1- الاقتراب القانوني المؤسسي(السياسات إختصاص أصيل للمؤسسات): تعتبر دراسة  المؤسسات الحكومية من أقدم المداخل المستخدمة في أدبيات العلوم السياسية، بالنظر إلى أن الحياة السياسية في أي مجتمع لها صلة وثيقة بسلوك السلطات والمؤسسات الرسمية في الدولة، وينطلق هذا الإطار النظري من أن السياسات العامة هي من مخرجات المؤسسات، لذلك نجد أن المدخل المؤسساتي يميل إلى الثبات والسكون لأنه كثير الاهتمام بدراسة المؤسسات الحكومية ووظائفها الرسمية، التي يتم تناولها من الزاوية الدستورية والقانونية الجامدة وتعتبر وظائف المؤسسات الرسمية الإطار المهيكل لعملية لصنع السياسة العامة فهي توضح كيفية تأدية هذه المؤسسات الرسمية لوظائفها  ، وفقا لهذا المنظور  فإن المؤسسة الحكومية تضفي على السياسة العامة ثلاثة عناصر جوهرية وهي: الشرعية، العمومية، والإكراه. وإدراكًا لتأثير المؤسسات على صنع السياسات ، فإنهم يقترحون دراسة السياسة العامة المقارنة "تتطلب جوانب التعلم من الهياكل والعمليات التي يتم من خلالها التوصل إلى القرارات الحكومية" ، ويجب على الباحثين أن يضعوا في اعتبارهم أهمية هذه المحددات النهائية لخيارات السياسة التي يقوم بها الدول.

2-إقتراب النخبة(السياسة العامة خيار نخبوي): يعتبر هذا المدخل أن السياسة العامة ما هي إلا تعبير عن الخيارات المفضلة للنخبة السياسية الحاكمة التي تستحوذ على مجال واسع من التدخل في توجيه وصنع السياسة، وبهذا المعنى السياسة العامة تكون متوافقة مع القيم التي تؤمن بها النخبة التي تتمتع بالقوة والنفوذ ، وبالتالي السياسات العامة هي مجرد انعكاس للرؤية النخبة الحاكمة التي تفرضها عبر الأطر الرسمية التي تجعلها تتأثر بصفة نسبية ومحدودة بالغالبية الصامتة ما يجعل من السياسة العامة تحمل في طياتها تفضيلات النخبة الحاكمة و خياراتها.

3-اقتراب الجماعة (السياسة العامة نتاج تفاعل بين جماعات المصالح): يعتبر هذا المدخل من أهم المذاهب التطبيقية الليبرالية، لأن نظرية الجماعة تقوم على أساس التعددية تفاعل الجماعات الذي يمثل حقيقة أساسية في صنع السياسات العامة، وبالتالي جماعات المصالح التي تمثلها لوبيات الضغط لها موقف حاسم في عملية صنع السياسة العامة تفرض على المؤسسات الرسمية على الاستجابة لهذه الجماعات المتنافسة فيما بينها لضمان مصلحتها مما يجعلها تسعى جاهدة لكسب أكبر قدر ممكن من المصالح ودور الحكومة هنا يتمثل في إدارة هذا التنافس، 

وكما يرى كل من  دافيد ترومان وروبرت دال في كتاباتهم التي تناولت هذا النموذج بصفة دقيقة والذي يتلاءم مع المجتمع الديمقراطي الذي تشهد فيه عملية رسم السياسة العامة ديناميكية كبيرة تكون فيها عبارة عن حلبة للصراع والتنافس بين مجموعات المصالح التي توظف جميع قدرتها وإمكانياتها في سبيل توجيه منحى السياسات العامة بما يتوافق مع أهدافها.

4- إقتراب الخيار العقلاني : يقوم هذا النموذج على إفتراضات تتمثل في أن عملية رسم السياسات العامة تأتي لمعالجة المشاكل العامة وفق أسس علمية ومنهجية ضابطة بجانب وضوح الأهداف الرامية إلى تحقيقها وبوجود مهارات كافية تتصل بالبدائل المختلفة والنتائج المترتبة عليها

تجدر الإشارة أن هذا النموذج مستمد من النظرية الاقتصادية التي تتناول كيفية اتخاذ صناع القرار للقرارات العقلانية في الأوضاع المعقدة التي تجعل عملية صنع القرار تتسم بأربعة خصائص:

أ- يتشارك العقلانيون في جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بالقرار،  ومن خلالها يتم التعرف على
المشاكل المطروحة معرفة تامة باستخدام الوسائل المناسبة للمسح المنهجي التي تساعد على تفضيل
أهداف السياسات وبتحديدها وتصنيفها وباختيار الهدف الأكثر كفاءة وفعالية.
ب- الأخذ في الحسبان نتائج الأفعال التي يقوم بها صانع الق ا رر ومقارنة تكلفتها مع منافعها مع
الإستراتيجيات البديلة.
ج- تنفيذ الإستراتيجية المفضلة والتي تتميز بقلة التكلفة والأكثر نفعا.
د- عقلانية الأفراد تسمح لهم باستبعاد جميع المشاعر والعواطف التي من شانها أن تشوش على
, اختياراتهم وبتقييم سياساتهم وتحسين أفعالهم في المستقبل عبر التعلم من التجربة.

في هذا الإطار يمكن تقديم صنفين من العقلانية وهما: العقلانية المطلقة والعقلانية النسبية فالأولى هي عملية تسعى إلى إيجاد معايير شخصية وجماعية مقبولة أما الثانية فهي تربط بين الحسابات العقلية مع الفاعلين الآخرين.

