الخطوط العريضة للقسم

  • كان مفهوم أنماط السياسة موجودًا في علوم السياسة منذ ظهور الإسهام الأكاديمي  لجيريمي ريتشاردسون وآخرون حول أنماط السياسة في أوروبا الغربية في عام 1982. ومع ذلك ، لا يزال المفهوم قيد التطوير نظريًا وتجريبيًا. ستجمع هذه الجلسة علماء من جميع أنحاء العالم لمناقشة جوانب المفهوم ، بما في ذلك نطاقه ووحدة التحليل - القطاعي والوطني والمؤسسي - ومحتواه ومكوناته في بلدان مختلفة، في هذا الصدد يعد " أرنولد هايدنهايمر" أول من طرح سؤالا جوهريًا على علماء الدراسات المقارنة مؤكدا على وجود اختلافات دقيقة عديدة في كيفية تعامل الدول مع التحديات المختلفة التي تواجهها، وتساءل: "إلى أي مدى يمكن دمج هذه العادات والخبرات في أنماط متماسكة لصنع السياسات، وتطبيق هذه الأنماط بشكل منهجي في معظم المجالات، أم أن قطاعات العمل العام المختلفة تطور خصوصياتها المميزة؟" وقد لاقت هذه التساؤلات صدىً في مقال ثيودور لوي التصنيفي، الذي أشار فيه إلى أن أصنافا مختلفة من السياسات العامة تعزز أنواعا مختلفة من النشاط السياسي ووفقا لثيودور لوي توجد علاقة واضحة بين السياسة العامة والسياسة والسياسات التوزيعية هي ذات طابع زبائني تنتج علاقات تبعية بين صانعي السياسات والإدارة من جهة والمستفيدين من جهة أخرى، كما أن السياسات التنظيمية تؤدي إلى إعادة التوزيع يتمخض عنها ظهور لعبة سياسية أكثر صراعا تتجه إلى خلق علاقة تنافسية وأكثر استقلالية وعدوانية بين الحكومة والفرد[1] .


    [1]- Jeremy Richardson. Policy Style. Dans Laurie Boussaguet.Sophie Jacquot. Pauline Ravinet. Dictionnaire des politiques publiques. 3ed. Presses de Science Po. Paris 2010. P608

     

    • 1- مفهوم أسلوب السياسة العامة: في إطار التحول الحاصل في براديغم السياسات العامة في أواخر السبعينات  والذي يعد من  علامات النضج الفكري في حقل السياسة العامة المقارنة كون الدراسات المقارنة تزداد ابتعادا عن البحث عن العامل الواحد والنظريات التقريرية وتقبلا للحاجة إلى دمج منظورات مختلفة لغرض تقديم تفسيرات مقبولة لتطور السياسة، والذي يعكسه ظهور نموذج الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة والذي تعود جذوره إلى فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة أين حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في طريقة تعامل الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ من هنا نشأ مفهوم أسلوب السياسة من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء"[1]،ولهذا فإن مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة يبرز جليا أثر خصوصيات المناطق السياسية التي تبرز بلا شك أن هناك "طريقة فرنسية" أو ألمانية أو بريطانية للقيام بالأشياء، وهي في نهاية المطاف هناك إختلافات أكثر أهمية بين مختلف السياسات القطاعية.[2]

      إلى جانب هذا يحمل مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة معنى التفاعل بين موقف الحكومة من المشاكل العامة والعلاقة بين الحكومة وبين الفواعل الأخرى للعملية السياسية، وهذا النمط من التحليل سهل من إجراء المقارنة بين السياسات العامة الوطنية وتفسيرها سمح بالتأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، مبرزا في ذلك أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح [3].وبحسب "جيريمي ريتشاردسون" أن مفهوم "أسلوب السياسة العامة " ظهر في فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة والذي حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ ما يعني أن مفهوم أسلوب السياسة نشأ من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء معينة[4].

