النزعة الإنسانية

1- جذور النزعة الإنسانية:

الثابت أن النزعة الإنسانية تتشكل طبقا للحضارة التي نشأت في ظلها. بمعنى مفهومها يختلف من حضارة إلى أخرى نتيجة لعدة عوامل متداخلة ومعقدة، وبما أننا نريد أن نحدد النزعة الإنسانية من خلال الحضارة الغربية سنجد جذورها متمثلة في السوفسطائية وما اصطبغ به موقفها من صبغة إنسانية ورفضها لما هو دون ذلك، أي لما هو لا إنساني. إذ يترتب عنها الإيمان بعدم وجود إله أو آلهة. وبالتالي عدم إيمانها بوجود قوة أخرى غير الإنسان قادرة على تحقيق التقدم والتطور. وهكذا اختفت المواقف الثابتة المطلقة، ولم يعد الإنسان يؤمن سوى بالنسبية والتغير وابتعد عن الأحكام التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وعلى ذلك تمسك السوفسطائيون بضرورة رد القيم إلى الإنسان، ونظروا إلى تلك القيم أنها متطورة نسبية وأصبحوا بحق خير ممثل للنزعة الإنسانية في الفكر اليوناني. (الحفيظ م.، الفلسفة والنزعة الإنسانية، 2006، صفحة 12)

من هنا، وجه السوفسطائيين النظر إلى الإنسان وإلى معرفته ووجوده بعد أن كان النظر متجها إلى الأساطير والميثولوجيا في المرحلة الأولى، ومتجها إلى الطبيعة في المرحلة الثانية..إن الإنسان، يقول السوفسطائيون وعلى رأسهم بروتاغوراس مقياس الأشياء جميعا، مما يوجد منها وما لا يوجد وليست الآلهة. بل إن بروتاغوراس يذكر في كتاب له عن الآلهة أنه لا يستطيع أن يعلم ما إذا كانت الآلهة موجودة أو غير موجودة لأن أمورا كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم وأخصها بالذكر غموض المسألة وقصر الحياة. وكان السوفسطائيون يستهدفون من مهاجمتهم للدين واعتباره نسبيا أن يعلموا الناس أن ليس ثمة قانون إلهي ولا دولة وأن يدعوهم إلى التحرر من سلطان الدين وجبروته، وأن يمارسوا حقوقهم السياسية بمنأى عن الدين، وبدون خوف من رجاله. (محمد، 1988، صفحة 116)    

وليس بخاف علينا ارتباط النزعة الإنسانية في الفكر الغربي في عصر النهضة بالمفهوم السوفسطائي. وربما أن النزعة الإنسانية لدى الفكر السوفسطائي قد رفضت الدين على اعتبار أن مواقفه تتسم بالجمود والثبات وترفض التغير والنسبية، انعكس ذلك الموقف بالطبع على موقف المفكرين الغربيين في عصر النهضة الأوروبية وتمثل ذلك في رفضهم الدين المسيحي ووضعوا على عاتقه مسؤولية التخلف وعدم القدرة على تحقيق التطور والتقدم لعدة قرون. وعلى ذلك ارتبطت النزعة الإنسانية في عصر النهضة بمفهوم تلك النزعة في الفكر السوفسطائي. (الحفيظ م.، مرجع سبق ذكره، صفحة 13) إن السوفسطائية في الحضارة اليونانية، تعتبر الإنسان مقياس كل شيء، بل هو تموضع الذات في تحقيقها لإمكانياتها الذاتية خارج نفسها في العالم الخارجي. وعند النزعة الإنسانية الأوروبية لم تعد الطبيعة كما تصورتها التعاليم السكولائكية المدرسية بمعنى أنها في مقابل اللطف الإلهي وأن الطبيعة الإنسانية فاسدة بحكم الخطيئة الأولى، ولا سبيل إلى صلاحها إلا بفعل خارجي خارق على الطبيعة، هو فضل الله، مما يمنع كل تلقائية للروح وإرادة شخصية تكتسب لنفسها نجاحها. إنما أصبحت جزءا من العالم الإنساني نفسه. (الرحمن، 1947، صفحة 13، 14)

