حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Cours: تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء
Livre: حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء
Imprimé par: Visiteur anonyme
Date: jeudi 3 avril 2025, 18:31

Description

موضوع هذه المحاضرة يتعلق بحركة انتشار الإسلام في بلاد السودان والفاعلين الحقيقيين الذين كان لهم الدور البارز في نشر الإسلام في المنطقة وما نتج عنه من مؤثرات حضارية على بلاد السودان ساهمت فيما بعد في تأسيس أقوى مملك إسلامية بالمنطقة. 

1. مقدمة

إذا جئنا للحديث عن انتشار الإسلام في بلاد السودان، فإننا لن نجد سوى ثلاث عناصر أساسية كانت وراء هذا الإنتشار الواسع وهم؛ المشارقة، المغاربة والعنصر الإفريقي المحلي، هذه العناصر الثلاث كانت على اتصال ببعضها

البعض قبل ظهور الإسلام وتعود علاقاتها إلى عهود سحيقة من الزمن، فكان عامل التجارة بصفة خاصة أساس هذا التواصل بين هذه الأقاليم المترامية الأطراف بين ضفتي الصحراء وبين المشرق العربي وإفريقيا.

بعد بزوغ فجر الإسلام حملت أول هجرة في الإسلام الدعوة الإسلامية إلى بلاد الحبشة الواقعة في السودان الشرقي، كما حملت القوافل التجارية الإسلام معها مثلما تحمل البضائع، انطلاقا من عواصم الإمارات البربرية الإسلامية الواقعة على حواف الصحراء أو  من شرق موانئ البحر الأحمر أو صعيد مصر إلى أدغال إفريقيا، فكانت الطبقة الأرستقراطية من التجار الأفارقة والطبقة الحاكمة أول من اعتنق الإسلام قبل غيرهم من الطبقات الشعبية الإفريقية لاسيما في غرب ووسط السودان، والطبقة الشعبية قبل الحكام بالسودان الشرقي.

2. دور المشرق العربي ومصر في نشر الإسلام في السودان الشرقي

.

2.1. انتشار الإسلام في بلاد الحبشة

كانت التجارة بين عرب شبه الجزيرة العربية وشعوب شرق إفريقيا ما زالت مستمرَّة حين جاء الإسلام، فلمَّا اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين أذن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، أين يوجد بها الملك النجاشي الذي وصفه الرسول بأنه: " لا يُظلم عنده أحد"، فكانت أول هجرة في الإسلام تتألف من اثنى عشرة صحابي وأربع صحابيات يتقدمهم سيدنا عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ﷺ، وهذا بعد سنتين من جهر الرسول ﷺ بالدعوة الاسلامية عام 615م، حيث  كان بني عامر مسيطرة على ساحل البحر الأحمر الغربي بجزره وموانيه، وبفضل الله ووجود بني عامر في الموانيء الأفريقية استطاع المهاجرون المسلمون الأوائل أن يبحروا إلى الحبشة.

حيث ركبوا البحر من ميناء شعيبة الحجازي بالقرب من جدة وتوجهوا في سفينتين إلى باضع وهناك من يقول سواكن وكانوا في طريقهم إلى الحبشة التي كان يحكمها ملك عادل؛ هذه الجزيرة هي عاصمة مملكة بني عامر البجاويين التي تسمى جارين. واستقبل أفراد قبيلة بني عامر هؤلاء المهاجرين ورحبوا بهم، وأعطوهم الأمان للنزول في أرض مملكتهم. وبذا تكون هذه القبيلة البجاوية هي أول شعب يعطي الأمان للمسلمين ولأول مهاجريهم خارج الجزيرة العربية، بل وداخلها أيضاً.

وقد أكرم الله سبحانه وتعالى أمة البجه بالأسبقية في الإسلام، وذلك بدخول الإسلام إلى ربوعها قبل فتح مكة المكرمة بسبع عشرة سنة، حيث كانت هجرة الفوج الأول من الصحابة رضوان الله عليهم في السنة الخامسة من البعثة النبوية. وعليه فإن مملكة بني عامر هي أول دار للهجرة الإسلامية، حيث حباها الله بهذا الشرف وهذه المنة قبل أن يأذن الله لرسوله بالهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بتسع سنين.

ولم تكن تلك هي أول هجرة أو آخر هجرة للمسلمين لأراضي بني عامر، لأنه ما لبثت أن قامت جماعة أخرى من مهاجري المسلمين تتكون من مائة وواحد بهجرة مماثلة إلى أرض بني عامر، ومنها إلى أرض النجاشي، وذلك بعد سنة 615 م مما هدد قريشاً وأخافها، فقاموا بإرسال وفد بقيادة عمرو بن العاص للمرة الثانية للنجاشي فدعا المهاجرين وطلب منهم تفسير سبب هروبهم من موطنهم فاخبره جعفر بن ابي طالب، وقرأ عليه بعض آيات سورة مريم فقال النجاشي: " إن هذا الكلام والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة" فرد على رسولي قريش قائلا : "انطلقا والله لن اسلمهم إليكما أبدا".

