مؤسسات صنع السياسة العامة

الموقع: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
المقرر: سياسات عامة مقارنة
كتاب: مؤسسات صنع السياسة العامة
طبع بواسطة: Visiteur anonyme
التاريخ: الأحد، 22 فبراير 2026، 9:15 AM

الوصف

إن التطرق إلى مؤسسات صنع السياسة العامة يستلزم التعرض إلى الدستور باعتباره القانون الأساسي للدولة الحديثة ولهذا نجده يحدد مهام ووظائف المؤسسات الدستورية المخولة بصنع السياسات العامة للدولة وفق أطر وقواعد تخضع لمبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها.

وتعتبر مجموعة القواعد تلك، القواعد الأساسية التي تحكم طريقة اتخاذ القرار، وتضع أدوار صنع السياسة وتقسمها إقليميا ووظيفيا وما شابه ذلك... ويضع (الدستور) شروط السباق السياسي، حيث يسعى الأفراد والجماعات للتأثير في السياسات بالعمل ضمن إطار تلك الأحكام . ففي غياب مجموعة شرعيه من الترتيبات لبلورة القضايا، ودراستها، ومناقشتها، ثم اتخاذ قرار من بين عدد من وجهات النظر، فان الحكومة قد تنهار، وقد تتخذ القرارات بالقوة

ويعد وجود الدستور علامة بارزه على حداثة ألا نظمه السياسية واستقرارية مؤسساتها، لان وجود الدستور يمثل الخطوة الأولى نحو بناء المؤسسات الديمقراطية .

فالدستور إذن له أهميه كبيره كونه يحدد مجموعة من المسائل الرئيسية، مثل العلاقة بين السلطات، وحقوق المواطنين وواجباتهم، وضوابط تعديل الدستور وإجراءاته.. ويعتبر احترام أحكام الدستور شرطا ضروريا لإسباغ المشروعية على القوانين والأحكام القضائية

1. دور السلطة التشريعية في صنع السياسة العامة

تضطلع السلطة التشريعية بمجموعة من الوظائف الأساسية المرتبطة بعملية صنع السياسة العامة ةتتمثل هذه الوظائف في (الوظيفة التشريع، الوظيفة المالية، الوظيفة الرقابية) ، ولعل أداء السلطة التشريعية للوظيفة التنفيذية والقضائية في الدول المتقدمة قد يشير إلى حالة تنازع الاختصاص والتدخل في عمل مؤسسات النظام السياسي، ألا انه لا يعني ذلك بقدر ما يعني الرقابة والأشراف على عمل السلطتين التنفيذية والقضائية من اجل أحداث نوع من التوازن والترابط في عمليه صنع السياسة العامة .

وتنجز الهيئات التشريعية مجموعة واسعة من الوظائف، فالمناقشات في الجمعيات التشريعية يمكن أن تساهم في عمليات التأهيل الاجتماعي، وتبلور تصورات النخبة والمواطنين، ليس بالنسبة للقضايا السياسية فحسب، بل وبالنسبة لقوانين وإجراءات النظام السياسي، ويمكن للجمعيات التشريعية أن تلعب دورا رئيسيا في توظيف النخبة، خاصة في النظام البرلماني، حيث يكتسب رئيس الوزراء وأعضاء وزارته عادة خبراتهم السياسية، وقد تكون جلسات الاستماع في اللجان، والمناقشات في قاعة الجمعية التشريعية مواقع هامة لتوضيح المصالح وتجميعها خاصة في غياب سيطرة حزب ألا غلبيه أو ممارسته لهذه السيطرة .

وتبرز العلاقة بين السياسة العامة والسلطة التشريعية كون الأخيرة تقوم بوضع التشريعات والقوانين والخطط في رسم سياسة معينه أو، مواجهة مشكلة معينة.

فالسلطة التشريعية تقوم بالدور المركزي لتشريع القوانين وصنع السياسات في النظام السياسي، وهذه السمة تضفي على السلطة التشريعية ليس لكونها مخولة بذلك دستوريا فحسب، وإنما يستلزم الأمر الممارسة الفعلية لذلك .