وعلى ذلك نجد أن النزعة الإنسانية في الفكر الغربي اعتمدت في تشكيل وجهة نظرها وتحديد ملامحها على الفكر اليوناني والروماني. واعتقدت تلك النزعة أن الفكر اليوناني والروماني كان مناهضا ورافضا للدين ولذلك تسنى لهم تأسيس حضارة وتحقيق تقدم ونمو. ولكن لم تكن هذه هي الحقيقة في الواقع ولكن من المؤكد أن تلك المجتمعات القديمة كانت لديها معتقداتها الدينية التي تتمسك بها. نعم إن تلك المعتقدات كانت لها ملامحها المختلفة عن الملامح الموجودة في الديانة المسيحية للمجتمع الغربي، ولكن ذلك لا يمنع من تأكيدنا على أن تلك المجتمعات اليونانية أو الرومانية لم تحتقر الدين ولم تحاربه بكل هذه القوة التي وجدناها لدى أصحاب النزعة الإنسانية في الغرب. (الحفيظ م.، مرجع سبق ذكره، صفحة 17)  

2- النزعة الإنسانية في عصر النهضة الأوروبية:

- تجاوز اللاهوت إلى العلم التجريبي:

وهكذا نجد منذ عصر النهضة أصبح من المؤكد أن الاتجاه العام في الفكر الغربي ترسخ لديه مقولة أساسية وهي أن الدين هو المسؤول عن كافة صنوف التزمت والجهل والشر في العالم وعليه لا بد أن ينتهي بكافة معتقداته، دون أن الدين وبين رجاله. ولذلك وجدنا ما يؤكد على ضرورة أن يوجه الإنسان اهتمامه إلى الأمور الدنيوية ولا يشغل نفسه بما يقع خارج هذا النطاق، ويؤكد على أن اللاهوت هو المؤكد أن ينتهي ويزول مهما كانت الأسباب والمبررات لأن الإنسان عليه أن لا يهتم إلا بموضوعات دنيوية خالصة وينبذ كل ما يتصل بالحياة الأخرى، لان سكان الأرض ينبغي أن لا يعنيهم ما يحتمل أن يقع خارجها، ولا يدخلوا في حسابهم القوى الخارقة للطبيعة وألا يشغلوا بالهم بنعيم الجنة أو بنار الجحيم. إن مصير اللاهوت هو الانقراض ولو استعان أهله برجال الشرطة ما استطاعوا اقناع الناس بعد اليوم بوجهات نظرهم. (الطويل، 1976، صفحة 442)  

هذا العامل مارس تأثيره العميق في تكاثر عدد من الأدباء والعلماء البزنطيين، في إيطاليا، بعد ضياع ملكهم، حتى صار الشغف بالأدب القديم عاما في القرن الخامس عشر، وكان الإيطاليون وكأنهم يعودون إلى أدبهم السالف، الأدب اللاتيني الملقح باليونانية. ومن إيطاليا انتشر الأدباء إلى فرنسا وإنجلترا وألمانيا وهولندا، وأسرع انتشارهما بفضا اختراع الطباعة في منتصف القرن. فكانت نهضة حقيقتها عودة إلى الثقافة القديمة، وثورة على ما استحدث العصر الوسيط من أدب وفلسفة وفن وعلم ودين. والحياة السياسة والاقتصادية. ورأى في هذه العلوم فريق كبير من الغربيين صورة إنسان الفطرة والطبيعة واعتبروا دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميت هذه النزعة بالإنسانية أي المذهب الإنساني، وسميت الآداب القديمة بالإنسانيات. وجاءت كشوف كولومبوس بمعلومات كثيرة عن شعوب كلنت بمعزل عن المسيحية وكان لها أديان وأخلاق. فظهرت فكرة الدين الطبيعي والأخلاق الطبيعية. وهكذا تكونت في الغرب المسيحي نظرة جديدة في الإنسان تقنع بما يسمى بالطبيعة وتستغني عما فوق الطبيعة، كأنها تقول لله : نشكرك اللهم على نعمتك، ولكنا بغير حاجة إليها. (كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، صفحة 5، 6)  