بهذا اعتبرت هجرة الصحابة إلى الحبشة هي باكورة دخول الإسلام إلى افريقيا، كما اعتبر جعفر بن أبي طالب أول من قام بالدعوة الإسلامية في السودان الشرقي، ومن هنا أخذت الهجرات العربية تصل الحبشة عبر البحر الأحمر في أوقات مختلفة ومن فئات مختلفة (علماء، تجار، أمراء، مزارعين، ...الخ) ، فسكنوا أكثر المناطق عمرانا وهي مصوع عند ميناء عدوليس، وقليل في مضيق باب المندب ، وهضبة الحبشة حيث منطقة هرر الخصبة،  وفي الصومال حاليا أين توجد موانئ جيبوتي، زيلع وبربرة، ومن هذه المناطق انطلقت الهجرات نحو المناطق الداخلية لشرق السودان، حيث سكن هؤلاء مع المسيحيين وامتزجوا بهم فانتقل الكثير منهم إلى الإسلام فجاء نتاج هذا الامتزاج جيل اسلامي أخذ يكثر بمرور الأيام والسنين.

لكن علاقة المهاجرين بالسلطات المسيحية تعدو في هذا الطور علاقة الخضوع للأمراء الذين يحكمون هذه الأجزاء كما يخضع أهل البلاد، حيث يدفعون الضرائب ويظهرون بمظهر الولاء لهم وظل الوضع على حاله إلى أن تمكن المسلمون من انشاء امارات اسلامية في شرق إفريقيا في القرن الثالث هجري التاسع الميلادي.

والحق أن الأحباش الذين اعتنقوا الديانة المسيحية عام 350م عن طريق مصر؛ عند ظهور الإسلام أصبحوا على اتصال بالنصارى في أوروبا للعمل ضد الإسلام وتجلى ذلك في تقديم مساعدات مادية ومعنوية للصليبيين الزاحفين على المشرق فاصبح لهم دير في بيت المقدس، وفي نفس الوقت كانت الحبشة تقوم بأعمال القرصنة في البحر الأحمر، إلا أن تحرك المماليك أجبرها على التوقف عن تلك الأعمال، الأمر الذي جعلها تحرض ملك قبرص النصراني على غزو الإسكندرية عام (767ه/1365م)، كما اتصل الأحباش بملوك أوروبا للعمل ضد المماليك، وهدد الأحباش المماليك وذلك بغزو الأماكن المقدسة وتحويل مجرى النيل حيث وعدهم ملك البرتغال بدعمهم.

وكان من الطبيعي أن يقف المسلمون ضد هذه الإستفزازات، حيث حملت إمارة عدوليس في مطلع القرن العاشر هجري راية الجهاد في شرق إفريقيا ووصل نفوذها إلى مرتفعات الحبشة، خلال هذه الفترة كان العثمانيون يضمون البلاد العربية للوقوف في وجه البرتغاليين والإسبان، إلا أن إمارة عدوليس خضعت للأحباش نتيجة خسارتها لعدة معارك معها.

ثم جاءت بعدها امارة هرر وحملت لواء الجهاد ضد الأحباش، وقد شجعها في ذلك وصول العثمانيون إلى شرق افريقيا ووقوفهم في وجه الحلف البرتغالي الحبشي، حيث وقفوا إلى جانت سلطان هرر وكانت النتيجة ضم هذا السلطان لاجزاء الحبشة، فعاد الإسلام إلى عدد كبير ممن ارتدوا عن الإسلام نتيجة الضغط والإكراه. كما وجد الإسلام طريقه إلى قلوب الكثيرين من الأعيان والزعماء الأحباش.

2.2. انتشار الإسلام في بلاد النوبة

عند ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 571م كانت بلاد النوبة مسيحية يعتنقون المذهب اليعقوبي منذ القرن الخامس ميلادي، ارتبطوا جميعا بالكنيسة القبطية، مقسمة إلى ثلاث ممالك  امتد نفوذها من الشلال الأول حتى إقليم سنّار على ضفاف نهر النيل الازرق؛ أول هذه الممالك من الشمال هي المريس (Elmaris) أو نوباتا (Noubata) وعاصمتها المرس وقيل "بوباديا" والعاصمة "فرص"، وفي الوسط مملكة المقرة (Elmakara) وعاصمتها دنقلا (Dengala)، أما في الجنوب نجد مملكة علوة (Oloua) وعاصمتها سوبا (Souba). 

وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في شبه الجزيرة العربية ، تدفقت طلائع الجيوش الإسلامية لنشر الإسلام، فغزت بلاد الفرس، الروم ومصر حتى وقفت على تخوم أبواب النوبة في أسوان التي اتخذوا منها ثغرا لهم، ونتيجة هجمات سكان النوبة سيما قبائل البجّة الواقعة في الشمال، فأمر الخليفة "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه حماية المسلمين ووضع حدا لهذه الهجمات، فارسل ولاة مصر عددا من الحملات إلى بلاد النوبة، أهمها الحملة التي أرسلها عمرو بن العاص عام (21ه/ 641م)  حيث قادها عقبة بن عامر فقاتل أهلها دون فتحها، حيث كانت مقاومة النوبيون شديدة حيث اجهدوا المسلمين رميا بالسهام.

وعندما تولى أمر مصر عبد الله بن أبي سرح قام في عام (31ه/651م)  شكل جيش تعداده بلغ خمسة آلاف مجاهد فبلغ مدينة دنقلا  وهناك إلتقى الجيشان في معركة حامية الوطيس، ورغم استخدام المسلمين للمنجنيق ورميهم لكنيسة دنقلا إلا أن المسلمين لم يفتحوا العاصمة، فطلبوا الصلح وعقدوا معاهدة البقط؛ التي كفلت للمسلمين حق الإقامة والعمل في المملكة، وكفلوا للنوبة معونة من الأغذية والألبسة مقابل قدرٍ محدودٍ من الرقيق، واستمرَّت العلاقات السلمية بين مصر المسلمة وكوش المسيحية لمدة ستة قرون دون أي صدامات واعتداءات تُذكر.

