للإحاطة بحقل السياسات العامة من الناحية المفاهيمية والنظرية يقتضي العودة إلى مختلف التصورات المعتمدة في تحليل السياسات العامة التي تجمع كلها على أنها نتاج عمل الدولة المتفاعلة مع شبكة معقدة من الفاعلين، ومن خلال هذا عرف علم السياسات العامة تطورات كبيرة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ما يجعل أدبياتها ودراساتها متأثر بالطابع العلمي الأنجلوسكسوني الذي يعتمد على نموذج الحديث في دراسة كيفية اشتغال الأنظمة السياسية ومجال تدخلها، والذي يهتم أيضا بتدخل الفواعل غير الرسمية مثل المجتمع المدني والقطاع الخاص، لكن رغم هذه الإسهامات العلمية الأنجلوسكسونية إلا أنها إعتمدت في الأصل على المنظور الأوروبي الذي هو نتاج تجذر ثقافة الدولة (الجانب الأخلاقي والفلسفي والقانوني) ومن خلالها بقيت الدولة حاضرة بقوة في تحليل علمية رسم السياسات العامة وتنفيذها، وتجدر الإشارة هنا أن أفكار فريديريك هيجل وكارل ماركس وماكس فيبر تؤكد كلها على مفهوم الدولة كمؤسسة مهيمنة على رسم السياسات العامة وتنفيذها.
في هذا الصدد نجد الأدبيات الأوروبية متشبعة وممجدة "لفكر الدولة" ونخص هنا بالذكر دولة الرفاه المتدخلة التي تتدخل في مجالات واسعة، ولهذا نجد أن محللي السياسة العامة الأوروبيون المهتمون بدراسة دور الدولة متأخرون عن الأنجلوسكسون المهتمون بدراسة دور التنظيمات والجماعات غير الرسمية هذا ما سمح بإعطاء صورة عن مدى تطور المجتمعات الحديثة المعقدة في تنظيماتها، من حيث تطبيق النموذج الحديث في تحليل تنفيذ السياسات العامة من خلال أدوات وتقنيات تحليل تلائم تعددية الفاعلين، وفي هذا الصدد نجد صعوبة تأقلم الأوروبيون مع هذا النموذج الحديث الذي ظهر في أمريكا في سنوات الخمسينات، نظرا لتجذر الثقافة القانونية في أوروبا من خلال دولة الرفاه الاجتماعي التي عرفت اوج تطورها خلال سنوات المجد الثلاثين الممتدة من (1945-1975) حققت خلالها الدولة المتدخلة نتائج جيدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي في البلدان الأوروبية.
وعلى ضوء النظرية البيروقراطية "لماكس فيبر" التي شكلت اطروحته نقطة التقاء بين المنظور الأوروبي المهتم بالدولة والمنظور الأنجلوسكسوني (الأمريكي) المهتم بالتنظيمات، وهنا نجد الخاصية البيروقراطية للدولة أحدثت تطور نسبي على أساس نظام محدد لتدخلات الدولة التي تعمل على تنظيم أعمال وأنشطة مختلف الفاعلين والوسطاء المكلفين بتطبيق السياسات العامة، وعلى هذا الأساس يلتقي "ماكس فيبر" مع طرح "فريديريك تايلور" الأمريكي في نقطة تطور أداء المؤسسة الاقتصادية، ماكس فيبر طرح فكرة الأداء السياسي الجيد، وتايلور طرح فكرة الأداء الصناعي ووفقا لهذا أخذ الأداء الإداري إلى الأداء السياسي الذي هو مرتبط بالاستقرار وفكرة السلوك الإنساني.
