الخطوط العريضة للقسم

  • الأساس العصبي للمعرفة:

    ظهر تخصص جديد وحّد بين علم النفس المعرفي والعلم العصبي يسمى بالمعرفة العصبية Neurocognitive.

    والعلاقة بين البنية المعرفية والوظيفة العصبية هي علاقة متبادلة تتسم بالتأثير والتأثر.

    وتظهر العلاقة بين الأسس العصبية والأسس المعرفية للنشاط العقلي المعرفي، من خلال:

    - مشاركة الميكانيزمات العصبية في النشاط العقلي المعرفي.

    - تفاعل وتكامل كل من العمليات العصبية والمعرفية خلال أداء النشاط العقلي المعرفي لوظائفه.

    آثار هذا التفاعل على التعلم والتذكر والتفكير وحل المشكلات وكفاءة النشاط العقلي المعرفي.. العقل كتكوين سيكولوجي من خلال التنشيط الاستثاري للمخ.

     - بداية الاهتمام بدراسة الدماغ:

    شكل القرن الـ 19 بدون أدنى شك بداية الاهتمام العلمي بالدماغ.

     - حالة فينياس غيج Pheneas Gage:

    تعرض لحادث (اخترق قضيب حديدي دماغه وخرج من أعلى الجمجمة) حيث طرأ تغيير جذري على شخصية غيج.

    كان هذا الاكتشاف أساسيًا لدراسة الدماغ البشري.

    حالة فينياس جيج

    حالة فينياس جيج

     

    - سنة 1861 : تم اكتشاف باحة بروكا باعتبارها المسؤولة عن عملية إنتاج اللغة من قبل الجراح الفرنسي واختصاصي التشريح بروكا Broca (1824- 1880 ) . كما أن الشخص الذي يعاني من عدم القدرة على التعبير اللفظي، يتم تصنيفه ضمن حبسة بروكا Aphasie de Broca.

    منطقة بروكا ومنطقة فيرنيكي في الدماغ

      في حين أن باحة فرنيكي Wernicke (1905-1848) والتي توجد في الفص الصدغي، هي المسؤولة عن عملية فهم اللغة (1874).

    1. عموما، توجد في الدماغ مناطق خاصة بالكلام وأخرى بالحركات وأخرى بالإحساس.. ويتحكم كل نصف كروي من الدماغ في الجانب الحسي والحركي للنصف المعاكس من الجسم.
    2. وتجدر الاشارة إلى أنه عبر تاريخ علوم الأعصاب وقبل اعتماد تقنيات التصوير الدماغي، تم التعرف على بنيه الدماغ ووظائفه الذهنية من خلال الطرق والوسائل التالية: الملاحظات الإكلينيكية، الاستئصال الجزئي أو الكلي لبعض مناطق الدماغ، التجارب على الحيوانات في المختبر.

    وينبغي الاعتراف أن تقنية التصوير الدماغي هي التي كان لها الفضل في التعرف على البنية التشريحية للدماغ.

    - العلاقة بين الاستثارة المتبادلة للتراكيب البنائية للمخ والوظائف المعرفية: إن النضج والتعلم وجهان لعملية واحدة، فالنضج البيولوجي أو الفسيولوجي للمخ يتم من خلال التعلم، والتعلم يتم من خلال النضج البيولوجي أو الفسيولوجي للمخ، وينطبق هذا التأثير والتأثر القائم بين النضج والتعلم على العمليات المعرفية والعمليات العصبية، حيث ينطوي على تزايد درجة تعقيد الخصائص البنائية أو التركيبية للمخ.

    ويحدث التعلم تغييرات جوهرية في التراكيب الفسيولوجية أو البيولوجية للمخ المستخدمة في التعلم، وهذه التعقيدات تنتج عن استثارة بعض المراكز العصبية في المخ لتسجيل ما تم تعلمه، فتنشط هذه المراكز وتتحول من الحالة الساكنة إلى الحالة الفعالة. وتسمى هذه العملية بميكانيزم التعلم، أو أثر الاكتساب. ويشير هذان المفهومان إلى مجموعة من العمليات والأبنية أو التراكيب التي تنقل أو تحول أو تمثل المدخلات المعرفية أو المهارية أو الخبرات البيئية، لتشكل من خلالها كفايات معرفية وأداءات سلوكية أكثر نضجا ونموا أو تطورا.

    ومنه فإن التعلم من وجهة النظر السيكوفسيولوجية يحدث تغيرات هائلة غير مرئية، لكنها قابلة للقياس في كل من الأبنية أو التراكيب أو البرامج أو ميكانيزمات عمل المخ كما تبدو في النشاط العقل المعرفي. 