وقد استمرت معاهدة "البقط" لمدة ستة قرون دون تغيير في جوهر مضمونها، حيث استمر تسرب المسلمين إلى بلاد النوبة وتمكنوا من شراء العقارات في "المرس" وامتزجوا بالسكان المحليين فكان لهم الفضل في نشر الإسلام في أوساطهم، كما كان لبني الكنز وهم فرع من قبيلة ربيعة العربية اليد الطولى في ذلك، حيث تسربوا من أسوان ووصلوا إلى دنقلا فصاهروا الأسر الحاكمة فمهدوا لانفسهم السبيل لاعتلاء عرش النوبة، فكانت النتيجة الحتمية هي اعتناق المولدين للإسلام وتأثرهم بالحضارة العربية الإسلامية، وبالتقادم والإنصهار تلاشت بنود اتفاقية البقط، لاسيما بعد وقوع المنطقة في القحط والفقر ولم يستطع النوبيون دفع العبيد للمصريين كجزية وفق بنود معاهدة البقط.

 

2.3. انتشار الإسلام في بلاد البجة

في عهد الخليفة العباسي الواثق بالله طلب من والي مصر فتح بلاد البجّة التي طالما شنت هجومات على صعيد مصر ، فقام القائد "محمد بن عبد الله القمي" بالمهمة وتم له النصر  عام (242ه/856م). وهنا طلب ملك البجة الهدنة، فاشترط الخليفة المتوكل أن يفد ملك البجة إلى بغداد فتم ذلك وتم الاتفاق على اداء الجزية.

يبدو أن البجاويين لم يحترموا شروط الإتفاقية الأولى، ففي عهد الخليفة المعتصم الذي أرسل لهم جيش بقيادة "عبد الله بن الجهم" فحاربهم وفرض عليهم معاهدة ثانية تؤكد احترام تطبيق البجة للإلتزامات السابقة مضيفا إليها محافظة البجة على دور العبادة الإسلامية من مساجد ومصليات والسماح لعمال بيت المسلمين جمع الزكوات والصدقات.

فيما بعد انتشر الإسلام في جميع أراضي البجه وليس فقط في منطقة بني عامر، وصار كل البجه مسلمين وتركوا العبادات الوثنية. وعمت المساجد ربوع بلادهم ومن أوائل المساجد التي شهدتها بلاد البجه (المسجد الكبير) ولقد بناه أحد شيوخ المنطقة.

3. دور المغاربة في نشر الإسلام في السودان الغربي والأوسط

بفتح بلاد المغرب الإسلامي حمل العنصر المغاربي رسالة المشرقيين ليضعها بأمانة في أيد أهل السودان الغربي والأوسط وبقي راعيا للإسلام في تلك الديار بحكم القرب والجِوار وحماية ظهره والدفاع عن وجوده والعمل على ترسيخ جذوره وتثبيت دعائمه وتصحيح مسيرته باستمرار. 

لم يكن الإسلام ليستقرَّ في السودان الغربي والأوسط إلا بواسطة المغاربة من أبناء المغرب الإسلامي، فبعد عُقبة بن نافع الفهري، ومَن جاء بعدَه من الوُلاة العرب، قام مجاهدون مغاربةٌ أبطالٌ انحدروا جنوباً إلى قفار الصحراء ثم إلى ما وراءها إلى أن وصلوا أرضَ السودان الغربيِّ والاوسط عبرَ البَوّابات والمداخل المعروفة (مراكش، أُودَغست ، ولاّتَة، سِجلماسة، تَغازّة ، الأغواط، توات، طرابُلُس، غُذامس... ) وغيرها من المَحَطّات والمعابر الصحراوية القديمة.

هذه الطرق قد عبرتها فئات مختلفة ساهمت في نشر الإسلام في السودان الغربي والأوسط، وقبل أن نتعرض لعنصر تأثير الحضور المغاربي المتميز عن باقي المؤثرات الأخرى، حري بنا أن نذكر الوسائط المتعددة التي أوصلت  الرسالة المحمدية إلى أهل السودان الغربي والأوسط،  فما هي طرق و وسائل نشر المغاربة للإسلام في السودان الغربي والأوسط؟.

3.1. التجار المغاربة

 لقد كان للتجار المغاربة الريادة في نشر الإسلام في كل من السودان الغربي والأوسط، فكانت هناك جملة من الطرق مكنت من تغلغل الإسلام هناك مثل برقة، القيروان، تلمسان، طريق لمتونه، التي تصله بهذه البقاع، وحيث انتشر الإسلام في أوساط أواسط مملكة غانا، التي تحدث عنها البكري و الإدريسي خلال القرن 5هـ ، و لأن التجار المغاربة كانت لهم مكانة خاصة في المجتمع الغاني ، شجع هذا الوضع التجار المسلمين على التوافد بكثرة إلى غانة، حتى أصبح الجزء الذي يخصهم من عاصمتها يحتوي على اثني عشر مسجدا.