      وعلى ضوء هذا يعتبر مفهوم أسلوب السياسات العامة بسيطا جدا هذه البساطة جعلته شائع الاستخدام بشكل متكرر في العديد من البحوث الإمبريقية التي أظهرت فائدة النموذج التصنيفي الأولي لأنماط السياسات العامة ووصف العمليات السياسية لـ "تيودور لوي" من خلال مراعاته لعاملين رئيسيين: يتمثل العامل الأول في طريقة عمل الحكومة في حل المشكلات والتي تعطي صورة حول طبيعة بعض الحكومات التي تتبنى موقف استباقي/فعال في مواجهة المشكلات العامة بينما تبدو حكومات أخرى في تبنيها لنهج تفاعلي، أما العامل الثاني فيتمثل في العلاقات بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية المحدد لأسلوب السياسة، وعلى سبيل المثال: هل تأخذ الحكومات بعين الاعتبار مجموعات المصالح؟ هل حقا الحكومة حريصة على التوفيق بين المصالح والتوافق مع المجموعات المنظمة، أم أنها تميل إلى فرض قراراتها بغض النظر عن معارضة هذه المجموعات؟ وبالتالي أصبح من الأهمية بمكان الإقرار بهذين العاملين باعتبارهما جوانب رئيسية في النظام السياسي لأي بلد[5].  

      2- الأساليب الوطنية كمنهجية لمقارنة السياسات العامة: ومن خلال هذا يمكن تحديد الأنماط الإجرائية الوطنية التي عرفها "أرنولد هايدنهايمر" بـ"نماذج صنع السياسات الوطنية" تعتبر بمثابة منظورا جديدا وبديلا للسياسات العامة يتمثل في طبيعة العملية السياسية، التي تحدد كيفية تطور الدول "إجراءات تشغيل معيارية" لتنفيذ السياسات العامة قد تكون لها آثار قوية و"منعزلة" تجعل الأساليب السياسية مختلفة بين القطاعات، التي تستدعي التركيز على أنظمة صنع القرار بدلا من القرارات ذاتها بدلا من الخوض في مسألة الاختلافات في السياسات الناتجة عن الأنواع المختلفة للعمليات السياسية، والتي تطرح مجموعة من الأسئلة: هل تأخذ الحكومات جماعات المصالح بعين الاعتبار؟، هل حقا الحكومة مسالمة وتسعى للتوصل إلى توافق في الآراء مع الجماعات المنظمة أم أنها تميل إلى فرض قراراتها من دون إعارة الاهتمام لمعارضة هذه الجماعات؟ ولفهم مجريات العملية السياسية وطبيعتها والتي تمثل الجوانب الأساسية المميزة للنظام السياسي لأي دولة، وعلى العموم يتحدد أسلوب السياسات العامة في أي بلد من خلال تفاعل عاملين إثنين وهما: موقف الحكومة تجاه المشاكل العامة وحلها، أما الثاني فيتمثل في العلاقة بين الحكومة والجهات الفاعلة الأخرى في العملية السياسية، ومن خلال هذا التعريف  يمكن تصنيف طرق اشتغال المجتمعات إلى أربعة أساليب أساسية للسياسة العامة"[6]

      1- مجتمعات تندرج ضمن فئة تؤكد على التوافق والموقف التفاعلي في حل المشاكل.

      2- مجتمعات الأخرى ضمن فئة تؤكد على الإجماع، ولكنها تشمل أيضاً مجموعة من القيم المعيارية التي تسمح باتباع نهج استباقي أو فعال تجاه المشكلات العامة.  

      3- بعض المجتمعات لا تزال تتفق بشكل أقل على مسألة الإجماع، وتنظر إلى الدولة على أنها نشطة وتميل إلى فرض سياسات لمواجهة الجماعات المنظمة المعارضة لها.

      4- مجتمعات تكون فيها الحكومات أكثر رد فعلية من كونها استباقية، وفي هذه الحالة يجب فرض التغيير وإدارته بشكل جيد على الجماعات المنظمة التي تعارض مقاومتها.

