1- مفهوم السياسة العامة المقارنة: هي مجال فرعي من السياسة المقارنة، وكما يعرّف هايدنهايمر  السياسة العامة المقارنة بأنها "دراسة كيف ولماذا ولأي تأثير تتبع الحكومات المختلفة مسارات عمل معينة أو تقاعسًا عن العمل وإدراكًا لتأثير المؤسسات على صنع السياسات ، فإنهم يقترحون دراسة السياسة العامة المقارنة "تتطلب جوانب التعلم من الهياكل والعمليات التي يتم من خلالها التوصل إلى القرارات الحكومية"، لذا وجب على العلماء أن يضعوا في اعتبارهم أهمية هذه المحددات النهائية لخيارات السياسة التي تنتهجها الدول 

ترتكز على هدفين مركزيين للسياسة العامة المقارنة: السياسة العامة المقارنة في جوهرها السعي إلى تحديد ما يفسر الأنماط المرصودة في السياسة العامة. بالإضافة إلى ذلك فإن السياسة العامة المقارنة تدور أيضًا حول التشكيك في القوالب النمطية من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية. وفقا لهذا تسعى  الدارسين المهتمين  بمجال السياسة العامة المقارنة إلى معرفة ما إذاكانت هناك علاقة مباشرة لطبيعة النظام السياسي(ديمقراطي / سلطوي) وبين مؤشرات الأداءات المختلفة التي حددها غابريال ألموند في  (الأداء الاستخراجي- الأداء التوزيعي- الأداء التنظيمي - الأداء الرمزي )،  

 بناءً على هذه العناصر الرئيسية يمكن إجراء المقارنة للسياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وفي أجزاء مختلفة من العالم ويمكن تلخيص السياسات العامة للدول والمقارنة بينها وفقا للمخرجات أي وفقا للأعمال والأفعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها  .  

2- تطور السياسة العامة المقارنة : لقد كان للثورة السلوكية دورا كبيرا في بلورة حقل السياسة العامة في أواخر الخمسينيات ومنذ ذلك الوقت عرف هذا الحقل تطورات كبيرة على الصعيدين النظري والمنهجي، حيث مع مطلع عقد السبعينات القرن العشرين، ومع تشكل الحركة المابعد السلوكية بزعامة دايفيد إيستون ظهر حقل السياسة العامة المقارنة ومنذ هذه الفترة نال إهتماما متزايدا لدى الباحثين والدارسين  الذين ركزوا على إدراج منهج المقارن في دراسة السياسات العامة ويبرز ذلك في تزايد الاعمال المقارنة حيث تزايدت أهمية السياسات العامة بإرتباطها بالمنهج المقارن

في هذا الإطار حظي إستخدام المنهج المقارن باهتمام كبير في علم السياسة كونه يمثل بديلا للمنهج التجريبي ، حيث أن استخدامه يؤدي إلى تفسير العلاقة بين المتغيرات عبر إثبات أو تفنيد الفرضيات، من المفيد التذكير هنا بأن رائد علم الاجتماع  الاجتماع الفرنسي "إيميل دور كايم  يعتبر المقارنة بأنها  الاداة الوحيدة القادرة على إقامة الدليل على وجود السببية في السوسيولوجيا، ويقول في هذا الصدد: " ليس لنا سوى وسيلة واحدة نثبت بها أن ظاهرة سبب لظاهرة أخرى ، هي مقارنة الحالات التي تكون  فيها الظاهرتين حاضرتين معا وغائبتين معا ، والبحث عما إذا كانت  التغيرات لتي تميزهما  في هذه التوليفات المختلفة من الظروف  شاهدة بأن إحداهما تابعة للأخرى". ونتيجة لتزايد الأعمال والدراسات المقارنة للسياسات العامة إلى طرح تساؤلات تدور حول : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث تحديد مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذا النوع  من الأسئلة تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي تعتبر أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم تعود إلى (أعمال أرسطو) ، وقد سمحت الأعمال المقارنة الصادرة في هذا المجال بتوليد العديد من الإهتمامات البحثية التي تسعى إلى تفسير تطورات سياسية معينة تمكنت هذه الأبحاث بصورة نسبية من تقديم  تعميمات مستنيرة.

إلى جانب هذا أدى تطوير مفهوم النظام السياسي من طرف رواد الحركة السلوكية والذي صار يركز على الجوانب الرسمية وغير الرسمية في الحياة السياسية، ولقد أدى هذا التصور والمفهوم الجديد  إلى التركيز على مدخلات النظام السياسي والنشاطات المختلفة التي تتم فيذلك الجانب مثل الأحزاب السياسية والجماعات المصلحية والسلوك الانتخاب والثقافة السياسية وغيرها، وفي تفس الوقت لم تركز الدراسات السياسية على المخرجات وعلى وظائف التحويل لتي يقوم بها النظام السياسي ، ولقد عبر مكريدس على هذا التوجه في السياسة المقارنة بكلة (أيديولوجية المدخلات) والذي تم من خلاله التقليل من دور الدولة إلى اضيق الحدود وإعتبارها مجرد منظمة تنقل وتعكس وتعبر عن الأوامر والتعليمات الآتية من جهة أخرى، لكن مع مطلع عقد السبعينات تم حدوث تحول كبير في هذا التوجه  من خلال التحول نحو الإهتمام بنواتج السياسة العامة التي أصبحت غحدى مسؤوليات الرئيسية لعلم السياسة، وفي هذا السياق لقيت الدراسة المقارنة للسياسة العامة رواجا واسعا  لجملة من العوامل منها تطور أساليب تحليل البيانات  التي تعتمد على الحاسوب الالي ، إضافة إلى رد الفعل القوي  ضد التركيز السلوكيين على المدخلات وإهمال لمخرجات لناظم السياسي (السياسة العامة) ، كما أن إحساس بعض علماء السياسة بأهمية التعامل مع القضايا والمشاكل الرئيسية التي تواجه العالم وهذا ما دعى إليه دافيد إيستون.

وكنتيجة لهذا أصبحت السياسة العامة المقارنة  جزءا أساسيا من حقل السياسة المقارنة أين عرفت السياسة العامة المقارنة مع منتصف عقد الثمانينات تحولات مهمة إزدادت أدت إلى إزدياد أهميته في دراسة للدول المختلفة، أين إهتمت بين خصائص النظام السياسي ونواتج السياسة العامة في البلدان النامية وهنا إتقفت معظم الأدبيات في وجود علاقة بين خصائص النظام السياسي والسياسات العامة وتقترح هذه الدراسات أن البحث في خصائص النظام السايسي  قد يؤدي غلى فهم  القيود التي تضعها هذه الخصائص  على عملية السياسة العامة .وبالتالي تؤدي إلى تفسير أسباب الإختلافات في السياسات العامة بين الدول المختلفة   .

من خلال هذا  يبدوا أن التحليل المقارن للسياسات العامة مثله مثل أي مدخل آخر في إطار السياسة المقارنة يعطي للباحث إمكانيات واسعة في  تفسير التشابهات والإختلافات الموجودة بين الدول والأنظمة السياسية السائدة فيها .التي تتسم بالتنوع الكبير  تستدعي إستكشافه وتحليلها بإعتماد منهجية المقارنة السياسية 

   

آخر تعديل: الجمعة، 13 فبراير 2026، 4:01 PM