لقد تزامن تطور علم السياسات العامة المقارنة مع التطور الحاصل في حقل السياسة المقارنة الذي حقق وثبة كبيرة على الصعيدين النظري والمنهجي تمكن من خلالها علم السياسات العامة المقارنة من نيل مجال واسع من الإهتمام في العقود الأربعة الأخيرة ، التي حقق خلالها تطورات عبر ثلاث مراحل كبرى وهي على النحو التالي :
المرحلة الأولى (النشأة والتبلور): تبدأ هذه لمرحلة مع أواخر عقد الخمسينيات والتي كانت السياسات العامة المقارنة تعتمد أنذاك على المعطيات الإحصائية وتبدي إهتمامها على البعد الاقتصادي ، و قد إندرجت معظم الأعمال المقارنة في هذا الحقل الأكاديمي الفتي حول دراسة المجتمعات الصناعية المتقدمة والهادفة إلى تحقيق عملية التقارب المتزايد بين الدول المتقدمة المنتجة لنظام اقتصاد السوق.، وهنا تمحور هدف أغلب الأعمال المقارنة حول تقارب وحدة قياسه مستوى النفقات العامة ومحركه النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي. وفي هذا الصدد نجد أعمل هارولد ويلانسكي الذي ركز على التقارب المتزايد في ميدان تطور دولة الرفاه الاجتماعي بناءا على قياس حجم النفقات الحماية الاجتماعية بالنسبة للناتج الوطني الاجمالي[1]
من المفيد التذكير هنا بأن أغلب التعريفات في هذه الفترة هذا التعريف يركز على الجوانب الاقتصادية للسياسة العامة حيث ينظر إليها على أنها عملية توزيع الموارد المالية (الموازنة ) مع ما يلحق بها من مصادر القوة من علاقات وأولويات ومزايا ومعلومات وخلافة، فالمؤسسة التي تعتبرها الحكومة ذات أهمية سوف تستحوذ على نصيب كبير من المخصصات المالية والعكس صحيح، ما يعني خضوعها لقاعدة كل حسب أهميته وحسب حجم موازنته[2].
وفقا للمنظور السلوكي المهيمن (التنمية والتحديث) على هذه المرحلة الذي يتسم بسيطرة النظريات الاجتماعية والاقتصادية على دراسات السياسة المقارنة المبكرة في الحقبة الحديثة (الخمسينيات) وكان جوهر هذا التناول يقوم على المحاججة بأن الدول تستجيب للمسار العام للنمو الاقتصادي والتحديث الاجتماعي( منظور التنمية والتحديث) بسياسات متماثلة من حيث الاساس ، وينظر إلى المستويات المرتفعة للتطور الاقتصادي والتصنيع على أنها المسؤولة عن ايجاد إضطرابات اقتصادية واجتماعية ، وبيئية جديدة وتوفير مصادر مالية أكبر تستطيع الحكومات الافادة منها في رد فعلها على هذه المشكلات، وهكذا فإن الضمان الاجتماعي وغيره من برامج دولة الرفاه (welfare state) التي تضطلع بها الدولة تظهر ووتوسع في كل مكان ببلوغ الأمم مستويات أعلى من التطور الاقتصادي، وهذا الأسلوب يشير إلى التقارب في السياسات القومية وتضاؤل الصراع الإيديولوجي كلما إنتقلت الأمم من المجتمعات التقليدية وحققت طفرة رأسمالية مبكرة إلى المرحلة الحديثة من وضع الدول المتقدمة إقتصاديا [3].
من خلال هذا يتضح أن مجمل الأعمال الصادرة في مجال السياسات العامة المقارنة إندرجت ضمن هيمنة المنظور التنموي الذي هيمن طيلة عقدي الخمسينيات والسبعينيات (المدرسة السلوكية) ولعل أن هذه المرحلة كانت الدراسات المقارنة تركز على المقارنة بين عددكبير بين الحالات .
