5. النماذج السلوكية:

إذا كان الاقتراب الشكلي القانوني قد سيطر على البحوث في علم السياسة حتى الحرب العالمية الثانية، فيمكن أن نطلق على المرحلة التالية تسمية "الثورة السلوكية" أي في خمسينات وستينات القرن العشرين، التي شهدت تغيرا جذريا في الأطروحات النظرية والمنهجية وتأسست هذه الثورة على نقد الاقتراب القانوني الشكلي والذي نعتته بأنه معياري وغير علمي، ولم تعد المؤسسات تحتل ذلك الموقع المركزي في التحليل، وأصبحت الأولوية للفعل الفردي.

ولهذا فقد تشكلت النظرية السلوكية للسياسة العامة في إطار الثورة المنهجية التي شهدها علم السياسة خلال عقد الخمسينيات، حيث يلاحظ أنها أصبحت نظرية إمبيريقية بدل أن كانت نظرية قيمية في إطار النظرية الكلاسيكية، وتؤكد النظرية السلوكية للسياسة العامة أن الأهداف تعتبر متعددة ومقبولة في نفس الوقت، وبالتالي قد يكتفي صانع القرار بالبديل الأول طالما أنه يحقق أهداف السياسة العامة. فالمنظمات ومؤسسات صنع السياسة العامة تتكيف إذن مع بيئتها المحيطة الداخلية والخارجية وبالتالي فهي توفق بين تحالفات مختلفة وأهداف ومصالح متباينة.فالتوجه الذي يتبناه هذا النموذج ينني على اعتبار السياسات العامة عبارة عن عمليات تتم في نطاق الحياة السياسية والإدارية، وتهدف هذه العمليات لبلورة سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تقوم بدور أساسي في وضع السياسات العامة ومنها الرؤساء، المؤسسات التشريعية والأجهزة التنفيذية ، القضاة وجماعات الضغط وأجهزة الرأي العام وغيرها، وقد كانت من نتائج الدراسات التي تبنت النموذج السلوكي التوصل إلى عدة نشاطات أو عمليات مكونة من المراحل المتتالية لتشكيل ووضع تنفيذ وتقييم السياسات العامة و هي :

1- مرحلة تحديد المشاكل.

2- مرحلة صياغة البدائل الممكنة.

3- اختيار البديل الأفضل كسياسة عامة ومنحه الشرعية القانونية والسند السياسي .

4- تنفيذ السياسة العامة.

5- تقييم السياسة العامة.

وبالتالي دراسة السياسة العامة وفق هذا النموذج ليست مركزة على محتواها ولكن على العمليات التي يتم في إطارها تشكيل تنفيذ وتغيير السياسة العامة ، ولكن بالرغم من ذلك يمكن القول أن العمليات التي يتم في إطارها صياغة السياسة العامة تؤثر في محتواها ولكن من المهم ألا نقع في مغبة الافتراض بأن تغيير عمليات صنع السياسة العامة سينتج دائما تغيير في محتواها.

نموذج الجماعة (السياسة العامة نتاج تنافس جماعات المصالح ):

1- نموذج الجماعة (Community) حسب النظرية السوسيولوجية، مفهوم يعود لعالم الاجتماع الألماني "فرديناند تونير F.Tonnies" الذي يميز بين المجموعة والمجتمع، ويشير إلى شكل التنظيم الاجتماعي القائم بين الأفراد على أساس التضامن الطبيعي العضوي والعفوي، والذي تحييه أهداف مشتركة، وهو المفهوم له استخدامات متعددة. وينطلق هذا الإطار التحليلي قي تفسير السياسة العامة والذي يجعل منها متغير تابع لما تفرزه الجمعات المتعددة المتصالحة والمتصارعة فيما بينها على مغانم ومصالح محدودة لايمكن للجميع أن يحصلوا عليها بالتساوي، ولهذا نجد أن هذه الجماعات المصالح و اللوبيات لها موقف حاسم في عملية صنع السياسة العامة وذلك لدرجة تأثيرها في مراكز صنع القرار في الدولة ووفقا لما يتماشى ومصالحها، من خلال أن جماعات المصالح تتنافس فيما بينها من أجل ضمان مصلحتها أو بكسب مصالح جديدة ومما يجعلها تسعى لأجل كسب أكبر قدر ممكن من المصالح، ودور الحكومة هنا هي إدارة هذا التنافس حيث أن مختلف القوى المصلحية تحاول أن تفرض رأيها، وذلك من أجل التأثير في السياسة العامة وتوجيهها بما يتوافق ومصالحها معتمدة على استغلال القوة والنفوذ الذي تتمتع به والذي غالبا ما يكون غير متساويا بين مختلف الجماعات. لهذا نجد أن مدخل الجماعة يعتمد عليه في التحليل السياسة العام خاصة في الدول الديمقراطية التي تكون فيها السياسة العامة نتاج تفاعل الفئات والجماعات المختلفة، بالنظر إلى توسع هامش الحرية مما يساعدها على الظهور والفاعلية إلى جانب ذلك أن العملية السياسية مفتوحة على جميع الأطراف والفعاليات، للإشارة فقد تأصلت نظرية الجماعة في بادئ الأمر في التاريخ السياسي الأمريكي والتي تبلورت نتيجة كتابات كل من دافيد ترومان و روبرت دال الذين قدما هذا النموذج بصفة دقيقة والذي جاء ليتلاءم مع المجتمع الديمقراطي ، الذي تشهد فيه عملية رسم السياسة العامة ديناميكية كبيرة والتي تكون فيها عبارة عن حلبة للصراع والتنافس بين مجموعات المصالح التي توظف جميع قدرتها وإمكانياتها في سبيل توجيه منحى السياسات العامة بما يتوافق مع أهدافها.

