن العامل الواحد والنظريات التقريرية ،وتتجه إلى دمج منظورات مختلفة لغرض تقديم تفسيرات مقبولة لتطور السياسة.

    ولهذا لابد أن يتضمن التحليل المقارن تحديد وصياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة وهنا لم يعد السؤال يطرح وفق صيغة هل ينبغي أن نقارن أو هل يمكن ان نقارن وإنما صار  السؤال كيف نقارن؟ وهو سؤال متعلق بمنهجية المقارنة والعناصر التي تجرى مقارنتها ومستوى المقارنة، ولعل أن المقارنة السياسية قد لاقت إهتماما كبيرا في الأوساط الدارسين والباحثين في علم السياسة، أين كانت المعالجة الحديثة تكون إستاتيكية  أو ديناميكية، فالمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف ، وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها  هذه الأبنية بإنجازها، أما بالنسبة للمقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية والتي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإنما إلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها والإختلافات البنائية والوظيفية بينها[1].

    بناءا على هذا إهتمت دراسات السياسات العامة المقارنة بمناقشة موضوع تأثير خصائص النظام السياسي على السياسات العامة ونواتجها أي بالبحث عن العلاقة بين طبيعة النظام السياسي وبين مخرجات ونواتج السياسة العامة،  ومن خلال الدراسات الأولية حول العلاقة بين خصائص النظام السياسي وطبيعة السياسات العامة برزت مجموعة من الفرضيات المختلفة التي حاولت أن تفسر هذه العلاقة ومن أهم هذه الفرضيات :

    1- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما زادت الحاجة إلى المساوة في توزيع الرخاء.

    2- كلما كان النظام السياسي ديمقراطيا ، كلما كان معدل لنمو الاقتصادي منخفضا.

    3- كلما كان النظام السايسي ، كلما أدى ذلك إلى تنمية إقتصادية سريعة.

    4- كلما كان مستوى الديمقراطية  عاليا ، كلما كان معدل التضخم عاليا .

    5- كل النظم السياسية سواء كانت شيوعية أو رأسمالية ، ديمقراطية أو تسلطية  - تتجه نحو نفس النمط وهو نمط الدولة الرفاه الاجتماعي ،  هذه الفرضية تنفي أن مخرجات السياسة العامة تختلف وفقا لطبيعة وخصائص النظام السياسي.[2]

    تحيلنا هذه الفرضيات إلى طرق تبيين كيفية مقارنة السياسات العامة والتي على ما يبدوا أنها صعبة ومعقدة بالنظر إلى أن حقل السياسات العامة يمثل نقطة تقاطع وإلتقاء العديد من التخصصات، ومن أجل بلورة هوية تخصص السياسة العامة المقارنة يقتضي المنطق المنهجي الاشارة إلى شروط وأسس المقارنة الجيدة في حقل السياسات العامة، إلى جانب عدم تجاوز  وتجاهل الإطار النظري للسياسة العامة وهو جانب متعلق بالـ" كيف" الذي يمثل خلفية ينطلق منها التحليل المقارن: 

    1- شروط المقارنة الجيدة وأسسها: إن إجراء المقارنة يقتضي التساؤل عن الشروط الضرورية لممارسة لمقارنة محكمة منهجيا ، وهنا طرح بعض المحللين عالجوه في ثلاثة مستويات :

    1-1- المستوى الأول بناء الموضوع ومشكلة القابلية المقارنة: إن القيام بالمقارنة يفترض  ترك موقفين متضادين ، الاول هو القول بأن هذا الشيئ لا يقبل المقارنة، والثاني إعتبار كل شيئ قابل للمقارنة كماهو في صورته الظاهرة ، في الحالة لاولى يكون التركيز على الخصوصية الوطنية لهذه أو تلك من العمليات السياسية حتى تصير تلك الخصوصية مانعا من كل تأمل مقارن، على إعتبار أنه لا يمكن لنا المقارنة من دون وجود "قابلية المقارنة"، وفي الوقت نفسه فإن قابلية المقارنة نادرا ما تكون شيئ معطى محصلامن الأول وإنما هي بضد ذلك تحتاج إلى بناء ، وفي عملية البناء هذه لابد من الإحتياط  والتوقي لعدم الوقوع في شرك الإسمية والترجمة بمعنى الإقبال على مقارنة شيئين  لأنهما يسميان بإسم واحد في بلدان مختلفة [3].

    وبمعنى آخر يتعين على الباحثين أن يصبحوا أكثر وعيا ذاتيا في ملاحظة التعقيدات المفروضة على التنظير السطحي ، بإخضاع دقة المعلومات المحصلة عبر الدول وقابليتها للمقارنة إلى تمحيص متأن يتجاوز ماكان عليه في سنوات السبعينات فعلى الباحثون الذين يميلون لأن يكونوا أكثر إتقانا في تحديد المؤشرات والإختبارات التجريبية التي يصنعون منها نظرياتهم ، ولعل أن تزايد خلال السنوات الأخيرة ، الإدراك بأن التحليل يحتاج إلى إستخدام كل من جوانب التشابه والإختلاف واسعة النطاق  ودراسات الحالات الفردية ذات المضمون الثري ، فالإستراتيجيات المقارنة يمكن أن تظهر تعددية تعتمد على الغرض التحليلي قيد البحث بدلا من أن تعاق بمشكلة الفرد ، وعلى سبيل المثال لا الحصر بوسعنا المقارنة بين التفاح والبرتقال دون أن يكون هناك سبب ولا حاجة  بصورة مطلقة ماإذاكان التشابه أو الإختلاف هو الأكثر تأثيرا [4].