ويتباين دور السلطة التشريعية في السياسة العامة تبعا للتباين والاختلاف بين ألا نظمه السياسية (فمجلس العموم البريطاني، لا أهميه تذكر له، عادة، في مجال صنع السياسة، لان حزب ألاغلبيه الحاكم يسيطر عليه، لكن مجلس العموم ومناقشاته هي مراكز لتأهيل النخبة وتوظيفهم، ويلعب الكونغرس الأمريكي ولجانه دورا رئيسيا في تجميع المصالح وصنع السياسة).

ولا يقتصر الاختلاف في أداء السلطة التشريعية لدورها في السياسة العامة على صعيد المقارنة بين نظامين سياسيين أو أكثر، وإنما أيضا، على صعيد النظام السياسي الواحد وذلك تبعا لنوعيه القضايا المطروحة والتي تتطلب تشريعات وقوانين تكون ملزمة للسلطة التنفيذية أولا كجهة منفذة لتلك التشريعات .

ففي الولايات المتحدة يتباين دور السلطة التشريعية تبعا لاختلاف القضايا المطروحة للنقاش والتشريع فكثير من أعضاء السلطة التشريعية في أمريكا، بسبب عدم استمرار يتهم أو كفاية المساعدين الفنيين من حولهم، غير قادرين على التصرف باستقلالية واعتمادية ذاتية في بعض القضايا ذات الطابع التقني والمتخصص، بينما يسارعون للموافقة على تشريع اللوائح المتفق عليها في الولايات الأخرى، من جهة أخرى، فان اللجان الدائمة في الكونغرس تمتلك صلاحيات إقرار أو صلاحيات إلغاء اللوائح وان اختلفت اللجنة مع الغالبية المسيطرة في المجلس فسياسات الضرائب والحقوق المدنية والرفاهية وعلاقات العمل صياغتها في الغالب من جانب لجان الكونغرس . أما في السياسات الخارجية فان الكونغرس غالبا ما يحرص على الاتفاق مع الرئيس .

 إضافة: غم إقرار معظم الدساتير على أن السلطة التشريعية دور جوهري في إعداد وتقييم السياسة العامة إلى أنه هناك تباين في أداء بعض الهيئات التشريعية عند رسم وتنفيذ السياسات العامة، فان هناك هيئات يكاد يكون دورها ضئيل في عملية الرسم والتنفيذ، أن لم يكن مصادر لصالح السلطة التنفيذية، وهذا ما نجده في كثير أنظمة الدول النامية، حيث يبرز في ظل هذا النوع من الانظمه حاله دمج السلطات مع هيمنة واضحة للسلطة التنفيذية على باقي السلطات وتكون السلطة التنفيذية هي المسؤول الفعلي عن عمليه صنع السياسة العامة، وهذا يعني عدم وجود قنوات رقابه على عمل السلطة التنفيذية ويصبح هناك تداخل في الأدوار وفي عمل المؤسسات القانونية مما يقود إلى نوع من التخبط السياسي والإداري.

2. دور السلطة التنفيذية في السياسة العامة :

تذهب الفكرة التقليدية في تحديد الدور الصحيح للسلطة التنفيذية إلى أن المهمة الأولى لها هي أن تتولى تنفيذ القوانين والأشراف على الإدارة وليس من مهمتها أن تضع سياسة الدولة

ورغم كون السلطة التنفيذية ليس من مهمتها تشريع ووضع سياسة الدولة لان ذلك محصور في السلطة التشريعية، ألا أن دور السلطة التنفيذية في غالبية الأنظمة السياسية واضح ومؤثر، فإليهما ترجع عملية اتخاذ القرار باعتبارها مرحلة نهائية للقرار من خلال رئيس السلطة التنفيذية (رئيس دولة، رئيس وزراء).

وفي هذا الصدد يبرز دور السلطة التنفيذية في السياسات العامة في عملية صنع السياسة العامة، خصوصا في إطار السياسة الخارجية والعسكرية، حيث دورها في غالبية الأنظمة السياسية أن لم يكن جميعها بارز بشكل كبير .

فالرئيس الأمريكي يتمتع بسلطات واسعة في مجالات السياسة الخارجية والعسكرية، بموجب الدستور، تفوق كثيرا سلطاته في المجال الداخلي، بل أن السياسة الخارجية الأمريكية تعد من صنع الرئيس الأمريكي وممارساته، بدءا من حرب فيتنام، وحتى اليوم، يعتبر الرئيس الصانع للعلاقات الخارجية والموجه لسياسات الدولة الخارجية.

