يبدو التحليل المقارن للسياسات العامة مثله مثل أي مدخل آخر في إطار السياسة المقارنة يعطي للباحث إمكانيات واسعة في تفسير التشابهات والإختلافات الموجودة بين الدول والأنظمة السياسية السائدة فيها التي تتسم بالتنوع الكبير تستلزم إستكشافها وتحليلها بإعتماد منهجية المقارنة السياسية  التي  مرت بمراحل تاريخية مفصلية سمحت لحقل السياسة العامة المقارنة من التبلور وإكتمال تشكله يستمد عناصره من موضوعات عديدة مختلفة مثل العلوم السياسية والإدارة العامة بشكل عام، وتجدر الإشارة هنا أن السياسة العامة المقارنة مرت بثلاثة أطوار كبرى تفصل بينها الاعمال والدراسات المقارنة عملت على الانتقال في التساؤلات والاشكاليات المتعلقة بتطوير التحليل المقارن للسياسات العامة عبر مختلف المراحل التالية:

1- المرحلة الأولى: (النشأة والتبلور): اتسمت هذه المرحلة بهيمنة المنظور السلوكي (التنمية والتحديث) أين كان التحليل المقارن للسياسات العامة خلال عقد الخمسينات يستند إلى الخلفية الاقتصادية (الخيار العقلاني) التي يرتكز عليها المنظور السلوكي (منظور التنمية والتحديث) الذي هيمن على علم السياسة خلال عقدي الخمسينات والستينات، الذي اتسم بسيطرة  النظريات الاجتماعية والاقتصادية على دراسات السياسة المقارنة المبكرة في الحقبة الحديثة (الخمسينيات) وكان جوهر هذا التناول يقوم على حجة بأن الدول تستجيب للمسار العام للنمو الاقتصادي والتحديث الاجتماعي( منظور التنمية والتحديث) بسياسات متماثلة من حيث منطلقاتها، وينظر إلى المستويات المرتفعة للتطور الاقتصادي والتصنيع على أنها المسؤولة عن ايجاد اضطرابات اقتصادية واجتماعية وبيئية جديدة وتوفير مصادر مالية أكبر تستطيع الحكومات الاستفادة منها وفي رد فعلها على هذه المشكلات، وعلى سبيل المثال نجد سياسات الضمان الاجتماعي وغيره من سياسات دولة  الرفاه (welfare state) التي تضطلع بها الدولة  تظهر وتتوسع في كل مكان ببلوغ الأمم مستويات أعلى من التطور الاقتصادي، وهذا الأسلوب يشير إلى التقارب في السياسات القومية وتضاؤل الصراع الإيديولوجي كلما انتقلت الأمم من المجتمعات الزراعية التقليدية تحقيق طفرة رأسمالية مبكرة  إلى المرحلة الحديثة من وضع الدول المتقدمة اقتصاديا [1].

وعلى هذا الأساس إنصبت دراسات السياسة العامة المقارنة على مقارنة أداء السياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وأجزاء مختلفة من العالم باستخدام عنصر المخرجات أي وفقا للأعمال والافعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها [2]، ولهذا اندرجت معظم الأعمال المقارنة في تخصص السياسات العامة الفتي في أواخر الخمسينات حول دراسة المجتمعات الصناعية المتقدمة والهادفة إلى تحقيق عملية التقارب المتزايد بين الدول المتقدمة المنتجة لنظام اقتصاد السوق، حيث تمحور هدف أغلب الأعمال المقارنة حول تقارب وحدة قياس مستوى النفقات العامة ومحركه النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، وفي هذا الصدد ركزت أعمال "هارولد ويلانسكي" على التقارب المتزايد في ميدان تطور دولة الرفاه الاجتماعي بقياس حجم النفقات الحماية الاجتماعية بالنسبة للناتج الوطني الإجمالي معتمدة بالأساس على معطيات إحصائية ومركزة على متغيرات من الصنف الاقتصادي ومتميزة تندرج ضمن المنظور النظري لتقارب المجتمعات الصناعية، ولعل أن معظم الأبحاث التي هيمنت على الساحة الأكاديمية هي أمريكية ترمي إلى تقديم عملية التقارب[3]، وهنا إفترضت أن كل النظم السياسية سواء كانت شيوعية أو رأسمالية ديمقراطية أو تسلطية تتجه نحو نفس النمط وهو نمط الدولة الرفاه الاجتماعي، وهذه الفرضية تنفي أن مخرجات السياسة العامة تختلف وفقا لطبيعة وخصائص النظام السياسي.[4] 

