1- تعريف الانتباه:
الانتباه هو:" توجيه الشعور نحو شيء ما في البيئة الطبيعية أو الاجتماعية التي نعيش فيها".
ويعرف الانتباه بأنه:" تركيز الجهد العقلي على أحداث حسية او عقلية. والانتباه عملية معرفية تلعب دورا أساسيا في الإدراك، حيث يعمل كمرشح يحدد المعلومات الحسية
التي سيتم معالجتها بعمق، ويستبعد المعلومات غير المهمة.
2- طبيعة عملية الانتباه:
للانتباه عدة خصائص مميزة يمكن إبرازها كما يلي:
أ- عملية الانتباه هي عملية اختيارية لمثير ما والتركيز فيه. ويمثل العملية التي يتم من خلالها اختيار بعض الخبرات الحسية الخارجية أو الداخلية والتركيز فيها من
أجل معالجتها في نظام معالجة المعلومات.
ب- ينظر إلى الانتباه أنه عملية شعورية في الأصل تتمثل في تركيز الوعي في مثير معين دون غيره من المثيرات الأخرى، والانتباه إليه على نحو انتقائي ريثما تتم
معالجته.
ويمكن لعملية الانتباه أن تصبح عملية لا شعورية في حالة الممارسة المكثفة لبعض المثيرات والمواقف، أو في حالة المثيرات أو العمليات المألوفة.
ت- الانتباه عمليه اختيارية قد تكون مقصودة او غير مقصودة، فالانتباه القصدي يحدث على سبيل المثال عندما يتم اختيار مثير معين على نحو مقصود والتركيز عليه،
كالاستماع الى الأخبار مثلا، حيث يتم كبح الانتباه إلى أي مصادر أخرى.
في حين أن الانتباه غير المقصود يحدث على نحو لاإرادي، كالاستجابة لمثير خارجي أو داخلي على نحو مفاجئ مثل الانتباه الى صوت مرتفع أو ضوء مبهر.
ث- ينظر الى الانتباه على أنه مجهود أو حالة استثارة تحدث عندما تصل الانطباعات الحسية عبر الحواس إلى الذاكرة الحسية. فالفرد عندما يقوم ببعض الأنشطة التي
تتطلب تركيز الانتباه، مثل العمليات الحسابية او قيادة السيارة أو المناقشة وغيرها من الأنشطة، غالبا ما يبذلون مجهودا عقليا يترافق بتغيرات فيزيولوجية.
في تجارب أجراها كاهنمان وبيتي وويجنار استخدموا فيها أدوات لقياس قطر بؤبؤ العين كدلالة على الانتباه أثناء الانشغال في عملية عقلية، أظهرت نتائجها أن قطر العين
يتوسع أثناء تركيز الانتباه على المهمات، ويزداد توسعا كلما كانت المهمات المطلوبة تتطلب عمليات عقلية أكثر تعقيدا، أي المهمات الاكثر صعوبة.
د- ينظر للانتباه على أنه طاقة أو مصدر محدود السعة لا يمكن تشتيتها لتنفيذ أكثر من مهمة في نفس الوقت، فمن الصعوبة الانتباه إلى أكثر من خبرة حسية أو تنفيذ
عمليتين عقليتين في نفس الوقت، مثال لا يستطيع الفرد اجراء محادثتين مع شخصين في آن واحد. ونظرا لكثرة المثيرات والحوادث الحسية التي يواجهها الفرد بالرغم من
الوعي والاحساس بها في لحظة من لحظات التفاعل إلى أن قدرة الدماغ لا تسمح بمعالجتها جميعا نظرا لمحدودية نظام المعالجة.
3- العوامل المؤثرة في الانتباه:
العوامل الخارجية: وتشمل ما يلي:
- نوع ومكان المنبه: فمثلا المنبه البصري المتمثل في صورة ملونة يكون أقوى تأثيرا من وصف الصورة كلاميا. وتشير الخبرة إلى أن المنبه كلما كان قريبا من الجهاز
الحسي كان أكثر قوة وإثارة.
