الخطوط العريضة للقسم

  • أبدى علماء الاجتماع اهتمامًا بدراسة تأثير القيود المؤسسية على السياسات العامة لأسباب عملية ونظرية، فالسبب الأول هو أنه في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، واجهت موجة من السياسات الطموحة - مثل مبادرة "المجتمع العظيم" التي أطلقها ليندون بينز جونسون في الولايات المتحدة، أو توسيع صلاحيات الحكومة الفيدرالية من خلال الإصلاح الدستوري في ألمانيا - خيبة أمل- فعلى الرغم من الدعم الشعبي غير المسبوق لاستخدام أدوات الحكومة لتحسين وضع المجتمعات لم تحقق العديد من هذه البرامج أهدافها، ولم تحل المشكلات التي كان من المفترض معالجتها بل إن الأموال التي خُصصت لم تُنفق في بعض الحالات، أما السبب الثاني فتمثل في سعي الباحثين إلى فهم جذور هذه الإخفاقات السياسية أين تحول اهتمامهم النظري من المجتمعات إلى المؤسسات، وتوصلوا إلى حقيقة مفادها أنه ثمة ترابط تاريخي ونظري بين دراسات السياسات العامة والنظرية المؤسسية نظرا لتاثير المؤسسات على السياسات العامة، وغيرت السياسات فهمنا للمؤسسات، ومن خلال هذا أدت دراسات السياسات إلى تفسير مؤسسي للسياسة وبرز ت نظريات جديد للحكم الديمقراطي[1].

    في خضم التحولات النظرية التي عرفها علم السياسة الذي أدى مع نهاية الثمانينات إلى بروز منظور المؤسساتية الجديدة والذي أخذ كمضلة للتحليل المقارن للسياسة العامة، أين عادت المؤسسات السياسية التي حجبتها المدرستين السلوكية والبنيوية لمدة من الزمن، ورجعت إلى ميدان التحليل وصارت موضوع بحوث متجددة في علم السياسة وموضوع نقاش وجدال شديد بين الباحثين من أصحاب المقاربات المؤسساتية الجديدة (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) على أن الدور المهيكل الذي تؤديه المؤسسات بمنظور المؤسساتية الجديدة التي تعظم دور التركات المؤسساتية مع هيمنة ظاهرة المفاهيم المؤسساتية التاريخية  يتقدمها مفهوم التبعية للمسار ومفهوم المسارات الوطنية، علاوة على العنصر الثالث الجديد الذي ميز تلك الاعمال إدماج البعد المعرفي في مقارنة السياسات العامة، فأدى ذلك إلى جمع متزايد بين المتغيرات الثلاثة المشهورة  وهي المصالح والمؤسسات والأفكار كما بينه وأحسن بيانه عالم السياسة الأمريكي بيتر هول [2].

    لقد ساعد هذا المنظور المؤسسي علم السياسة العامة بشكل حقيقي من خلال بروز دراسات شاملة للقطاعات والبلدان في الاقتصاد الكلي والسياسة الخارجية وقد أسفر ذلك عن كم هائل من المعرفة والمقارنات بين الدول حول مشاكل السياسات العامة، والأنظمة المؤسسية وفجوات التنفيذ وأدوات السياسات العامة، وبهذ الخصوص ازداد اهتمام الباحثين بالمؤسسات وتقارب السياسات العامة وانتشارها، نتيجةً لعملية ترابط بين المستويات العابرة للحدود الوطنية والوطنية ودون الوطنية مع أنماط الإكراه الرأسية أو الأفقية[3].

    وإذا كانت دراسات السياسات العامة قد حسنت فهمنا للمؤسسات فهل يمكن لمنظور مؤسسي أن يساعدنا في تحسين السياسات العامة؟ في أي مجال يعتمد تحليل السياسات على كمّ هائل من المعلومات والمعارف التقنية التي لا ترتبط بالضرورة بالمؤسسات أو السياسة أو المجتمع، ومع ذلك فإن القرارات المتعلقة بكيفية التعامل مع هذه المعلومات هي خيار سياسي أو اجتماعي أو عام، على حد تعبير بعض المصطلحات الشائعة. بمجرد تعريفنا للسياسة العامة بأنها "خيار جماعي" والتي تطرح العديد من الأسئلة في العلوم السياسية والاجتماعية الكثير لتقوله عنها: من يتخذ هذه القرارات؟ ما الإجراءات التي ينبغي اتباعها لاتخاذ هذه القرارات؟ كيف نميّز بين الخيارات "الجيدة" و"السيئة"؟ ومن خلال هذا يسعى النموذج المؤسسي للاختيار الديمقراطي إلى تحسين جوهر خيارات السياسة العامة لتحسين الإجراءات المستخدمة في اتخاذ وتجسيد هذه الخيارات[4].

