ينطلق المنظور المؤسسي الجديد من فرضيتين أساسيتين وهما: الفرضية الأولى مفادها أن المؤسسات تخلق عناصر النظام وقابلية التنبؤ وتصوغ اللاعبين وتعينهم أو تعيقهم في أثناء حركتهم ضمن منطق الأفعال الملائمة، إنها حاملة للهويات والأدوار ومؤشر على شخصية الكيان السياسي وتاريخه ورائه ، وهي توفره روابط تشده المواطنين بعضهم إلى بعض على من الأشياء الكثيرة التي تفرق بينهم كما تؤثر في التغيير المؤسساتي وتخلق عناصر اللاكفاءة التاريخية، أما الفرضية الثانية تنطلق من أن ترجمة البنى إلى فعل سياسي وترجمة الفعل إلى إستمرارية وتغيير مؤسساتي تتولدان عبر علميات قابلة للفهم وروتينية فهذه العمليات تنتج أنماط فعل ونماذج تنظيمية متكررة ، وأحد الصعوبات أمام باحثي المؤسسات هو شرح كيف يجري إرساء استقرار هذه العمليات أو زعزعتها وماهي العوامل التي تديم هذه العمليات الجارية أو تعيقها [1].
من خلال هذا سعت أبحاث العلوم السياسية والسياسات العامة إلى الإجابة على سؤال كيف تؤثر الاختلافات المؤسسية الوطنية في السياسات العامة والتي تصاغ وفقا لتنظيم الدولة ومؤسساتها؟ وعلى ضوء هذا برز التحليل المؤسسي المقارن بصورة جديدة على مدى العقود الثلاثة الماضية تقريبًا، انتشر مصطلحا "المؤسسي" و"المؤسسية" انتشارًا واسعًا في معظم فروع العلوم الاجتماعية. وكان السياق المشترك لظهور وانتشار المنظورات المؤسسية أو ما يسمى بالمنظورات المؤسسية الجديدة خلال هذه الفترة هو التشكيك في المنظورات التقليدية والمهيمنة في تلك الفروع المختلفة، وفي هذا الإطار برزت النقاشات الدائرة حول تعريف المؤسسات وهو اتجاه يعتبره الباحثين أنه ثورة في التنظير وإعادة تحديد السياسة المقارنة أصبح التركيز على الفرد في المؤسسات السياسية وتعتبر البؤرة الصحيحة والملائمة لعلم السياسة المقارنة، وعلى هذا الأساس انصب التركيز الأساسي لكل من العمل النظري والتجريبي في السياسة المقارنة على مقارنة مختلفة على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة[2]، ومن جهة أخرى انتقلت منهجية التحليل من الماكرو (الكلي) الذي كانت سائدة في إطار التحليل التقليدي أين كان يميل المنظرين في كتابتهم إلى التحليل الكلي التركيز على العموميات إلى إطار الميكرو (الجزئي) عبر تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات، والملاحظات الامبريقية المعتمدة في هذا الشأن تشير إلا أن العمليات داخل المؤسسات السياسية وما تطرحه من تفاعلات فيها من نتائج كمحصلة لعمليات التوفيق والمساومة، تؤثر في الاحداث وفي حركة المجتمع وعلاقات التفاعل المؤسسي بين المؤسسات السياسية كالمنافسة بين الهيئات التشريعية والبيروقراطية [3] .
وما يعرف على النظرية المؤسساتية الجديدة أنها أعادت المؤسسات إلى تفسير السياسة والمجتمع واكتسبت من خلال هذا زخما كبيرا ومتعاظما في العلوم السياسية ذلك أن لها مضامين كبيرة متعلقة بدراسة الدولة بالانتقال إلى المؤسسات، أين أصبح من المسلم به منذ عقدي السبعينات والثمانينات القول بأن "للمؤسسات أهمية بالغة" وأن السياسات "تعتمد على المسار التاريخي للمؤسسات"، ويعود هذا الاهتمام بالمؤسسات جزئيًا إلى غياب استجابات مماثلة من الأنظمة السياسية المختلفة تجاه مدخلات أو صدمات خارجية متشابهة ولذا، استكشفت دراسات مقارنة للسياسات العامة أسباب نجاة بعض الدول المتقدمة من سنوات الركود الاقتصادي في سبعينيات القرن الماضي بشكل أفضل من غيرها، حيث ارتبطت المؤسسات السياسية بدرجات متفاوتة من الاستجابة فيما يتعلق بتبني السياسات القائمة على خصخصة شركات المرافق العامة نظرا لتأثير العولمة التي فرضت قيود على الميزانيات العامة بدرجات متفاوتة من ضغوط التكيف على الأنظمة الوطنية مما شكل تحديًا جزئيًا لوصفات النجاح التي سادت في سبعينيات القرن الماضي[4].