- حركة وحجم المنبه: كلما كانت حركة المنبه سريعة، مفاجئة، كانت أكثر جلبا للانتباه. والمنبه الأكبر حجما يثير الانتباه أكثر.
- قوة واختلاف المنبه: كلما كان المنبه قويا كان أكثر إثارة، وكلما كان المنبه أكثر تكرارا كان أكثر جدوى. وكلما كان غريبا كان أكثر شدة للانتباه والاهتمام.
- العوامل الداخلية: وتشمل:
- العوامل العضوية: تتمثل في الحاجات الفيزيولوجية كالنوم والجوع والامن.. فالجائع لا ينتبه الا للطعام مثلا.
- العوامل الذهنية: نحن نفكر فيما يهمنا. مثلا: يفكر المتعلم في الإجابة والنتيجة أثناء الامتحان. - عوامل الميول المكتسبة: نميل الى الانتباه نحو ما يهمنا من
أشياء أو أشكال أو أشخاص.
- الدوافع: تتحكم الدوافع بصورة كبيرة في سلوكياتنا، فالدافع نحو النجاح يجعلنا نهتم بكل سبيل أو طريق يوصلنا الى منصبو إليه دون السبل الأخرى.
4- أنواع الانتباه:
صنف العلماء الانتباه لعده عوامل أهمها:
1/ من حيث موقع المثيرات:
ينقسم الانتباه من حيث موقع مثيراته الى الانتباه الى الذات والانتباه الى البيئة. أي الانتباه الى المثيرات الداخلية الصادرة من داخل الانسان كخواطره مثلا، والانتباه الى
المثيرات البيئية الخارجية مثل المثيرات الاجتماعية.
2/ من حيث عدد المثيرات:
- الانتباه الى مثير واحد وهو انتباه الفرد لمثير واحد وتركيز الانتباه اليه، مثل: انتقاء مثير بصري له مواصفات محددة وإهمال المثيرات الأخرى التي تقع معها في
المجال البصري للفرد.
- الانتباه لاكثر من مثير: هذا النوع من الانتباه يتطلب سعه انتباه عاليه حيث يقوم الفرد بتركيز انتباهه على أكثر من مثير. مثلا: في المجال البصري أو السمعي أو
كليهما. مثل السائق الذي يقود السيارة ويستمع إلى برنامج معين. هذا الانتباه يتطلب جهدا عقليا.
3/ من حيث مصدر التنبيه: ينقسم الى الانتباه من حيث مصدره الى انتباه سمعي، انتباه بصري، لمسي، ذوقي، شمي الخ.
4/ من حيث طبيعة المنبهات:
- الانتباه الإرادي الانتقائي: هذا الانتباه يكون إراديا حيث يحاول الفرد تركيز الانتباه لمتغير واحد من بين عده مثيرات. ويحدث هذا الانتباه الانتقائي بسبب محدودية
سعه التخزين وسرعة معالجة المعلومات، لذلك يتطلب هذا الانتباه طاقة وجهد كبيرين من الفرد لأن عوامل التشتت غالبا ما تكون عالية والدافعية لاستمرار الانتباه قد
تكون بدرجة عالية. مثلا: عندما يستمع طالب لمحاضرة عن موضوع لا يثير انتباهه فانه على الأغلب يحتاج إلى جهد عقلي وجسدي كبير لاستمرار التركيز حيث غالبا
ما يوجد الطالب نفسه خارج المحاضرة، ويحاول إعادة نفسه مرات عديدة ليسمع ما يقوله المحاضر.
- الانتباه اللاإرادي/ القسري: في هذا النوع يركز الفرد انتباهه على مثير يفرض نفسه عليه بطريقة قسرية ودون بذل جهد عالي للاختيار بين المثيرات، لدرجة يصبح
فيها الانتباه وكأنه لاشعوري. وخير مثال الانتباه لصوت ضجيج مفاجئ في منتصف الليل أو ألم شديد في أحد أعضاء الجسم.