ومن هذا المنظور علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات يُنظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد وهذا ما يجب النظر إليه بعناية من حيث التحليل والتوصيات التي تقدم لا حقا على ضوء هذه الإسهامات يمكن افشارة إلى أهم التصورات والتعريفات لوصف هذا العلم وهو كمايلي:
1- علم السياسات العامة هو ذلك العلم الذي يهتم بحل القضايا المشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع وفق برنامج هداف وواعي بالمشاكل التي تواجه العامة ويقدم توصيات لكيفية حلها أو التخفيف من المشاكل المطروحة، بينما ترفض علانية دراسة الظاهرة من أجل حد ذاتها ، رغم أن السؤال المجتمعي أو السياسي يبقى قائما في "ماذا بعد؟" في جوهر تخصص علم السياسات ينظر إلى مشاكل السياسة على أنها تحدث في سياق وإطار محدد.
2- يتسم علم السياسة العامة بأنه متعدد في المناهج الفكرية والتطبيقات العملية كما أنه يعتبر نقطة التقاء لمجموعة من التخصصات العلمية، ولذلك ما يجعل منه تخصص متشعب بتشعب المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولهذا نجد أن هذا العلم مرتبط بمختلف التخصصات الأكاديمية دون الوقوع بوضوح في مجال حصري لأي تخصص واحد، وبالتالي الحصول على تحليل كامل للظاهرة يتطلب توسيع وتعميق التحليل بإستخدام مناهج ومقاربات نظرية متنوعة تعكس ثراء هذا العلم.
3- ما هو ملاحظ أن منهج علم السياسة العامة موجه بشكل واعي وصريح نحو القيمة ففي كثير من الحالات ،يتعامل موضوعها المركزي مع أبعاد الديمقراطية والكرامة الإنسانية، وهذا التوجه القيمي كما ينظر إليه السلوكيون الذين يركزون على الخلفية " الوضعية" في العلوم الاجتماعية ، يعترف بأنه لا توجد مشكلة اجتماعية ولا توجه منهجي متحرر من القيم، وعليه لفهم مشكلة ما يجب على الإقرار بالقيم ومكوناتها، ومثلا لا يوجد عالم سياسة بدون قيمه الخاصة وبالتالي لا بد من الاعتراف بأهمية القيم في إيجاد الحلول للمشكلات وهذا التوجه الذي يمثل جوهر الما بعد الوضعية[1].
ومن خلال هذا ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل المعرفي أبرزهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي، والذي يعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات[1]، وعلى هذا الأساس ينطلق مفهوم السياسة العامة من النظريات التي وضعها علماء السياسة الأمريكان المهتمين بهذا الحقل وعلى رأسهم "هارولد لا زويل"(Harold Lasswell) الذي قدم تعريفه الشهير: من يحصل؟ على ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ في كتابه علم السياسات الصادر سنة 1958 والذي تعتبره أدبيات السياسة العامة بمثابة الأب المؤسس لهذا الحقل المعرفي ويعد من أبرز محللي السياسة العامة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الخمسينات، حيث يقول لا زويل إن السياسة العامة تشبه السياسة فهي " معرفة من هو الذي يأخذ وماذا يأخذ، وكيف يأخذ، ولماذا يأخذ؟ هذا التعريف يركز على الجوانب الاقتصادية، فلا زويل ينظر لسياسة الدولة على أنها عملية توزيع الموارد المالية (الموازنة) مع ما يلحق بها من مصادر قوة من علاقات وأولويات ومزايا ومعلومات، وهذا التعريف يعني ان مربط الفرس في السياسة العامة هو الموازنة العامة للدولة وكيفية تفصيل المنافذ الانفاقية على برامج ومؤسسات الدولة [2] .
[1] -- Coulomb(eds). FARMERS AND POLITICS IN FRANCE .Enstone ,Oxon (UK): The Arkleton Trust. (1991). p 36
[2] - محمد زاهي بشير المغيربي، قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1994، ص 241.
[3]PATRIK HASSENTEUFEL. Sociologie politique : l’action publique.2é édition. Armand Colin. Paris. 2011.P 20-21
[4] -أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، السياسات العامة المقارنة، ترجمة أمل شوقي، الاهلية للنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص22.