      العلاقات التوافقية

       نهج تفاعلي                                                   نهج استباقي/فعال

      علاقات الإلزام

      يوضح هذا الشكل الأساليب الوطنية للسياسات العامة

      على سبيل المثال لا الحسر يقارن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة بين حالات السويد وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا، حيث يمكن تصنيف السويد (معظم الفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى أوائل التسعينيات) في الربع العلوي الأيسر من الرسم البياني: حيث حظيت بمستوى كبير للابتكار في السياسة العامة بتبنيها الأسلوب الاستباقي الذي سمح في الوقت نفسه ببناء توافق في الآراء، أما فرنسا فيمكن اعتبارها أكثر ميلا إلى تطبيق أسلوب محفز لكن مع فرض حلول غالبا ما تكون ناتجة عن مواجهة ومقاومة الجماعات وهذا وفق ما يقوله المثل الفرنسي "عندما تريد تجفيف مستنقع، لا تستشر الضفادع!"، في المقابل، نجد بريطانيا العظمى (بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انتخاب "مارغريت تاتشر" عام 1979) تتسم بأسلوب تفاوضي احتل مكان واسعا ضمن نهج التفاعل مع المشكلات العامة، كما تميزت ألمانيا بأسلوب محفز وتوافقي احتلت فيه المفاوضات مكانة كبيرة في إطار نهج تفاعلي مع المشاكل العامة لكن مع نهاية عقد السبعينات أصبحت سياساتها أكثر تفاعلية وكان من الصعب إرساء التوافق ضمن إطار أسلوب السياسات العامة المحفزة لا سيما في قطاع الطاقة[7]، في سياق متصل سلط لينارت لوندكفيست الضوء على اختلاف الأساليب التنظيمية(أسلوب السياسة) في كل من الولايات المتحدة وفرنسا حيث لاحظ "دينيس كوبوك" وجود اختلاف بين الأساليب التنظيمية في فرنسا والولايات المتحدة خاصة هذه الأخيرة التي تثير الشك حول النفوذ الكبير والمحتمل لجماعات المصالح في المقابل اعتبر هذه الأساليب في فرنسا بأنها تعكس الارتباط الحتمي والوثيق للمصالح بنتائج السياسات "[8].

      من خلال هذا يبدو جليا أن نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة اهتم بعملية إنتاج السياسات العامة وبالجوانب الكيفية والنوعية فيه وبالتفاعل بين المتغيرات، انتهى بالدراسين الى التأكيد على أن الاختلافات في العمليات الوطنية لإنتاج السياسات العامة أدى إلى تصنيفات تقدم "أساليب وطنية" متباينة للسياسات العامة انطلاقا من المزواجة بين بعدين هما نمط تكفل صناع السياسات بالمشاكل العامة وبنية التفاعلات بين مختلف الفاعلين المشاركين في السياسات العامة، وهذا كله أدى إلى ظهور نموذج الأساليب الوطنية للسياسات العامة Policy Styles""[9]، الذي يقوم على تحليل معقد لعملية صنع وتنفيذ السياسات العامة وهذا الأمر لا يتوقف عند هذا فحسب بل امتد ليسلط الضوء والوقوف على حقيقة كيفية تطوير مختلف المجتمعات لـ "إجراءات التشغيل المعيارية" في صنع وتنفيذ السياسات، وبعبارة اخرى معظم المجتمعات تقوم بتطوير معايير معينة لشرعنة نشاط السياسة وغالبا ما تعكس هذه المعايير القيم الأصيلة للمجتمع غالبا ما تأخذ شكل قواعد دستورية وقانونية[10].

