منظورات السياسة العامة

الموقع: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
المقرر: سياسات عامة مقارنة
كتاب: منظورات السياسة العامة
طبع بواسطة: Visiteur anonyme
التاريخ: الأحد، 22 فبراير 2026، 9:19 AM

1. 1- السياسة العامة من منظور ممارسة القوة(السلطة) :

في البداية لا بد من الإشارة إلى معني القوة و التي تعبر بصفة عامة عن "قدرة شخص أو مجموعة أو حكومة ما على القيام بعمل يؤثر في شخص أو مجموعة من الأحداث تغير في السلوك المحتمل القيام به إزاء عمل مستقبلي محدد".وتكون القوة نتيجة إمتلاك مصدر أو مصادر القوة المعروفة مثل الإكراه , المال , الخبرة , المنصب , الشخصية ....الخ ,وعليه فان أصحاب هذا الاتجاه يرون أن نتائج أي مجتمع سياسي ما هو إلا تعبير عن البيئة التي تعيش فيها هذا المجتمع من محصلة أنماط النفوذ،أو أن التركيز الأكبر على عملية القوة السياسية وكيفية ممارسة النفوذ لتحقيق السياسات العامة والوسائل التي بها تم ذلك

القوة. : تعتبر القوة كقيمة في حد ذاتها ينظر إليها علماء الإجتماع السياسي على أنها سبب النشاطات الاجتماعية للتنظيم،ويعني أن القوة هي سبب ونتيجة في آن واحد لقيام التنظيم الإجتماعي , ومن ناحية ثانية فان القوة كظاهرة أو كعملية لا يمكن أن تظهر إلا إذا بدأ الأفراد في الدخول في التفاعل وعلاقات مع بعضهم كمصلحة للتنظيم , كما يرى إتجاه ثالث أن القوة مجرد وسيلة لتحقيق الأهداف والمصالح والأغراض القومية كالأمن والإستقرار والرخاء...الخ , ونحو ذلك تصبح بدورها هدفا في حد ذاته تسعى الدولة لتحقيقه بشتى الطرق. ورغم أن مفهوم القوة هو المفهوم الأساسي في العلوم الإجتماعية وبالذات في علم السياسة إلا أن هناك تعريفات مختلفة لهذا المفهوم بل لا يوجد تعريف متفق عليه ،ولكن هناك ملامح للقوة يمكن الإستدلال عليها , فقد حاول فريق من علماء السياسة التوصل إلى تعاريف واضحة وشاملة لمعنى القوة من زاوية التحكم والإحتكار لوسائلها، فعرفها"أوستن رينيA-RENNEY"بأنها:" علافة التبعية والطاعة من جانب والسلطة والسيطرة من جانب أخر". أما " مارشال C.MARCHEL" فوصفها بأنها أماكن التواصل إلى الغايات المطلوبة". كما عرفها البعض من باب التأثير على الآخرين حيث يعرف"ماكس فيبر M.WEEBER" القوة بأنها:"إحتمال قيام شخص ما في علاقة اجتماعية بتنفيذ رغباته رغم مقاومة الآخرين بغض النظر عن الأساس الذي يقوم عليه هذا الاحتمال" .ومن بين التعريفات التي سارت على مدى هذا التعريف ما قدمه"دال DEHL"حيث يقول: "القدرة على جعل شخص أخر يقوم بعمل لم يكن يقوم به بغير ذلك"(1). وهناك تعريف للقوة من زاوية القدرة على التأثير في صنع القرار في المجتمع، حيث إتجه كل مـن"هارولد لاسويل H.LASWEL" و"أبرهام كابلان A-KAPLAN" إتجاها أخر في تعريف القوة والتي تعني:"المشاركة في صنع القرارات المهمة في المجتمع والقرار بصفة عامة هو الإختيار الواعي بين البدائل بعد دراسة الموقف من أجل تحقيق هدف معين , هذا التعريف يؤكد على أنه من الصعب تحديد المراكز الفعالة أو مواطن القوة في إتخاذ القرار"(1) . فهذه تعاريف متنوعة للقوة من عدة زوايا كالتحكم أو التأثير أو صنع القرار،فالقوة ذات طبيعة نسبية وعملية ذات وجهين هما السلطة والنفوذ , هذا بإختصار شديد كل ما قد تحمله القوة من معنى فنحن أردنا تشريحها حتى نقف على مفهوم السياسة العامة من منظور القوة .