    ومن خلال هذا برزت دراسات أولت أهمية لتبني المنهج المؤسسي لفهم الدور المميز للمؤسسات السياسية والاقتصادية في دراسة السياسات العامة المقارنة، في هذا الصدد أعطى التحليل المؤسسي التاريخي في السياسة المقارنة الأولوية للمؤسسات السياسية وبينما قد يكون هذا التركيز على النظام السياسي مُبررًا إلى حد كبير لأغراض السياسة العامة المقارنة، ينبغي لدارسي الاقتصاد السياسي المقارن إيلاء اهتمام منهجي ليس فقط للمؤسسات الاقتصادية، بل أيضًا لمجموعة من المتغيرات الاقتصادية الهيكلية التي تتجاوز الحدود التقليدية للتحليل المؤسسي الذي يعد منهجا يوفر أساسًا مهما لتحليل الفاعلين الجماعيين ومصالحهم لتفسير التغيير المؤسسي وإعادة تنظيم السياسات داخل المؤسسات المستقرة[5].  

    وبصورة عامة مهد هذا التقليد الراسخ للمؤسسية القديمة لظهور المؤسسية الجديدة في العلوم السياسية والتي جاءت لتكرر نفس الحجج - التي تستند إلى المؤسسات لتفسير التنوع المستمر في النتائج عبر مختلف الدول - فعلى سبيل المثال، لفتت الدراسات المقارنة التي تناولت وساطة المصالح النقابية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي الانتباه إلى تأثير الاختلافات في قوة وهيكل العمل المنظم في الديمقراطيات المتقدمة على نتائج الاقتصاد الكلي، بغض النظر عن نوع النظرية المؤسسية (الخيار العقلاني، الاجتماعية والتاريخية) التي يختارها الباحث تبرز ثلاثة تأثيرات مؤسسية متميزة عند الحديث عن السياسات العامة المقارنة، أولها أن "للدول أهمية بالغة" - بمعنى وجود "أنماط وطنية" محددة (ناشئة عن تفاعل بين الأطراف غير الرسمية والمؤسسات الرسمية) أو أن عوامل نظام السياسات الرسمية العامة تؤثر على كيفية استجابة الأنظمة لمختلف تحديات السياسات - سواء على مستوى سمات النظام السياسي المؤسسي الكلي، مثل القواعد المتعلقة بالأنظمة الانتخابية أو الفيدرالية أو على مستوى الآليات المؤسسية المتوسطة أو ما يسمى بالترابط السياسي المؤسسي وأنماط التفاعل بين الدولة والجماعات المجتمعية أو قواعد ومواقع صنع القرار، في المقابل يؤكد آخرون على أهمية "القطاعات" أو - مجالات السياسات - مشيرين إلى خصائص قطاعية متميزة تشكل تحديات متباينة لصانعي السياسات، ومن خلال التقسيم القطاعي للسياسات استخدمت البحوث المقارنة بشكل متزايد هاتين المقاربتين في تحقيقاتها، وعلى سبيل المثال استخدام مجالين سياسيين في دولتين لاستكشاف أي "منطق" يبدو أنه يهيمن، سواء كان على المستوى الوطني أو القطاعي [6].  

    ومن خلال هذه المنهجية المؤسسية المقارنة يمكن فهم طبيعة السياسات العامة التي هي شكل خاص من اشكال العمل الجماعي، والتي تتضمنها أشكال من قواعد اللعبة وتصورات الرهان والتي تمثلها المؤسسات وهي بحسب المؤرخ الاقتصادي الأمريكي دوغلاس نورث أن المؤسسات عبارة عن قواعد اللعبة وتصورات للرهان لابد منها للعمل العام التي تضفي الاستقرار على التعاون بين الفاعلين بطرق رسمية وغير رسمية، وعلى ضوء هذا تأخذ المؤسسات معنى قواعد لعبة السياسات العامة[7].

