3. السلطة القضائية والسياسة العامة:

تقتضي الفكرة المثالية  استقلالية القضاء وبوجوب تنظيمه وفقا لقاعدتين أساسيتين هما :

أولا - يعتقد أنصار هذه الفكرة انه لا يمكن تحقيق العدالة بأي حال من الأحوال إذا كان الخصم والحكم شخص أو هيئه واحدة، فهم يرون أن الحكمة في مثل هذه الحالة تفقد كل مظهر من مظاهر الحياد وعدم التحيز، وتصبح مجرد سلاح للاضطهاد والمطاردة .

ثانيا- يذهب مويدوا فكرة استقلالية القضاء إلى انه إذا ما أريد لمرفق القضاء أن يقوم بوظيفته على أتم وجه فانه يتحتم أن يتاح له العمل في جو من الهدوء و الإناة والتبصر .

من الناحية العملية يتباين دور الجهاز القضائي في العملية السياسية في مراقبة وتقييم تنفيذ السياسات العامة من نظام سياسي إلى أخر بحسب أهمية وأولوية هذا الجهاز ودرجة استقلاليته .

ففي الولايات المتحدة يلعب جهاز القضاء دور هام في تقييم ومراقبة وتفسير السياسات العامة أو من خلال مراجعة النصوص أو تعديلها حين تفرض عليهم لتقديم المشورة، سواء تعلق الأمر بمضمون السياسة العامة أو تطبيقها، وتكتسب المحاكم هذا الدور من خلال سلطاتها القضائية، فالمراجعة القضائية عادة من سلطات المحاكم التي تقرر من خلالها دستورية وشرعية النصوص وعدم تعارضها مع القوانين النافذة .

ويمارس القضاء الأمريكي دوره في قضايا السياسات العامة من خلال (مبدأ المراجعة التشريعية للمحاكم بإسقاط تشريعات أو مراسيم تنفيذية، وتعديل الدستور حسب الظروف المتغيرة عن طريق تفسيره، وقد يكون له دور في كبح أعمال الحكومة التعسفية لغرض معايير الإجراءات السليمة في إدارة العدل) .

أما في بريطانيا فأن دور السلطة القضائية في السياسات العامة لا يصل إلى مرحلة إلغاء تشريعات أو مراسيم ودستوريه كما هو الحال في أمريكا، فالمحاكم الانكليزية ليس لها سلطه لإعلان عدم دستوريه أي مرسوم برلماني، كما لا يمكنهم إلغاء قانون لأنه يتعارض مع ما يصفه المدعون بالحق الطبيعي، ويعتقد القضاة الإنكليز انه يمكن تغيير الدستور غير المكتوب، لكنهم لا يريدون أي دور لهم في هذا العمل، فهذا من شأن البرلمان والناخبين .

ودور المحاكم الانكليزية يقع ضمن حد مراقبه السلطة التنفيذية، والتقرير فيما إذا كانت السلطة التنفيذية تعمل ضمن صلاحياتها القانونية، فإذا قامت الحكومة المركزية أو إيه سلطه محليه بعمل خارج عن صلاحياتها (ultra vires) فقد تطلب المحاكم من الحكومة أو السلطة المحلية بالكف عنه، ويمكن للمحاكم أيضا أن تلغي أعمالا تمت حسب إجراءات غير صحيحة، لكن إذا ما فوض تشريع ما لإحدى السلطات العامة حقا بالتصرف، فان المحاكم لا تبحث في كيفية ممارسه السلطة التنفيذية لهذا الحق، وحتى لو حكمت المحكمة ضد السلطة التنفيذية فان أثار هذا الحكم يمكن أبطالها برسوم برلماني لاحق يعيد للعمل قانونيته