ملحوظة  : نظر علماء الإجتماع السياسي  إلى القوة كقيمة في حد ذاتها و على أنها سبب النشاطات الاجتماعية للتنظيم،

المصلحة: عرف"هارولد لاسويل H-LASWELL" السياسة العامة بأنها:" من يحوز على ماذا ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ من خلال نشاطات تتعلق بتوزيع الوارد والمكاسب والقيم والمزايا وتقاسم الوظائف والمكانة الإجتماعية , بفعل ممارسة القوة أوالنفوذ , والتأثير بين أفراد المجتمع من قبل المستحوذين على مصادر القوة"(1). كما توسع في بسط ذلك المنطلق كل من"مارك ليندنبيرك .M-LINDENBING "و"بنيامين كروسبي B-CROSBY", حين عرفا السياسة العامة من منطلق مصلحي براغماتي  عملي يخضع لعمليات الأخذ والجذب والمساومة بين جماعات المصالح المتفاعلة المؤثرة على النظام السياسي وباتلالتي تأتي السياسة العامة وفق هذا الطرح :كعملية نظامية تحظى بميزات ديناميكية متحركة للمبادلة والمساومة،وللتعبير عمن يجوز على ماذا؟ ومتى ؟ وكيف ؟ كما عن ماذا أريد ؟ ومن يملكه ؟ وكيف يمكن أن أحصل عليه ؟" إن منظور القوة يعكس إمكانية الصفوة "ELITE"في حصولها على القيم"VALUES"العامة عبر التأثير"INFLUENCE"على قوة الآخرين في المجتمع , وأن السياسة العامة يمكن لها أن تكون إنعكاسات لوجهة نظر أو إرادة أصحاب النفوذ والقوة , الذين يسيطرون على محاور التنظيم السياسي ونشاطات مؤسساته المختلفة .

2. السياسة العامة من منظور أداء النظام السياسي

وصف العديد من علماء السياسة النظام بشك عام وذلك بإعتباره مجموعة من الأجزاء تشكل فيما بينها نسقا من العلاقة المتبادلة في إطار تلك الوحدة الكلية, ومن هذه الزاوية يولي"ديفد استون D.EASTTON" إهتماما بالسياسة العامة، أى من وجهة تحليل النظام كنتيجة ومحصلة في حياة المجتمع من منطلق تفاعلها الصحيح مع البيئة الشاملة التي تشكل فيها المؤسسات والمرتكزات والسلوكيات والعلاقات أصولا للظاهرة السياسية التي يتعامل معها النظام السياسي، وعليه فهو يعرفها:" توزيع القيم في المجتمع بطريقة سلطوية آمرة, من خلال القرارات والأنشطة الإلزامية الموزعة لتلك القيم في إطار عملية تفاعلية بين المدخلات والمخرجات والتغذية العكسية . فهذا التعريف يعطينا صورة عن بيئة السياسة العامة أي علاقتها بالنظام السياسي وكل ما قد يحدث من تفاعلات وعلاقات وصراعات ومساومات كما ينظر للسياسة كنسق يتفاعل مع باقي الأنساق الأخرى أخذا وعطاء .كما يرى أيضا"جابرييل ألموندG.ALMEND"بأن السياسة العامة تمثل:"محصلة عملية منتظمة عن تفاعل المدخلات ( مطالب + دعم مع المخرجات ( قرارات وسياسات... ) للتعبير عن أداء النظام السياسي في قدرته الإستخراجية والتنظيمية , التوزيعية الرمزية , ....) , كما يراها أيضا من زاوية إجرائية بأنها :" تعبيرات عن النوايا التي يتم سنها أو إقرارها من قبل السلطة التنفيذية والتشريعية التي تقوم أيضا بتخصيص الموارد وتحديد الجهات المسؤولة عن تطبيق إنجاز هذه الأهداف

ملاحظة : هذا المنظور حاول تقديم ما يلي :

نظرة كلية واسعة وشاملة لحركة البيئة وتفاعل نظمها مع النظام السياسي.