كما ميز العلم الحديث الفكر الإنساني وقدم "لبدأ ظهور الفلسفة الحديثة كانت نشأة العلم الحديث ونقصد بالعلوم الحديثة علوم الطبيعة والكيمياء والأحياء والفلك والرياضيات، والمقصود بالنشأة نشأة علوم الطبيعة والكيمياء والأحياء نشأة تجريبية تقوم على أساس المنهج العلمي الحديث المتمثل في الملاحظة والمشاهدات والتجارب وتحقيق النظريات العلمية تحقيقا تجريبيا. ونقصد بنشأة الرياضيات تطور العلوم الرياضية بفضل الاكتشافات الرياضية الحديثة، مما يعني أنه حدثت ثورة عارمة على علوم الطبيعة والكيمياء والأحياء التي كانت شائعة في الفلسفة الإغريقية وفلسفة العصور الوسطى من تأسيس نظريات علمية على أسس ميتافيزيقية لا صلة لها بالمشاهدات والتجارب. (إبراهيم إ.، مرجع سبق ذكره، صفحة 55)   

ومن خصائص الحركة العلمية التي نتحدث عنها اختراع الآلات العلمية التي أعانت العلماء على الدقة في الملاحظات والمشاهدات العلمية. ومن الآلات التي ظهرت بفضل المنهج العلمي اختراع الميكروسكوب عام 1590 والتلسكوب عام 1608، والترمومتر (جاليليو) والبارومتر (تورشيلي تلميذ جاليليو)، والمضخة الهوائية (جيريك)، وتطور صناعة الساعات بما يشبه الساعات في القرن السابع عشر بفضل نشاط جاليليو العلمي. ومن هؤلاء العلماء أيضا كوبرنيك Copernicus وكبلرKepler ونيوتن  Newton، وغيرهم أمثال: جلبرت  Gilbert الذي كتب كتابا في المغناطيسية عام 1600، ووليام هارفي الذي أعاد اكتشاف الدورة الدموية عام 1628. هذا، بالإضافة إلى تعاون مفكرون كثيرون على إقامة الهندسة التحليلية وعلى رأسهم ديكارت وحساب اللامتناهيات في الصغر على أيدي علماء أمثال: ليبنيتز ونيوتن. (المرجع نفسه، صفحة 56) هذا، بالإضافة إلى اختراعات أخرى مثل البوصلة وعدسات غاليليو والبارود والورق والطباعة التي أصبحت تستند إلى أفكار علمية رياضياتة جديدة فاقت الأفكار الدينية القديمة. من هنا، تبادر إلى أذهان العلماء الإنسانويين في عصر النهضة الأوروبية، بأن التقدم العلمي الذي سيخدم سعادة الإنسان ويحرره من الظلامية الخرقاء السالفة مرده ليس المشيئة الإلهية، بل فضلا عن ذلك، الإرادة الإنسانية الحرة. ولهذا فكروا في ضرورة غلق الكتاب الديني اللاهوتي وفتح كتاب الطبيعة العلمي التجريبي. الكتاب الأول خلق عالما مغلقا داخل نفق مظلم أنهكت فيه قدرات الإنسان التي استبدلت بإرادة مفارقة للأرض تدعي أنها تبحث عن حلول للمشكلات الإنسانية في السماء العالية، بالاستناد على المنهج اللاهوتي. والكتاب الثاني المنفتح على آفاق الإنسانية الحديثة يعمل في إطاره الإنسان الحديث بغية الانتقال من الظلمات إلى النور اعتمادا على منهج جديد ألا وهو المنهج الوضعي / العلمي. وهذا ما يتفق معه المفكر العربي كريم متي حينما يقول ما يلي نصه: "أدرك الإنسان بأن ما لديه من قوى كامنة كافية لتحقيق سعادته، وأخذ يبحث عن الوسائل للتعبير عن ذاته بقوة ووضوح ولذلك عرفت الحركة الإنسانية Humanisme لاهتمامها بالإنسان الفرد وبتحقيق ذاته في هذه الحياة الدنيا وفقا لما أوتي من امكانيات طبيعية." (متي، 1988، صفحة 13)