    بهذا الخصوص نلاحظ حدوث تحول في الأدبيات السياسية المقارنة منذ أوائل الثمانينيات أين قام عدد من العلماء نموذج التطوير والتحليل المؤسسي (Institutional Analysis and Development) الذي عمل على توسيع مجال تحليل المقارن للسياسات العامة(التفاعلات/Les Interactions ) ، وقد أبان على أهمية و فائدة المقارنات النظرية لشرح نتائج اللعبة السياسية معتبرا المؤسسات – قواعد اللعبة - هي المتغير التفسيري الأكثر أهمية، وكما هو الحال في ألعاب الطاولة فإن القواعد المؤسسية في الألعاب السياسية والتي لها تأثيرات حتمية وواسعة النطاق على استراتيجيات اللاعبين، وتوزيع الموارد، وضبط سلسلة من التحركات تؤدي إلى تحديد النتائج  السياسات العامة في نهاية المطاف، وقد أعتمد هذا النموذج أو الأدوات المؤسسية الأخرى (مثل نظرية اللعبة أو تحليل اللاعبين الذين لديهم حق الطعن) لتطوير البحث المقارن في السياسة العامة جعلت معظم الباحثين يواجهون مسألة المقارنة بين المؤسسات بطرقهم الخاصة[8].

    ولقد جاء الأعمال المتعلقة بالمقارنة المنجزة في إطار النظرية المؤسساتية الجديدة مركزة على نظرية التبعية للمسار"Path Dependecy " الذي يقصد من الناحية التفسيرية إلى إبراز القلة في التغيير وضيق نطاقه في المقام الأول، يعني إلى بيان تأثير الحواجز المؤسساتية والمعرفية المانعة للتغيير في السياسات وبيان القيود الخارجية المتمثلة في تقلص الاختيارات المنظورة وفي الآثار النهائية التاجمة عن الاختيارات السابقة    

    في هذا الصدد نجد أن التحليل المقارن للسياسات العامة أصبح يعير اهتماما كبيرا لمتغير تأثير القواعد المؤسساتية الرسمية في إستقلالية صاحب القرار الذي يختلف من دولة إلى أخرى بحسب طبيعة النظام السياسي، فهو بغير شك في دول القانون أقوى منه في غيرها، فالمنتخبون مثلا قدرتهم على اتخاذ القرار تكون ذات شأن إذا كانت السلطة التشريعية قوية في النظام والعكس بالعكس، في هذا المعنى وللمثال دائما ليس من شك في أن أعضاء البرلمان الجزائري أقل استقلالية في عملية صنع القرار من نظرائهم الفرنسيين وأن هؤلاء بدورهم مقيدون في اتخاذ القرار أكثر من نظرائهم الأمريكيين، والملاحظة صحيحة أيضا فيما يخص قدرة المنتخبين في المستوى المحلي على اتخاذ القرار بسبب الاختلاف في مقدار المركزية واللامركزية بالبلدان المذكورة، ومع ذلك يبقى صحيحا أن القواعد المؤسساتية تعمل في جميع الأحوال كقيود مقلصة لحرية الاختيار ومانعة من بلوغ رشادة القرار[9]. وتجد الإشارة هنا أن الدراسات المؤسسية تتفق على استنتاج واحد: وهو أن المؤسسات وتأثيراتها المؤسسية تخل بالتوازن المفترض في النموذج التعددي وبالتالي توجه قرارات السياسة العامة نحو مسارات معينة دون غيرها، كما هو الحال في نماذج التبعية للمسار( path dependency)[10].

    علاوة على هذا من المفيد التذكير بأن التحليل المقارن جد مهم في اختبار الافتراضات العامة وتطوير افتراضات محددة في الزمان والمكان، وكما ذكرنا سابقا يعد فهم السياق أمرا بالغ الأهمية للتحليل المقارن وبدون هذا الفهم ستكون أي قدرة على استخدام نتائج التحليل المقارن سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الجوانب العملية محدودة، فقد تكون هذه الحاجة إلى فهم السياق ودمجه في التحليل ذات أهمية خاصة لدراسات السياسات العامة المقارنة، على اعتبار أن السياسة غالبًا ما تتضمن جانبا ثقافيا واجتماعيًا هاما وبدونه قد لا يفهم الباحث الأهمية الحقيقية للنتائج السياسات[11]، في هذا الصدد تشير أدبيات العمل العام والسياسة العامة إلى تأثير العوامل السياقية (The contextualisation) منها السياق الدولتي والذي يتضمن تأثير القواعد اللعبة الرسمية (القواعد الدستورية) وغير الرسمية للمؤسسات السياسية والإدارية، بمعنى نمط تنظيم الدولة وتسييرها – من حيث العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية والتسلسل الهرمي الإداري والعلاقات الإدارية/السياسية، نمط التوظيف الإداري، ملف الشخصيات السياسية، هيكلة النظام الحزبي، وطريقة تنظيم الأحزاب السياسية، العلاقات بين المركز والمحيط - كل هذه العوامل السياقية لها أثر مهم بصورة خاصة على عمليات القرار وعلى تنفيذ السياسات العامة[12] .  