 إقامة وحدة تحليلية مترابطة ترتكز على قضايا وشؤون المصلحة العامة التي يتفاعل النظام السياسي معها وفق قاعدة المدخلات والمخرجات.

تأثير البيئة الاجتماعية ودورها في بناء السياسات العامة .

ملاحظة:  تلعب عناصر النظام السياسي دورا في توجيه السياسة العامة و بالتالي يتطلب دراسة متخصصة للفضاء الذي تتحرك فيه الحكومات ومجال تغطيتها.

 

3. السياسة العامة من المنظور المؤسسي (الحكومة):

توصف الحكومة بأنها سلطة تمارس السيادة في الدولة لأجل حفظ النظام وتنظيم الأمور داخليا وخارجيا , فضلا عن كونها بنية تنظيمية تشمل أجهزة ومؤسسات تقوم بوضع القواعد القانونية وتنفيذها،إلى جانب كونها تمثل مركز عملية إتخاذ القرار ورسم السياسات العامة،أي العلبة السوداء كما وصفها"استون" التي تحدد كيفية إنسياب العلاقة بين التشريع والتنفيذ والقضاء .فيمكن حسب هذه المعطيات تنظر إلى السياسة العامة على أنها ممارسة تمثل عملية إتخاذ القرارات ورسم السياسات داخل الأجهزة الحكومية في سبيل صيانة بنيتها التنظيمية, فمن هذا المنظور المركب المستوعب لطبيعة الحكومة من حيث ما تحمله من مواصفات وخصائص وردت عدة تعاريف تدل علي السياسة العامة من حيث كونها عملية تنظيمية تقتضيها الطبيعة المؤسساتية للحكومة وعلاقتها مع البيئة الخارجية بكل محتوياتها.

 

فمن هذا المنطلق عرف"منري توني" السياسة العامة بأنها:" تلك الوسائل المعتمدة من خلال الحكومة في سبيل إحداث تغيرات معينة داخل النظام الاجتماعي للدولة". لقد أوضح هذا التعريف الجوانب الفنية للسياسة العامة بوصفها عملية ديناميكية آلية،أي تلك الأساليب المستخدمة من قبل الحكومة هي التي أدت إلى صياغة السياسة العامة وتوجيهها بنمط معين لإحداث صدى داخل البيئة. لكن"دي كوسيولاس D-KOUSOULAS" كان أكثر تحديد وشمولا بوصفه للسياسة العامة من منظور الحكومة بأنها:" تلك القرارات والخطط التي تضعها الهيئات الحكومية، من أجل معالجة القضايا العامة في المجتمع"(1). فهو يوضح سلوك الحكومة إزاء القضايا والمشكلات, تعبيرا عن ذلك بإصدار قرارات وخطط لمواجهة هذه المشاكل, فالتعريف شامل للوسائل والأجهزة الحكومية والوظائف ( قرارات التحويل ) والأهداف ( مواجهة القضايا ).

 

ومن زاوية أخرى وبشكل شامل عرفها (توماس داي) بأنها:" العلاقة بين الوحدة الحكومية وبيئتها فهي تعبير عن كل شيء تقوم به الحكومة، أوهي تقرير أو اختيار حكومي للفعل أو عدم الفعل..."(2). أي أنها إختيار الحكومات لما تفعله وما لا تفعله ضمن مجال معين، فهذا توضيح لماهية أفكار الحكومة وعملية ظبط الصراع بين المجتمع وأعضاء التنظيم من سلوك وبيروقراطيات التنظيم وتوزيع المنافع وغير ذلك.