نقصد مما سبق، "أن الإنسان هو المسؤول عن كل ما يحدث من تقدم وتطور أو تخلف وجمود، على عاتقه وحده تقع مسؤولية تطور العالم ولن يتحقق ذلك إلا بالإنسان ومن خلال الإنسان. نعم، قد حدثت انتكاسات للإنسانية وجدنا فيها الإنسان متشتتا ضائعا لا يعي أو غير مدرك للدور المنوط به تأديته، حينئذ اصطبغت الإنسانية بالجمود والتزمت وتلاشت قدرتها على تحقيق التطور والتقدم، ووجدنا إنسانا باهتا لا معنى له أصابته الشيخوخة الفكرية، ابتعد عن الحياة وما يدور فيها من صراعات، متجاوزا الواقع ليس في سبيل التقدم، لكن التجاوز هنا إلى عالم خيالي لا وجود له. ولكن سرعان ما وجدنا الإنسان ينهض محققا التقدم متجاوزا الواقع، ولكنه ليس تجاوزا بمعنى أنه هروبا من الواقع ولكنه التجاوز الذي يأخذ نقطة انطلاقة من الواقع في سبيل تجاوز النقص والاضطراب لتحقيق التقدم." (الحفيظ م.، مرجع سبق ذكره، صفحة 11)

كان من آثار المذهب الإنساني العمل على سلخ الفلسفة من الدين، أو بعبارة أدق، العمل على إقامة الفلسفة خصيمة للدين، والحملة على الفلسفة المدرسية بالتهكم على لغتها وبحوثها وطريقة استدلالها؛ بل الحملة على العصر الوسيط بجميع مظاهره، ورميه بالجهل والغباوة والبربرية. (كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، صفحة 6) 

لهذا كان يغلب على الإنسانيين – وخاصة في إيطاليا – الاعتداد بالنفس، والثقة في الإنسان وعظمته وقدرته على التغيير وتحقيق مثله العليا، والرجل الغنساني في نظرهم يجب أن يكون فنانا، فصيحا، فيلسوفا، أخلاقيا، سياسيا، محبا للإطلاع، باحثا عن الشهرة بالإبداع في أدبه أو فنه. وكانوا يعبون عن أفكارهم بلغة لاتينية أدبية، موجهين اهتماما خالصا لجمال الأسلوب وانتقاء الألفاظ. وقد اعتمدت حركت إحياء العلوم على دراسة المخطوطات الإغريقية واللاتينية التي بحثو عنها في الكنائس والأديرة في شبه الجزيرة الإيطالية، وفي الولايات الألمانية وغيرها. ويعتبر بترارك أول زعيم لتلك الحركة فقد كرس حياته في إيطاليا لدراسة الأدب القديم. أوضح أن الإنسان يجب أن يهتم أولا بحياته على وجه الأرض قبل أن يوجه اهتمامه إلى أشياء تختص بالحياة الآخرة. وانتقد الكنيسة بقوة وصراحة، وتمنى أن يبدأ الشعب الإيطالي بقيادة العالم نحو فلسفة جديدة. تأثرت النهضة الأدبية في إيطاليا بآرائه وكتاباته، وكانت قصائده موضع اهتمام الأدباء الإيطاليين، يشرحونها ويحللونها ويحاولون محاكاتها. (نوار، صفحة 33، 34) ويتفق المفكرون فيما بينهم على أن النزعة الإنسانية تدور حول المعاني التالية:

1-     هي نظرة تدور حول الاعتقاد بأن خلاص الإنسان يتحقق بالجهد الإنساني وحده وهو اعتقاد مخالف كل المخالفة للعقيدة المسيحية التي تذهب إلى أن خلاص الإنسان يتحقق بفضل الله وحده ومن الإيمان.

2-     أنها مصطلح يطلق على تلك الحركة الفكرية التي سادت في عصر النهضة الأوروبية وكانت تدعو إلى الاعتداد بالفكر الإنساني ومقاومة الجمود والتقاليد، وترمي بوجه خاص إلى التخلص من سلطة الكنيسة وقيود القرون الوسطى.

