أصبح توظيف المنهج المقارن مهما بالنسبة لتحليل السياسة العامة ذا قيمة كبيرة والذي يشهد رواجا وانتشارا واسعا في أدبيات التحليل السياسات العامة، خاصة عند الباحثين الغربيين الذين قدموا أدوات وطرائق لمقارنة السياسات سمحت بتفسير أوجه التشابه والاختلاف حول السياسات الوطنية المعتمدة في مختلف البلدان، حيث يحاول هذا الحقل الأكاديمي تقديم أجوبة للأسئلة التالية : لماذا تتبنى بعض الدول على ما يبدو تدابير قسرية لتحقيق أهداف سياسية معينة بينما تعتمد دول أخرى على الامتثال الطوعي؟ ما مدى أهمية مبادرة سياسة إقليمية معينة؟ هل الأحزاب في الحكومة مهمة من حيث مخرجات السياسة ونتائجها؟ هذه هي أنواع الأسئلة التي تقع في صميم أبحاث السياسة العامة المقارنة، التي يمكن القول إنها أقدم نشاط علمي اجتماعي في العالم سمحت بتوليد العديد من الحسابات التي تسعى إلى شرح تطورات سياسية معينة .
يرتكز تعريف السياسة العامة المقارنة على دراسة كيف ولماذا؟ ولأيما غرض تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة للفعل أو اللافعل، في الوقت الذي يبدوا فيه هذا التعريف مباشرا فإنه يحتوي على عدد من المميزات المفاهيمية المهمة تستدعي الوقوف عنده للتمييز بين المفردات الرئيسية الواردة في هذا التعريف: دراسة (كيف)، و(لماذا)، و(لأي غرض)، (تتبع الحكومات المختلفة مسالك محددة في الفعل واللافعل) [1].
ولعل من أهم التعريفات الواردة هنا أيضا نجد تعريف جيمس أندرسون للسياسة العامة بأنها مسار عمل هادف وموجه نحو تحقيق هدف محدد إلا أن النتيجة النهائية لصنع السياسات العامة قد تكون غير عقلانية وقد لا تحل مشكلة عامة بشكل فعلي وغالبا ما تكون حل وسط عقلاني بين مختلف الفاعلين المعنيين بها وفقا لأهدافها وحوافزها التي يتم تصفيتها أو هيكلتها بواسطة المؤسسات السياسية، وقد أضاف أندرسون إلى "هذا التعريف التركيز على ما ينفذ فعليًا بدلًا مما يقترح ويعتزم تنفيذه كما يميز بين السياسة والقرار الذي هو في جوهره اختيار محدد من بين بدائل، وينظر إلى السياسة على أنها شيء يتطور بمرور الوقت"، وفي إطار الدراسة المقارنة للسياسة العامة فإن الإجابة على سؤال "ما هي السياسة العامة؟" ينبغي أن تكون اللبنة الأولى والمهمة في تعريف السياسة العامة المقارنة وهي مجال من مجالات الدراسة متعددة التخصصات، تستخدم السياسة العامة كوحدة تحليل رئيسية للمقارنة بين مختلف الأنظمة والمؤسسات عادة ما تكون دولا أو حكومات، ويطرح هذا المجال عادةً أسئلة حول كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة سياسات مختلفة أو متشابهة ويواجه هذا المجال مشكلات تتعلق بتضارب هوية المنهج مقابل المجال، والافتقار إلى إطار نظري متماسك وشامل يتم على اساسه معالجة هذه المشكلات بأبحاث الناشئة تساهم في خلق معرفة متكاملة ومؤثرة في العلوم الاجتماعية[2].