5- نموذج الإضافة التدرجية ( نموذج الأطوار المتتالية) : يمثل هذا النموذج نظرية سياسية في اتخاذ قرارات السياسة العامة، فهو يمثل أيضا الإطار النظري التقليدي لتحليل السياسات العامة وهو منافس ومناقض للأسلوب العقلاني الرشيد الذي يعرف تراجعا ملفتا. 

ينطلق هذا النموذج من افتراض مفاده أن السياسة العامة هي عملية تراكمية محورها الإضافة لما تم إنجازه في الماضي، ومحاولة لتحسين الوضع الحالي بصورة آنية وجزئية وقد تناول تشارلز لندبلوم ذلك في مقالته الشهيرة "علم التخبط العشوائي" مشيرا فيها إلى وجود ثلاثة عوائق لعلمية صنع القرار وهي : (الوقت، التكلفة، توافر المعلومات) تقيد وتمنع الفاعلين والمؤسسات المنوطة بصنع السياسات العامة من بلورة رؤية جديدة لتغيير وإصلاح هذه السياسات، ما يجعل البرامج والمشروعات الراهنة وما يتصل بها من سياسات عامة وموارد وإمكانات تتخذ كقاعدة يبنى عليها على نحو تراكمي وبصفة جزئية تفضي إلى تراكم القرارت والسياسات بهذا الخصوص  لاحظ تشارلز "لندبلوم" أن العملية الحكومية تصطدم بعراقيل وقيود  الوقت، والتكلفة وقلة المعلومات، تحول دون قبول ورضا صناع القرار على اتخاذ أي قرار  نظرا لعدم قدرتهم على تحمل نتائجه، مما يستلزم ذلك العودة إلى البرامج والتجارب السابقة والقرارات المقبولة في الماضي باعتبارها تمثل قاعدة للخبرة ومرجع ذاتي لصناع القرار، بمعنى الاستفادة من تجارب الماضي بإضفاء تغييرات جزئية وتدرجية من دون إحداث القطيعة التامة مع ماهو موجود سابقا.

6- الإقتراب النسقي (النظمي):  (السياسات العامة تدفق دائم ومستمر) : يعتبر "دافيد ايستون" رائد هذه النظرية وأول من أدرجها ضمن مجال التنظير مفترضا أن شروط استمرار أي نظام سياسي مرتبط بمدى قدرته على المحافظة على ديمومته وبقائه في توازن مستقر نظرا  للترابط والتأثير المتبادل بين النظام والبيلة المحيطة به، من خلال عملية التغذية العكسية(Feedback) التي تتم بين النظام والبيلة المحيطة به الخاضعة لدينامكية الاستجابة للمطالب مقابل الدعم والمساندة الذي يلقاه النظام من البيئة، ويترتب عن هذه العملية تحويل المطالب إلى  قرارات وسياسات ملزمة تعتبر كمخرجات للعملية السياسية، وعلى هذا المنوال تتم عملية إعادة تغذية النظام وفق الصيغة التي تشكلها المطالب أو الدعم.

 بناءا على هذا ركز دافيد إيستون على فكرة النظام كأساس لتحليل السياسة العامة معتبرا أن سياسات النظام هي تكريس للمطالب الآتية من البيئة المحيطة من اجل المحافظة على توازناته، حيث عمل إيستون على إضافة فكرة النظام والبيئة إلى مفهوم السياسة العامة وجعله بعدا جديدا وأساسيا في تعريفه معتبرا السياسة العامة بأنها: "الاستجابة من جانب النظام السياسي للمطالب والاحتياجات المطروحة عليه من قبل البيئة والقوى الفاعلة فيها"، وفقا لهذا لمنظور تعتبر السياسة العامة أنها لا تتم داخل النظام أو "العلبة السوداء" وإنما تتطلب معرفة المدخلات الآتية من البيئة والمطالب المجتمعية وقدرات  النظام على التوفيق بينها للحفاظ على ديمومته واستقراره بتلبية مصالح ومطالب البيلة ما يعني أن عملية صنع السياسة العامة تؤدي إلى خلق المزيد من  المطالب، ومن خلال هذه الوتيرة يتم  نشوء المزيد من السياسات العامة اتي تأتي عى شكل مخرجات تحدث بصورة مستمرة ودائمة.

النظرية المؤسساتية الجديدة( المؤسسات كبراديغم لتحليل السياسة العامة):  تعتبر المؤسسات منظورا جديدا برز في أعقاب إخفاق المنظور السلوكي في تفسير العديد من الظواهر السياسية،  لهذا اتجه علم السياسة الأمريكي خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي إلى العودة إلى تسليط الضوء على مؤسسات الدولة والسياسات العامة، والاهتمام بها مجددا رغم التهميش النسبي الذي سجلته المرحلة السابقة المعروفة بتغييب الدولة عن نقاشاتها، وقد جاء هذا التحول تحت شعار إعادة "اكتشاف الدولة" ليحتل بذلك مفهوم الدولة نطاقا واسعا من دراسات أغلب الباحثين في السياسة المقارنة الذين اعترفوا بحتمية الدخول في حركة نظرية جديدة تزعمها رواد  المؤسساتية الجديدة المتعددة التيارات (العقلانية، التاريخية والاجتماعية).

 وتركز  النظرية المؤسساتية الجديدة للسياسة العامة على تطوير نظرية عامة  تصف وتحلل وتتنبأ بكيفية صنع النماط لمختلفة للسياسات العامة في إطار العلاقة القائمة بين مؤسسات الدولة  العامة من ناحية وبين الحكومة والمواطنين من ناحية أخرى ، ويركز المؤسساتيون الجدد في تحليلهم للسياسة العامة  بتقديم بديل نظري للتفسير مبني  على معيار الصراع والتفاعل الحاصل داخل المؤسسات.

  .     

آخر تعديل: الثلاثاء، 10 فبراير 2026، 3:42 PM