ويذكر السعدي انه قد عاش بها كثير من العلماء و رجال الدين و الأدب و طلاب العلم، و كانت اللغة العربية هي لغة التعامل، ليس بين المسلمين فحسب ،بل في جميع أنحاء المملكة، وقد لعبت أخلاق التجار المسلمين آنذاك دور كبير في تحسين صورة الإسلام في غرب إفريقيا، و بذالك تهيأ للإسلام فرصة الانتشار والذيوع من خلال التجارة والتجار.

كما ساهمت التجارة في وصول الإسلام إلى الطبقة الحاكمة في بعض ممالك السودان الغربي، مثل مملكة غانا التي يوجد بها مستشارون مسلمون، حتى أن ارنولد يذكر أن التجارة و الإسلام في غرب إفريقيا مرتبطان كل الارتباط، و قد أصبح من العسير أن تضع حد فاصل بين الدور الذي قام به التجار من جهة وبين دور  العلماء ودعاة الإسلام من جهة أخرى.

3.2. هجرة القبائل العربية والبربرية

انتشر الإسلام في السودان الغربي والأوسط أيضا بفضل هجرات القبائل العربية و البربرية، التي أخذت تهاجر إلى هذه القفار  و بسط نفوذها ودينها الإسلامي هنالك ، و خصوصا بني سليم وبني هلال التي تقدمت تجاه الصحراء الكبرى  ،و نجد القبائل المحلية اضطرت إلى التوسع  جنوبا بعد اعتناقها الإسلام ، فتحركت قبيلة جدالة و عبرت نهر النيجر في طريقها إلى السودان الغربي.

كما نجد لسكان توات  الاثر البارز و الدور الكبير في هذا المقام، في نسج العلاقات الإسلامية، وهذا بحكم التقارب الجغرافي  للمنطقتين، و بديهي أن يكون بين الوافدين عدد كبير من الفقهاء والعلماء، و هذا ما يؤكده السعدي أنه كان في تنبكتو [1] وحدها مقبرة ضمت خمسين تواتيا كلهم من الفقهاء و العباد الصالحين.

و قد كان لقبيلة كنته[2] دور في نشر الإسلام، سيما أنهم نسجوا علاقات خاصة مع أمراء ماسينا، و من شيوخها سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكبير. و كذا نفس الشأن للقبائل الفولانية التي كان لهم أهمية ودور في نشر الإسلام لا يقل عن دور القبائل الأخرى.



[1] . تنبكتو: يقول عنها عبد الرحمان السعدي: »مسقط رأسي وبغية نفسي، ما دنستها عبادة أوثان ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمان، مأوى العلماء والعابدين، ومألف الأولياء والزاهدين، وملتقى الفلك والسيار«. وهي مدينة إسلامية منذ نشأتها في أواخر القرن الخامس الهجري على يد طوارق مقشرين الذين »جعلوها خزانة لمتاعهم وزروعهم«، إلى أن صارت »مسلكاً للساكنين في ذهابهم ورجوعهم«. ثم أخذ الناس يسكنون الموضع ويزداد عمارة و»يأتيه الناس من كل جهة ومكان حتى صار سوقاً للتجارة«. ويشير السعدي إلى أن أول من كان يتردد على تمبوكتو هم تجار السراقولي، »ثم أهل تلك الجهة كلها«. ومن المرجح أنهم توافدوا عليها بعد سقوط كومبي صالح (عاصمة غانة في العصر الوسيط) في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي القرن 7 هـ/ 13 م فقط أصبحت تمبوكتو وجني محوراً للحياة التجارية بالسودان الغربي. وابتداء من القرن 14 م، أصبحت تمبوكتو مركزاً نشيطاً للتجارة في السودان الغربي، حيث »سكن فيها الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلد من أهل مصر وأوجلة وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتفلالت وفاس وسوس إلى غير ذلك«، منتقلين إليها من ولاتة. مع استقرار التجار والعلماء العرب، ازدهرت التجارة والثقافة إلى حد أن تمبوكتو أصبحت منارة للعلم بالسودان الغربي،

[2] . كنتة: أصل قبيلة كنتة حسب الروايات الشفوية و المصادر المحلية يعود إلى عقبة بن نافع فاتح شمال إفريقيا، بعد وفاته تفرق نسله في مختلف مناطق بلاد المغرب، استقرت قبيلة كنتة بالصحراء بعد أن أصبحت الأوضاع غير ملائمة في المناطق الشمالية خلال القرنين 13م و14 م ، فارتبط تاريخ كنتة بإقليم توات، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى إفريقيا الغربية، عبر الطرق التجارية الصحراوية الرابطة بين توات و إفريقيا الغربية، حيث حملوا معهم لواء الدعوة الإسلامية استقروا بالأزواد. يذكر الرحالة أن طوارق منطقة تنبكتو هم كنتة (Contah)، البرابيش (les Berâbisch) ، آڤلاد(les Agled)، تادماقت (les Tedmagt)، أوليمدن (les Oulimeden) و بنتافوني (les Benta-Founy) ، تمتد أراضيهم من جني إلى زبرام (Zabram)  قرب سيڤو (Segtou) .

 

3.3. الدعاة المغاربة

كان الدعاة والفقهاء والعلماء يرافقون التجار في رحلاتهم نحو إفريقيا جنوب الصحراء لتعليم وتثقيف الناس بأمور دينهم ودنياهم، فساهم هؤلاء في تشييد المدارس وانشاء المساجد وكثيرا ما كانوا يختارون الطلاب النجباء ويرسلونهم إلى المعاهد الإسلامية الشهيرة في المشرق العربي أو الشمال المغرب الإسلامي لكي يتتلمذوا على يد علماء الأزهر، مكة، القيروان، الزيتونة، طرابلس، فاس ومكناس ويعودون قادة الفكر في هذه البقاع.