إستنادا إلى هذه التعريفات للسياسة العامة التي تشير إلى تعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسمين المؤثرين في عملية صنعها إلا أن تنطوي على صفة العامة (Public) والتي شير إلى أن الحكومة لا تزال تلعب دورا محوريا في صنعها، وبهذا المعنى فإن السياسة العامة المقارنة هي مقارنة بين السياسات التي تضعها حكومات أو مؤسسات عامة مختلفة، وهنا نجد الجانب المتعلق بكيف من تعريف السياسة العامة الذي هو مستمد من دراسات حول الحكومة المقارنة والإدارة العامة والعلوم السياسية بشكل عام، ومن خلال دراسات "الكيف" التي نجدها تركز على الحكومات وكيف تنتقي إجراءاتها وهنا لابد من الانتباه ايضا لما يجري داخل الدولة وما حواليها، ويتطلب الأمر معرفة جوانب الهياكل والعمليات التي يتم التوصل إليها القرارات الحكومية وكيف تعمل الحكومات المختلفة ومؤسساتها المرتبطة بالأحزاب وجماعات المصالح وبيروقراطيات إزاء المشاكل السياسية المتنوعة[3].
في هذا الصدد يؤكد أحد علماء السياسة أن السياسة العامة هي المتغير التابع الرئيسي الذي يسعى علم السياسة إلى تفسيره، وهذا يعني بالضرورة أهمية السياسة العامة في حقل السياسة المقارنة، وأن هناك حاجة ماسة إلى فحص ومقارنة السياسات العامة لمختلف النظم السياسية إلى جانب مقارنة النظم السياسية في إطار سياساتها العامة[4]، ويعد المنهج المقارن في دراسة عمليات صنع السياسات ومخرجاتها ونتائجها أداة مهمة، وإن كانت غير مُستغلة بالشكل الأمثل لدى الباحثين وصنّاع السياسات، ومما لاشك فيه أنه يساعدنا على فهم عملية صنع السياسات وتداعياتها في الدول الأخرى، كما يسلط الضوء على عمليات صنع السياسات في أي بلد. ويقدم دروسا قيمة حول كيفية صنع السياسات العامة بطرق مختلفة، وينبهنا إلى أهمية مراعاة ظروف كل دولة، كما يتيح لنا مقارنة السياسات في مختلف الدول فهما أعمق وأشمل للعوامل الأساسية التي تحرك عملية صنع السياسات وتأثيرها على العالم[5].
ووفقا لهذا يعرف "هايدنهايمر" السياسة العامة المقارنة أنها "دراسة كيف ولماذا وإلى أي مدى تتبع الحكومات المختلفة مسارات عمل أو تقاعس معينة"، وإدراكًا منهم لتأثير وأهمية المؤسسات على صنع السياسات، اقترح دراسة السياسة العامة المقارنة "تتطلب فهم جوانب الهياكل والعمليات التي تُتخذ من خلالها القرارات الحكومية"، وينبغي على الباحثين أن يضعوا في اعتبارهم أهمية هذه المحددات النهائية لخيارات السياسة التي تتخذها الدول[6]، ومن خلال هذا ركزت الدراسات المقارنة للسياسة العامة على هدفين مركزيين: السياسة العامة المقارنة في جوهرها تسعى إلى تحديد ما يفسر الأنماط المرصودة في السياسة العامة، بالإضافة إلى الشكيك في القوالب النمطية من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية، ومن خلال هذا يسعى الدارسين المهتمين بمجال السياسة العامة المقارنة إلى معرفة ما إذا كانت هناك علاقة مباشرة لطبيعة النظام السياسي(ديمقراطي / سلطوي) وبين مؤشرات الأداءات المختلفة التي حددها غابريال ألموند في (الأداء الاستخراجي- الأداء التوزيعي- الأداء التنظيمي - الأداء الرمزي )، ومن خلال هذه العناصر الرئيسية يمكن إجراء المقارنة للسياسة العامة في بلدان ذات خصائص مختلفة وفي أجزاء مختلفة من العالم ويمكن تلخيص السياسات العامة للدول والمقارنة بينها وفقا للمخرجات أي وفقا للأعمال والأفعال التي تقوم بها الحكومة من أجل تحقيق أهدافها وغاياتها .