- الانتباه الانتقائي التلقائي: كالانتباه لمثير يشبع حاجات الفرد ودوافعه الذاتية أين يركز الفرد انتباهه الى مثير واحد من بين عدة مثيرات بسهولة تامة، ومثال على
ذلك: طفل يشاهد برنامج ينتظره بفارغ الصبر كل يوم في زمن محدد. هذا الانتباه هو انتقائي لكنه لا يحتاج الى طاقة وجهد عقلي وجسدي، لذلك يصعب على الآخرين
تشتيته.
5- العوامل التي تؤثر في الانتباه:
أ) مجموعة العوامل المرتبطة بالفرد:
- الحالة الانفعالية والمزاجية:
التي يمر بها الفرد مثل هذه العوامل غالبا ما تصرف انتباه الفرد سواء عن المثيرات الخارجية أم عن عملية التفكير بحد ذاتها، فالفرد الذي مزاجه متقلب تتأثر درجة انتباهه
للمثيرات الأخرى.
- الحاجات والدوافع الشخصية:
مثلا الجائع يركز جل اهتمامه على الكيفية التي من خلالها يشبع جوعه مهملا في الوقت نفسه المنبهات الأخرى.
- التوقع:
يوجه الفرد في الغالب انتباهه إلى المثيرات المرتبطة بالتوقع وذلك عندما يتوقع حدوث شيء ما وهو بهذا يهمل المنبهات الأخرى.
- القدرات العقلية:
حيث تزداد قدرة الفرد على الانتباه والتركيز بارتفاع القدرات العقلية لديه تحديدا بارتفاع نسبه الذكاء.
- الاختلافات البينية التي ترتبط بالجنس والميول والاهتمامات والثقافة السائدة ونوع المهنة: تختلف من فرد الى آخر حسب العوامل السابقة ما.
ب) مجموعة العوامل المرتبطة بالمثير:
- الخصائص الفيزيائية للمثير والحجم والشدة:
المثير ذو الشدة العالية يجذب الانتباه أكثر من المثيرات الضعيفة. والأفراد الجدد مثلا في فصل معين يجلبون الانتباه أكثر من الافراد الذين اعتدنا على رؤيتهم.
- التباين في شدة المثير:
المثيرات التي تتميز بشدة معينة ومتجانسة لا تجذب الانتباه اليها، ففي غالب الأحيان لا ننتبه الى صوت محرك السيارة أثناء القيادة حين يكون منتظما، ولكن سرعان ما
يجذب انتباهنا عندما يتغير.
- الجدة والحداثة والغرابة:
إن المثيرات المألوفة لا تجذب الانتباه إليها وذلك بسبب أن الفرد أصبح معتادا عليها، في حين أن المثيرات الجديدة تحتل بؤرة اهتمام الفرد.
- الممارسة والتدريب:
إن عملية التدريب على توزيع الانتباه إلى أكثر من مثير من شأنه أن يؤدي إلى تنفيذهما معا، حيث أن أحدهما ربما يتم بطريق آلية والثاني بأقل قدرة من الانتباه.
6- نظريات الانتباه:
أولا: نظريات الانتباه أحادية القناة أو نظريات المرشح:
تشتمل هذه النظريات نظرية كل من برودبانت، ديتش ديتش، كيلي، نورمان، تيريزمان، والفورد، وكر، وتتفق هذه النظريات حول عدد من المسائل هي:
أ) أن المعلومات أثناء معالجتها تمر في عدد من المراحل وهي:
- مرحلة التعرف: تشتمل على عمليتين، هما: الاحساس والادراك.
مرحلة اختيار الاستجابة.
مرحلة تنفيذ الاستجابة.
ب) ان الانتباه طاقة احادية القناة لا يمكن توجيهها الى اكثر من مثيرين.
ت) ان هناك مرشح يعمل كستارة يسمح بمعالجة بعض المعلومات ويمنع بعضها الآخر.
والانتقاد الرئيسي الموجه لهذه النظريات هو أنها لم تحدد الآلية التي يعمل من خلالها هذا المرشح.