      ولذلك فإن الأعمال التي قامت بتطبيق الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة غلب عليها الوصف أكثر من التفسير لكنها ساهمت في تجديد التأمل في السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه، قامت بذلك في عدة مواضيع مركزة على أهمية التفاعلات بين فواعل العمل العام وخصوصا بين الدولة وجماعات المصالح[11]، ومن خلال هذا أصبح بوسع المقارنات بين السياسات على مستوى الدول أن تستفيد من مجموعة منوعة من التوجهات الفكرية في القوت الذي تحاول فيه أن تظل قريبة من المعلومات التجريبية الواقعية قدر الإمكان، ويلتقي هدف تطوير سياسات أفضل بهدف تطوير نظريات أفضل خصوصا في علمان الذي يزداد اعتماده على بعضه البعض، فبالمقارنة نتعلم أن نرى بصورة أوضح، فإذا ما كنا حذرين منهجيا في التفاصيل ومتحمسين للمعنى الأوسع للأحداث فسوف يكون بمقدورنا أن نبدأ برؤية فكرية للكيفية التي يمكن للعمل اليومي المعقد لصناعة السياسة – الذي هو خليط من الأفكار والمؤسسات والوسائل السياسية والتقاليد العريقة – أن يساهم في إغناء الاختيارات الجماعية [12]، وفي هذا الصدد نجد أنه منذ الصياغة الأولية لمفهوم أسلوب السياسات العامة دارت نقاشات عديدة حول فائدته في التحليل المقارن للسياسات العامة، بالنسبة للبعض لا يمكن اعتباره مفهوما جديدا بل مجرد شكل بسيط من أشكال التفسيرات الثقافية (الغامضة) والراسخة، وكما يعتبره رواد آخرين أنه نظرية بحد ذاتها تمتلك قيمة تنبؤية: حيث بمجرد تحديد خصائص أسلوب وطني يصبح من الممكن التنبؤ بالنتائج في مواقف العمل العام، بعبارة أخرى، تعتبر أصناف السياسات العامة بمثابة «تعميمات فضفاضة» وفي أفضل الأحوال تبقى «أداة منهجية جيدة للمقارنة »، ولذلك يبدو هذا التصنيف بسيطا لكن قيمته الإرشادية يعزز النموذج التصنيفي السياسات العامة واستخدامه ضمن منظور مقارن مع تجنب التصنيف المحدد بدقة والمرتبط ببلد معين[13].

      3- صعوبات تحديد أسلوب السياسة: من الناحية العملية، يعتقد أن صانعي السياسات (سواء كانوا سياسيين أو موظفين مدنيين) سيحاولون غالبا وضع إجراءات تشغيل معيارية للتعامل مع القضايا التي تدخل في الأجندة السياسية للحكومة (بمعنى هناك أسلوب سلوكي للسياسة) الذي لا ينتهي فيه تدفق القضايا ويجب وضع إجراءات "لمعالجتها"، على الرغم من صعوبة ذلك إلا أنه يمكن لعلماء السياسة تحديد الخصائص الرئيسية للطرق التي يصوغ بها مجتمع معين سياساته العامة وينفذها وكما يرى "جيريمي ريتشادسون" أن إدراك هذه المهمة الصعبة والعمليات المعقدة قائلا "لا نرغب بالقول أن السياسات العامة في أي مجتمع تصاغ وتنفذ دائما بطريقة معينة حتى لو أمكن تحديد أسلوب سائد إلا أنه ستحدث دائما استثناءات"، ويضرب مثالا على ذلك إعادة تنظيم قطاع المياه في بريطانيا حيث جاءت قضية المياه مخالفة للمعيار السائد المتمثل في إقرار السياسات المقبولة فقط (أي المقبولة لدى الجهات المعنية) متجاوزة الأسلوب البريطاني المعتاد في صنع السياسات العامة، علما أن هذا الأسلوب معروف لدى المحللين بميله إلى التشاور وتجنب التغييرات الجذرية في السياسات والإرادة الشديدة في تجنب أي إجراءات قد تهدد المصالح الراسخة[14].