يعتبر هذا المدخل من المذاهب التطبيقية للفلسفة الليبرالية لأن نظرية الجماعة تقوم على أساس التفاعل بين المجموعات اللذان يمثلان الحقائق الأساسية في صنع السياسات العامة ، وباعتبار أن الجماعة هي تنظيم يضم أفراد على أساس من المصلحة المشتركة وتصبح الجماعة "جماعة مصلحة" تقدم مطالب للمؤسسات الحكومية، لهذا فأهمية الفرد في صنع السياسات العامة تكمن في مشاركته داخل مجموعة لكي يكون مؤثرا في السياسة العامة، مما يعني أن درجة تأثير الجماعة على متخذ القرار وفرصتها في ذلك تبقى في درجتها تغلغلها وقوتها التأثيرية في مجال السياسات العامة، وفي هذا الشأن يحدد "روبرت دال Robert Dahl" ثلاث أصناف من الجماعة:

1-تحالف التحالفات متمركز حول القائد: ينشأ هذا التحالف من بين بعض القادة المنتخبين، ومسئولو جماعات المصالح .

2- تحالف البارونات: هو تحالف بين عدة جماعات سياسية، تتميز بعلاقات التشاور والتفاوت.

3- تقاسم دوائر النفوذ: في هذه البنية من السلطة يراقب كل قطاع من قطاعات السياسة العامة، من قبل قادة تتكيف أهدافهم واستراتيجياتهم مباشرة مع قطاعات المجتمع التي يمثلونها، والمشاركة الشعبية لا تأخذ معناها سياسيا، إلا إذا ساهمت في تغيير علاقات القوة بين الفئات القيادية.

ووفقا لمدخل الجماعة الذي ينبني على مبد أ التفاعل بين الجماعات وهو مركز الدائرة في كل العمليات السياسية، يترتب عليها الصراع ولتفاعل يتمثل في ممارسة الضغوطات والضغوط مضادة بين الجماعات. ومنه ذا المنطلق نجد أن السياسة العامة مجال مفتوح للتنافس والصراع مما يفرز أطراف رابحة وأطراف خاسرة أو في إحداث التوازن في التأثير بينها، وقد تكون الجماعات المنفذة والمتمكنة أقدر من غيرها على مضاعفة مصالحها ولكن ذلك لا يمكن أن يستمر ويدوم، وقد حدد "جون مينو" طرق وأساليب تعامل الجماعة وفق أسلوبي الإقناع والتهديد، ولهذا نجد أن الحكومات والنظم السياسية لا يمكن أن تسمح بعدم التوازن وهذا خشيتها من إثارة الصراع بين الأطراف ويتفجر العنف، وبالتالي فصنع السياسات العامة يتطلب التفاوض والتحاور وإجراء بعض المساومات بين القوى الفاعلة في المجتمع من أجل تحقيق الالتقاء على الحد الأدنى من السياسات التي تضمن للجميع ما يمكن لأجل تحقيق التعايش والتوافق، إلى جانب ذلك موقع وظيفة الحكومة في هذا التحليل دورها يتمثل في إدارة الصراع وتوجيهه والذي يتطلب أن يكون دورها قويا وفعالا، من خلال احترام قواعد اللعبة السياسية و ضوابطها من أجل بلورة سياسة عامة توافقية تضمن التوازنات في المجتمع

الاعتماد على مدخل الجماعة كإطار لتحليل السياسة العامة وصياغتها حيث كثيرا ما يساعد في فهم التفاعل الاجتماعي وتفسيره، لأن الجماعات كثيرا ما تكون مترابطة ولها امتداد واسع في المجتمع مما يعني أنها تمتلك قوة التأثير في توجيه الرأي العام وتجنيده،

وفي هذا الصدد يرى علماء السياسة المعاصرين أن صياغة السياسة العامة انطلاقا من تفاعل الجماعات مع محيطها يشجع على المشاركة السياسية، من خلال أن الجماعة تعتبر أداة الربط والتواصل بين الحكومة والأفراد في جميع القطاعات والتي تساعد على تحقيق الاستقرار في المجتمع .