2- مرحلة الرواج والتحول في التحليل المقارن للسياسات : مع مطلع الستينيات عرف حقل السياسة لعامة المقارنة بداية الرواج والانتشار ،فقد كان للنقد الموجه للمنظور التنموي الذي يركز على اهمية البعد الاقتصادي، منطلقا من مسلمة أن التقدم والتطور الاقتصادي لمختلف البلدان يعد حتمية كونية وستؤول إليها مختلف المجتمعات، كما أن الأسلوب المنهجي الكمي والإحصائي (الدراسات الكمية المقارنة) المعتمد في تحليل السياسات العامة لم تعط تفسيرات وافية حول المشاكل التي بدأت تعرفها دولة الرفاه ألإجتماعي في البلدان الغربية ذات بعد سياسي فمؤشرت الإنفاق العام وجحم الدعم الاجتماعي ومعدل الضريبة ونسبة التضخم و نسبة البطالة وربطن هذه القضايا والمترابطة بالتوجه الحزبي للحكومات من أجل معرفة ما إذاكانت لها علاقة بين التوجهات السياسية للأحزاب الحاكمة وبين توجهات السياسات العامة المنتهجة في وقتها [4] .
يركز التحليل المقارن للسياسات العامة في هذه المرحلة على البعد السياسي، والذي وفر خلفية مهمة لفهم الإختلافات والتشابهات حول السياسة العامة المقارنة والذي يسمح بمقارنة أداء السياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وأجزاء مختلفة من العالم باستخدام عنصر المخرجات أي وفقا للاعمال والافعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها. [5]
في هذا الإطار أعتمدت مجموعة من المناهج والإقترابات والتي ترمي إلى إثبات والتأكيد على "أهمية السياسة" (التسييس/ politics) وقد أستخدم إطار الحكومة الحزبية على نطاق واسع للمحاججة بأن السياسات العامة تختلف تبعا للتحول في الجهة الحزبية (التفاعلات السايسيةوالحزبية) التي تسيطر على الحكم ، وقد أستخدم هذا المنهج مثلا في عدد من الدراسات التي أنجزت مبكرا في حقل السياسة المقارنة سعى من خلالها الباحثون الأمريكيون إلى غظهار أن سياسات الرفاه تختلف بإختلاف إنتقال الحكومات الولايات المتحدة الأمريكية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين وبالعكس، وهنا ركزت وغاصت العديد من الدراسات على إمتداد البلاد في الروابط المعقدة مابين الأحزاب ولسياسات .رغم الإسهامات والأعمال المقارنةالجريئة التي ظهرت في هذه المرحلة والتي عرفت رواجا كبيرا حعلت علم السياسات العامة المقارنة يحتل أهمية كبيرة ورغم ذلك لم يسلم من الإنتقادات أهمها:
1- قصور في قياس المتغير السياسي المتعلق بالحزب الحاكم، فالمتغير السياسي غير محصور في إيديولوجية الحزب الحاكم وحده ولكنه موزع في عامة العناصر السياسية التي لها القدرة على تفسير توجهات السياسات العامة، كتأثير البنية المؤسساتية وهياكل السبلطة القائمة، ووجود إئتلافات ذات أغلبية أو عدم وجودها وموقف الأحزاب والقوى السياسية المعارضة من سياسات الحكومة ودور جماعات المصالح التي ترتبط بها الأحزاب السياسية ...إلخ .
2- لإنتقاد الثاني: قياس المخرجات بمؤشرات كمية تعكسها معدلات الإنفاق العام ونسبة التضخم والتي يعتبرونها سيئة ، لأنها تبقى مجرد أرقام صماء وجوفاء لعدم بيانها للعناصر السياسية العامة ذات الأهمية لكنها غير قابلة للتقدير والقياس الكمي تقتصر على المحاور الكبرى للسياسات الاقتصادية الكلية وسياسات الحماية الاجتماعية المعتمدة.
الانتقاد الثالث : نتائج العملية المحصلة في تلك الأعمال لا تسمح بإظهار إرتباط واضح وعلاقة دائمة بين مخرجات السياسة العامة متعلقة بحضور حزب سياسي في السلطة، وهذا ما أكدت عليه الحالات المدروسة في ندرة حدوث ذلك .