وفقا لهذا تزايد الاهتمام بالمخرجات النظام السياسي في علم السياسة محاولة فهم وتحليل الإختلافات بين السياسات العامة للدول المتخلفة، هذا ما أدى إلى إعادة النظر في النتائج الأولية التي لم تعط لخصائص النظام السياسي أي دور في تفسير اختلافات السياسة العامة، بعبارة أخرى هل الاختلافات البنيوية بين الدول المتخلفة فيما يتعلق بالبنى الحكومية وحقوق المواطنين ونشاطات الأحزاب السياسية والجماعات المصلحية لها صلة باختلاف وتباين سياسات التخصيص والتوزيع وغيرها من السياسات العامة في تلك الدول؟، وللإجابة على هذه التساؤلات اهتمت دراسات السياسة العامة المقارنة بمناقشة موضوع تأثير خصائص النظام السياسي على السياسات العامة نواتجها أي البحث في العلاقة بين النظام السياسي وبين مخرجات ونواتج السياسة العامة[5] .

ومع مطلع عقد الستينات كثرت الانتقادات الموجهة للنموذج الاقتصادي – الاجتماعي في دوائر الباحثين في السياسة المقارنة، لماذا مثلا، كانت بعض الدول رائدة في بعض برامج الرفاه الاجتماعي في وقت أبكر بكثير من الدول مما يبرره المستوى الكلي لنموها الاقتصادي؟ لماذا تختلف المساعي السياسية لبعض الدول المتقدمة (قياسا بحجم الإنفاق الحكومي) عن مساعي دول أخرى؟ وبشكل أ كثر عمومية، كيف تستطيع رؤيا سياسية يقررها مسار اقتصادي اجتماعي موحد ان تفسر الاختلافات البارزة في السياسات التي تفيد الدراسات بأنها موجودة بين مجموعة من الدول الديمقراطية المتقدمة؟ [6]، وتجدر الإشارة هنا أن العديد من الدراسات أبرزت أن النظام السياسي الديمقراطي يعطي نتائج إيجابية غير مباشرة من خلال مخرجات ونواتج السياسة العامة، كما أنه لا توجد أدلة تؤكد على صحة فرضية أن النظم السياسية -على اختلاف أنواعها- تتجه نحو نمط متشابه من السياسات العامة المتعلقة بالضمانات الاجتماعية، كما أنه لا توجد ادلة حول تأثير النظام الديمقراطي على النمو الاقتصادي والتضخم وغيرها[7].

من المفيد التذكير هنا بأن أغلب التعريفات في هذه الفترة هذا التعريف يركز على الجوانب الاقتصادية للسياسة العامة حيث ينظر إليها على أنها عملية توزيع الموارد المالية (الموازنة ) مع ما يلحق بها من مصادر القوة من علاقات وأولويات ومزايا ومعلومات وخلافة، فالمؤسسة التي تعتبرها الحكومة ذات أهمية سوف تستحوذ على نصيب كبير من المخصصات المالية والعكس صحيح، ما يعني خضوعها لقاعدة كل حسب أهميته وحسب حجم موازنته[8]، علاوة على هذا ركزت مجمل اعمال المدرسة السلوكية السياسات في حقل العامة المقارنة على المنظور التنموي الذي ساد طيلة عقدي الخمسينيات والسبعينيات ولعل أن هذه المرحلة كانت الدراسات المقارنة تركز على المقارنة بين عدد كبير بين الحالات.