 

هذا التعريف يتناول الإختلاف بين ما تقرره الحكومة وما تفعله فعلا ، بل أنه ينصرف إلى أعمال لا تدخل ضمن السياسة العامة كتعين شخصي , وكذلك يوضح الجانب الضمني والخفي في السياسة أي بمعنى السكوت حول قضية ما , أو عدم إبداء أي رد فعل حول مشكلة ما كإضراب أو طلب الزيادة في الأجر لشريحة معينة,هذا الصمت رغم أن هذا الأمر من مهمتها وحتى في حالة وعودها فهذا يعبر عن عدم الفعل الذي يعبر عن سياسة عامة للحكومة . وبأكثر تفصيل في النشاط يعرفها"جيمس اندرسون" الذي عبر عن المصطلح من وجهة نظر الهدف علي أن السياسة العامة هي:"برنامج عمل مقترح لشخص أو جماعة أو حكومة في نطاق بيئة محددة لتوضيح الغرض المستهدف والمحددات المراد تجاوزها سعيا للوصول إلى الأهداف،أو لتحقيق غرض مقصود...أوهى برنامج عمل هادف يعقبه أداء فردي أو جماعي في التصدي لمشكلة أو قضية ما.."(1). أي طريقة عمل هادفة يتبعها منفذ أو منفذون في تعاملهم مع مشكلة أو مسألة ذات إهتمام بارز تندرج في إطار ما هو واقع فعليا أو تلك السياسات التي تطورها الأجهزة الحكومية والمسؤولون الحكومين , رغم تأثير الأشخاص والعوامل غير الحكومية في تطويرها . ومن مدخل آخر تشير إلى:" الأهداف التي تقرر الحكومة تنفيذها في مختلف مجالات النشاط الذي تتدخل فيه الدولة"(2).أي كل ما من شأنه أن يحضى بتدخل الدولة وليس هناك إشارة في التعريف ما إذا كانت هذه الأهداف تتعلق بخير الأمة , فإذا كانت الرعاية الصحية , والتربية وحفظ الأمن والتنمية تعد من الأهداف التي تعمل الدولة على تحقيقها .فعادة ما يكون تدخل الحكومة في القهر والتعسف والقيام بحرب عدوانية هذا أيضا يكون هدفا تسعى الإدارة والحكومة بشكل عام إلى تحقيقه باستعمالها السلطة اللائحية كالظبط والتنظيم .

 

4. الأطر النظرية المعتمدة في تحليل السياسة العامة

لنموذج المؤسسي (التقليدي)

يعد هذا المدخل من أقدم المداخل المستخدمة في أدبيات العلوم السياسية ويعرف أيضا بالنموذج القانوني أو النموذج الدستوري وينبني على حقيقة أن السياسة العامة ما هي إلا المستقر القانوني النهائي لإدارة المجتمع الذي تقوم به المؤسسات الحكومية، وينطلق من نظرية "مونتسكيو" لفصل السلطات التي يعتبرها آلية ضرورية لتنظيم شؤون الجماعة كما ينطلق من القاعدة التقليدية التي يقوم عليها علم السياسة، من أنه علم يعنى بدراسة المؤسسات أو التكوين المؤسسي للحكومة. ويظل المحور الرئيسي لهذا النموذج هو وصف آلية العمل في مجموعة المؤسسات التي تكون منها نظام الحكم، ، بالنظر إلى أن الحياة السياسية في أي مجتمع لها صلة وثيقة بسلوك السلطات والمؤسسات الرسمية في الدولة، وبما أن السياسة العامة من مخرجات هذه المؤسسات نجد أن المدخل المؤسساتي يميل إلى الثبات والسكون لأنه كثير الاهتمام بدراسة المؤسسات الحكومية ووظائفها الرسمية التي تناولها من الناحية الدستورية والقانونية، وأساليب ممارسة الدولة لسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية معتمدا في ذلك على الوصف والشرح الهدف من تكوين المؤسسات الحكم ويبرز اختصاصاتها كما نص عليها الدستور الذي يوضح علاقاتها المؤسسية.وهذا ما يظهر في درجة التفاعل والتكامل بين أداء المؤسسات الدستورية تؤثر على محتوى ونوعية السياسات العامة ومدى اتساع الأثر المترتب على كل منها وعلى سبيل المثال إلى أي مدى يؤثر توزيع اختصاصات السياسة العامة لحماية البيئة بين سلطات الحكومة المركزية وسلطات الجماعات المحلية هذا ما يستوجب دراسة تشخيصية تحليلية للترتيبات المتعلقة بتوزيع السلطات وكيفية ممارستها من طرف المؤسسات المعنية ، فرواد هذا النموذج يعتبرون أن هذه الأخيرة هي الإطار الذي تصنع فيه السياسات العامة وأن القوى السياسة والمصلحية مهما كان نفوذها لا يمكنها أن تصدر سياسة ما خارج إطار المؤسسات وبموافقتها وإقرارها لتكون شرعية وملزمة وشاملة ولها صفة القابلية للتطبيق والمسائلة لمن يخالفها ومن خلالها يظل عملها ديناميكيا و تكامليا ومؤسسيا .

