للإحاطة بحقل السياسات العامة يقتضي المنطق المنهجي العودة إلى مختلف المفاهيم والنظريات المعتمدة في تحليل السياسات العامة والتي تنظر إلى السياسات العامة بأنها نتاج لتفاعلات متشابكة .
علم السياسات العامة هو علم يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات يُنظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد وهذا ما يجب النظر إليه بعناية من حيث التحليل والتوصيات التي تقدم لا حقا .
2- يتسم علم السياسة العامة بأنها متعدد في المناهج الفكرية والتطبيقات العملية كما أنه يعتبر نقطة إلتقاء لمجموعة من التخصصات العلمية، ولذلك ما يجعل منه تخصص متشعب بتشعب المشكلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، ولهذا نجد ان هذا العلم مرتبط بمختلف التخصصات الأكاديمية دون الوقوع بوضوح في مجال حصري لأي تخصص واحد.وبالتالي الحصول على تحليل كامل للظاهرة يتطلب توسيع وتعميق التحليل بإستخدام مناهج ومقاربات نظرية متنوعة تعكس ثراء هذا العلم .
3- ماهو ملاحظ أن منهج علم السياسة العامة موجه بشكل واعي وصريح نحو القيمة ففي كثير من الحالات ،يتعامل موضوعها المركزي مع أبعاد الديمقراطية والكرامة الإنسانية ، وهذا التوجه القيمي كما ينظر إليه السلوكيون الذين يركزون على الخلفية `` الوضعية ''في العلوم الاجتماعية ، يعترف بأنه لا توجد مشكلة اجتماعية ولا توجه منهجي متحرر من القيم . وعليه لفهم مشكلة ما ، يجب على الإقرار بالقيم ومكوناتها، ومثلا لا يوجد عالم سياسة بدون قيمه الخاصة وبالتالي لا بد الاعتراف بأهمية القيم في إيجاد الحلول للمشكلات وهذا التوجه الذي يمثل جوهر الما بعد الوضعية[1].
ينطلق مفهوم السياسة العامة من المفاهيم والنظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل المعرفي أبرزهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا ؟ وكيف؟ ومتى ؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي، والذي يعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات.[2]
على ضوء هذا يمكن تقديم مفهوم للسياسة العامة المقارنة التي تعني دراسة كيف ولماذا؟ ولأيما غرض تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة للفعل أو اللافعل، وفي لوقت الذي يبدوا فيه هذا التعريف مباشرا فإنه يحتوي على عدد من التمييزات المفاهيمية المهمة ، ومما يستحق الوقوف عنده هو تمييز التعابير الرئيسية ، في هذا التعريف: دراسة (كيف) ، و(لماذا)، و(لأي غرض) ، (تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة في الفعل واللافعل) [5].
[1] محمد زاهي بشير المغيربي، قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1994، ص 241
[2] -PATRIK HASSENTEUFEL .Sociologie politique : l’action publique.2é édition .Armand Colin .Paris .2011.P 20-21
[3] - ياغي عبد الفتاح، السياسات العامة (النظرية والتطبيق)، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة ،2010، ص 09