    -وأصبح ينظر إلى المعرفة واكتسابها وتعلمها أنها تغيرات في التمثيلات المعرفية تتوافق أو تتطابق مع التغيرات البنائية أو التركيبية لميكانيزم التعلم داخل المخ.

    وقد قامت الدراسات والبحوث التي استهدفت وصف أو تصوير ميكانيزم التعلم بنائيا وتركيبيا من الناحية الفزيولوجية على الأسس التالية:

     وصف أو تصوير التغيرات أو المواد أو الإفرازات العصبية التي تقف خلف التعلم والاكتسابات والاستثارات العقلية المعرفية.

     فحص وتحليل التمثيلات المعرفية (الصور، المفاهيم، المخططات الذهنية التي يبنيها المتعلم في عقله) المنتجة لهذه التغيرات الفسيولوجية أو المرتبطة بها.  اكتشاف النتائج المترتبة على تغيرات الخصائص أو المحددات النمائية (الفسيولوجية المعرفية) لنظم التعلم والاكتسابات.

    وهذه الأسس تركز منهجيا على الأساس العصبي للنشاط العقلي المعرفي على الرغم من أنه لطالما تعرض هذا المنهج للعديد من الانتقادات، بسبب تعقد النظام العصبي لأنه من الصعب إيجاد بطريقة أكيدة العلاقة بين السبب المنشئ لهذه التغيرات أو التطورات والنتائج المترتبة عليها. إلا أن التطورات المعاصرة وما صاحبها من تقدم في علوم الحاسب الآلي واستخداماتها الحديثة في رصد التغيرات العصبية والنمائية للجهاز العصبي المركزي، هذه التطورات أتاحت إمكانية وصف ورصد ميكانيزمات أو آليات النشاط العقلي المعرفي بنائيا أو تركيبيا ووظيفيا إلى حد كبير.

    ومنه يمكن فهم التغيرات النمائية التي تحدث بتائية في النيرونات العصبية المصاحبة للوظائف أو الآداءات المعرفية.

    -آليات التعلم والتمثيل العصبي والمعرفي: يختلف التمثيل في عاملين أساسين يتكاملان ويتأثران بآلية التعلم المعرفي، هما:

     1. التمثيل العصبي Neurales Représentation :

    ويمثل إحداث تغيرات في التراكيب أو الأبنية العصبية (نقاط التشابك العصبي والتفرعات والمحاور العصبية)، وهذه تشكل أوعية محتوى التعلم.

     2. التمثيل المعرفي: Cognitive Représentation :

    ويمثل إحداث تغيرات في البنية المعرفية والوظائف المعرفية المتعلقة بعمليات التعلم ونواتجه المتمثلة في تغيرات الآداءات المعرفية والمهارية والانفعالية والوجدانية. والتعلم هو ناتج عن التفاعل والتكامل بين نمطي التمثيل العصبي والمعرفي.

    لذا يرى Greenogh & al أنه لا يمكن الفصل بين ما هو معرفي وما هو عصبي مؤكدا على أن التعلم هو الموجه لنمو المخ لا العكس.

    - الوظائف والآداءات المعرفية وما تحدثه من تغيرات عصبية:

    - التغيرات العصبية للنمو المعرفي:

     1. عدد التفرعات العصبية وشبكة الاتصال بين النورونات/ كثافة التفرعات الشجيرية:

    تنتقل المعلومات الكيميائية خلال النورون العصبي عبر موجات الأيون المتبادلة التي تنتقل إلى أسفل على طول المحور العصبي والانتقال العصبي الذاتي ضروري وهام لكل نورون عصبي حتى يعمل بكفاءة، ويكون عمل كل نورون لوحده منعدم القيمة إذا لم يكن هناك مجال الاتصال نورونات أخرى. ويتم هذا الاتصال في نقاط التشابك العصبي عندما يصل الفعل إلى مستوى العتبة الفارقة للإستثارة ويحدث هذا على النحو التالي: - نفرض أن أحد النيرونات (N1) قد أطلق انتقال عصبي مواكب لتغير معرفي من إحدى نهاياته. - هذا الانتقال يعبر نقاط التشابك العصبي، ويصل إلى تفرعات الخلية العصبية، أو الزوائد الشجيرية (dendrites)أو جسم الخلية العصبية لنيرون عصبي آخر، يحمل معلومات أو معارف أو خبرات أو مهارات أخرى (N2). - تفرعات الخلية العصبية للنيرون (N2) تستثار عن طريق ناقلاتها العصبية .