وفقا لهذا الإطار النظري نجد أن السياسة العامة تكتسب خصائصها الثلاث الرئيسية تلاءم النشاطات التي تقوم به مؤسسات الدولة الرسمية وهي: المؤسسة التشريعية، التنفيذية والقضائية، بحيث أن هذه المؤسسات هي التي تتخذ القرارات وتصنع السياسة العامة، فوفقا لهذا النموذج تتبناها وتنفذها الحكومة التي تضفي عليها 3 صفات أساسية وهي:

الشرعية: بحيث تصبح هذه السياسات تحظى بالالتزامات القانونية، التي تفرض على الجهات الأخرى والمواطن الالتزام والعمل بها

الطابع العمومي (الشمولي): أي أن السياسة العامة تتميز بطابعها العام بحيث تشمل كل أفراد المجتمع.

الفرض (الإجبار): أي أن الحكومة وحدها تستطيع فرض عقوبة على من يخالف سياساتها

  إن هذا النموذج أصبح غير مجدي في أيامنا هذه كون أن الدولة الفاعل الرئيسي، قد تم تحييده في ظل وجود دور بارز لقوى أخرى، لذلك اتجه اهتمام المحللين إلى استخدام نظريات تتعلق بدراسة الجماعات والشبكات التي تحكم العلاقات بين الأفراد بدلا من الدولة. حيث بعد الحرب العالمية الثانية شهد علم السياسة العامة تطورات وتحولات تتمثل في يجاوز وصف السياسات ومؤسسات صنعها، ليتطرق إلى تحليل هذه السياسات ومراحلها وأساليب تحليلها، وهكذا تزايدت الكتابات حول هذا الموضوع في الدول الغربية خاصة لتبين مدى أهمية هذه العملية المنهجية.

5. النماذج السلوكية:

إذا كان الاقتراب الشكلي القانوني قد سيطر على البحوث في علم السياسة حتى الحرب العالمية الثانية، فيمكن أن نطلق على المرحلة التالية تسمية "الثورة السلوكية" أي في خمسينات وستينات القرن العشرين، التي شهدت تغيرا جذريا في الأطروحات النظرية والمنهجية وتأسست هذه الثورة على نقد الاقتراب القانوني الشكلي والذي نعتته بأنه معياري وغير علمي، ولم تعد المؤسسات تحتل ذلك الموقع المركزي في التحليل، وأصبحت الأولوية للفعل الفردي.

ولهذا فقد تشكلت النظرية السلوكية للسياسة العامة في إطار الثورة المنهجية التي شهدها علم السياسة خلال عقد الخمسينيات، حيث يلاحظ أنها أصبحت نظرية إمبيريقية بدل أن كانت نظرية قيمية في إطار النظرية الكلاسيكية، وتؤكد النظرية السلوكية للسياسة العامة أن الأهداف تعتبر متعددة ومقبولة في نفس الوقت، وبالتالي قد يكتفي صانع القرار بالبديل الأول طالما أنه يحقق أهداف السياسة العامة. فالمنظمات ومؤسسات صنع السياسة العامة تتكيف إذن مع بيئتها المحيطة الداخلية والخارجية وبالتالي فهي توفق بين تحالفات مختلفة وأهداف ومصالح متباينة.فالتوجه الذي يتبناه هذا النموذج ينني على اعتبار السياسات العامة عبارة عن عمليات تتم في نطاق الحياة السياسية والإدارية، وتهدف هذه العمليات لبلورة سلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات التي تقوم بدور أساسي في وضع السياسات العامة ومنها الرؤساء، المؤسسات التشريعية والأجهزة التنفيذية ، القضاة وجماعات الضغط وأجهزة الرأي العام وغيرها، وقد كانت من نتائج الدراسات التي تبنت النموذج السلوكي التوصل إلى عدة نشاطات أو عمليات مكونة من المراحل المتتالية لتشكيل ووضع تنفيذ وتقييم السياسات العامة و هي :

1- مرحلة تحديد المشاكل.