    في هذا الصدد سعى رواد المنهجية المقارنة إلى إدخال السياق في التحليل بشكل مباشر أكثر من المناهج الكمية والإمبريقية التي حاولت استبعاد السياق باعتباره عنصرا دخيلا مشوشا على رصد وتتبع العلاقات، ويعد السياق (The Conext) مهما في دراسة السياسة العامة في كثير من الحالات بالغ الأهمية لفهم الديناميكيات السياسية والتي تجهل عملية صنع السياسات العامة التي لا تتم في بيئة مختبرية معقمة، بل في مؤسسات معقدة ذات قيم وإجراءات تؤثر على نتائج هذه العملية بقدر أو أكثر من التفضيلات والخيارات الفردية[13].

    وبهذا الخصوص إعتمد الباحثين المهتمين بالدراسات المؤسسية المقارنة منهجية تحليل العوامل السياقية (Analysis Contextual Factors) في 224 دراسة وشملت تطبيقاتها جميع القارات سياسات قطاعية متعددة تناولت مجالات البيئة والصحة والمالية/الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتكنولوجية والسياحية، وقد قام هذا النوع من الإسهامات في تطوير وتطبيق نظريات خاصة بعملية صنع السياسة العامة واختبار قدرتها التفسيرية ضمن مختلف الترتيبات المؤسسية وبإخضاع هذه النظريات لاختبارات ميدانية تبعا لاختلاف هذه الترتيبات المؤسسية، هذا ما سمح للباحثين من إعادة مراجعة في نظرياتهم وصقلها عبر مراعاة تأثير العوامل السياقية بما في ذلك  الثقافة والبنية السياسية والنظام الاقتصادي، والتي غالبا ما تكون مختلفة بين الدول لكنها تؤثر بشكل كبير على نتائج السياسات العامة بالإضافة إلى تسليط الضوء على سلوكيات مختلف الفاعلين الرسميين وغير الرسميين ودرجة تأثيرهم في مجال هذه السياسات[14].

    وهكذا ساهمت البحوث المتعلقة بالسياسات العامة - كدولة الرفاه، والسياسات الحضرية، والسياسة الضريبية، والسياسة الاقتصادية، والسياسة الصحية، والسياسة البيئية - في إعادة إحياء الاهتمام بالمؤسسات، فمع تكرار الدراسات التي أظهرت أن نتائج السياسات لا يمكن تفسيرها بتفضيلات المواطنين أو بالموازنة  بين آراء جماعات المصالح، أو بالقوى أو الفاعلين الاجتماعيين المهيكلين (مثل "الطبقات") اتجه اهتمام الباحثين إلى كيفية تأثير تنظيم النظام السياسي على صنع السياسات وتنفيذها[15]، ومن خلال هذا تم إجراء المقارنة على السياسات العامة بتسليط الضوء على عالم الإجراءات الذي لا يتوقف عند القواعد الرسمية وغير الرسمية لممارسة السلطة وحدها، ولكنه يشمل أيضا القواعد والإجراءات  غير الرسمية يعني جميع الأنماط العملية المتبعة فعلا في عملية القرار، وفيها مثلا أساليب العمل والروتين السائد في الرئاسة والوزرات وكيفية تنظيم العمل وتوزيعه بين مختلف الوزرات المختصة بملف معين، ولعل أن هذه المسالة المتعلقة بالقواعد ولإجراءات غير الرسمية تحيل بوجه أخص وأهم على واقع العمل الحكومي وعلى كيفية سير الأمور بداخل الآلة الحكومية وهي مسالة مهمة لكل حكومة عامة ولأصحاب القرار في قمة الهرم السياسي خاصة[16].    