وهكذا بمرور الوقت تكونت طوائف عديدة من الدعاة، وعندما كثر عددهم قام التجار ببناء بيوت لهم بالشمال يعيشون بها طيلة الفترة الدراسية، كما كان التجار يقومون بخدمة هؤلاء الطلاب  من نفقات ومصروفات لغرض اقتناء الكتب والمخطوطات.

كما كان الداعي المسلم يمد القبائل الزنجية غير المتحضرة بكثير من الحقائق  المتعلقة بالله والإنسان تصل مباشرة إلى القلب والوجدان بل يستطيع أن يمنحهم ترخيصا  بالدخول إلى وحدة اجتماعة سياسية تتيح لهم حق الحماية والمساعدة في البلاد الإسلامية قاطبة من المحيط الأطلسي إلى صور الصين العظيم، وإذا استطاع الداعي اقناع شيخ القبيلة بالإسلام فإن الرعية تتبع شيخها، حيث أصبح هؤلاء الحكام دعاة لنشر الإسلام في المناطق المجاورة ، حيث تعاون التاجر والداعي في نشر الإسلام، لكن تبقى محدودة لأنها فردية وقضية نشر الإسلام بصورة أوسع يحتاج لوسائل أكبر وجهد جماعي منظم، وهذا ما ظهر في المرحلة الثانية التي تمثلت في ظهور حركات إصلاحية دينية عملت إلى جانب التاجر والداعية.      

3.4. الطرق الصوفية

لقد كان للطرق الصوفية دور كبير في نشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء لاسيما في السودان الغربي ووسطه، حيث اعتنقت أعداد كبيرة من الأفارقة الإسلام وانخرطوا في هذه المؤسسسات الدينية بشكل منقطع النظير، حتى أعداء الإسلام أنفسهم يشهدون بذلك، فنجد الرحالة جوزيف توسون عند حديثه عن انتشار الإسلام في إفريقيا قال: " إذا بلغنا السودان الغربي والأوسط نجد الإسلام كجسم قوي فيه روح الحياة والنشاط وتتحرك فيه عوامل الحماسة والإقدام، كما كان في أيامه الأولى، فترى الناس تدخل فيه أفواجا وتقبل عليه إقبالا عجيبا، نرى فيه أشعة نوره منبعثة من شوارع سيراليون وآخذة في إنارة بصائر القبائل المنحطة في الجهالة الآكلة لحم البشر عند منبع النيجر".  

ومن أهم الطرق الصوفية انتشارا في السودان الغربي نذكر القادرية و التيجانية، و ما انبثق منهما طرق فرعية. بالإضافة إلى هذه الطرق ،كانت هناك طريقة ثالثة وهي الطريقة السنوسية، لكن نفوذها كان اقل من نفوذ الطريقتين السابقتين.

  • الطريقة القادرية: تنتسب إلى الشيخ أبو الصالح سيدي عبد القادر الجيلاني، حيث كانت الطريقة الأولى التي تأسست في السودان الغربي و أوسع انتشارا في القرن الثالث الهجري، وقد دخلت على أيدي مهاجري توات. على يد سيدي احمد البكاء والشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي ، حيث لا تكاد دولة في السودان الغربي لا تخلو من أتباع القادرية، خاصة جني وتنبكتو، و لقد كانت أساليب هذه الطريقة في نشر الإسلام متعددة، و ذلك بتنظيم حلقات العلم و فتح المدارس و تعليم أصول و أحكام الدين الإسلامي.
  • الطريقة التيجانية: و تنتسب إلى الشيخ احمد بن محمد التيجاني، و قد نشرها في غرب إفريقيا الحاج عمر الفوتى، و خصوصا في السنغال وقد ساهمت بشكل كبير في ترسيخ تعاليم الدين الإسلامي ،و قد زاد إتباعها حتى أصبحت الطريقة السائدة في كثير من بلدان غرب إفريقيا.
  • الطريقة السنوسية: و هي فرقة دينية صوفية تهدف إلى إصلاح شأن الإسلام ونشر عقيدته، حيث كان لها أثر كبير في نشر الإسلام في غرب إفريقيا، و في حوض نهر النيجر بشكل خاص ،وقد تأسست هذه الطريقة على يد سيدي محمد بن علي السنوسي، و عملت على إنشاء الزوايا ونشر العلم في تلك الربوع، بالإضافة إلى مواقفها الحاسمة ضد الاستعمار.


[1] .التكية: بمعنى المأوى، وتعد التكية من المنشأت الدينية التي ظهرت في العصر العثماني، وهي امتداداً لفكرة "الخنقاواه" التي بدأت مع العصر الأيوبي وازدهرت في العصر المملوكي، وإن كان ثمة اختلاف بينهما، في العمارة والدور الذي كانا يؤديانه في المجتمع.  وانشآت خاصة لأقامة المنقطعين للعبادة من المتصوفة ومساعدة عابري السبيل،  كانت التكايا تُشيّد في أول الأمر بالجهود التطوعية ومساعدة بعض الممولين الأغنياء، وذلك قبل أن تتبنى الدولة العناية بها وإنشائها، وكانت في أول الأمر مبانيَ متواضعة ليست لها عمارة خاصة يشار إليها. ويطلق على التكايا الضخمة اسم "أستانة".