    إن بناء الموضوع  وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة  السياسة العامة وتفسير أنماطها . كما أن  السياسة العامة المقارنة تدور أيضًا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية . وبالتالي جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتركيز على التعميمات الجاهزة(بمعنى الروايات الكبرى). إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها  إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب السياسات العامة في بلدان أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا   باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[5].  

    2 - ممارسة المقارنة : استعمال مستوى تحليل واحد ومتجانس على ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي  يعني إنجاز العمل المقارن  على ايدي باحث  واحد ،   الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة  من قبل عدد من الباحثين ،ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس  التساؤل ولعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، هذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا ، ولعل أن التوجه السائد حاليا  في الأعمال المقارنة هو الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي إلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وإزدياد إشكالية التفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[6] .

    3- مسألة كتابة المقارنة: تطرح هذه المسألة في المقارنة الجماعية بصورة خاصة وتكون ذات أهمية كبيرة إذا كانت فرقة متععدة القوميات (الجنسيات) فتكون هذه الفرق  البحثية  يجعل التسليم  العمل أكثر تعقيدا، والمسالة تتعقل هنا بإستراتجية كتابة المقارنة يعني كيفية تنظيم النص وهنا يوجد إختياران مختلفان إما الهيكلة بوسطة الميادين الوطنية وهنا تكون الكتابة موجهة  بالميدان و القطاع (صنف السياسة العامة)  أكثر مماهي موجهة بقابلية المقارنة للموضع الذي بني سلفا وهنا لا تكون المقارنة في معناها الصحيح إل ا بطريقة ختامية بتقديم جداول ومخططات المقارنة ، ولعل أن العيب الذي يشوب هذه الخيار من النوع من المقارنة جعلها مصطنعة (رديئة) لا تحاول الغوص في تفسير التشابهات والاختلافات الذي هو صلب تخصص السياسة العامة المقارنة والتنبؤ بالمآلات. أما بالنسبة للخيار الثاني لكتابة الأعمال المقارنة  فهو  المبني في كتابته على سلم تحليل يوجهه وفرضيات البحث ، ويطبق عمليا بإجراء تبويب وتقسيمات لا تحيل أبدا على حالة وطنية بعينها بصورة صريحة ، فيكون موضوع الدخول تحليليا دائما وليس وطنيا وهذا يسهل الذهاب وافيب بين الحالات المقارنة ، إلا أن هذه الاستراتيجية في الكتابة لها عيبها ويكمن في تشويه الحالات الوطنية بافقتصار فيها على إعتبار ما يدخل في إطار المقارنة ، ومع ذلك يبدوا هذا الخيار أكثر موافقة للمنهج المقارن واصلح له ، لكن صلاحيته تتوقف على صلاحية الموضوع المقارن (له القابلية للمقارنة) [7] .
    مستويات المقارنة :  تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية ، بل التركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة ، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على الإختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].

    1- مقارنة السياسة العامة ضمن الإطار الوطني : لقد إتخذ حقل السياست العامة المقارنة في عقدي السبعينيات والثماننيات من الدولة القومية نقطة إنطلاقه وركز الكثير من الباحثين على الحالات الوطنية تماشيا والتوجه المنهجي الذي جاء في إطار مابعد السلوكية بالتقليل من عدد حالات المقارنة، في هذا الإطار تبرز الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة سلسلة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق(comparisons N-small) فقد خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [9].

     في سياق متصل كان لمفهوم الأسلوب الوطني للسياسة" الذي قدمه جيريمي رتشاردسون  في دراسته لأساليب السياسة في أوروبا الغربية سنة 1982. ومنذ ذلك الوقت لا يزال هذا  المفهوم قيد التطوير نظريًا وتجريبيًا. بتناول نطاقه ووحدة وسلم التحليل - القطاعي والوطني والمؤسسي - ومضمونه ومكوناته في مختلف البلدان .
     

     



    [1]- عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة ، مركز البحوث والدراسات السياسية(كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة ، 1993، ص ص 403-404 .

    [2] -محمد زاهي بشير المغيربي قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط ،1،1994.

    [3] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص224-225.

    [4] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 33.

    [5]- Martin Lodge. Comparative Public Policy. (Handbook of public policy analysis: theory, politics, and methods  /edited by Frank Fischer, Gerald J. Miller, and Mara S. Sidney) .p p 273-275.2007 see at :http://www.untag-smd.ac.id/files/Perpustakaan_Digital_2/PUBLIC%20POLICY%20(Public%20Administration%20and%20public%20policy %20125)%20Handbook%20of%20Public%20Policy%20Analysis%20Th.pdf  :

    [6] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.

    [7] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 227-228.

    [1] - آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان، 2020، ص12.

    [9] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة ،  مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.