    وعلى غرار هذه الدراسات والبحوث التي تقارن قوة وصحة نظريات السياسة العامة من خلال البنى المؤسسية، تركز البحوث الناشئة في مجال السياسة العامة المقارنة على تطوير أفضل للنظرية، حيث نجد نظرية أجندة العمل المؤسسي Institutional Agenda: تتضمن جعل مؤسسة بعينها مثل المؤسسة التشريعية، الإدارية أو التنفيذية، تأخذ بالعمل على مواجهة القضية العامة المعنية بإيجاد الحل تبعا لأهميتها ضمن أجندة العمل المؤسسي أو الحكومي وهو الأمر الذي يتولاه الرسميون والحكوميون باهتمام جاد وأولوية خاصة[17]، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى دراسة السياسة العامة المقارنة من منظور أنشطة الدولة، فقد يكون هناك ما يدعو إلى تركيز هذا المجال على تلك المجالات التي تمارس فيها الدولة (مهما كان تعريفها وتطبيقها) ضغوطًا على مواطنيها (سواء بالمعنى القسري أو التحريري)[18].

    وعلى ضوء هذا جاءت الدراسات المقارنة ضمن منظور المؤسساتية الجديدة لتطوير التحليل المؤسسي المقارن للسياسات العامة بإظهار خصوصيات التركيبات والصور الوطنية في قطاعات معينة، حيث تمكنت الأعمال المنجزة في إطار المؤسساتية الجديدة من تركيز الإهتمام على هيكلة هذه التركيبات التي أدت إلى فهم الإختلافات الدولية في عدد كبير من السياسات العامة مركزة على ظواهر الاستمرار والثبات لكنها في المقابل أهملت ظواهر التغير والتطور التي تعتري السياسات العامة[19].

     في هذا الصدد أجريت دراسات العمل المباشر من منظور مقارن على نطاق واسع داخل الدولة الواحدة  ولكن بشكل أقل بكثير في سياق عابر للحدود، وبهذا الخصوص يمكن التسليم بأن سياسات الإصلاح الإداري يمكن اعتبارها سياسات عامة تطبقها الدولة على نفسها، والتي من خلالها تؤثر على مواطنيها، فإن ازدهار الدراسات العابرة للحدود حول التغيير الإداري (والتي غالبًا ما تُسمى "الإدارة العامة") خلال عقدي الثمانينات والتسعينات والتي تعتبر جزءًا أساسيًا من الدراسات المقارنة المعاصرة للسياسات العامة، وعلى هذا الصعيد استخدم "مايكل بارزيلاي" مفهوم "تغيير سياسة الإدارة العامة" لتطبيق منهج مشابه لمنهج كينغدون (مع بعض الإضافات) في أبحاث دراسة الحالة المقارنة في المقابل، قدم كل من كريستوفر بوليت وجيرت بوكيرت سردا مؤسسيا تاريخيا أكثر شمولًا للإصلاح الإداري المقارن، ومن خلال هذا أصبحت المقارنة جوهرا أساسيا في دراسات التغيرات التي تحدث في تنظيم الدولة نفسها، وهنا حدد الباحثون والدراسون لهذا الموضوع درجات مختلفة (من حيث شمولية) التغيير وسعوا إلى استكشاف مسارات إصلاحية مختلفة[20].

    بهذا الخصوص تعد إشكالية التغيير في السياسات العامة متعددة الجوانب والأبعاد تثير العديد من التساؤلات مفادها: لماذا يحدث (أو لا يحدث)؟ من أين ينشأ؟ كيف يُمكن قياسه؟ متى يصبح غير قابل للعكس؟ كيف يُمكن التنبؤ به؟ قد يكون موضوع تغيير السياسة هو تعريف القضية المطروحة، أو هيكل ومضمون جدول الأعمال، أو محتوى برنامج السياسة أو تنفيذه، كما قد يرتبط تغيير السياسة بإيقاع السياسات واتجاهها ونطاقها، كما تم دراستها من خلال المنهج التدريجي لتشارلز ليندبلوم 1959 أو التوازن المتقطع  لكل من جونز وباومغارتنر ،علاوة على هذا تكمن المشكلة في آثار التغيير في إمكانية عكسه أو عدم عكسه وهذا ما أبرزته نظرية التبعية المسار لجيمس ماهوني وبول بيرسون، من جهة أخرى تم دراستها أيضا على مستويات مختلفة من التجريد بالتركيز إما على البنى (المؤسسات وأنماط السلوك) أو على الفاعلية (التفضيلات والأفعال الفردية)، وهنا يمكن تعريف الآليات السببية بناءًا على كيفية معالجة معضلة السببية الخطية والشرطية، أو على مدى التركيز على المتغيرات المستقلة الداخلية أو الخارجية، ولذلك فإن الإجابة عن هذه الأسئلة بطرق مختلفة ووفقا للتفضيلات المعرفية والمنهجية التي تحدد الأولوية الممنوحة لاتجاه وديناميكيات تطوير السياسات، فضلًا عن التركيز على العوامل السببية ونتائج السياسات ، والتي اعتمدت في نهاية المطاف على تعريف السياسات العامة باعتبارها مجال للممارسة النفوذ والقوة، أو عمل مؤسساتي، أو منتديات نقاش، أو أهدافًا لتأثير المؤسسات السياسية، أو ساحات شبكية ومع ذلك، قد تُقلل هذه الصعوبات عندما ينشغل الباحثون بالأسباب لكن من دون تحديدها لطبيعة التغيير السياسي بدقة[21]،