3-     النزعة الإنسانية هي العودة للقديم دون تكراره، بل إنها قامت على إحياء وتطوير القدرات والقوى التي امتلكها القدماء وتمرسوا عليها، والتي فقدت في العصور الوسطى. (الحفيظ م.، 2006، صفحة 9، 10)

هكذا كانت ترى النزعة الإنسانية، [في عصر النهضة الأوروبية]، في الإنسان، أرفع القيم، وتدافع عن حريه وتطوره من كافة الجوانب، ولقد رفع لواءها دانتي و جيوردانو برونو وفرانسيس بيكون  وشكسبير وماكيافيللي ونيكولا دى كوسا الأفلاطوني. لقد كانت النزعة الإنسانية، منذ بداية عهدها، تمهيدا فكريا لمعظم الثورات التي قامت في أوروبا، وكانت موجهة للفلسفة الدينية والأخلاق الإقطاعية، ومن هنا كانت مطالبة بالحرية، والحق في التمتع بالحياة الدنيا، وتحرير الإنسان من الاضطهاد واللامساواة. واتصفت هذه النزعة بصفة التجريد، بسبب ردتها إلى مطالب الإنسان الأساسية لتحقيق طبيعة الإنسان. (إبراهيم إ.، مرجع سبق ذكره، صفحة 57)

4- النزعة الانسانية مع فلاسفة التنوير في العصر الحديث:

أما النزعة الإنسانية في صورتها الثالثة (العصر الحديث)، فإنها تتمثل في تلك الحركة الفلسفية التي انطلقت في النصف الثاني من القرن السابع عشر فشملت معظم الدول الأوروبية والتي قادها فلاسفة الأنوار Les philosophes des lumières الذين سخروا قواهم في مختلف صورها دفاعا عن الكرامة الإنسانية ضد التعسف السياسي وسلطة الحكام القمعية وظلامية أولئك الذين استوطنتهم الخرافة، فشيدوا، لتحقيق مقاصدهم أنساقا فلسفية تضرب في العمق كل ما من شأنه قد يعطل مغامرات العقل الحر الاستكشافية والتحررية حيال الطبيعة والسياسة المكبلة لقوى الإنسان المبدعة. ومن أشهر أعلام النزعة الإنسانوية الحديثة نذكر:

- الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت (1596-1650) Renés Descartes الملقب بأبي الفسفة الحديثة بالنظر إلى جذرية نشاطه العلمي والفلسفي سعيا إلى العثور على الحقيقة التي لا يتسرب إليها أدنى شك. أي بناء معرفة على أساس جديد ما دام أن الأسس القديمة، في نظره، احتمالية وحادثة فقط، يمكن أن تكون صادقة ولكنها يمكن أن لا تكون كذلك أيضا. وانتهى به الأمر إلى بناء ما يسمى ب: "فلسفة الذات" La philosophie du sujet يظهر فيها الإنسان يتخذ شكل "محور الوجود" يسعى إلى تسخير الطبيعة والأنظمة من أجل انبساطه وانشراحه تحقيقا لسعادته. (كشي، محاضرات في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، صفحة 15، 16)

- وإلى جانب ورني ديكارت، نذكر باروخ سبينوزا (1677-1632) Baruch Spinoza الذي يعتبر مع غوتفريد فايلهالم لايبنيتز (1646-1716) Gottfried Wilhelm Leibnitz أحد أهم فلاسفة النزعة العقلية الإنسانية في العصر الحديث، لكونه صاحب نسق فلسفي أقامه على أساس العقل الخالص اعتبارا أنه السبيل الوحيد الذي يؤدي بمن يحتذيه إلى استكناه الحقيقة في أشكالها وتجلياتها المختلفة، بما في ذلك الحقيقة الدينية، من منطلق أن العقل يسبق الإعتقاد ويحدده: نعقل ثم نعتقد وليس نعتقد ثم نعقل. كما اشتهر سبينوزا بحرصه على حرية الرأي والاعتقاد وبتأويله العقلي للكتاب المقدس لينتهي به الأمر إلى موقف علماني لائكي من مسألة طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة. (المرجع نفسه، صفحة 16)

