الدلالة لا يمكن أن تكون "جاهزة وواضحة ومكشوفة" إلا على المستوى السطحي، أمّا على المستوى العلمي واللساني فهي بناء معقّد يتشكّل نتيجة تفاعل السياق واللغة والمتكلّم والمتلقي، مما يجعلها مجالًا للبحث المستمر واتأويل المتجدد
:
إنّ القول بأنّ الدلالة "جاهزة وواضحة ومكشوفة" يبدو للوهلة الأولى منسجمًا مع الفهم البسيط للغة، لأنّ المتكلّم يتوجّه عادة إلى المتلقّي بعبارات يقصد أن يفهمها كما هي في ظاهرها. لكنّ الدراسات اللسانية الحديثة أثبتت أنّ الدلالة ليست معطى جاهزًا، بل هي عملية معقّدة تتداخل فيها عناصر متعدّدة.
1. الدلالة ليست جاهزة لأنها مرتبطة بالسياق
الكلمة لا تحمل معناها بصورة ثابتة، بل يحدّد معناها سياق الاستعمال:
سياق المقام (الموقف الاجتماعي)
سياق المقال (البنية اللغوية المحيطة)
نيّة المتكلّم وخبرة المتلقي
فالعبارة الواحدة قد تحمل دلالات مختلفة بتغيّر السياق.
2. الدلالة متعددة الأبعاد
تتداخل عدة مستويات في إنتاج المعنى:
الدلالة المعجمية: معنى الكلمة في القاموس
الدلالة النحوية: دور الكلمة داخل الجملة
الدلالة التداولية: القصدية والافتراضات
الدلالة الثقافية: الخلفية الفكرية والاجتماعية
وهذا يجعل المعنى غير ثابت أو ساذج.
3. الدلالة ليست مكشوفة لأنها تنطوي على الإيحاء
في كثير من النصوص—خاصة الأدبية—يحضر المعنى الضمني أكثر من المعنى الظاهر، مما يتطلب تأويلًا وتحليلًا.
4. المتلقي شريك في إنتاج المعنى
المعنى لا يُستخرج جاهزًا من النص، بل يُبنى في ذهن المتلقي اعتمادًا على:
خلفيته المعرفية
قدرته على التأويل
تجربته اللغوية
لذلك فالدلالة ليست جاهزة بل مفعول تفاعل بين النص والقارئ