ومن خلال هذا ينطلق منطق السياسة العامة المقارنة في البحث عن محددات السياسة العامة والذي يسمح بزيادة عدد الملاحظات وضبطها ضمنيًامن دون افتراض أنماط محددة، وكما هو معروف تعتبر المقارنة جوهر أي مسعى بحثي ما يجعل هذا حقل السياسة العامة المقارنة علمًا اجتماعيا بالنظر إلى صعوبة إجراء تجارب واقعية، حيث تُقدم المقارنة عبر الزمن أو الدول أو على مستوى القطاعات وسيلة لاستكشاف وتقييم أنماط تدخل الدولة بهدف تحديد المتغيرات وعزلها[7].
2- كيفية إجراء المقارنة في مجال السياسات العامة: تعتبر أدبيات السياسة المقارنة أن المقارنة لا تكون بالضرورة بين نظم سياسية فقد تكون المقارنة داخل حدود النظام الواحد وبين مراحل مختلفة لهذا النظام (الدولة) أو بين وحدات مختلفة ، وفي إطار السياسات العامة المقارنة تعتبر الدولة هي الإطار العام لمستوى التحليل إلا أن الكثير من الباحثين يرون أن هذا الحقل لا يقتصر على دراسات -عبر- الدولة بهدف الوصول إلى مبادئ تفسيرية وتعميمات نظرية، بل بالتركيز على دراسة وحدات ومؤسسات واقاليم داخل دول مختلفة، فالتحليل المقارن يتجه إلى التركيز على تفسير الاختلافات داخل الدول أكثر مما يركز عليها بين الدول[8].
في هذا الصدد يشير التحليل المقارن للسياسات العامة باعتبارها جزء من السياسة المقارنة ويركز هذا المفهوم على الجذور السياسية لخيارات السياسة، بينما في كثير من دراسات الاقتصاد السياسي المقارن، يُلاحظ قلة الاهتمام أو الفهم لتفاصيل السياسات العامة المحددة المطروحة، وهنا تشير الدراسات إلى إمكانية تطبيق كلي لنطاق النظرية السياسية الإمبريقية- حتى الدراسات التي تركز على السلوك السياسي الجماهيري - على خيارات السياسة، أين تكون الروابط بين المتغيرات المستقلة المفترضة في بعض المناهج وخيارات السياسة بعيدة نوعا ما لكنها لا تزال روابط منطقية وهامة، وعلى ضوء يستند هذا المفهوم للمقارنة إلى استدلال احتمالي للعلاقات السببية بين المتغيرات التي تجعل الباحث يعتمد على تصميم الأنظمة الأكثر تشابهًا أو الأكثر اختلافًا من أجل التحكم في المتغيرات المستقلة وذلك للوصول إلى نظريات شبيهة بالقوانين، في هذا الصدد تعتمد العديد من الدراسات الكمية للسياسات العامة إلى حد ما على هذا المفهوم للسياسة العامة المقارنة في دراسة دولة الرفاه، أو وضع جداول الأعمال السياسة، أو أساليب تنفيذ السياسات العامة[9].
على ضوء هذا يطرح التحليل المقارن صياغة المشكلة والاجابة عن التساؤلات الاساسية المتعلقة بكيفية المقارنة والعناصر التي تجرى على أساسها المقارنة ومستوى المقارنة، والمقارنة في الدراسات الحديثة قد تكون إستاتيكية أو ديناميكية، والمقارنة استاتيكية تعني تشريحا للنظم السياسية فالأبنية يتم توصيفها في فئات مترابطة لإبراز أوجه التشابه والإختلاف وجوانب الإتفاق فيما بينها كما يتم البحث وتحديد وظائف معينة تقوم بها هذه الأبنية بإنجازها، أما المقارنة الديناميكية فإنها تفرض دراسة أداء النظم المختلفة فلا يقتصر التحليل على تحديد الأبنية التي من خلالها تتحقق وظائف معينة وإلى جانب ذلك يأخذ الباحث في الإعتبار حركة النظم وأدائها و الاختلافات البنائية والوظيفية بينها[10].