3.5. الدول الإسلامية المغاربية

    • المرابطون:

يعتبر عبد الله بن ياسين هو مؤسس الدولة المرابطية وزعيمها الروحي لهؤلاء المرابطين في صحرائهم الذي حولهم إلى دعاة للدين الإسلامي بين القبائل الوثنية من أهل السودان وتشاد والنيجر وغيرها من بلاد إفريقيا جنوب الصحراء. لقد كان للرباط الذي بناه عبد الله بن ياسين في جنوب السنغال أثر كبير في نشر الثقافة الإسلامية في غرب السودان كما كان لغيره من الرباطات التي نشأت من قبل قبائل صنهاجة الأثر البارز في هذا المجال .

حيث كان للمرابطين دور فعال في نشر الإسلام في السودان الغربي، فقد كرس عبد الله ابن ياسين نفسه لهداية الناس ،و في سنة 447 هـ زحف المرابطون فوصلوا إلى سجلماسة، و في العام التالي غزوا بلاد السوس، حتى وصلوا إلى تخوم السودان، و قد استطاع دعاة المرابطين أن ينشروا الإسلام على ضفاف السنغال والنيجر، بعدها بدأ المرابطون في تعليم القرآن وتلقين أحكام الدين الجديد، وذلك بالكشف لهم عن مفاسد الحياة التي يعيشونها، و بهذا بدأ السكان الأفارقة يلتفون حول ابن ياسين، و لكن ملوك غانا لم يعتنقوا الدين الجديد، الأمر الذي أدى الى مهاجمة مملكة غانا عام 1056م معلنا الجهاد ضد الوثنية، حيث انضمت القبائل الإفريقية التي أسلمت على يده إلى جيوشه، و لكن ياسين بن تاشفين مات عام440هـ/1056م، فتابع تلاميذه مهمتهم ففتحوا كومبي صالح عاصمة غانة عام1057م، يقول البكري في شأنهم: « أن عبد الله ابن ياسين غزا اودغست ,وهي بلد قائم العمارة ، مدينة كبيرة فيها أسواق و نخيل وأشجار الحناء، و هي قطر كثير الزيتون، و هي منزل ملك السودان».

بهذا اسلم سكانها و منذ ذلك التاريخ أخذ الإسلام بالانتشار في تلك البقاع، و هذا ما يؤكده الحسن الوزان الذي ذكر أن لابن ياسين رباط في حوض السنغال، و من ثم تابع خلفائه من بعده  نشر الإسلام.

    • الموحدون:

عند قيام دولة الموحدين أكمل هؤلاء ما قامت به دولة المرابطين التي سقطت على إثر قيام دولة الموحدين، التي بسطت سلطانها على شمال إفريقيا والصحراء والأندلس مدة عشرين عاما، حيث وصلت إلى بلاد السودان فكان هناك اتصال بيها وبين مملكة كانم وممالك غرب السودان والدليل في ذلك التشابه الواضح في طريقة الإصلاح والمنهج الدعوي المتبع عند الموحدين والدعوات التي ظهرت في هذه الأقاليم عند المختار الكنتي والشيخ عثمان دان فوديو وعمر الفوتي. بالضافة إلى فكرة الإجتهاد في الشرع وعدم الإلتزام بمذهب معين والزعامة الروحية. 

هذه الحركة تطورت مع تطور حركة التصوف ونموها بالمنطقة، لاسيما الطريقة القادرية التي انتشرت في عهد الموحدين، أين اتخذت من مدينة تكدا التي تقع في قلب الصحراء مقرا لها، حيث كان لها أتباع كثر من قبائل صنهاجة التي انتشر الإسلام عن طريق دعاتها بين الشعوب السودانية أين صارت مدينة كانو في وسط السودان مركزا لنشاط رجال الدين الذين قاموا بنشره على نطاق واسع في أقصى الجنوب والغرب السوداني في فولتا العليا والسنغال كما امتد نشاطها حتى شرق السودان والقرن الإفريقي.

ففي عهد الموحدين ساهم في تشجيع الفكر الصوفي في بلاد السودان من غربها إلى شرقها (من زنجبار إلى غينيا بفضل الدعاة الذين ينتسبون إلى هذه الطرق حيث قال عنهم أرنولد: " كان نشاط هذه الجماعة ذا طابع سلمي للغاية يعتمد على الإرشاد كما يعتمد على التآخي ونشر التعليم".

4. دور ملوك السودان ودعاتهم في نشر الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء

.

4.1. الملوك

يعتبر ملوك التكرور حسب البكري المنتمين إلى اسرة ندياي أول من إعتنق الإسلام من ملوك السودان دون إكراه، والسبب في ذلك حسب المؤرخ الإنجليزي سبنسر تريمنغهام (Spencer Trimingham) أن عبد الله بن ياسين الذي أقام رباطا في الساحل الجنوبي لنهر السنغال فكان سببا مباشرا في انتشار الإسلام بالمنطقة واعتناق ملكها التكروري وارديابي الإسلام لما وجد فيه من جاذبية وتجانس ورقي اجتماعي وتفتح على العالم، فكان أهل التكرور  وفي مقدمتهم أسرة آل وارديابي السباقة إلى اعتناق الإسلام وهذا قبل استيلاء بن ياسين على مدينة أودغست.