وعلى الرغم من الإسهامات المقدمة في هذه المرحلة إلا أن واجهت انتقادات رئيسية تمحورت حول وقوعه في فخ الحتمية الاقتصادية التي شكلت منطلقا لهذا المنظور الذي يفترض أن التنمية والتقدم عملية كونية مستمرة سوف تتحقق في سائر المجتمعات، هذا ما مهد انتقال الأعمال المقارنة للسياسة العامة إلى طور آخر من التطور[9]. 

2-المرحلة الثانية(مرحلة الرواج والتحول في التحليل المقارن للسياسات): مع مطلع الستينيات عرف حقل السياسة لعامة المقارنة بداية الرواج والانتشار ،فقد كان للنقد  الموجه للمنظور التنموي الذي يركز على اهمية البعد الاقتصادي، منطلقا من مسلمة أن التقدم والتطور الاقتصادي لمختلف البلدان يعد حتمية كونية وستؤول إليها مختلف المجتمعات، كما أن الأسلوب المنهجي الكمي والإحصائي (الدراسات الكمية المقارنة) المعتمد في تحليل السياسات العامة لم تعط تفسيرات وافية حول المشاكل التي بدأت تعرفها دولة الرفاه الإجتماعي في البلدان الغربية التي كان تحمل بعد سياسي فمؤشرات الإنفاق العام وجحم الدعم الاجتماعي ومعدل الضريبة ونسبة التضخم و نسبة البطالة وربط هذه القضايا والمترابطة  بالتوجه الحزبي للحكومات من أجل معرفة ما إذا كانت لها علاقة بين التوجهات السياسية للأحزاب الحاكمة  وبين توجهات السياسات العامة المنتهجة في وقتها .

قامت اعمال مقارنة للسياسة العامة على دراسة عدد كبير من الحالات وعلى معطيات كمية لكنها مركزة على المتغيرات السياسية بدلا من المتغيرات المعتمدة في المرحلة الأولى وهنا تمحورت هذه الأعمال المقارنة على سؤال "هل للسياسة أهمية"، بمعنى هل للون السياسي للأحزاب الحاكمة له أثر وأهمية في إنتاج السياسات العامة؟ وللإجابة على هذا تم الإعتماد على دراسة مراحل وحقب زمنية معينة مبنية على مؤشرات مثل مستوى الإنفاق العام ومستوى النفقات الاجتماعية ومعدل الضريبة ونسبة التضخم ونسبة البطالة وربط هذه المراحل والحقب الزمنية بالتوجه الحزبي للحكومات من أجل معرفة ما إذا كانت علاقة بين التوجهات السياسية للأحزاب الحاكمة وبين توجهات السياسات العامة المتخذة في وقتها[10] .

وتستند الإعمال المقارنة الصادرة في هذه المرحلة على مبرر أن نموذج التنمية والتحديث السائد في عقدي الخمسينات والستينات أهمل دور القوى السياسية في التحكم بنتائج السياسات العامة، ظهرت مجموعة كاملة من المناهج ترمي جميعها إلى إثبات "أهمية السياسة"، حيث أستخدم إطار الحكومة الحزبية على نطاق واسع للمحاججة بأن السياسات تختلف تبعا للتحول في الجهة الحزبية التي تسيطر على الحكم، وقد إستخدم هذا النموذج مثلا في عدد من الدراسات المبكرة للسياسة المقارنة سعى من خلالها الباحثون الأمريكيون إلى إظهار أن سياسات الرفاه تختلف بإختلاف إنتقال حكومات الولايات المتحدة الأمريكية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين وبالعكس، وقد توغلت الدراسات أقرب عهدا أجريت بعمق على امتداد البلاد في الروابط المركبة ما بين الأحزاب والسياسات[12] .