إن دور السلطة التنفيذية لا يقتص في رسم السياسة الخارجية، فهي أيضا لها الأهمية الأولى في العملية السياسية، فقد تحزم كمدافع عن بعض المصالح المحددة، كأن يدعم الرئيس مطالب تتقدم بهما مجموعة أقليات أو أحد قطاعات العمل، أو أن يدعم رئيس الوزراء مصالح المتقاعدين ومناطق أصابها الكساد، ويتحدث أعضاء الوزارة عادة عن مصالح معينة، مثل العمل، الزراعة، الأقليات ويمكن لهم أن يلعبوا دورا حيويا كمجمعين للمصالح في أثناء سعيهم لإيجاد ائتلافيات تحبذ تشريعاتهم، والسلطة التنفيذية، عادة، هي أهم بنية في صنع السياسة، فهي عادة تباشر سياسات جديدة واعتمادا على تقسيم السلطات التنفيذية والتشريعية، يكون لها جزء هام تتبناه، وتشرف السلطة التنفيذية أيضا على تنفيذ السياسات ويمكنها أن تحاسب المسؤولين التابعين على تنفيذها

وإذا كان للسلطة التنفيذية دورها البارز في عملية صنع السياسة في البلدان المتقدمة خصوصا في مجالات السياسة الخارجية والعسكرية، فان هذا لا يعني بأي حال من الأحوال غياب السلطة التشريعية واضمحلال دورها،فالتوازن بين السلطتين يبقى قائما ودور السلطة التشريعية في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية وتقييم تنفيذها للسياسة العامة أثناء العمل وبعد انتهاء مرحلة التنفيذ له أهميته التي تؤخذ بعين الاعتبار من قبل السلطة التنفيذية.

لكن بالمقابل فان هناك أنظمة سياسية في الدول النامية وخاصة في أفريقيا بقيت السلطة التنفيذية فيها هي صاحبة اليد الطولى في عمليتي رسم وتنفيذ السياسات العامة، فشكل رسم السياسة، بقي متأثرا بقوة بتركيز السلطة في يد الحاكم السياسي، والطريقة الشخصية التي تمارس بهما السلطة تعني أن ليس لدى القطاعات المؤسساتية سوى قدر ضئيل نسبيا من الاستقلالية، وليس لها دور مستقل قوي تلعبه في العملية السياسية، فالمركز الحيوي للدولة هو الرئاسة ذاتها، ولا تمثل الأحزاب والهيئات التشريعية تحديات هامة، لذلك يتوجب على مؤسسة الرئاسة نفسها اتخاذ معظم القرارات المهمة ويحتاج إلى أن يكون لديه كادراً من التقنيين الأكفاء والمساعدين المخلصين للرئيس، الذين يمكنهم توفير الحد الأدنى من المتطلبات الإدارية الضرورية للنجاح... وهذا يعني أن رئيس السلطة التنفيذية غير مقيد بالشكليات الدستورية أو القانون، فلديه صلاحية مواجهة في الرد على المواقف معينة حسبما يمليه تقديره الشخصي للأمر .

أساسي:

 إن هيمنة السلطة التنفيذية الشبه المطلقة، على عمليات رسم وتنفيذ السياسات العامة، تقود إلى القول أن هناك اندماج واضح في الاختصاصات بين والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لصالح السلطة التنفيذية في ظل الأنظمة غير الديمقراطية التي يتم فيها تركيز السلطة في يد الزعيم  مما أفرز ذلك  انفرادية السلطة حيث تؤشر مجموعة من المحاذير التي أشار إليها على سبيل المثال لا الحصر (د. صادق الأسود) في (كتابه الاجتماع السياسي) :

 

 أن السلطة الفردية لا تقدم تفسيرا مقبولا للسلطة ذاتها .

 

 عندما تتعدد الوظائف السياسية التي تقتضيها الحياة الجماعية لا يستطيع الرئيس أن يقوم بها كلها على الوجه الاتم، الأمر الذي يقلل من اتصاله برعاياه ويدفع بهم إلى إطاعة المبادئ والأفكار بدلا من شخص الرئيس أو الزعيم .

 

 أن الإخلاص إلى شخص الرئيس أو الزعيم والخضوع له بدون قيد أو شرط هو موقف بدائي، وكلما تطورت العقلية السياسية لدى الأفراد كلما أدى بهم إلى الفصل بين السلطات وبين الشخص الذي يمارسهما .