3- تجديد التحليل المقارن للسياسات العامة : أمام هذه الإنتقادات حدث تحول مهم في التحليل المقارن للسياسات العامة مع واخر عقد السبعينيات، وقد جاءت هذه المرحلة كتعبير عن هذا التحول الذي حدث وفق ثلاثة أصناف:
3 -1- الإهتمام بمخرجات السياسات العامة بمعنى التركيز على نتائجها(نواتج السياسة العامة) . 3-2- الإنتقال من الأبحاث الكمية القائمة على عدد كبير من الحالات إلى أبحاث نوعية (الكيفية)مؤسسة على عدد قليل من الحالات بمعنى الإنتقال من إستراتيجية بحث محورها المتغيرات إلى إستراتيجية بحث محورها الحالات.
3-3- الانتقال من عزل المتغييرات التفسيرية وبيان أثر كل منها إلى النظر في التفاعل بين المتغييرات والوقوف على تأثيرها مجتمعة .
لقد إهتم هذا الجيل الثالث من الاعمال المقارنة بتسليط الضوء على عملية إنتاج السياسات العامة بالتركيز على لجوانب النوعية ( الكيفية) فيها وبالتفاعل بين المتغييرات، وانتهى أصحابه إلى الإلحاح على الاختلافات في العمليات الوطنية لانتاج السياسات العامة وأدى إلى تصنيفات تقدم "اساليب وطنية" متباينة للسياسات العامة إنطلاقا من مزاوجة بعدين هما نمط التكفل الحكام بالمشاكل العامة وبنية التفاعلات بين مختلف الفواعل المشاركين في السياسات العامة كما أشار إليه الباحث (Jeremy Richardson) جيريمي ريتشاردسون[6] ، وبحسبه يعكس مفهوم "أسلوب السياسة العامة " الذي ظهر في فترة مبكرة في حقل السياسة المقارنة والذي حاول الإجابة على السؤال كيف نفسر الاختلافات الرئيسية عبر الوطنية في الطريقة التي تتعامل بها الدول مع مشاكل السياسة نفسها؟ نشأ مفهوم أسلوب السياسة من إدراك العديد من محللي السياسة أن الدول القومية لديها "طريقتها الخاصة في القيام بالأشياء". [7]
1- الأخذ بعين الاعتبار النماذج الترايخية المميزة التي تشكلت من خلالها الدولة القومية المختلفة وكياناتها المؤسساتية التي تميز إحداها عن الأخرى .
2- الطريقة التي تتفاعل بها هياكل الدولة وقدراتها مع إحتمالات القطاعات الاقتصادية والكيفية التي تؤثر بها عليها.
3- آثار التغذية العكسية (Feedback) التي تتركها السياسية على التحالفات السياسية والمنافسة الحزبية والملامح الأخرى في لوحة صنع السياسية[8] .
إن هذا النمط من التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال مهيمنا إلى الوقت الحالي ، إلا أن الأعمال الحديثة بينت أن هذا النمط رغم قدرته التفسيرية إلا أنه لا يخلو من المشاكل والنقائص على الصعيدين المنهجي والنظري .
[1] -صالح بلحاج،تحليل السياسات العامة (نظريات ومقاربات ومناهج) دار قرطبة، الجزائر،2017، ص ص219-220
[2] -ياغي عبد الفتاح، السياسات العامة (النظرية والتطبيق)، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة ،2010، ص 09 .
[3] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 28
[4]-صالح بلحاج، ص222 .
[5] -جابريال ألموند ، السياسة المقارنة إطار نظري، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، ط1، 1996.ص282
[6] - صالح بلحاج، المرجع نفسه 221.
Jeremy Richardson . A REFORMULATION OF THE CONCEPT OF POLICY STYLE. Chapter[7] One of British Policy Making and the Need for a Post-Brexit Policy Style,Palgrave, 2018, p01
[8] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 30