- التصور الجديد للعلم:

دعى بيكون إلى تصور جديد للعلم وغايته ومنهجه. أما من حيث تصور العلم فإنه رأى أن العلم الصحيح هو القائم على الملاحظة والتجربة. وأما غاية العلم هي تمكين الإنسان من السيطرة على الطبيعة، ومعنى هذا أن العلم يجب أن يكون نافعا في العمل. أما المنهج فهو الاستقراء الناقص في مقابل الاستقراء الكامل الذي ظنه أرسطو أنه وحده المولد لليقين في العلم. ذلك أنه رأى أن الفلسفة الطبيعية لم تحرز تقدما يذكر منذ عهد اليونانيين، بل إن الفلاسفة المحدثين يعرفون، في بعض الموضوعات، أقل ما كان يعرف اليونانيين. وقد أعجب بيكون بالفلاسفة الماديين اليونانيين، بينما ازدرى أفلاطون وهاجم أرسطو. وذكر بيكون من ألوان التقدم في غير ميدان الفلسفة: الاكتشافات الجغرافية التي قام بها المكتشفون وخصوصا ماركو بولو، والامخترعات في ميدان الصناعة مثل اختراع فن الطباعة واختراع البارود، كما خص بذكر الاكتشافات العظيمة في علم الفلك بفضل كوبرنيكوس وغاليليو. هؤلاء صنعوا عالما جديدا، وهذا العالم الجديد في حاجة إلى فلسفة جديدة. والفلسفة التقليدية صارت عقيمة ولا تصلح لهذا العالم الجديد. (بدوي، موسوعة الفلسفة ج1، 1984، صفحة 394)    

إن الفلاسفة التقليديين مثلهم مثل العنكبوت: لقد نسجوا أنسجة جميلة رائعة استمدوها من بطونهم، لكنهم لم يكونوا في اتصال مباشر بالواقع الحقيقي وهذا هو الواجب الملقى على الفلسفة الجديدة: الاتصال بالواقع الحقيقي. وإلى جوارهم عاش الكيمائيون الصنعويون الذين كان شأنهم شأن النمل: يجمع المواد من أي مصدر كان ويكدسها ولا يدري ماذا يصنع بها. هؤلاء العناكب والنمل لم يكونوا نماذج طيبة، بل ينبغي اتخاذ نموذج آخر، هو نموذج النحل الذي يفيد مما يجمع فيصنع منه عسلا مفيدا. (المرجع نفسه، صفحة 395)

من هنا، فكر بيكون في بناء برنامج ينطلق فيه بالنقد، نقد العوائق، ثم تصنيف العلوم، وتليها نظرية الأوثان وفي الأخير تأسيس الآلة الجديدة (الإستقراء الناقص).

أ- تجاوز العوائق:

بدأ بيكون، في المرحلة الأولى، بالنقد، متسائلا، كيف نتخلص من العائق؟ فرض ما يلي نصه:

*القياس الأرسطي:

يقول بيكون أن المعرفة ليست استدلالا من مبادئ أولية غير مختبرة، فالمعرفة تؤسس على التجريب. أما المنطق الأرسطي فهو عقيم، لم يحقق تقدما في المعرفة البشرية بقدر ما قيد العقول البشرية وكبلها لمدة قرون وقرون. وشأنه شأن المنهج الجدلي الفلسفي. لأن كلاهما يقومان على العرض، أي الإنتقال من قضية إلى أخرى، ثم النتيجة التي تترتب عن كلتا المقدمتان السابقتان. ولذا فكلاهما لا يضيفان حقائق جديدة إلى قاموس المعرفة البشرية، كما أنهما بعيدان عن الواقع الحقيقي. يصلان إلى نتائج صورية ليست في اتصال مباشر بالواقع الحقيقي. ونحن في العصر الحديث، في العالم الجديد الذي يفرض علينا أن ننتج له فلسفة فعالة جديدة متصلة بالواقع الحقيقي، لتفيد الإنسان الحديث. لهذا شبه الفيلسوف بالنحل الذي هو في اتصال بالواقع، يجمع مواد مفيدة، ليصنع بها ما يفيد الإنسان في العالم الجديد.   