 

 كلما أصبح الفرد يشعر بذاته وشخصه وكرامته كلما تحول عن طاعة الشخص الذي يمارس السلطة.

 

المفروض في الرئيس الذي يمارس السلطة التنفيذية أن يكرسها لخدمة المصلحة العامة للجماعة، ألا أن الرئيس قد يتمسك بالسلطة لمصلحته الخاصة وبكل الوسائل الممكنة.

 

 أن السلطة الشخصية لا تعطي حل لقضية الشرعية .

 

3. السلطة القضائية والسياسة العامة:

تقتضي الفكرة المثالية  استقلالية القضاء وبوجوب تنظيمه وفقا لقاعدتين أساسيتين هما :

أولا - يعتقد أنصار هذه الفكرة انه لا يمكن تحقيق العدالة بأي حال من الأحوال إذا كان الخصم والحكم شخص أو هيئه واحدة، فهم يرون أن الحكمة في مثل هذه الحالة تفقد كل مظهر من مظاهر الحياد وعدم التحيز، وتصبح مجرد سلاح للاضطهاد والمطاردة .

ثانيا- يذهب مويدوا فكرة استقلالية القضاء إلى انه إذا ما أريد لمرفق القضاء أن يقوم بوظيفته على أتم وجه فانه يتحتم أن يتاح له العمل في جو من الهدوء و الإناة والتبصر .

من الناحية العملية يتباين دور الجهاز القضائي في العملية السياسية في مراقبة وتقييم تنفيذ السياسات العامة من نظام سياسي إلى أخر بحسب أهمية وأولوية هذا الجهاز ودرجة استقلاليته .

ففي الولايات المتحدة يلعب جهاز القضاء دور هام في تقييم ومراقبة وتفسير السياسات العامة أو من خلال مراجعة النصوص أو تعديلها حين تفرض عليهم لتقديم المشورة، سواء تعلق الأمر بمضمون السياسة العامة أو تطبيقها، وتكتسب المحاكم هذا الدور من خلال سلطاتها القضائية، فالمراجعة القضائية عادة من سلطات المحاكم التي تقرر من خلالها دستورية وشرعية النصوص وعدم تعارضها مع القوانين النافذة .

ويمارس القضاء الأمريكي دوره في قضايا السياسات العامة من خلال (مبدأ المراجعة التشريعية للمحاكم بإسقاط تشريعات أو مراسيم تنفيذية، وتعديل الدستور حسب الظروف المتغيرة عن طريق تفسيره، وقد يكون له دور في كبح أعمال الحكومة التعسفية لغرض معايير الإجراءات السليمة في إدارة العدل) .

أما في بريطانيا فأن دور السلطة القضائية في السياسات العامة لا يصل إلى مرحلة إلغاء تشريعات أو مراسيم ودستوريه كما هو الحال في أمريكا، فالمحاكم الانكليزية ليس لها سلطه لإعلان عدم دستوريه أي مرسوم برلماني، كما لا يمكنهم إلغاء قانون لأنه يتعارض مع ما يصفه المدعون بالحق الطبيعي، ويعتقد القضاة الإنكليز انه يمكن تغيير الدستور غير المكتوب، لكنهم لا يريدون أي دور لهم في هذا العمل، فهذا من شأن البرلمان والناخبين .

ودور المحاكم الانكليزية يقع ضمن حد مراقبه السلطة التنفيذية، والتقرير فيما إذا كانت السلطة التنفيذية تعمل ضمن صلاحياتها القانونية، فإذا قامت الحكومة المركزية أو إيه سلطه محليه بعمل خارج عن صلاحياتها (ultra vires) فقد تطلب المحاكم من الحكومة أو السلطة المحلية بالكف عنه، ويمكن للمحاكم أيضا أن تلغي أعمالا تمت حسب إجراءات غير صحيحة، لكن إذا ما فوض تشريع ما لإحدى السلطات العامة حقا بالتصرف، فان المحاكم لا تبحث في كيفية ممارسه السلطة التنفيذية لهذا الحق، وحتى لو حكمت المحكمة ضد السلطة التنفيذية فان أثار هذا الحكم يمكن أبطالها برسوم برلماني لاحق يعيد للعمل قانونيته