مما لا شك فيه أن تصميم السياسات العامة يعد الإطار الأكثر دقة لتحسين توحيد معايير السياسات العامة المقارنة من حيث المنهج والمضمون، وجوهر السؤال المطروح هنا يكمن فيما إذا كان لتحليل المقارن السياسات منهج يفيد تصميم نظرية للسياسات العامة، بمعنى لآخر كيفية توفير تصميم إطار نظري ومنهجي للسياسات لتطوير مجال السياسات العامة باعتباره فرع من فروع دراسات السياسات وهنا نجد خمسة اعتبارات على الأقل تدعم هذا الطرح[1].
1-تصميم السياسات هو في جوهره مسعى مقارن، قائم على التعلم من تجارب الدول المختلفة، ومن مجالات السياسات المتنوعة، ومن الحكومات المختلفة. وقد كان مفيدًا بشكل خاص مقارنة خيارات أدوات السياسة، وأنماط الحوكمة، وأساليب التنفيذ، وقدرات الحكومات، ومساحات التصميم.
2- منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي دعا جميع الباحثين إلى سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال تصميم السياسات العامة إلى مزيد من التكامل بين دراسات السياسات وصنع القرار.
3-على عكس النظريات التقليدية لعملية صنع السياسات العامة فإن تصميم السياسات يدور حول معالجة كل قضية سياسية بطريقة منهجية وعرضها في سياقها، ومعنى هذا أن مقارنة السياسات العامة من خلال نماذج القرارات الأربعة المذكورة سابقًا: تحديد المشكل والتقييم ، التنفيذ الحلول والتدخل هي عمليات في جوهرها مجموعة من الأنشطة تهدف إلى شرح كيفية عمل السياسة وذلك لتحسين استراتيجيات الحكومة وتوقع آثارها غير المرغوب فيها، يتكون التقييم من تحديد مشكلة السياسة واختيار المعايير الصحيحة لقياس نتائج السياسة التي تعالج هذه المشكلة. يرتبط التنفيذ عادةً بصياغة السياسات كمجموعة من الأنشطة المتعلقة باختيار الأدوات وتعبئة الدولة للموارد. أخيرًا، يشير التدخل إلى الإصلاحات الإدارية والابتكارات والتصميم المؤسسي التي تجعل السياسة أكثر فعالية. كل نموذج من هذه النماذج يحظى بالفعل باهتمام في مجال السياسات العامة، لكن تصميم السياسات هو الطريقة الأكثر شمولًا لمقارنتها.
4- يسهل إطار تصميم السياسات النقاش بين الباحثين من مختلف المدارس الفكرية قد يبدأ ذلك بربط تصميم السياسات العامة بالسياسة المقارنة بحثًا عن أنماط "أساليب التنفيذ" وردود الفعل السياسية، ومع ذلك يشمل التصميم أيضا القرارات التي تتخذها الحكومة فيما يتعلق بوضع الأجندة وصياغة السياسات وتقييمها. وبالتالي يمكن القول أن ظهور العديد من نظريات تصميم السياسات منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، فإن معظمها يشترك في الطموح الأصلي لعلوم السياسة كمنهج قائم على حل المشكلات ويُقدّم دعمًا نظريًا واضحًا للمعرفة الإمبريقية المستمدة من التجربة الحكومية، ولعل أن هذا البعد الموضوعي للسياسة المقارنة يدعم موقفها المعياري دون التخلي عن إطارها العلمي[2].
من خلال ما سبق يتضح أن حقل السياسات العامة المقارنة يضطلع بدور متميز في عالم لا يزال يشكو من نمطية المفاهيم والقيم وهذا مايتطابق مع ما إعتبره "هربرت سيمون" هيمنة "نماذج الإدارة القائمة"، جاء التحليل المؤسسي المقارن في الإعلاء من شأن دور السياسات العامة المقارنة بإثراء التطورات والحجج الوطنية وتحدياتها، وبينما يُرجّح أن تُضيف المقارنة المناسبة معلومات إلى عملية صنع السياسات وتتيح تقييم نقدي لمدى وطبيعة التطورات السياسية المعاصرة، ينبغي مع ذلك أن يسعى تحليل السياسات العامة المقارنة المعاصر إلى تجنّب الوقوع في فخ "ما يجدي نفعًا". فاستخلاص الدروس للتطبيق لا سيما في السياقات الحزبية التي تهيمن عليها المصالح قصيرة الأجل وهنا من المرجح أن يؤدي ذلك إلى خلق آثارٍ سلبية غير مقصودة وغير متوقعة، وبدلًا من ذلك، يرجح أن تُسهم السياسات العامة المقارنة في تعزيز ذكاء عملية صنع القرار من خلال التقييم النقدي لأي إعلان عن ابتكار وطني في السياسات العامة فالإشارة إلى التجارب المقارنة واستكشافها تتجاوز مجرد الحكايات العابرة بل هو التساؤل النقدي والمستمر الذي يمثل جوهر السياسة العامة المقارنة[3].
وعلى ضوء هذا ينظر إلى التأثير الكبير للقواعد والإجراءات المؤسسية على سياسات صنع القرار وتنفيذ مختلف تصاميم السياسات والدروس التي يمكن استخلاصها من المنظور المؤسسي لتصميم السياسات؟ وبهذا الخصوص لا تزال الأبحاث حول التأثير الدقيق للإجراءات المؤسسية على صنع القرار السياسي، وتأثيرات تفاعل القواعد المؤسسية مع السياقات السياسية والاجتماعية، وحتى التاريخية، في بداياتها وحتى الوقت الحالي نجد أثر البحث في السياسات العامة لا يزال ساريا على تطور النظرية المؤسسية، وفي المقابل نجد للنظرية المؤسسية آثار بارزة على تطوير السياسات العامة، علاوة على هذا نجد أن البحث في أثر القواعد والإجراءات المؤسسية على السياسات العامة ذات صلة بالحلول السياسية القائمة على الأساليب الإجرائية، فمع تزايد تخلي صانعي السياسات المعاصرين عن ثقتهم في السياسات التي تضعها وتنفذها الحكومة فإنهم يتجهون بشكل متزايد إلى حلول سياسية قائمة على "بدء عملية" أو "إنشاء شبكة" أو "تحديد إجراء"، وهنا يبرز دور التحليل المؤسسي في توفير أساس للنقد والوصفات الملائمة للسياسات العامة رغم أن البحث في أثر القواعد والإجراءات على السياسة لا يزال في مراحله الأولية المبكرة يفتح آفاقا واسعة للبحث [4].
1- إتجهت المدرسة المؤسسية التقليدية نحو التحليل النمطي المعياري.
2- الإتجاه المثالي المعياري للمدرسة المؤسسية التقليدية تقدم تفسيرات وافية على كيفية صنع السياسات العامة ومقارنتها.
3- تمكنت النظرية المؤسسية التقليدية من سد الفجوة بين النظرية والتطبيق في مجال السياسات العامة.
4- المؤسسية الجديدة أسهمت في تفسير التشابهات والإختلافات بين السياسات العامة تبعا لإختلاف بينة المؤسسات وتفاوت أدائها .
5- قامت المؤسسية التقليدية إلى وضع إطار واحد وملائم لمختلف النظم السياسية لتصميم السياسات العامة متماثلة ومتقاربة.
6-هناك منظور مؤسسي موحد لتصميم السياسات العامة.