في هذا السياق تزايد الاهتمام بالمؤسسات الذي أخذ مسمى المدرسة المؤسسية الجديدة وهي مدرسة تهدف إلى "هيكلة السياسة" من خلال إعطاء أهمية نظرية للمؤسسات، وتشير المؤسسية الجديدة إلى أن الباحث السياسي يستفيد من البدء بالمؤسسات بدلا من الفاعلين، وينطلق هذا المنظور من أن أنطولوجيا المؤسسية الجديدة تتكون من مؤسسات تتعايش مع مختلف الفاعلين سواء كانت مجموعات أو أفراد أو طبقات اجتماعية أو نخب سياسية[5]، وفي هذا الصدد يبرز وزن المؤسسات وأثر الديناميكيات المؤسسية كمتغير أساسي في هذا المدخل النظري الذي يفترض أن القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين، وتهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات عاكسة بذلك درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.
ووفقا لهذا تعد المؤسسات مهمة لأنها مؤلفة من مجموعات من الأعراف الرسمية وغير الرسمية فهي تفرض سلوكيات وتمنعها، وما من شك في أن المؤسسات هي إبتكار بشري وهي أبعد ما تكون عن الثبات[6]. ومن هذا المنطلق يتم تسليط الضوء على ما يجري داخل المؤسسات السياسية من جهة وفي علاقتها بالمجتمع والتي حيث تنطلق مسلمات المؤسساتية الجديدة على أن المؤسسات السياسية تؤدي دورا أكثر استقلالية معتبر إن لدولة عبر مؤسساتها السياسية تتمتع بقدر من التماسك ولاستقلال، ولذلك جاء هذ المنظور بمنهجية جديدة تتمثل إضافة اهتمامات وأبعاد ومتغيرات جديدة للتحليل تنطلق من أن المؤسسة لها تكوينها وبنيتها الداخلية وعملياتها ومعاييرها الخاصة بها، وهي تنمو وتتطور وتدخل في علاقات جديدة وتضم أدوارا ووحدات ليست جامدة وإنما هي آخذة في التفاعل والحركة [7].
وكما يجادل أنصار المنظور المؤسسي وعلى رأسهم "كاتلين تيلين رائدة النظرية المؤسساتية التاريخية والتي ترى أن هؤلاء يواجهون تحديًا جديدًا يتمثل في تجاوز تحليل السكون المقارن والانتقال نحو التحليل بمنظور مؤسسي ديناميكي حقيقي قادر على استيعاب ليس فقط الآثار المؤسسية، بل أيضًا إعادة إنتاج المؤسسات وتغيرها، ومن جهة ثانية ترى أنه من الضروري تناول نقاط القوة والضعف في منهجية دراسة مؤسسات وحالة التغير السياسي والاقتصادي، ولهذا قدمت الباحثة "كاتلين تيلين" إطارا مؤسسيًا تاريخيا بديلا لتحليل المؤسسات والتغير المؤسسي، وعلى هذا الصعيد تطرح الاتجاه النظري المؤسسي المعاصر تحديات نظرية هائلة، في دراسة التغيير المؤسسي، وهنا من المهم التذكير بأن معظم الدراسات التقليدية في الاقتصاد السياسي للدول الصناعية المتقدمة إرتكزت في دراساتها المقارنة على عنصر المؤسسات باعتباره متغيرا تفسيريا رئيسيا (مستقلا أو وسيطًا) يُؤثر في مختلف السياسات والنتائج السياسية على مستوى الدول[8].
[1] - جيمس مارش ويوهان أولسن، في المؤسساتية الجديدة،( دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية)، ترجمة علي البراني وابتسام الخضرا، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة ، ط1، 2022، ص29 .
[2] - Mark Pennington.op cit.p p13-14.
[3] -عبد الغفار رشاد القصبي"ب"، المرجع نفسه، ص113.
[4] - Martin Lodge (eds(.op cit. p 279
[5] -André Lecours .L’approche néo-institutionnaliste en science politique : unité ou diversité?. Revue Politique et Sociétés. Volume 21, Number 3, 2002.p04
[6] - جيمس غيبسون، المؤسسات القضائية، دليل أكسفورد للمؤسسات السياسية ، ترجمة علي براني وإبتسام خضراء، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة، 2002، ص 894.
[7] - عبد الغفار رشاد القصبي"ج"، مناهج البحث في علم السياسة، جامعة القاهرة ، ط2، 2007، ص ص185-186.
[8]- Kathleen Thelen (eds).Beyond Comparative Statics: Historical Institutional Approaches .to Stability and Change in the Political Economy of Labor. COMPARATIVE INSTITUTIONAL ANALYSIS. Edited by GLENN MORGAN, JOHN L . CAMPBELL, COLIN CROUCH, OVE KAJ PEDERSEN And RICHARD WHITLEY. Oxford University Press, New York .2010 .p p 43- 44.