كما كان لابن وارديابي بعده الدور البارز في نشر الإسلام بعد تحالفه مع جيش المرابطين ضد خصومهم من جدالة عام 1056م(448ه)  في معركة تبفريلي، لهذا نجد هذه المملكة قد حملت شهرة كبيرة عند المصادر العربية بسبب أسبقية اعتناق أهلها الإسلام وظلوا متمسكين به.

من خلال مواصلتهم نشر الدعوة الإسلامية داخل مملكتهم ففي فترة حكم  وارجابي عام 1041م(432ه) أقام في مملكته الشريعة الإسلامية وفرض على شعبه اعتناقه، وبالتالي فقد اصبحت كل المدن والإمارات التابعة لمملكة التكرور والممتدة من التكرور إلى غاية سيلا (غالام) كلها مسلمة، كما أن ملك سيلا رفع راية الإسلام في إمارته وأصبح من محاربي كفارها لاسيما في مدينة قلنبو.

في الفترة ما بين القرنين الخامس والسابع الهجري (11 و13م) زحف شعب الولوف على منطقة التكرور فأصبحوا يشكلون معظم سكانها إلى أن أسس أحد رجال الدين التكرور "نديا ديان ندياي" إمارة الولوف والتي بدأت تفقد تدريجيا الآثار الإسلامية التي عرفها ملوك التكرور، لكن في منتصف السابع الهجري (13م) قام امبراطور مالي "سوندياتا كيتا" بإعادة فتح مملكة التكرور من جديد.

أما عن ملوك الماندينغ أو ما يعرف بملوك ملل (مالي)، فإن أول من اسلم من ملوكها يسمى "المسلماني"  الذي أسلم على أيدي فقهاء الإباضية في منتصف القرن الخامس للهجرة (11م)، الذي ينتمي إلى أحدى الأسر المالنكية المشهورة في منطقة النيجر والسنغال العلويين والتي يعود إليها الفضل في تأسيس مملكة مالي الإسلامية والتي حكمتها عائلة "كايتا" ما بين 13و15م، التي أدت دورا لا يستهان به في نشر الإسلام بمملكة مالي.

كما تبعه عدد من الملوك أشهرهم منسا موسى في نشر الإسلام في امبراطوريته واهتمامه البالغ في تطبيق شعائر الإسلام بين رعيته، كما ساهم ببناء عدة مساجد في كل مرة يخرج فيها لأداء فريضة الحج حتى سمي بالملك الحاج، مثل مسجد في تنبكتو، دوكوري، كوندام، ديري، إضافة إلى حمله لكميات ضخمة من الذهب.

نفس الشيء بالنسبة لشقيق الملك منسا موسى وهو منسا سليمان، فعندما زار ابن بطوطة المملكة في القرن الرابع عشر ميلادي وصف لنا وضع هذه المملكة وسلطانها الذي شبهه بسلاطين المسلمين وخلفائهم من خلال تدينه، وحبه للعدل وتقربه للفقهاء والعلماء وحرصه على الصلاة، حيث يذكر ابن بطوطة أن صلاة الجمعة مزدحمة جدا حتى أن المتأخر  في الحضور لا يجد مكانا يصلي فيه.

كما عرف ملوك السنغاي أيضا تمسكهم بالدين الإسلامي ونشره في أركان مملكتهم، ومن بين الشواهد لى ذلك وجود قبر لملك السنغاي أبي عبد الله محمد في بلدة ساني البعيدة عن مدينة جاو بأربعة أميال، كتب عليها "هنا جثمان الملك الذي دافع عن دين الله" عام 100م(494ه)، كما أضيفت عبارة "إن الملك مات من أجل انتشار الإسلام في غاو". حيث كان ملوك غاو أشد الملوك اقتداء بالملوك المسلمين، فإذا ولي أحدهم ملكا قدم له خاتما وسيف ومصحف ويزعمون أن الخليفة أمير المؤمينين من الشرق هو من بعث به إليه.    

أما أمير مدينة جني التي تأسست في منتصف القرن الثاني للهجرة (8م)، فإن أول أمير لها قد أسلم اسمه "كنبر" أواخر القرن الخامس الهجري (11م) في عهد المرابطين فحذى حذوة رعيته، حيث قام بتخريب السلطنة وحولها إلى مسجد كما بنى بيوتا حوله.

أما بالنسبة لإسلام ملوك السودان الأوسط فيرجع إلى القرن الخامس للهجرة (11م)، عندما أسلم الملك الكانمي بولو ، حيث يمثل أول من دخل الإسلام إلى إقليم بورنو على يد "محمد بن ماني" الذي عاش   فترة طويلة من الزمن في المنطقة أين عاصر فترة الملك حمادي، الذي أكمل مسيرة الملك بولو، حيث عاش في البلاط الملكي عهد حمادي وأسلافه عدد من علماء الدين المسلمين يلقنون الحكام أنفسهم تعاليم الدين الإسلامي ويدرسون معهم آيات القرآن، لكن لم يجاهر أحد منهم بإسلامه لذا اعتبرهم البكري سودان مشركون.