وعلى هذا الأساس ركز  التحليل المقارن للسياسات العامة في هذه المرحلة على  البعد السياسي الذي وفر خلفية مهمة لفهم الإختلافات والتشابهات حول السياسة العامة المقارنة وسمح أيضا بمقارنة أداء السياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وأجزاء مختلفة من العالم باستخدام عنصر المخرجات أي وفقا للاعمال والافعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها[13].

في هذا الإطار أعتمدت مجموعة من المناهج والإقترابات والتي ترمي إلى إثبات والتأكيد على "أهمية السياسة" (التسييس/ POLITICS  ، حيث تم إستخدام إطار  الحكومة الحزبية على نطاق واسع للمحاججة بأن السياسات العامة تختلف تبعا للتحول في الجهة الحزبية (التفاعلات السياسية والحزبية) التي تسيطر على الحكم ، وقد أستخدم هذا المنهج مثلا في عدد من الدراسات التي أنجزت مبكرا في حقل السياسة المقارنة سعى من خلالها الباحثون الأمريكيون إلى إظهار أن سياسات الرفاه تختلف بإختلاف إنتقال الحكومات الولايات المتحدة الأمريكية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين وبالعكس، وهنا ركزت وغاصت العديد من الدراسات على إمتداد البلاد في الروابط المعقدة مابين الأحزاب ولسياسات .

واستنادا إلى هذه الخلفية طرح سؤال "لماذا" تتخذ الحكومات مسالك محدد للفعل تكون الإجابة عليه صعبة بقدر ما يكون طرحه مهما لماذا تبعت الولايات المتحدة أوروبا في تبني بعض السياسات الاجتماعية بينما سبقتها في تبني برامج اجتماعية أخرى؟ لماذا حافظت بعض الدول على مدنا الرئيسية معتبرة إياها ثروة وطنية بينما تسامحت دول أخرى بشأن المزيد من الخراب المديني، لماذا تكون "شبكة السلامة" العائدة لضمان الاجتماعي موضوعا للسياسة الهادئة المتفق عليها بالإجماع في زمان ومكان ما، وقضية سياسية مشحونة إيديولوجيا في أماكن وأزمنة أخرى؟ [14]، ولهذا السبب تختلف عملية صنع السياسة العامة الطويلة والمعقدة عن صنع القرار التي هي عبارة عن اختيار بين مجموعة من البدائل، وهذا ما أكده أندرسون في أن السياسة العامة غالبا ما تكون نتيجة مسار عمل بين فاعلين متعددين يتم تحديد دورهم وتأثيرهم من خلال عوامل مؤسسية وهيكلية، ما يعني أن مقارنة السياسات العامة هي في الأساس مقارنة لتأثيرات السياسية والمؤسساتية على رسم السياسات العامة[15] .

في هذا الجيل الثاني من الاعمال المقارنة طرحت سؤال مركزي " هل للسياسة أهمية؟" يعني هل اللون السياسي للأحزاب الحاكمة له أثر وأهمية في إنتاج السياسات العامة؟ ، من أجل الإجابة أعدت سلاسل زمنية معتمدة على مؤشرات مثل مستوى الإنفاق العام ومستوى النفقات الاجتماعية ومعدل الضريبة ونسبة التضخم أ ونسبة البطالة وربطت هذه السلاسل بالتوجه الحزبي للحكومات من أجل معرفة ما إذا كانت علاقة بين التوجهات السياسية للأحزاب الحاكمة وبين  المتخذة في وقتها، ولهذا انطلقت الأعمال المقارنة الرائجة في سنوات الستينات والسبعينات للإجابة من سؤال "لماذا" للتأكيد على الاثر الكبير التوجهات الإيديولوجية السياسية للأحزاب الحاكمة على السياسات العامة[16]، من دون إهمالها أيضا عنصر مهم وهو "التطورات التاريخية" في الماضي البعيد الذي قد لا يعيه صناع السياسة في الزمن الحاضر عبر تسليط الضوء على جذور الثقافة السياسية للأمة والجماعات المكونة لها، ولذلك فإنه من الأهمية بمكان عند إجراء المقارنات بين السياسات العامة يقتضي الأمر مناقشة اختيارات الأمم للوسائل السياسية المختلفة في مجالات مثل التعليم والصحة وإدارة الاقتصاد، التي تتطلب الفهم والوعي الجيد للعوامل النهائية المحددة للاختيارات السياسية لأي أمة، وهذا ما يستلزم أيضا الإشارة بانتظام إلى مصادر التطور السياسي لكل أمة التي تمثل خلفية تنجم عنها آثار معينة، ولعل ان هذه العناصر اللصيقة وبقية العناصر الأخرى المؤثرة على السياسة العامة تنشأ من خلال التفاعلات المستمرة بين السياسيين والبيروقراطيين وجماعات المصالح والرأي العام والمنتفعين من البرامج فالأفكار التي يقدمها صناع السياسة الذين يتطلعون إلى ممارستها، وهذا كله يشكل مادة أولية لتفسير التشابهات والاختلافات التي تظهر في السياسة العامة[17].

