تلعب العلاقة بين الرأي العام والسلطة التشريعية دوراً محورياً في تقييم ديمقراطية النظم السياسية وجودة التمثيل السياسي. في النماذج الديمقراطية التمثيلية يفترض أن تعكس القوانين والسياسات التشريعية تفضيلات المواطنين، ولكن هذا الارتباط تحكمه بنية المؤسسات، وآليات قياس الرأي العام، ودور الأحزاب والحركات الاجتماعية والإعلام.
أولاً: الإطار النظري – التمثيل الديمقراطي والرأي العام
تقوم نظرية التمثيل على أن المشرّعين هم "وكلاء" عن المواطنين، وأن استجابة السياسات للرأي العام معيار أساسي للديمقراطية. بحوث الرأي والسياسة تُظهر ما يسمى بعلاقة "المزلاج الحراري" (Thermostatic model)، حيث يعدّل صانعو السياسات توجهاتهم مع تغيّر مزاج الرأي العام بمرور الوقت. مراجعات شاملة تؤكد أن تأثير الرأي العام على السياسات كبير عموماً، وأن ارتفاع أهمية القضية لدى الجمهور يزيد من قوة هذا التأثير.
ثانياً: آليات تأثير الرأي العام على العمل التشريعي
الانتخابات والمساءلة: خوف النواب من العقاب الانتخابي يجعلهم أكثر ميلاً لمجاراة التفضيلات الجماهيرية، خاصة في القضايا البارزة. تجارب ميدانية تُظهر أن اطلاع النواب على مواقف دوائرهم الانتخابية يدفعهم للتصويت بما يتماشى أكثر مع رأي الناخبين .
الاستطلاعات والبحوث السوسيولوجية: في العديد من الديمقراطيات تُستخدم استطلاعات الرأي كأداة مؤسسية لرصد اتجاهات المواطنين وتغذية عملية صنع القوانين، بل إن بعض الأنظمة تلزم الهيئات العامة بتهيئة شروط دراسة الرأي العام واستثماره في معالجة مشكلات عمل المؤسسات السياسية.
أجندة العمل التشريعي وتحديد الأولويات: الرأي العام يرسل إشارتين أساسيتين: تفضيلات مضمونية (مع أو ضد سياسة معينة) وأولوية القضايا (ما هي القضية الأهم)، وقد بيّن البحث أن المجالس التشريعية تعدّل أجندتها استجابةً لهذه الإشارات، ولو بدرجات متفاوتة.