- ومن أعلام الأنوار الإنسانويين، نخص بذكر جون لوك (1632-1704) John Locke. وهو فيلسوف ومنظر سياسي بريطاني مبدع، يعد من المؤسسين للفلسفة التجريبية التي نلمسها في أعماله الكبرى وأخص منها بذكر: "بحث في العقل البشري" و"رسالة في التسامح" و"بعض الأفكار في التربية" و"بحثان في الحكم المدني". في كتابه الأول، يعرض أهم تصوراته ومواقفه من مسألة طبيعة المعرفة وفلسفة الروح التي تذهب في الإتجاه المعاكس لنظريات الفلسفة العقلانية القائمة على مبدأ "فطرية الأفكار" Innéisme ou le principe des idées innées التي قال بها روني ديكارت ومن حذى حذوه في نظرية المعرفة. بيد أن شهرته الأساسية نستشعرها في فلسفته السياسية التي ألهمت بشكل كبير أعداد دستور الولايات المتحدة الأمريكية (1787)، حيث يظهر فيها على نحو أحد فلاسفة "العقد الإجتماعي"، (رسل ب.، 1977، الصفحات 189-232) عاش جون لوك فترة الحروب الدينية في بريطانيا العظمى فلزم عن ذلك ضرورة عقلنة الحياة الاجتماعية والسياسية، وضرورة اهتمام الإنسان بالسياسة اعتبارا أنها الوسيلة الوحيدة لتنظيم الإنسانية والإجتماع، في الواقع المعيش، وتجنب الدين بحيث لا يجب الرجوع إليه سوى في المسائل الروحية، وكان ذلك سببا رئيسيا في ظهور نظرية "العقد الاجتماعي" تبلورت على إثرها أفكارا سياسية جديدة على نحو "الحق الطبيعي" و"دولة القانون" أسست ملامح صرح ما عرف فيما بعد "بالليبيرالية". (كشي، المرجع نفسه، صفحة 17)

- ونحن نتحدث عن نظرية العقد الاجتماعي في "أنسنة" العصر الحديث، Humanisation des temps modernes، في كفاحها ضد العبودية في كل أشكالها وصورها، والظلامية والعقلية الغيبية، لا يمكن غض الطرف عن مساهمة جان جاك روسو(1712-1778) Jean Jacques Rousseau بأعماله الفلسفية والسياسية ذات الأثر العميق في التغيرات التي اعترت الإنسانية الاجتماعية في العصر الحديث، التي نلمسها أساسا في: "في العقد الإجتماعي أو في مبادئ الحق السياسي"، و"إيميل"، و"خطاب في أصل وأسس التفاوت بين الناس"، و"تأملات المتنزه الوحيد" وغيرها. هي أعمال أثار من خلالها قضايا فلسفية وسياسية وتربوية هامة، على نحو المساواة والتفاوت بين الناس وعلاقة الإنسان بالطبيعة، والحرية الحقيقية...الخ. ميز جان جاك روسو بين ما أسماه الحرية الطبيعية والحرية المدنية والأخلاقية، معتبرا الأولى شبه حرية لكونها ليست حرية حقيقية، لأنها معطى طبيعي؛ إنما الحرية الحقيقية، من منظوره، تكمن في فعل الإنسان الذي يجعله يتحكم في الطبيعة وفي نزواته على حد سواء. ومن هذا المنطلق، تتخذ الحرية الحقيقية سمات تعينها وتحددها إرادة الإنسان الطليقة (Libre Arbitre) المفعمة بالخير أي الإرادة العامة كما أـسماها في "العقد الاجتماعي". (المرجع نفسه)  

- ومن فلاسفة الأنوار الذين ساهموا في صنع العصر الحديث الأوروبي، لاسيما في بعده السياسي، نذكر أيضا شارل لويس دو سوكاندا بارون دو لابراد دو مونتيسكيو (1689-1755) Charles louis de secondât, baron de la Brède et de Montesquieu  الذي اشتهر بمساهمة في فلسفة الحق، انتقد من خلالها آليات التنظيم السياسية والاجتماعية في فرنسا، وبالضبط في روايته الموسومة ب: "رسائل فارسية" Lettres persannes نشرها سنة 1721، قصد منها لفت الانتباه إلى إعادة النظر في آليات التنظيم السياسي والاجتماعي. غير أن أفكاره الثورية الأساسية دونها في كتابه المشهور الموسوم ب : "روح القانون" L’esprit des lois الذي نشره سنة 1748 حيث قدم الصورة الفضلى لتوزيع المهام على الفاعلين في حقلي السياسة والإدارة داخل هياكل ممارسة السلطة، وذلك ما سمي فيما بعد في الأدب السياسي "مبدأ فصل السلطات" Le principe de la séparation des pouvoirs أي: السلطة التشريعية، السلطة القضائية والسلطة التنفيذية. ليساهم بعمله هذا لتأسيس مبادئ الديمقراطية في شكلها الأوروبي الغربي. (المرجع نفسه، صفحة 18) 