رغم الإسهامات والأعمال  المقارنة الجريئة التي ظهرت في هذه المرحلة والتي عرفت رواجا كبيرا جعلت علم السياسات العامة المقارنة يحتل أهمية كبيرة لكن هذا التوجه المنهجي المقارن لاقى ثلاث انتقادات مهمة وهي :

- النقد الأول يخص قياس المتغير السياسي للحزب الحاكم غير محصور في إيديولوجية الحزب الحاكم وحده ولكنه موزع في عامة العناصر السياسية  التي لها القدرة على تفسير توجهات السياسات العامة،المتغير السياسي غير محصور غير محصور في إيديولوجية الحزب الحاكم وحده ولكنه موزع في عامة العناصر السياسية  التي لها القدرة على تفسير توجهات السياسات العامة كالبنية المؤسساتية للسلطة ووجود ائتلافات ذات أغلبية أو عدم وجودها وموقف المعارضة من سياسات الحكومة ودور جماعات المصالح التي ترتبط بالأحزاب ...إلخ.

- النقد الثاني: أصاب مقياس المخرجات المعتمدة حيث أن المؤشرات الكمية لقياس معدلات الإنفاق التضخم سيئتين، سيئة لعدم بيانها للعناصر السياسية العامة ورغم أهميتها إلا أنها غير قابلة للتقدير الكمي، وسيئة الاقتصار على عدد قليل منها لأنها تمثل السياسات الاقتصادية الكلية وسياسات الحماية الاجتماعية بعينها.

- النقد الثالث: فهو متعلق بالنتائج المحصلة في تلك الأعمال لا تسمح بإظهار ارتباط واضح وعلاقة دائمة بين مخرج السياسة العامة وحضور حزب سياسي في السلطة، وهذا ما يؤكد إلا عدد قليل جدا من الحالات المدروسة[18].

3-المرحلة الثالثة(الأساليب الوطنية للسياسات العامة): بناءا على هذه الانتقادات حدث تحول مهم في التحليل المقارن للسياسات العامة مع واخر عقد السبعينيات، وقد جاءت هذه المرحلة كتعبير عن هذا التحول الذي حدث وفق ثلاثة أصناف:

1- انتقل الاهتمام من مخرجات السياسات العامة (نتائجها) إلى الاهتمام بعملية إنتاجها.

2- الانتقال من الأبحاث الكمية القائمة على عدد كبير من الحالات إلى أبحاث نوعية مؤسسة على عدد قليل من الحالات بمعنى الانتقال من إستراتيجية بحث محورها المتغيرات إلى إستراتيجية بحث محورها الحالات.

3- الانتقال من عزل متغيرات تفسيرية وبيان أثر كل منها إلى النظر إلى التفاعل بين مختلف المتغيرات والوقوف على تأثيرها مجتمعة [19].