2- مرحلة صياغة البدائل الممكنة.

3- اختيار البديل الأفضل كسياسة عامة ومنحه الشرعية القانونية والسند السياسي .

4- تنفيذ السياسة العامة.

5- تقييم السياسة العامة.

وبالتالي دراسة السياسة العامة وفق هذا النموذج ليست مركزة على محتواها ولكن على العمليات التي يتم في إطارها تشكيل تنفيذ وتغيير السياسة العامة ، ولكن بالرغم من ذلك يمكن القول أن العمليات التي يتم في إطارها صياغة السياسة العامة تؤثر في محتواها ولكن من المهم ألا نقع في مغبة الافتراض بأن تغيير عمليات صنع السياسة العامة سينتج دائما تغيير في محتواها.

نموذج الجماعة (السياسة العامة نتاج تنافس جماعات المصالح ):

1- نموذج الجماعة (Community) حسب النظرية السوسيولوجية، مفهوم يعود لعالم الاجتماع الألماني "فرديناند تونير F.Tonnies" الذي يميز بين المجموعة والمجتمع، ويشير إلى شكل التنظيم الاجتماعي القائم بين الأفراد على أساس التضامن الطبيعي العضوي والعفوي، والذي تحييه أهداف مشتركة، وهو المفهوم له استخدامات متعددة. وينطلق هذا الإطار التحليلي قي تفسير السياسة العامة والذي يجعل منها متغير تابع لما تفرزه الجمعات المتعددة المتصالحة والمتصارعة فيما بينها على مغانم ومصالح محدودة لايمكن للجميع أن يحصلوا عليها بالتساوي، ولهذا نجد أن هذه الجماعات المصالح و اللوبيات لها موقف حاسم في عملية صنع السياسة العامة وذلك لدرجة تأثيرها في مراكز صنع القرار في الدولة ووفقا لما يتماشى ومصالحها، من خلال أن جماعات المصالح تتنافس فيما بينها من أجل ضمان مصلحتها أو بكسب مصالح جديدة ومما يجعلها تسعى لأجل كسب أكبر قدر ممكن من المصالح، ودور الحكومة هنا هي إدارة هذا التنافس حيث أن مختلف القوى المصلحية تحاول أن تفرض رأيها، وذلك من أجل التأثير في السياسة العامة وتوجيهها بما يتوافق ومصالحها معتمدة على استغلال القوة والنفوذ الذي تتمتع به والذي غالبا ما يكون غير متساويا بين مختلف الجماعات. لهذا نجد أن مدخل الجماعة يعتمد عليه في التحليل السياسة العام خاصة في الدول الديمقراطية التي تكون فيها السياسة العامة نتاج تفاعل الفئات والجماعات المختلفة، بالنظر إلى توسع هامش الحرية مما يساعدها على الظهور والفاعلية إلى جانب ذلك أن العملية السياسية مفتوحة على جميع الأطراف والفعاليات، للإشارة فقد تأصلت نظرية الجماعة في بادئ الأمر في التاريخ السياسي الأمريكي والتي تبلورت نتيجة كتابات كل من دافيد ترومان و روبرت دال الذين قدما هذا النموذج بصفة دقيقة والذي جاء ليتلاءم مع المجتمع الديمقراطي ، الذي تشهد فيه عملية رسم السياسة العامة ديناميكية كبيرة والتي تكون فيها عبارة عن حلبة للصراع والتنافس بين مجموعات المصالح التي توظف جميع قدرتها وإمكانياتها في سبيل توجيه منحى السياسات العامة بما يتوافق مع أهدافها.

