4. الأطر النظرية المعتمدة في تحليل السياسة العامة

لنموذج المؤسسي (التقليدي)

يعد هذا المدخل من أقدم المداخل المستخدمة في أدبيات العلوم السياسية ويعرف أيضا بالنموذج القانوني أو النموذج الدستوري وينبني على حقيقة أن السياسة العامة ما هي إلا المستقر القانوني النهائي لإدارة المجتمع الذي تقوم به المؤسسات الحكومية، وينطلق من نظرية "مونتسكيو" لفصل السلطات التي يعتبرها آلية ضرورية لتنظيم شؤون الجماعة كما ينطلق من القاعدة التقليدية التي يقوم عليها علم السياسة، من أنه علم يعنى بدراسة المؤسسات أو التكوين المؤسسي للحكومة. ويظل المحور الرئيسي لهذا النموذج هو وصف آلية العمل في مجموعة المؤسسات التي تكون منها نظام الحكم، ، بالنظر إلى أن الحياة السياسية في أي مجتمع لها صلة وثيقة بسلوك السلطات والمؤسسات الرسمية في الدولة، وبما أن السياسة العامة من مخرجات هذه المؤسسات نجد أن المدخل المؤسساتي يميل إلى الثبات والسكون لأنه كثير الاهتمام بدراسة المؤسسات الحكومية ووظائفها الرسمية التي تناولها من الناحية الدستورية والقانونية، وأساليب ممارسة الدولة لسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية معتمدا في ذلك على الوصف والشرح الهدف من تكوين المؤسسات الحكم ويبرز اختصاصاتها كما نص عليها الدستور الذي يوضح علاقاتها المؤسسية.وهذا ما يظهر في درجة التفاعل والتكامل بين أداء المؤسسات الدستورية تؤثر على محتوى ونوعية السياسات العامة ومدى اتساع الأثر المترتب على كل منها وعلى سبيل المثال إلى أي مدى يؤثر توزيع اختصاصات السياسة العامة لحماية البيئة بين سلطات الحكومة المركزية وسلطات الجماعات المحلية هذا ما يستوجب دراسة تشخيصية تحليلية للترتيبات المتعلقة بتوزيع السلطات وكيفية ممارستها من طرف المؤسسات المعنية ، فرواد هذا النموذج يعتبرون أن هذه الأخيرة هي الإطار الذي تصنع فيه السياسات العامة وأن القوى السياسة والمصلحية مهما كان نفوذها لا يمكنها أن تصدر سياسة ما خارج إطار المؤسسات وبموافقتها وإقرارها لتكون شرعية وملزمة وشاملة ولها صفة القابلية للتطبيق والمسائلة لمن يخالفها ومن خلالها يظل عملها ديناميكيا و تكامليا ومؤسسيا .

وفقا لهذا الإطار النظري نجد أن السياسة العامة تكتسب خصائصها الثلاث الرئيسية تلاءم النشاطات التي تقوم به مؤسسات الدولة الرسمية وهي: المؤسسة التشريعية، التنفيذية والقضائية، بحيث أن هذه المؤسسات هي التي تتخذ القرارات وتصنع السياسة العامة، فوفقا لهذا النموذج تتبناها وتنفذها الحكومة التي تضفي عليها 3 صفات أساسية وهي:

الشرعية: بحيث تصبح هذه السياسات تحظى بالالتزامات القانونية، التي تفرض على الجهات الأخرى والمواطن الالتزام والعمل بها

الطابع العمومي (الشمولي): أي أن السياسة العامة تتميز بطابعها العام بحيث تشمل كل أفراد المجتمع.

الفرض (الإجبار): أي أن الحكومة وحدها تستطيع فرض عقوبة على من يخالف سياساتها

  إن هذا النموذج أصبح غير مجدي في أيامنا هذه كون أن الدولة الفاعل الرئيسي، قد تم تحييده في ظل وجود دور بارز لقوى أخرى، لذلك اتجه اهتمام المحللين إلى استخدام نظريات تتعلق بدراسة الجماعات والشبكات التي تحكم العلاقات بين الأفراد بدلا من الدولة. حيث بعد الحرب العالمية الثانية شهد علم السياسة العامة تطورات وتحولات تتمثل في يجاوز وصف السياسات ومؤسسات صنعها، ليتطرق إلى تحليل هذه السياسات ومراحلها وأساليب تحليلها، وهكذا تزايدت الكتابات حول هذا الموضوع في الدول الغربية خاصة لتبين مدى أهمية هذه العملية المنهجية.