*النزعة المدرسية:

هذا، ودحض النزعة المدرسية / السكولائكية، التي شاعت في عصر الظلمات، أو ما عرف بالعصر الوسيط الكنسي. اعتبارا أنها نزعة كلامية، لفظية، صورية، تفر من العلم الحديث، وتسعى لإحياء التراث الفلسفي اليوناني وخاصة ما تعلق بالمثل الأفلاطونية، والمنطق الأرسطي، وبيكون يرى أن المثل تشكل خطرا على الإنسان الحديث، والمنطق عقيم. فالعصر الحديث تطورت فيه العلوم، وظهرت فيه علوم جديدة وضعت عالما جديدا، إن هذا العالم الجديد بحاجة ماسة لآلة جديدة، أداة أو أورغانون جديد، لا يكتفي، من حيث المنهجية التي يتبعها بالعرض، بل يتعدى ذلك إلى كشف الحقائق المعرفية، بغية خدمة التطورات الحديثة ومسايرة العصر.  

*النزعة الإنسانية:

التي حاولت التخلص من قبضة الكنيسة وسعت إلى إحياء التراث اليوناني والروماني القديم، من منطلق أن التقدم الإنساني مرهون بالعودة إلى المجد. يعتبرها بيكون كنزعة هروبية، تعتمد على الماضي وتقف عليه، وتهمل العلوم. والعصر الحديث أو العالم الجديد هو: عصر العلم والكشوفات الجغرافية والتحولات الاقتصادية، عصر علاقة الإنسان بالطبيعة، وليس، علاقة الإنسان بالماضي، أو علاقة الإنسانبالخرافة واللاهوت.  

*النزعة التخصصية:

والحال تلك، نبذ النزعة التخصصية ودعى إلى التفتح على علوم العصر الحديثن والخروج من التخصص والتقوقع على الذات.

ولقد عالج بيكون فكرة عرضت له في الخامسة والعشرين هي اصلاح  العلوم، وإحياؤها بالتعويل على الطريقة الاستقرائية دون الطريقة القياسية. والغريب في أمره أنه كان يتصور العلوم على ما رأى بالجامعة وظل طول حياته قليل الإلمام بمكتشفات القرن الرابع عشر وعصر النهضة جاهلا بالرياضيات وربما اتخذ من شأن في تكوين العلم الطبيعي، بل إنه رمى كوبرنيك بالدجل ولم يدرك أهمية قوانين كيبلر وبحوث جليليو ، فهو لم يشغل بالعلم وإن كان أجرى بعض التجارب فهي لا تذكر. وقد وثق بالأمور وجاء بتعديلات غاية في الغرابة فاعتقد بالسحر الطبيعي وبالكيمياء القديمة وبالتنجيم ولم يكن أكثر تقدما من سميه روجر بيكون في القرن الثالث عشر، وإنما كانت أفكاره بالجملة أفكار العصر الوسيط المنقولة عن الرواقية والأفلاطونية الجديدة، لذا نجده يرمي علم عصره بالجمود والغرور ويتنبأ له بالاضمحلال ويعتبر نفسه داعية لعلم جديد يزيد من سلطان الانسان على الطبيعة، والحق أنه نفذ إلى ماهية العلم الاستقرائي وفطن إلى أغراضه ووسائله ثم حاول أن يرسم بنائه فوضع تصنيفا للعلوم وفصل القول في الطريقة التجريبية. (كمال محمد محمد عويضة، ص: 34، 35)

ونحن لو نظرنا في إنتاجه في جملته لوجدنا أنه يتميز بمظهر فريد: ذلك أنه كان لديه منذ زمن مبكر تصور عن مؤلفه في مجموعه، وهو الذي أطلق علسه بعد ذلك "الإحياء العظيم". والعنوان ذاته يبين عن طموح بيكون في مجال المشروعات العلمية. وخطة هذا الإحياء العظيم قد وردت في مقدمة كتابه الآلة الجديدة أو الأورجانون الجديد الذي يشكل أحد أجزاء الإحياء العظيم. هذه الخطة تحتوي على ستة أقسام: الأول تقسيم أو تصنيف العلوم. والثاني الأورجانون الجديد أو فقرات تتعلق بتفسير الطبيعة. الثالث ظواهر الكون أو التاريخ الطبيعي أو التجريبي لتأسيس الفلسفة. والرابع السلم العقلي أو دليل المتاهة. والخامس تمهيدات أو مقدمات للفلسفة الجديدة. والسادس الفلسفة الجديدة أو العلم الإيجابي. وتحقيق هذه الخطة يقتضي سلسلة من الأبحاث تبدأ أولا من الحالة الفعلية للعلم كما تصوره بيكون في وقته. ثم تمضي إلى دراسة الأورجانون الجديد ليحل محل أورجانون أرسطو. (حبيب الشاروني، فلسفة فرانسيس بيكون، 2005)