بهذا يمكن القول بأن ملوك السودان قد تقمصوا دور الدعاة في بلادهم وكانوا على قدر كبير من الوعي الديني، رغم أنهم لو يرقوا إلى مستوى الفقهاء والعلماء لكن ما يميزهم هو ايمانهم الشديد بالإسلام فأدوا دورهم تجاه رعيتهم من تبيلغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون العدل ويجاهدون في سبيله، مع العلم أن الملوك الأوائل كان منهم من يخفي اسلامه ويتسامح مع رعيته غير المسلمين، فكانوا يراعون تقاليد شعبهم الوثنية، حيث حافظوا على تماسك مجتمعاتهم التي كانت تتحكم فيها الانتماءات العشائرية والطائفية أكثر من أي عامل آخر. فنجد الإمبراطور المالي "سوندياتا كيتا" الذي كان على قدر كبير من التسامح مع رعيته، الأمر الذي فتح مجال أمام بعض المؤرخين الغربيين التشكيك في مسألة اسلامه رغم شهادة ابن بطوطة بإسلامه.

4.2. الدعاة الأفارقة

ومن أهم الدعاة الذين ساهموا في نشر الإسلام في السودان الشرقي نجد؛ الشيخ "أبادير" الذي نشر الإسلام في عدوليس وهرر، كذا الشيخ "ابراهيم أبو زرباي" الذي انتقل إلى بربرة وممبسة وأمارتي هرر وعدوليس في النصف الأول من القرن العاشر الهجري، لنشر الإسلام فيها وبناء مساجد ومعاهد ومراكز اسلامية،  كما برز الإمام "أحمد بن ابراهيم الاشول " في القرن السادس عشر أين حرر الصومال من المعتقدات الفاسدة ونشر الإسلام في مناطق كثيرة. كما ظهر الشيخ "حسن بن عبد الله حسن " فس القرن التاسع عشر، فدعا غلى الإصلاح والجهاد في وجه أعتى أربع قوى عالمية وهي ؛ بريطانيا، فرنسا ، ايطاليا والحبشة. ومن هنا مكن القول أن الأفارقة الذين اعتنقوا الإسلام قد ساهموا مساهمة فعالة في نشر الإسلام وتأصيله في النفوس وتأمين استمراره في شرق إفريقيا. 

أما عن السودان الغربي نجد؛ أحمد بابا التنبكتي: من مواليد عام 963ه (1555م) بـ أروان تنبكتو، نشأة في اسرة عريقة في العلم، تولى غالبية أفرادها مناصب القضاء، درس علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية على جده وأبيه، وبذل حياته للتدريس والتأليف لما يربو عن 50 مؤلفا، وأصبح له دور كبير في نشر العلم والإسلام في السودان الغربي.

سقط أسيرا بين يدي جيوش السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي، عند غزوهم لتنيكتو هو و 169 عالم، وأخذوا رفقة اسرهم إلى المغرب وتم سجنه بحجة اثارته للفتن ضد حكم المنصور الذهبي، وبعد اطلاق سراحه قام بالتدريس والوعظ والارشاد فأخذ الناس تاتيه من كل البقاع  لما له من علم غزير وسمعة طيبة، وأصبحت كتبه أكثر تداولا  بين الناس، من أهم مؤلفاته؛ " نيل الإبتهاج بالذيل على الديباج" و"كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج"، هذان الكتابان من أهم كتبه، إذ يتوفران على معلومات قيمة في شتى الجوانب الثقافية، الاجتماعية، السياسية و الإقتصادية.

ما أن الكتاب يعتبر سجلا لأعلام الاندلس، والمغاربية من ليبيا إلى المغرب الأقصى، ما جعلهما أهم المصادر لتلك الفترة في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى اليوم لأنهما في الواقع موسوعة في الحركة الدينية المغربية التي ضمت كثيرا من رجال الدعوة الإسلامية المخلصين. وعندما ولى العرش السلطان زيدان العرش خلفا لأحمد المنصور أذن للتنبكتي بالعودة إلى تنبكتو عام 1605م، فرجع إلى وطنه وواصل حياته العلمية، تتلمذ له عدد كبير من أبناء مالي والسنغاي وبورنو فكان السعدي المؤرخ الشهير بمؤلفه "تاريخ السودان" وقد توفي أحمد بابا عام 1032ه(1622م).

الملاحظ أن تعلق الملوك بالدين الإسلامي يظهر جليا في فترة التواجد الأوروبي بالقارة، حيث ظهرت حركات إصلاحية محلية تدعو للعودة إلى الدين الإسلامي، فبعد الغزو المراكشي عاش الأفارقة في عزلة اقتصادية و تشرد العلماء، و بوصول الاستعمار  عاد السكان إلى الديانة المحلية الوثنية ، فظهرت حركات إصلاحية ، مثل حركة الشيخ عثمان بن فودي الفقيه القادري الذي تأثر بدعوته بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ،على أساس انه أكثر الزعماء الأفارقة تأثرا بهذه الدعوة و أولهم ، وساهمت هذه الحركة في تدعيم ترسيخ الإسلام و يظهر ذالك من خلال محاولة الشيخ عثمان التوحيد الخالص بمحاربة كل ما يؤدي إلى الشرك، و رجوعه إلى القرآن و السنة، الأمر الذي أدى به إلى تكوين دولة كبيرة في غرب إفريقيا.

بالإضافة إلى حركة الحاج عمر الفوتى الإصلاحية الذي تصدى للاستعمار، و حركة ساموري توري (1835م-1900م)، الذي اخذ منحى إسلامي لحركته أيضا ، و نجد الحركات الإصلاحية في غرب إفريقيا تتفق على ضرورة العودة إلى الإسلام و الكتاب و السنة و الدعوة إلى الجهاد ضد الإحيائية و البدع و التقاليد الوثنية التي علقت بتعاليم الإسلام منذ قرون طويلة.