    [1]-Ellen m. Immergut .INSTITUTIONAL CONSTRAINTS ON POLICY. The Oxford Handbooks of Political. Edited by MICHAEL MORAN, MARTIN REIN, And ROBERT E. GOODIN Oxford University Press Inc., New York.2006.P557.

     

    [2] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 194-222.  

    [3] - Fontaine, Guillaume.op cit.p 04.

    [4] - Ellen m. Immergut.op cut. P562.

    [5] - PONTUSSON, Harry Jonas.  From Comparative Public Policy to Political Economy: Putting Political Institutions in their Place and Taking Interests Seriously .Comparative political studies, 1995, vol. 28, no. 1, p117.

    [6] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 279

    [7] -  صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 55-56.  

    [8] -Matt Wilder Comparative Public Policy: Origins, Themes, New Directions. The Policy Studies Journal, Vol. 45, No. S1, 2017 .pp 50-51.

    [9] - صالح بلحاج، تحليل السياسات العامة (الديناميكيات والمعارف الأساسية)، درا بن مرابط، الجزائر، 2015، ص 138. 

    [10] -Ellen m. Immergut .Opcit.p 562.

    [11] - B. Guy Peters.op cit. p05.

    [12] - Patrick Hassenteufel. Sociologie politique :L’action publique. Armend colin Edituer. Paris .2010. p149.

    [13] - B. Guy Peters.op cit. p08.

    [14] - Wilson Wong . op cit . p05.

    [15] - Ellen m. Immergut .Opcit.p 561.

    [16] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص ص 138-139.

    [17]- فهمي خليفة الفهداوي، السياسة العامة: منظور كلي في البنية والتحليل. الأردن: دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، ط1، 2001، ص 237.

    [18] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 277

    [19] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص228.

    [20] - Martin Lodge (eds(.op cit.  p 282.

    [21] -B. G. Peters et al.op cit. p136.

    • التسليمات فتحت: السبت، 2 مايو 2026، 3:10 PM
      التقييمات فتحت: السبت، 2 مايو 2026، 3:10 PM
      التقييمات تغلق: الأربعاء، 2 ديسمبر 2026، 3:10 PM

      حدد الإجابات الصحيحة من بين ما ذكر في الآتي: 

      1- أهمية المأسسة (Institutionalization) على تنفيذ السياسة العامة في مختلف الدول .

      2- التحليل المؤسسي المقارن يسمح بمعرفة تأثير بنية المؤسسات على أدائها بناءا على نتائج العملية السياسية في المجتمعات المختلفة.

      3- تتبع وصد التفاعلات الحاصلة داخل المؤسسات (التحليل الجزئي) وتسليط الضوء على التفاعلات الداخلية وفقا لعمليات التوافق والمساومة.

      4- علاقات التفاعل المؤسسي من خلال الدستور والقوانين الناظمة للعلاقات بين المؤسسات السياسية وفقط.

      5- تركز النظرية المؤسسية الجديدة على القواعد المؤسسية الصارمة والممارسات والخرائط الذهنية السائدة فيها توجه وتؤثر في سلوكيات الفاعلين الرسميين تجاه السياسات العامة .

      المؤسسات تهيكل تفاعلات الفاعلين داخل المؤسسات وفقا للقانون ولإجراءات المعمول بها في داخلها وفقط .

      6- المؤسسية الجديدة تفسر درجة "صلابة وقوة" هذه المؤسسات في جانبيها الرسمي وغير الرسمي.