يعتبر هذا المدخل من المذاهب التطبيقية للفلسفة الليبرالية لأن نظرية الجماعة تقوم على أساس التفاعل بين المجموعات اللذان يمثلان الحقائق الأساسية في صنع السياسات العامة ، وباعتبار أن الجماعة هي تنظيم يضم أفراد على أساس من المصلحة المشتركة وتصبح الجماعة "جماعة مصلحة" تقدم مطالب للمؤسسات الحكومية، لهذا فأهمية الفرد في صنع السياسات العامة تكمن في مشاركته داخل مجموعة لكي يكون مؤثرا في السياسة العامة، مما يعني أن درجة تأثير الجماعة على متخذ القرار وفرصتها في ذلك تبقى في درجتها تغلغلها وقوتها التأثيرية في مجال السياسات العامة، وفي هذا الشأن يحدد "روبرت دال Robert Dahl" ثلاث أصناف من الجماعة:

1-تحالف التحالفات متمركز حول القائد: ينشأ هذا التحالف من بين بعض القادة المنتخبين، ومسئولو جماعات المصالح .

2- تحالف البارونات: هو تحالف بين عدة جماعات سياسية، تتميز بعلاقات التشاور والتفاوت.

3- تقاسم دوائر النفوذ: في هذه البنية من السلطة يراقب كل قطاع من قطاعات السياسة العامة، من قبل قادة تتكيف أهدافهم واستراتيجياتهم مباشرة مع قطاعات المجتمع التي يمثلونها، والمشاركة الشعبية لا تأخذ معناها سياسيا، إلا إذا ساهمت في تغيير علاقات القوة بين الفئات القيادية.

ووفقا لمدخل الجماعة الذي ينبني على مبد أ التفاعل بين الجماعات وهو مركز الدائرة في كل العمليات السياسية، يترتب عليها الصراع ولتفاعل يتمثل في ممارسة الضغوطات والضغوط مضادة بين الجماعات. ومنه ذا المنطلق نجد أن السياسة العامة مجال مفتوح للتنافس والصراع مما يفرز أطراف رابحة وأطراف خاسرة أو في إحداث التوازن في التأثير بينها، وقد تكون الجماعات المنفذة والمتمكنة أقدر من غيرها على مضاعفة مصالحها ولكن ذلك لا يمكن أن يستمر ويدوم، وقد حدد "جون مينو" طرق وأساليب تعامل الجماعة وفق أسلوبي الإقناع والتهديد، ولهذا نجد أن الحكومات والنظم السياسية لا يمكن أن تسمح بعدم التوازن وهذا خشيتها من إثارة الصراع بين الأطراف ويتفجر العنف، وبالتالي فصنع السياسات العامة يتطلب التفاوض والتحاور وإجراء بعض المساومات بين القوى الفاعلة في المجتمع من أجل تحقيق الالتقاء على الحد الأدنى من السياسات التي تضمن للجميع ما يمكن لأجل تحقيق التعايش والتوافق، إلى جانب ذلك موقع وظيفة الحكومة في هذا التحليل دورها يتمثل في إدارة الصراع وتوجيهه والذي يتطلب أن يكون دورها قويا وفعالا، من خلال احترام قواعد اللعبة السياسية و ضوابطها من أجل بلورة سياسة عامة توافقية تضمن التوازنات في المجتمع

الاعتماد على مدخل الجماعة كإطار لتحليل السياسة العامة وصياغتها حيث كثيرا ما يساعد في فهم التفاعل الاجتماعي وتفسيره، لأن الجماعات كثيرا ما تكون مترابطة ولها امتداد واسع في المجتمع مما يعني أنها تمتلك قوة التأثير في توجيه الرأي العام وتجنيده،

وفي هذا الصدد يرى علماء السياسة المعاصرين أن صياغة السياسة العامة انطلاقا من تفاعل الجماعات مع محيطها يشجع على المشاركة السياسية، من خلال أن الجماعة تعتبر أداة الربط والتواصل بين الحكومة والأفراد في جميع القطاعات والتي تساعد على تحقيق الاستقرار في المجتمع .