ثانيا: نظرية التوزيع المرن لسعة الانتباه:
تختلف هذه النظرية مع النظريه السابقة من حيث اعتبار ان الانتباه هو سعة محدده توجه الى المثير في وقت معين وتحجب عن غيره من المثيرات الأخرى.
يفترض كاهنمان أن سعة الانتباه يمكن أن تتغير على نحو مرن تبعا لتغير متطلبات المهمة التي نحن بصدد الانتباه اليها، ففي الوقت الذي ينتبه فيه الفرد الى مهمتين
مختلفتين فان سعة الانتباه يمكن ان تتغير في تذبذب مستمر تبعا لتغير مطالبهما، فقد يزداد الانتباه الى إحداهما نظرا لزيادة صعوبه مطالبها في الوقت الذي يقل فيه الانتباه
الى الاخرى مع عدم تجاهلها كليا.
ويؤكد كاهنمان ان الانتباه بالرغم من تغييره بين المهمه الاولى والاخرى فهو يستمر على نحو متوازي من خلال جميع مراحل المعالجة، ويرى ايضا انه في حالة زيادة
متطلبات احدى المهمات بحيث تستوجب الطاقه العليا من الانتباه، فان التداخل يحدث بحيث يكف الانتباه عن الأخرى.
باختصار حسب هذه النظرية فان الانتباه يمكن توزيعه على نحو مرن الى عدة مهمات او عمليات بالوقت نفسه، وذلك اعتمادا على أهميتها وصعوبتها النسبية، اضافة الى
عوامل اخرى تتعلق بالموقف او ترتبط بالشخص ذاته.
ثالثا: نظريات الانتباه متعدد المصادر:
تفترض هذه النظريات ان الانتباه يجب ان لا ينظر اليه على انه عبارة عن مصدر أو طاقة محددة السعة أي أحادي القناة، وإنما مصادر متعددة القنوات لكل منها سعة
معينة ومخصصة لمعالجة نوع ما من المعلومات. لذا فالانتباه يمكن توجيهه إلى أكثر من مصدر من المعلومات المختلفة ويستمر خلال مراحل معالجة المعلومات دون
حصول اي تداخل فيما بينها، أو يتاثر مستوى الانتباه الموجه اليها.
مثلا: اثناء الطباعة يمكن تكريس الانتباه الى قراءة الموضوعات المراد طباعتها، تحريك الاصابع بالنقر على أقراص لوحة الطباعة، الاستماع الى الموسيقى.. في الوقت
نفسه دون أن تتأثر مهمة أو أخرى.
رابعا: نظرية اختيار الفعل:
ينتقد نيومان مجموعه النظريات التي تعتبر الانتباه طاقة أو مصدر محدد السعة، بل يفترض أن اختيار النشاط أو الفعل هو الآلية الأساسية في عملية الانتباه وفي توجيهه.
فهو يفترض أن الفرد يحدد انتباهه في أي لحظة من اللحظات من أجل تحقيق هدف معين: يقرأ، ينظر الى شيء ما، أو يستمع الى صوت مثلا..، ويرى ان الفرد في أي
لحظة من اللحظات يستقبل العديد من المنبهات الحسية أو يواجه عدة مثيرات معا.
ولكن المحصله النهائية للانتباه تتوقف على اختيار الفعل المناسب وفي بناء عملية الاختيار يتم كبح العديد من العمليات الاخرى نظرا لتوجيه الانتباه الى فعل آخر بحيث
ينتج عن ذلك صعوبة في إدراك وتنفيذ المهمات، في حين يتم أداء الفعل أو المهمة التي تم توجيه الانتباه اليها، بينما لا يحدث الآخر بسبب أن الانتباه طاقة محدودة السعة
وإنما بسبب عمليه اختيار الفعل الذي يود الفرد تنفيذه أو القيام به.
ويرى أن اختيار الفعل لتوجيه الانتباه اليه يعتمد على مدى أهمية هذا الفعل للفرد والحاجة الى تنفيذه.