من خلال هذا إهتم هذا الجيل الثالث من الاعمال المقارنة بتسليط الضوء على عملية إنتاج السياسات العامة  بالتركيز على لجوانب النوعية ( الكيفية) فيها وبالتفاعل  بين المتغيرات، وانتهى أصحابه إلى الإلحاح على الاختلافات في العمليات الوطنية لانتاج السياسات العامة وأدى إلى تصنيفات تقدم "اساليب وطنية" متباينة للسياسات العامة إنطلاقا من مزاوجة بعدين هما نمط التكفل الحكام بالمشاكل العامة وبنية التفاعلات بين مختلف الفواعل المشاركين في السياسات العامة كما أشار إليه الباحث (Jeremy Richardson) جيريمي ريتشاردسون[20]، وفي إطار هذه المرحلة أعتمد منظور العملية السياسية المؤسساتية الذي ينظر إلى السياسة بوصفها نتيجة ضغوط خارجية (اجتماعية – اقتصادية، أو متطلبات حزبية، أو كتل مصالح، وغير ذلك) على الحكومة يعني التحليل المؤسساتي بوضع الدولة ضمن بؤرة التحليل ويعني هذا على الصعيد العملي ثلاثة أشياء على الأقل :

 1) استحضار النماذج التاريخية المميزة التي تشكلت من خلالها الدول القومية المختلفة وكياناتها المؤسساتية التي تميز إحداها عن الأخرى،

 2) الطريقة التي تتفاعل بها هياكل الدولة وقدراتها مع احتمالات القطاعات الاقتصادية والكيفية التي تؤثر بها عليها،

 3) أثار التغذية الراجعة التي تتركها السياسة على التحالفات السياسية، والمنافسة الحزبية، والملامح الأخرى في لوحة صنع السياسة[21].  

تجدر الإشارة أن الأعمال المقارنة الصادرة في هذه المرحلة ركز فيها الدارسين على أسلوب السياسات العامة لبلد  معين، هذا ما يجعل التحليل المقارن للسياسات العامة في نظر كثير من الناقدين في هذه المرحلة طغت عليها الوصفية أكثر من التحليلية التفسيرية إلا أنها جددت النظر إلى السياسات العامة المقارنة وفي تنشيطه من خلال تسليط الضوء على التفاعلات بين" الدولة " وجماعات المصالح إلى جانب إدماج مفهوم شبكة السياسة العامة ، إلى جانب تحديث المنظور المؤسسي من خلال تطوير مفهوم المؤسسات  (Neo instituionalism) وجعله بؤرة تحليل جديدة، وفي هذا الإطار نجد النظرية المؤسساتية التاريخية قدمت مفهوم "التبعية للمسار "ومفهوم "المسارات لوطنية" التي تمثل مداخل نظرية جديدة في التحليل المقارن للسياسات العامة إلى جانب تسليط الضوء على مسألة تغييرها وإصلاحها.

تبعا للأطوار التاريخية التي شهد خلالها مجال السياسة العامة المقارنة تطورات نوعية على المدى الطويل والذي مر عبر خمس مراحل رئيسية اهلته بان يكون كتخصص قائم بذاته في الاقتصاد والعلوم السياسية في سبعينيات القرن الماضي لدراسة تحولات دولة الرفاه معتمدًا بشكل مكثف على الإحصاءات في محاكاة أدبيات السياسة المقارنة والاقتصاد السياسي، في سياق متصل شهدت السياسة العامة المقارنة في عقد الثمانينيات تنوعًا في مجالات السياسة ودراسة تغير السياسات من خلال التعلم ونماذج السياسات، مع إضافة المقارنة على نطاق صغير والاقتصاد القياسي إلى مجموعة الأدوات الحالية للأساليب المقارنة. ومع حلول عقد تسعينيات والتي عرفت فيها عولمة عمليات السياسة، وتحولت أجندة البحث في السياسة العامة المقارنة نحو الحوكمة والشبكات وتحول الدولة، مع اكتشاف القيمة المضافة للتحليل التكويني باستخدام تحليل الكيفي المقارن، أما مع مطلع القرن الحادي والعشرين وبداية الألفية الجديدة جاءت بإعادة صياغة مفهوم عملية السياسة بعد أن قام مجال السياسة المقارنة بتحديث الأطر والأساليب التقليدية مثل إطار التحليل التكويني للمؤسسات وتحليل التفاعل بين الأطر، وتحليل متعددة الأبعاد للنظم، وفي محاولة للتغلب على التباين المستمر الناجم عن التطور المتقطع لدراسات السياسات العامة المقارنة في تحديد الأولويات وصياغتها وتنفيذها وتقييمها، لجأ الباحثون بشكل متزايد إلى استخدام مناهج متعددة أو مختلطة تجمع بين الإحصاءات ودراسات الحالة في تصميماتهم البحثية، في هذا السياق شهد العقد الثاني من الألفية الجديدة (2010) توحيدًا نظريًا ومنهجيًا بدمج البحوث الأساسية والتطبيقية ضمن إطار تصميم السياسات وإضافة التجارب العشوائية وضبطها بالترسانة المنهجية الثرية لمجال السياسات العامة[21].