ب- تصنيف العلوم:

ولتحقيق الغاية التي استهدفها بيكون وهي إتخاذ علم قادر على السيطرة على الطبيعة، لا بد من القيام بتصنيف للعلوم يكون بمثابة خريطة، لعالم الفكر، تبين ما تم انجازه من العلوم، وما بقي علينا أن ننجزه، وهذا التصنيف يقوم على أساس ملكات النفس الإنسانية التي هي مقر العلوم. وهذه الملكات ثلاث وهي: الذاكرة، والخيال، والعقل. (بدوي، صفحة 396)  

والغرض منه ترتيب العلوم القائمة وبالأخص الدلالة على العلوم التي لم توجد بعد. وهو يرتبها بحسب قوانا الداركة، ويحصر هذه القوى في ثلاث: الذاكرة وموضوعها التاريخ، والمخيلة وموضوعها الشعر، والعقل وموضوعه الفلسفة. التاريخ قسمان: تاريخ مدني أي خاص بالانسان، وتاريخ طبيعي أي خاص بالطبيعة. فالتاريخ المدني ينقسم إلى قسمين: تاريخ كنسي وتاريخ مدني بمعنى الكلمة ينقسم بحسب الوثائق التي نستخدمها من مذكرات وعاديات وتراجم وتواريخ سياسية وأدبية وعلمية وفنية. والتاريخ الطبيعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: وصف الظواهر السماوية والأرضية، ووصف المسوخ فإنها تكشف عن القوى الخفية في الحالات العادية، ووصف الفنون فإنها وسائل الإنسان لتغيير مجرى الطبيعة وهي تستخدم القوى الطبيعية. ويرى بيكون أن القسمين الثاني والثالث لم يوجدا بعد. أما الشعر فقصصي ووصفي وتمثيلي ورمزي، فإنه عبارة عن تأويل القصص والأساطير واستخلاص ما تنطوي عليه صورها من رموز ومعان علمية، ومثل هذا التأويل قديم وكان شائعا في عصر النهضة. (كامل محمد محمد عويضة، فرانسيس بيكون، ص: 35، 36) أما الفلسفة فتتناول ثلاثة موضوعات: الطبيعة والإنسان والله. وتنقسم الفلسفة الطبيعية إلى: ما بعد الطبيعة أو علم العلل الصورية والغائية، وإلى الطبيعة أو علم العلل الفاعلية والمادية وهي تنقسم إلى الميكانيكا والسحر. وتنقسم الفلسفة الخاصة بالإنسان إلى ما يتناول النفس: علم العقل أو المنطق، وعلم الإرادة أو الأخلاق وما يتناول العلاقات الاجتماعية والسياسية. وأخيرا الفلسفة الإلهية أو اللاهوت الطبيعي يمهد له بعلم الفلسفة الأولى أو علم المبادئ الأولية مثل أن الكميات المتساوية إذا أضيفت إلى كميات نتجت كميات غير متساوية، وأن الحدين المتفقين مع حد ثالث فهما متفقان، وأن كل شيء يتغير ولكن لا شيء يفنى وما إلى ذلك، وهذا العلم هو الجذع المشترك بين علوم العقل. والتاريخ والشعر والفلسفة ثلاث مراحل متتالية يجتازها العقل في تكوين العلوم: التاريخ تجميع المواد، والشعر تنظيم أول للمواد أو هو تنظيم خيالي وقف عنده القدماء، والفلسفة تركيب عقلي. (المرجع نفسه) 

- المراجع:                                                                                                             - الشاروني حبيب. (2005). فلسفة فرانسيس بيكون. بيروت: دار التنوير، ط1.                                       – كمال محمد محمد عويضة. (1993). فرانسيس بيكون: فيلسوف المنهج التجريبي الحديث. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1.                                                                                                           – بدوي عبد الرحمن. (1984). موسوعة الفلسفة. ج1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.   

 

Modifié le: mercredi 26 novembre 2025, 19:14