      هذا ما يعني أن الأسلوب الوطني في رسم سياسة عامة معينة يتضمن بعض جوانب القصور قد لا يكون فيها بالضرورة "توافق" دائم وتام ووثيق بين القيم المعيارية المتعلقة بعملية صنع السياسات العامة والسلوك السياسي الفعلي فقد يتعارضان ويتباعدان لعدة أسباب، حيث قد يولي مجتمع معين أهمية بالغة لقيم الحوار والتشاور يفرض إحاطة عملية صنع السياسات بعدد كبير من اللجان الاستشارية أو خوض عمليات تشاور طويلة وواسعة النطاق، إلا أن هذه المشاورات قد تكون في الواقع مجرد واجهة لإخفاء الجهة الفعلية المسؤولة عن اتخاذ القرار، ففي بريطانيا مثلا من الشائع أن تدعي الجماعات البيئية أن التحقيقات العامة في مخططات بناء الطرق الجديدة أو مقترحات مشاريع الطاقة النووية لا تمنحها فرصة حقيقية للتأثير على نتائج السياسة الفعلية، لذلك قد تستخدم المشاورات التي تشارك فيها العديد من جماعات الضغط وآلاف الأفراد لإخفاء ما يمكن تسميته "مفاوضات الدائرة الداخلية" لتشمل عدد محدود جدا من الجماعات "المهمة"، ما يعني أنه هناك صراع ليس فقط بين القيم المعيارية والممارسة الفعلية ولكن حتى بين القيم المعيارية نفسها، فكما يفرض المنطق السياسي بأن "الحكومات يجب أن تحكم" في المقابل "يجب على الحكومات التشاور والتوافق"، لكن يمكن القول أن هاتان القيمتان قد تتعارضان في ظروف معينة فكما يصوت الناخبون لصالح إيجاد "حكومة قوية" لكنهم في الوقت ذاته يرفضون وجود "حكومة المواجهة" .[15]

      تجدر الإشارة أن ما يعزز الانتقادات الموجهة للأساليب الوطنية للسياسات العامة نجد النموذج التصنيف الثلاثي لصنع القرار لـ "تيودور لوي" الذي قسم السياسات العامة إلى ثلاثة أصناف رئيسية (توزيعية، وتنظيمية، وإعادة توزيعية)، وأن كل صنف من هذه السياسات العامة تختلف توجهاتها باختلاف الصنف الأساسي للسياسة العامة مما يظهر ذلك أكثر من أسلوب واحد للسياسة العامة لمعالجة مشكلة واحدة، حيث يرى أن صنف السياسة يعد أحد "الشروط المنشأة للاختلافات في الخصائص الإجرائية للأنظمة السياسية"، ومن خلال هذا يفترض بعض المحللين أن يلقى مفهوم أسلوب السياسة الوطنية إنتقادا لدى "تيودور لوي" فقد يطالب بدلا من تحديد أسلوب السياسة تحديد مضمون السياسة أولا، لأن هذا النموذج التصنيفي يقوم على منطق يجعل العلاقات تكون مختلفة عندما تحاول الدولة توزيع المنافع في مقابل قيامها بتعزيز جاذبية الضبط والإكراه[16].

      علاوة على هذا يواجه مفهوم الأساليب الوطنية للسياسات العامة صعوبات كبيرة تتمثل في تحديد الأسلوب السائد في التقسيم القطاعي لعملية صنع السياسات العامة وهي ظاهرة مألوفة في كل البلدان فإذا تمت صياغة السياسات بشكل مستقل تبقى لكل سياسة قطاعية "مجتمع السياسة" و"شبكات السياسة" و"دوائر السياسة" وهذا ما يعكس الخصائص الأساسية للنظام السياسي، وفي المقابل لا يوجد أسلوب سياسي واحد خاص يحكم "نخبة السياسات" التي تقوم بتطوير كل سياسة قطاعية وتحويلها إلى قسم شبه مغلق تؤدي إلى خلق أساليب سياسية مختلفة حتى داخل النظام السياسي نفسه، فقد يكون الأسلوب يصف بدقة سياسة قطاعية معينة إلا أنه في الواقع غير مناسب لوصف قطاع آخر مما قد يترتب عن ذلك توصيفات مضللة للأنظمة الوطنية لصنع السياسات العامة، علاوة على هذا قد تظهر سياسة قطاعية واحدة أكثر من أسلوب سياسي واحد ومن الممكن أن يشكل هذا الأمر جوهر لقضية السياسة نفسها وتكون كعامل أو كطريقة "لمعالجة" مشكلة محددة، في هذا الصدد جادل "تيودور لوي" في تصنيفه الشهير للقضايا والمشاكل بأن أصنافا مختلفة من السياسات العامة تخلق أنواعا مختلفة من السلوك السياسي، مؤكدا على وجود مجموعة متنوعة من السلوكيات السياسية المختلفة ( أطلق عليها أصناف السياسة) في المجتمع وكما يقول لوي أنه يشعر بهذه السلوكيات التي تفسر تبعا لأنواع القضايا والمشاكل المطروحة[17].

