حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء
موضوع هذه المحاضرة يتعلق بحركة انتشار الإسلام في بلاد السودان والفاعلين الحقيقيين الذين كان لهم الدور البارز في نشر الإسلام في المنطقة وما نتج عنه من مؤثرات حضارية على بلاد السودان ساهمت فيما بعد في تأسيس أقوى مملك إسلامية بالمنطقة.
4. دور ملوك السودان ودعاتهم في نشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء
4.1. الملوك
يعتبر ملوك التكرور حسب البكري المنتمين إلى اسرة ندياي أول من إعتنق الإسلام من ملوك السودان دون إكراه، والسبب في ذلك حسب المؤرخ الإنجليزي سبنسر تريمنغهام (Spencer Trimingham) أن عبد الله بن ياسين الذي أقام رباطا في الساحل الجنوبي لنهر السنغال فكان سببا مباشرا في انتشار الإسلام بالمنطقة واعتناق ملكها التكروري وارديابي الإسلام لما وجد فيه من جاذبية وتجانس ورقي اجتماعي وتفتح على العالم، فكان أهل التكرور وفي مقدمتهم أسرة آل وارديابي السباقة إلى اعتناق الإسلام وهذا قبل استيلاء بن ياسين على مدينة أودغست.
كما كان لابن وارديابي بعده الدور البارز في نشر الإسلام بعد تحالفه مع جيش المرابطين ضد خصومهم من جدالة عام 1056م(448ه) في معركة تبفريلي، لهذا نجد هذه المملكة قد حملت شهرة كبيرة عند المصادر العربية بسبب أسبقية اعتناق أهلها الإسلام وظلوا متمسكين به.
من خلال مواصلتهم نشر الدعوة الإسلامية داخل مملكتهم ففي فترة حكم وارجابي عام 1041م(432ه) أقام في مملكته الشريعة الإسلامية وفرض على شعبه اعتناقه، وبالتالي فقد اصبحت كل المدن والإمارات التابعة لمملكة التكرور والممتدة من التكرور إلى غاية سيلا (غالام) كلها مسلمة، كما أن ملك سيلا رفع راية الإسلام في إمارته وأصبح من محاربي كفارها لاسيما في مدينة قلنبو.
في الفترة ما بين القرنين الخامس والسابع الهجري (11 و13م) زحف شعب الولوف على منطقة التكرور فأصبحوا يشكلون معظم سكانها إلى أن أسس أحد رجال الدين التكرور "نديا ديان ندياي" إمارة الولوف والتي بدأت تفقد تدريجيا الآثار الإسلامية التي عرفها ملوك التكرور، لكن في منتصف السابع الهجري (13م) قام امبراطور مالي "سوندياتا كيتا" بإعادة فتح مملكة التكرور من جديد.
أما عن ملوك الماندينغ أو ما يعرف بملوك ملل (مالي)، فإن أول من اسلم من ملوكها يسمى "المسلماني" الذي أسلم على أيدي فقهاء الإباضية في منتصف القرن الخامس للهجرة (11م)، الذي ينتمي إلى أحدى الأسر المالنكية المشهورة في منطقة النيجر والسنغال العلويين والتي يعود إليها الفضل في تأسيس مملكة مالي الإسلامية والتي حكمتها عائلة "كايتا" ما بين 13و15م، التي أدت دورا لا يستهان به في نشر الإسلام بمملكة مالي.
كما تبعه عدد من الملوك أشهرهم منسا موسى في نشر الإسلام في امبراطوريته واهتمامه البالغ في تطبيق شعائر الإسلام بين رعيته، كما ساهم ببناء عدة مساجد في كل مرة يخرج فيها لأداء فريضة الحج حتى سمي بالملك الحاج، مثل مسجد في تنبكتو، دوكوري، كوندام، ديري، إضافة إلى حمله لكميات ضخمة من الذهب.
نفس الشيء بالنسبة لشقيق الملك منسا موسى وهو منسا سليمان، فعندما زار ابن بطوطة المملكة في القرن الرابع عشر ميلادي وصف لنا وضع هذه المملكة وسلطانها الذي شبهه بسلاطين المسلمين وخلفائهم من خلال تدينه، وحبه للعدل وتقربه للفقهاء والعلماء وحرصه على الصلاة، حيث يذكر ابن بطوطة أن صلاة الجمعة مزدحمة جدا حتى أن المتأخر في الحضور لا يجد مكانا يصلي فيه.
كما عرف ملوك السنغاي أيضا تمسكهم بالدين الإسلامي ونشره في أركان مملكتهم، ومن بين الشواهد لى ذلك وجود قبر لملك السنغاي أبي عبد الله محمد في بلدة ساني البعيدة عن مدينة جاو بأربعة أميال، كتب عليها "هنا جثمان الملك الذي دافع عن دين الله" عام 100م(494ه)، كما أضيفت عبارة "إن الملك مات من أجل انتشار الإسلام في غاو". حيث كان ملوك غاو أشد الملوك اقتداء بالملوك المسلمين، فإذا ولي أحدهم ملكا قدم له خاتما وسيف ومصحف ويزعمون أن الخليفة أمير المؤمينين من الشرق هو من بعث به إليه.
أما أمير مدينة جني التي تأسست في منتصف القرن الثاني للهجرة (8م)، فإن أول أمير لها قد أسلم اسمه "كنبر" أواخر القرن الخامس الهجري (11م) في عهد المرابطين فحذى حذوة رعيته، حيث قام بتخريب السلطنة وحولها إلى مسجد كما بنى بيوتا حوله.
أما بالنسبة لإسلام ملوك السودان الأوسط فيرجع إلى القرن الخامس للهجرة (11م)، عندما أسلم الملك الكانمي بولو ، حيث يمثل أول من دخل الإسلام إلى إقليم بورنو على يد "محمد بن ماني" الذي عاش فترة طويلة من الزمن في المنطقة أين عاصر فترة الملك حمادي، الذي أكمل مسيرة الملك بولو، حيث عاش في البلاط الملكي عهد حمادي وأسلافه عدد من علماء الدين المسلمين يلقنون الحكام أنفسهم تعاليم الدين الإسلامي ويدرسون معهم آيات القرآن، لكن لم يجاهر أحد منهم بإسلامه لذا اعتبرهم البكري سودان مشركون.
بهذا يمكن القول بأن ملوك السودان قد تقمصوا دور الدعاة في بلادهم وكانوا على قدر كبير من الوعي الديني، رغم أنهم لو يرقوا إلى مستوى الفقهاء والعلماء لكن ما يميزهم هو ايمانهم الشديد بالإسلام فأدوا دورهم تجاه رعيتهم من تبيلغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون العدل ويجاهدون في سبيله، مع العلم أن الملوك الأوائل كان منهم من يخفي اسلامه ويتسامح مع رعيته غير المسلمين، فكانوا يراعون تقاليد شعبهم الوثنية، حيث حافظوا على تماسك مجتمعاتهم التي كانت تتحكم فيها الانتماءات العشائرية والطائفية أكثر من أي عامل آخر. فنجد الإمبراطور المالي "سوندياتا كيتا" الذي كان على قدر كبير من التسامح مع رعيته، الأمر الذي فتح مجال أمام بعض المؤرخين الغربيين التشكيك في مسألة اسلامه رغم شهادة ابن بطوطة بإسلامه.