وبالتالي بناء موضوع السياسة العامة وجعله قابلا للمقارنة يتطلب السعي وراء الهدفين المركزيين للسياسة العامة المقارنة: هي في جوهرها تسعى إلى بيان الأسباب وملاحظة السياسة العامة وتفسير أنماطها، فالسياسة العامة المقارنة تدور أيضا حول التشكيك في القوالب النمطية القائمة من خلال استكشاف التطورات المتناقضة أو غير المنطقية، ولهذا فإن جعل السياسات العامة قابلة للمقارنة يتطلب الانتقال إلى ما وراء الخصوصية المفرطة (في شكل تاريخ حدث واحد) والتعميم المفرط (في التوصيفات الكبرى)، إضافة إلى التركيز على تصميم البحث المناسب، فالمقارنة تصبح لا معنى لها إذا لم تؤدي إلى تراكم المعرفة الأكاديمية وتزويد صانعي السياسات بتجارب وخبرات السياسات العامة في أماكن أخرى، وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة مثلا باختيار الحالات والملاحظات (وعدد الملاحظات) والمجالات (ما الذي نقارنه) وهي خطوات أساسية لأي مسعى بحثي يمكن إدراجه وتصنيفه ضمن مجال السياسة العامة المقارنة[11].
ووفقا لهذا صمم التحليل المقارن للسياسات خصيصا لشرح نتائج السياسات العامة وتحديد أنماطها المهمة المحتملة وفهم الديناميكيات ضمن مجال نشاط معين، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن نموذج الأسباب والنتائج لا يسمح بإثبات ضرورة أو كفاية الشروط كمتغيرات من خلال التضحية بالتعميم لصالح التعقيد، يؤدي هذا النهج الكيفي في النهاية إلى طريقة أخرى لبناء النظريات واختبارها، في هذا الإطار يرتكز المنطق الأساسي للمنهج المقارن على اختيار الحالات الذي يعد العنصر الحاسم في تصميم البحث، وذلك بهدف "تعظيم التباين الإمبريقي، وتقليل تباين الخطأ، والتحكم في التباين الخارجي" بمعنى أن اختيار الحالات يهدف إلى ضمان التحكم في أكبر عدد ممكن من مصادر التباين المنهجي، مما يزيد من احتمالية تحديد العلاقة بين المتغيرات المستقلة والتابعة المفترضة في التحليل، في المقابل ترتكز منهجية الإحصاء التي تنجز هذه العناصر الأساسية لتصميم البحث من خلال إدراج متغيرات تحكم في النماذج الإحصائية، يعتمد كلا المنهجين على اختيار المتغيرات المستقلة والتابعة وكيفية تطبيقها عمليًا[12].
هذا ما يجعل تحديد الأدوات المناسبة للمنهج المقارن محل جدل ومن دون الخوض في تفاصيل منهجية البحث المقارن برزت بشكل خاص دراسات واسعة النطاق، تمحورت حول مقارنة "مجموعات الدول" المختلفة ضمن أساليب إجراء دراسات مقارنة للسياسات العامة وقد قدمت هذه الدراسات تقديرات تقريبية لتطورات نماذج من دولة الرفاه المختلفة، وأشارت إلى مفارقات مثيرة للاهتمام ودحضت من خلالها العديد من الخرافات (مثل "التقارب" و"التنافس في جوهرها")، حيث كانت الدراسات التي تستخدم البيانات الإجمالية العابرة للحدود الوطنية عبر عدد كبير من البلدان حاسمة في استخلاص رؤى حول العوامل (أو المتغيرات) المرتبطة بأوجه التشابه والاختلاف بين الدول والمجالات والفترات الزمنية، بغض النظر عن جاذبية الأساليب الإحصائية في إرساء فهم متين يتجاوز الطابع السردي للدراسات المقارنة، إلا أنه ينبغي التعامل مع النتائج المستخلصة من هذه الأساليب بحذر شديد نظرا لاعتمادها (الذي لا مفر منه في أغلب الأحيان) على البيانات الرسمية، في هذا الشأن نجد دارسو السياسات العامة المقارنة غالبا ما دأبوا على دراسة ما تسمح به الدول أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة الشفافية الدولية، أو ما ترغب في أن تدرسه (من خلال إنتاج مجموعات بيانات محددة) وفقًا لمنهجيات بحثية تعكس فهما خاصا ومناسبا للمناهج الإحصائية[13].