      وفي إطار هذه الإنتقادات الموجهة لهذا الإطار المنهجي نجد على سبيل المثال لا الحسر سياسة الإصلاح الإداري التي تجسد معنى الأسلوب الوطني ظلت مقارنتها "بشكل عام" (بمعنى حركات الإصلاح الإداري الواسعة) والمحصورة إلى حد كبير في التركيز على الخصوصية المؤسسية للتجارب الوطنية، فإنّ تحليل قضايا أكثر تحديدًا في السياسة الإدارية يتحدى الصور النمطية للبلدان أو مجالات سياسية معينة المتعلقة أساسا بظاهرةـ "التبعية للمسار"، وعلى سبيل المثال نجد كل من بريطانيا وألمانيا (على المستوى الاتحادي) غالبا ما ينظر إليها على أنهما على طرفي نقيض فيما يتعلق بمدى وسرعة إدخال الإصلاحات الإدارية في العمليات الحكومية، لكن عند التركيز على مسألة الكفاءة يبدو أن ألمانيا كانت تفكر في الكفاءة في ثمانينيات القرن الماضي (ثم نسيتها في أعقاب التوحيد حتى أواخر التسعينيات)، بينما لم يكتشف كبار موظفي الخدمة المدنية في بريطانيا الكفاءة إلا في أوائل التسعينيات[18].

      وبالتالي يمكن القول أنه رغم الإسهامات التي جاء بها نموذج الأساليب الوطنية في مقارنة السياسات العامة إلا أن هنالك سوى عدد قليل من المحاولات المنهجية للمقارنة الوظيفية بين مجالا السياسة المختلفة ما بين الدول، وهنا بوسع الباحثين أن يسعوا مثلا إلى تقرير ما إذا كانت العمليات السياسية في الإسكان مثلا تتطابق مع أساليب السياسة الوطنية العامة أكثر من انطباق عمليات الإدارة الاقتصادية، وإحدى الصعوبات في هذا المجال هي الاتفاق على كيفية إنتقاء المؤشرات المعنية وقياسها، والصعوبة الأخرى تتعلق بحقيقة كون أساليب السياسة الوطنية تتغير على مر الزمن [19].


      [1] - Jeremy Richardson. A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style, Palgrave, 2018, p01.

      [2] -Jeremy Richardson. Op cit . P608

      [3] - صالح بلحاج ، المرجع نفسه، ص 221.

      [4] - Jeremy Richardson . A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter[7]  One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style ,Palgrave , 2018, p01.

      [5] -Jeremy Richardson. Op cit . P P610-611.

      [6] -Jeremy Richardson. Op cit . P611.

      7] -Jeremy Richardson. Op cit . P P612-613.

      [8] -Jeremy Richardson. Op cit . P609.

      [9] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.

      [10] - Jeremy Richardson ed. Policy Styles in Western Europ. Winchester, Mass : George Allen & Unwin, 1982, pp 02-03.

      [11] -- صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 221.

      [12] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 48.

       [13] -Jeremy Richardson. Op cit . P611.

      [14] - Jeremy Richardson ed. op cit. p03.

      [15] - Jeremy Richardson ed.op cit .p02 .

      [16] Jeremy Richardson ed. op cit. p04.

      [17] - Jeremy Richardson ed. op cit. p03.

       Martin Lodge (eds(.op cit. p286- [18]  ..

      [19] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 515.

    • يُغلق: الأحد، 13 ديسمبر 2026، 1:50 PM

      كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في طريقة تعامل الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟

      من خلال الأساليب الوطنية التالية: (التوافق، الإلزام، نهج تفاعلي، نهج إستباقي) حدد طريقة التفاعل بين الحكومة مع

      المشاكل العامة وعلاقتها مع الفواعل الأخرى، أي من هذه الأساليب تلائم الدول السلطوية والدول الديمقراطية ؟