     - تظل تستقبل هذه الانتقالات العصبية المحملة بمعلومات أو معارف أو خبرات أو مهارات لنيرونات أخرى، حتى تصل إلى مستوى العتبة الفارقة للإستثارة.

     - عند وصول استشارة النيرون (N2)أو النيرونات الأخرى غلى مستوى العتبة الفارقة، تنطلق القوة الدافعة للنيرون (N2)أو غيره إلى أسفل المحور العصبي.

    - عندما تصل القوة الدافعة للنيرون (N2)إلى النهاية الطرفية له يطلق انتقاله العصبي إلى نقطة التشابك التالية، وربما مع نيرون أو نيرونات أخرى (N3)مثلا وهكذا تنتقل المعلومات وتتدافع.

    ويعتبر هذا مثال بسيط، لأن نقاط التشابك العصبي تتلقى مئات الانتقالات والاستثارات العصبية عبر النيرونات المختلفة من خلال شجرة هائلة من التفرعات العصبية عمل آلاف الرسائل إلى العديد من المحاور العصبية. ولا بد من الإشارة إلى أن التحفيز العصبي يؤدي إلى إعادة تشكيل التشعبات العصبية المتصلة بالجسم الخلوي للخلية (الشجيرات)، حيث تصبح أكثر كثافة ويزداد حجمها حتى تستطيع استيعاب المزيد من الإشارات العصبية، مما يعزز الاتصال العصبي. 

    2. عدد نقاط التشابك العصبي:

    تشير دراسات (Goggeshalla , Tusner & greenough) إلى زيادة اللدونة العصبية البنائية (structuralle plasticité) للقشرة المخية عقب التعلم.

    وقد قامت العديد من الدراسات مثل دراسة M.K, Galohi بقياس نقاط التشابك العصبي وقد توصلت هذه الدراسات إلى وجود تغير عدد وكثافة نقاط التشابك العصبي ومستوياته. ويعرف هذا باللدونة العصبية Neuroplasticity)).

    وفي المقابل يحدث تقليل قوة بعض الوصلات العصبية غير المستخدمة.

    اللدونة العصبية

    وتوصل Lund & al إلى أن الفروق في مدخلات الأنشطة العقلية المعرفية يواكبها فروق في معدل نمو الخلايا العصبية ونقاط التشابك العصبي. حيث تنمو اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية عند تعلم مهارات أو معلومات جديدة.

    في بعض الحالات يمكن أن تتولد خلايا عصبية جديدة خاصة في الحصين مما يعزز الذاكرة والتعلم.

    اللدونة العصبية

    - إن الخلايا العصبية انتقائية ولا تستجيب لكل مثير بسيط، بل تحتاج إلى محفزات تتجاوز حدا معينا (العتبة الفارقة) لكي تنشط.

    وهذا يساعد على إدارة المعلومات بكفاءة والتركيز على المثيرات الأكثر أهمية للوظائف المعرفية والتعلم.

    اللدونة العصبية

    3- كثافة تفرعات المحاور العصبية:

    تعتمد كفاءة كل من البنية العصبية والبنية المعرفية إلى جانب ما سبق على كثافة تفرعات المحاور العصبية، ويقصد بها عدد ودرجة تشبع تفرعات المحاور العصبية الناقلة للمعلومات.

    4- أثناء التعلم يتم إطلاق مواد كيميائية، مثل:

    *الغلوتامات: يعزز التعلم.

     * الدوبامين: يعزز المكافأة، مما يجعل التعلم أكثر كفاءة.

    *الأستيل كولين: يعزز الانتباه والتركيز والذاكرة.

    5- في البداية يتم الاحتفاظ بالمعلومات في الذاكرة قصيرة المدى والتي تعتمد على النشاط العصبي المؤقت، ومع التكرار والممارسة يتم توطيد المعلومات في الذاكرة طويلة المدى حيث تصبح أكثر استقرارا وديمومة بفضل تعزيز التشابكات العصبية.

    6- عندما يتعلم الشخص شيئا جديدا يحدث إعادة تنظيم الشبكات العصبية بمعنى أن مجموعات مختلفة من العصبونات تبدأ في العمل معا بكفاءة أكبر.

     7- يحفز التعلم الجسم الثفني مما يسهل التكامل مثلا بين المهارات المنطقية في الجانب الأيسر من الدماغ والمهارات الإبداعية في الجانب الأيمن منه.

    8- يتم تعزيز قدرات اتخاذ القرار والتفكير النقدي من خلال زيادة النشاط العصبي في هذه المنطقة.