2- نموذج النخبة (السياسة العامة كخيارات النخبة):

استخدمت كلمة النخبة أو الصفوة في القرن 17م لوصف السلع ذات النوعية الممتازة، ثم انتشر استخدامها ليشير إلى الجماعات الاجتماعية العليا، وطبقا لقاموس "أكسفورد" فإن أقدم استخدام في اللغة الإنجليزية لهذه الكلمة كان في عام 1823م، حينما كانت تنطبق بالفعل على الجماعات الاجتماعية، لكن المصطلح لم يستخدم بالفعل في العلوم الإجتماعية والسياسية بوجه عام إلا في الثلاثينات من القرن 19م في بريطانيا وأمريكا بوجه خاص، ولقد اجتهد المفكرين في إثراء مضامينها إبتداءاً من أفلاطون وأرسطو، مرورا "بماركس Marx" و "باريتو N.Pareto" و"موسكا G.Mosca"، وصولا إلى "ميلز R.، إن هذا النموذج والتي تقسم المجتمعات إلى فئتين النخب Elite) (والجماهير ((mass،وتطور هذا الإطار بفضل كتابات رايت ميلز وروبرت دال وتوماس داي ممن تساءلوا عمن يحكم أمريكا ؟ ومن يتخذ القرارات الكبيرة والسياسات العامة، ويرى ميلز أن هناك نخبة من السياسيين والعسكريين وبعض الاقتصاديين ممن ينفردون باتخاذها حتى ولو تظاهروا بمشاركة بعض الأطراف في اتخاذها. أم توما س داي فقد سر من انطلاق السياسات العامة من القاعدة أو تعبيرها عن مطالب المواطنين مؤكدا أنها في أمريكا والعديد من دول العالم إنما تعبر عن مصالح النخبة ولا تعكس مطالب الجماهير، وإنما تعكس القيم السائدة للنخبة، والتغيرات في السياسة العامة تغيرات جزئية وتدريجية أكثر منها ثورية. إن النخبة الفاعلة لا تخضع لضغوط الجماهير إلا بالحد الأدنى، فالنخبة هي التي تضغط وتؤثر في الجماهير وليس العكس

ويعتبر هذا المدخل أن السياسة العامة ما هي إلا تعبير عن الخيارات المفضلة للنخبة السياسية الحاكمة التي تستحوذ على مجال واسع من التدخل في توجيه وصنع السياسة، من خلال أنها الفاعل الرئيسي فيها ويعتمد تحليل هذا المدخل على أن القوة والنفوذ الذي تتمتع به النخبة الحاكمة من شأنها أن تؤثر على الرأي العام الذي يستقبل رسائلها التي غالبا ما تحظى بالقبول والدعم انطلاقا من أن هذه النخبة القليلة العدد يؤهلها بأن تكون متميزة عن باقي القاعدة الشعبية التي تتميز بالبساطة وأهم من طرح هذه المقاربة التحليلية "موسكا"و"باريتو". فالتحليل النخبوي تأخذ السياسة العامة مسار من الانسياب الرأسي أو الهرمي والتي تنزل من النخبة إلى الجمهور، وبالتالي يكون المجتمع منقسم إلى قسمين هما:

1- قسم مع من يمتلك القوة .

2- قسم مع من لا يمتلك القوة.

ويبرز هذا التقسيم على أن الاختلاف الذي يكون لصالح النخبة وجعلهم مختلفين عن بقية الناس الذين يشكلون الأكثرية ، وبالتالي تكون السياسة العامة المسخرة جاءت متوافقة مع القيم التي تؤمن بها النخبة التي تتمتع بالقوة والنفوذ. ومن منظور النخبة نجد أن السياسات العامة ما هي إلا انعكاس للقيم التي تؤمن بها ، و لهذا فتغيير السياسات العامة يتم بصورة تدريجية وليس بصفة ثورية لأن النخبة الحاكمة نجدها تتأثر بصفة محدودة ونسبية من الغالبية الصامتة بالمقابل نجد أن النخبة تؤثر على الغالبية أكثر من تأثير هذه الأخيرة على الأولى.

فقا لهذا النموذج نجد أن السياسات العامة لا تحدد بمطالب وفعاليات الأشخاص والمجموعات إنما تحددها النخبة الحاكمة من خلال الخيارات التي تتبعها، إذ تعمل الأجهزة التنفيذية والإدارة العامة على تطبيقها، وفي هذا الصدد يضيف باريتو أن دور النخبة في اتخاذ قرارات السياسات العامة تقتضيه طبيعة التنظيم الاجتماعي التي تصعب من مشاركة كل الناس في عملية صنع القرارات مما يؤدي إلى تمركزها في أيدي قليلة تسعى دائما إلى البقاء بفرض رؤيتها من أجل تحقيق مصالحها.