وتماشيا مع هذه التطورات أعتمد التعريف الأوسع من حيث التزامات الدولة يمكن فهم السياسة العامة المقارنة من منظور مجالات تتجاوز نطاق الدولة، أي جميع تلك المجالات التي يتوقع فيها من الدولة بشكل أو بآخر تحمّل مسؤولية المخرجات والنتائج، وفي عصرٍ يصعب فيه التمييز بين القطاعين الخاص والعام (مما شجع على الاستخدام المفرط لمصطلح الحوكمة)، وفي ظل بروزٍ أكبر للفاعلين المتعددين التي تضطلع بوظائف تنظيمية (مثل شركات بطاقات الائتمان في مجال المقامرة عبر الإنترنت)، وفي ظل ما يقال عن تقييد الاستقلالية الوطنية بشدة بسبب الالتزامات أو الديناميكيات الدولية، فمن المنطقي اتباع التعريف الثاني بدلاً من الأول، لما لذلك من آثار على اختيار مجال السياسة ونوع منهجية البحث[22].

تجدر الإشارة أن هذا النمط من التحليل المقارن للسياسات العامة لا يزال مهيمنا إلى الوقت الحالي إلا أن الأعمال الحديثة بينت أن هذا النمط رغم قدرته التفسيرية إلا أنه لا يخلو من المشاكل والنقائص على الصعيدين المنهجي والنظري .


 
 

 

 

 



[1] -  صالح بلحاج ، المرجع نفسه، ص 221.

[2] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 29.

[3] - جابريال ألموند، السياسة المقارنة إطار نظري، ترجمة محمد زاهي بشير المغيربي،  منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، ط1، 1996.ص282

[4] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 28. 

[5] - Wilson Wong.op cit.p 02.

[6] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 220

[7] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 22.

[8]-  صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص 220

[9] - صالح بلحاج ، المرجع نفسه، ص 221.

[10] - صالح بلحاج، المرجع نفسه 221.

[11]-  أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 30.

[12] - أرنولد هايدنهايمر وهيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 28.

[13] - جابريال ألموند ، السياسة المقارنة إطار نظري، منشورات جامعة قاريونس ، بنغازي ، ط1، 1996.ص282.

[14] - صالح بلحاج، تحليل السياسات العامة (نظريات ومقاربات ومناهج)، دار قرطبة، الجزائر، ص 221.

[15] - محمد زاهي بشير المغيربي قراءات في السياسة المقارنة (قضايا منهجية ومداخل نظرية)، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1994، ص 252.

[16] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 253.

[17] - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص 28.

[18] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص ص 252-253.

[19] - ياغي عبد الفتاح، السياسات العامة (النظرية والتطبيق)، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة ،2010، ص 09   .

[20] - صالح بلحاج، المرجع نفسه، ص219.

[21] Fontaine, Guillaume.op cit. p16.

[22]  Martin Lodge (eds(.op cit.  p 277

 

آخر تعديل: الثلاثاء، 5 مايو 2026، 2:17 PM