2- نموذج النخبة (السياسة العامة كخيارات النخبة):

استخدمت كلمة النخبة أو الصفوة في القرن 17م لوصف السلع ذات النوعية الممتازة، ثم انتشر استخدامها ليشير إلى الجماعات الاجتماعية العليا، وطبقا لقاموس "أكسفورد" فإن أقدم استخدام في اللغة الإنجليزية لهذه الكلمة كان في عام 1823م، حينما كانت تنطبق بالفعل على الجماعات الاجتماعية، لكن المصطلح لم يستخدم بالفعل في العلوم الإجتماعية والسياسية بوجه عام إلا في الثلاثينات من القرن 19م في بريطانيا وأمريكا بوجه خاص، ولقد اجتهد المفكرين في إثراء مضامينها إبتداءاً من أفلاطون وأرسطو، مرورا "بماركس Marx" و "باريتو N.Pareto" و"موسكا G.Mosca"، وصولا إلى "ميلز R.، إن هذا النموذج والتي تقسم المجتمعات إلى فئتين النخب Elite) (والجماهير ((mass،وتطور هذا الإطار بفضل كتابات رايت ميلز وروبرت دال وتوماس داي ممن تساءلوا عمن يحكم أمريكا ؟ ومن يتخذ القرارات الكبيرة والسياسات العامة، ويرى ميلز أن هناك نخبة من السياسيين والعسكريين وبعض الاقتصاديين ممن ينفردون باتخاذها حتى ولو تظاهروا بمشاركة بعض الأطراف في اتخاذها. أم توما س داي فقد سر من انطلاق السياسات العامة من القاعدة أو تعبيرها عن مطالب المواطنين مؤكدا أنها في أمريكا والعديد من دول العالم إنما تعبر عن مصالح النخبة ولا تعكس مطالب الجماهير، وإنما تعكس القيم السائدة للنخبة، والتغيرات في السياسة العامة تغيرات جزئية وتدريجية أكثر منها ثورية. إن النخبة الفاعلة لا تخضع لضغوط الجماهير إلا بالحد الأدنى، فالنخبة هي التي تضغط وتؤثر في الجماهير وليس العكس

ويعتبر هذا المدخل أن السياسة العامة ما هي إلا تعبير عن الخيارات المفضلة للنخبة السياسية الحاكمة التي تستحوذ على مجال واسع من التدخل في توجيه وصنع السياسة، من خلال أنها الفاعل الرئيسي فيها ويعتمد تحليل هذا المدخل على أن القوة والنفوذ الذي تتمتع به النخبة الحاكمة من شأنها أن تؤثر على الرأي العام الذي يستقبل رسائلها التي غالبا ما تحظى بالقبول والدعم انطلاقا من أن هذه النخبة القليلة العدد يؤهلها بأن تكون متميزة عن باقي القاعدة الشعبية التي تتميز بالبساطة وأهم من طرح هذه المقاربة التحليلية "موسكا"و"باريتو". فالتحليل النخبوي تأخذ السياسة العامة مسار من الانسياب الرأسي أو الهرمي والتي تنزل من النخبة إلى الجمهور، وبالتالي يكون المجتمع منقسم إلى قسمين هما:

1- قسم مع من يمتلك القوة .

2- قسم مع من لا يمتلك القوة.

ويبرز هذا التقسيم على أن الاختلاف الذي يكون لصالح النخبة وجعلهم مختلفين عن بقية الناس الذين يشكلون الأكثرية ، وبالتالي تكون السياسة العامة المسخرة جاءت متوافقة مع القيم التي تؤمن بها النخبة التي تتمتع بالقوة والنفوذ. ومن منظور النخبة نجد أن السياسات العامة ما هي إلا انعكاس للقيم التي تؤمن بها ، و لهذا فتغيير السياسات العامة يتم بصورة تدريجية وليس بصفة ثورية لأن النخبة الحاكمة نجدها تتأثر بصفة محدودة ونسبية من الغالبية الصامتة بالمقابل نجد أن النخبة تؤثر على الغالبية أكثر من تأثير هذه الأخيرة على الأولى.

فقا لهذا النموذج نجد أن السياسات العامة لا تحدد بمطالب وفعاليات الأشخاص والمجموعات إنما تحددها النخبة الحاكمة من خلال الخيارات التي تتبعها، إذ تعمل الأجهزة التنفيذية والإدارة العامة على تطبيقها، وفي هذا الصدد يضيف باريتو أن دور النخبة في اتخاذ قرارات السياسات العامة تقتضيه طبيعة التنظيم الاجتماعي التي تصعب من مشاركة كل الناس في عملية صنع القرارات مما يؤدي إلى تمركزها في أيدي قليلة تسعى دائما إلى البقاء بفرض رؤيتها من أجل تحقيق مصالحها.