ولهذا فإن اعتماد مستوى تحليل واحد ومتجانس من ميدان من الصنف نفسه بجمع معطيات من الصنف نفسه، وأمام هذا الشرط يمكن الأخذ بأحد الخيارين ، الخيار الفردي يعني إنجاز العمل المقارن على ايدي باحث واحد، الخيار الجماعي وهو إجراء المقارنة من قبل عدد من الباحثين ولكلا الخيارين مزايا وعيوب لابد من الانتباه لها، فالمقارنة الفردية تضمن تجانس التساؤل والعمل المقارن ، إلا أن اشتراط عمل ملموس من طبيعة واحدة في الميادين المقارنة يضيق مجال المقارنة ويقلل عدد الحالات المدروسة لأسباب مادية مرتبطة "بالتكلفة" وأسباب زمنية متصلة بالوقت لإقامات متعددة بالخارج وأسباب لغوية لضرورة تمكن من لغة البلد المقارن، وهذه القيود والعيوب غالبا ما تؤدي إلى تفضيل الممارسة الجماعة للمقارنة على الممارسة الفردية لأنها تسمح بالإكثار من الحالات الوطنية المدروسة مع زيادة الموارد سواء كانت مادية أو زمنية أو لغوية، ولكن التجانس يبقى محل تساؤل في إطار هذه الممارسة وفي طريقة العمل ذلك أن المقارن الجماعية تتطلب وقتا لاستيعاب الجماعي لسلم التحليل ولكيفية تطبيقه عمليا، ولعل أن التوجه السائد حاليا في الأعمال المقارنة يتمثل في الاختيار الجماعي خاصة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية بتكوين فريق جماعي متعدد القوميات في الغالب، وعلى الرغم من التسهيلات التي تقدمها هذه الطريقة من خلال ربح الوقت والجهد والمال إلا أنها ل تخلو من العيوب وتؤدي غلى إنتاج مقارنة رديئة ومصطنعة لأنها في غالبيتها تفتقد لسلم تحليل متجانس وازدياد مخاطر لتفاوت وسوء التفاهم بين أعضاء البحث[14] .
في هذا الإطار برزت الخيارات المنهجية التي تبنتها الحركة ما بعد السلوكية تتمثل في التجاهل النسبي للأسلوب المنهجي الكمي الذي كانت السلوكية تهتم به في أبحاثها، حيث كانت السنوات الأولى للثورة ما بعد السلوكية يهيمن على تقاليدها البحثية الأسلوب المنهجي الكيفي، ويعود ذلك إلى تراجع الأثر النسبي للأدبيات التحليل الكمي مع بروز(الطابع عبر الوطني ) تحليل دول العالم الثالث التي فرضت اعتماد منهج يناسبها، تضييق نطاق الدراسة مكانيا وكميا مع تعميقها زمنيا وموضوعيا حيث ناقش رواد السياسة المقارنة وعلى رأسهم ارن ليجفارت سلسة من الأطر المنهجية حول دراسة الحالة وبإجراء المقارنات الضيقة النطاق والقليلة العدد(Small- Number- Comparisons )، وفي هذا الشأن خلص "غابريال ألموند" إلى أن حقل السياسة المقارنة بدأ يتجه نحو تضييق نطاق دراساته، وذلك بعد أن فشلت البرامج ذات النطاق الموسع التي تشمل الكثير من الحالات والتي كانت سائدة في المرحلة السلوكية [15].
وفي سياق التحول النظري نحو المابعد السلوكية الذي جاء بأعمال مقارنة تركز على طبيعة السياسات العامة نفسها، وأعتمدت تعتمد معظم تحليلات السياسات المقارنة على أسلوب المقارنة باستخدام عينة وهذا ما دعا إليه أرند ليجفارت بإستخدام أسلوب عدد صغير من العينات ( Small Number ) بدلا من الأساليب الميدانية والإحصائية ودراسات الحالة التي تستخدم هذه الدراسات المقارنة أدلة من حالات متعددة باستخدام عينة صغيرة كآلية لتعظيم التباين الإمبريقي والتحكم في التباين الخارجي، وعلى العموم اعتمدت الأعمال المقارنة في هذه المرحلة على أساليب جون ستيورات ميل في دراسة الاختلافات والتقارب والتغير المصاحب لها، وهذا لبناء أو اختبار النظريات متوسطة المدى وهو التوجه المنهجي الذي تبنته أدبيات السياسة العامة المقارنة[16]، بالجمع بين المناهج الكيفية والكمية ومن خلالها أجريت أغلب الدراسات المتعمقة لعملية صنع السياسات للكشف عن العلاقات السببية باستخدام مناهج نوعية مثل تتبع العمليات، بينما يعتمد البحث المقارن في السياسات العامة في الغالب على تقنيات كمية لإيجاد الارتباطات بين المتغيرات التابعة والمستقلة ذات العلاقة، وللجمع بين هذين المنهجين لا بد من إيجاد طريقة منهجية سليمة لربط المناهج الموجهة نحو التغاير في المناهج الموجهة نحو دراسة الحالة، ومما ساعد على تبني هذا التوجه المنهجي ازدياد حجم الأدبيات المتعلقة بكيفية الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي مع مرور السنوات وتشمل العديد من الطرق المقترحة لدمج هذين المنهجين باعتماد التصاميم البحثية ذات المنهج المختلط والذي مثل سبيل واعد للجمع بين قوة الدراسات الكمية في تحديد أنماط الارتباط في بيانات العديد من الدول، وقوة الدراسات الكيفية في تتبع العمليات السببية التي تؤدي إلى نتيجة محددة[17].
ومن هنا تبرز أهمية مدخل السياسة العامة المقارنة باعتباره أداة تحليلية مناسبة للتعامل مع ديناميكيات التغير الاجتماعي الذي يتطلب صياغة وترتيب الأولويات وتطوير وتنفيذ وتطبيق بدائل السياسة العامة، ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن تحليل السياسة العامة يجمع بين حقلين أساسيين من حقول العلم ذات الأهمية المركزية لعملية التحول التي تحدث في جميع انحاء إفريقيا حاليا وهما علم السياسة وعلم الاقتصاد[18].
[2]- Wilson Wong, op cit .p p 01-02
[3] - - أرنولد هايدنهايمر و هيو هيكلو وكارولين تيش أدامز، المرجع نفسه، ص ص 21-22.
[4] - محمد زاهي بشير المغيربي، المرجع نفسه، ص 241.
[5]- Anneliese Dodds. Comparative Public Policy. First published by PALGRAVE MACMILLAN. New York. 2013. p05
[6] - Wilson Wong ,op cit.p02.
[7] - Martin Lodge.. Op cit. p275.
[8]- آمين المشاقبة، نظريات السياسة المقارنة من التقليدية إلى العولمة، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان،2020، ص12.
[9] -B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez. Substance and Methods in the Comparative Study of Policy Change, Journal of Comparative Policy Analysis: Research and Practice, 20:2, 2018. p 136. DOI : 10.1080/13876988.2017.1322764
[10] - عبد الغفار رشاد القصبي، قضايا نظرية في السياسة المقارنة، مركز البحوث والدراسات السياسية (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1993
[11]- Martin Lodge.. Op cit.p p 273-275.
[12] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit.p137.
[13] - Martin Lodge (eds(.op cit. P 276
[14] - صالح بلحاج، المرجع نفسه ، ص ص 226-227.
[15] - شلغوم نعيم وبن بريهوم ميادة، الثابت والمتغير في منهجية التحليل السياسي المقارنة، مجلة أبحاث قانونية وسياسية، المجلد2، العدد01 جامعة سطيف2، 2020، ص ص 321-322.
[16] - B. Guy Peters, Guillaume Fontaine & Jose-Luis Mendez.op cit. p136.
[17] - Wenzelburger, Georg; Jensen, Carsten. Comparative Public Policy Analysis: Shortcomings, Pitfalls, and Avenues for the Future. ISSN 1862-2860, Springer Fachmedien Wiesbaden GmbH, Wiesbaden, Vol. 63, Iss. 2, p308.
[18] - محمد زاهي بشير المغيربي ، المرجع نفسه ص، 259.