- بالإضافة إلى فلاسفة عصر التنوير، ومنظريه السياسيين الذين سبقت الإشارة إليهم أعلاه، لا يمكننا أن تقفز فوق جلالة الدور المركزي الذي لعبه العلم عند إسحاق نيوتن (1643-1727) Isaac Newton "في ظهور العصر الحديث وانفصاله عن سابقه؛ دور نلمسه في أهم تصوراته الفلسفية والعلمية في كتابه الجوهري الذي جاء بعنوان: "المبادئ الرياضية لفلسفة الطبيعة" Philosophiae naturalis principia mathematica، حيث يثبت أن حركة الأجسام والأشياء على سطح الأرض، وكذلك حركة الأجرام السماوية تخضع كلها لقوانين الطبيعة دون سواها، ليقضي بذلك على كل التأويلات الغيبية واللاهوتية، فيؤنسن العلم وسائر أشكال المعرفة البشرية." (المرجع نفسه)

- كما سنذكر، في عجالة، بعض أدباء العصر فولتير(1694-1778)Voltaire الذي كان يدعو إلى جعل إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار في كتبه منها: "رسالة في التسامح" Traité sur la tolérance. كما يجب أن نشير إلى مساهمة الموسوعيين في أنسنة الحداثة مثل جان باتيست لورون دالامبير(1717-1783)Jean-Batiste le rond d’Alembert ودونيس ديدرو(1713-1784)Denis Diderot لما قدما من خدمة من أجل عقلنة الحياة الاجتماعية بإخضاعها إلى سلطان العقل وحده اعتمادا على النقد الحاد والفعال قصد توطين الكرامة الإنسانية في نسيج الحياة الاجتماعية. (المرجع نفسه، صفحة 19)

إن أعلام النزعة الإنسانية في العصر الحديث كثيرون، وإذا غفلنا عمدا من ذكر أسمائها الثقيلة، مثل: إمانويل كانط (1724-1805) Emmanuel Kant وديفيد هيوم (1711-1776)David Hume وجورج فايلهلم فريدريش هيغل (1770-1831)Georg Wilhelm Friedrich Hegel ، فذلك لاجتناب التكرار، لأننا سنخصص لها متسعا من المكان لاحقا في السداسي الثاني داخل إطار الخوض في تفاصيل الفلسفة الحديثة.  

- المراجع:                                                                                                            – إبراهيم مصطفى إبراهيم. (ب.ت). الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم. الاسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر.                                                                                                                – أحمد كشي. (2023). مطبوعة بيداغوجية بعنوان: محاضرات في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة. الجزائر: جامعة الجزائر -2- أبو القاسم سعد الله.                                                                                         – برتراند رسل. (1977). تاريخ الفلسفة الغربية. الكتاب الثالث. الفلسفة الحديثة. ترجمة محمد فتحي الشنيطي، مصر: الهيئة المصرية للكتاب.                                                                                                – توفيق الطويل. (1976). أسس الفلسفة. ط6، مصر: دار الآداب.                                                     – محمد عبد الحفيظ. (2006). الفلسفة والنزعة الإنسانية. ط1، الاسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر.          – على عبد المعطى محمد.(1988). الفكر السياسي الغربي. دار المعرفة الجامعية.                                     – عبد الحميد البطريق، عبد العزيز نوار. (ب.ت). التاريخ الأوروبي الحديث من عصر النهضة إلى مؤتمر فيينا. بيروت: دار النهضة العربية.                                                                                           – عبد الرحمن بدوي.(1947). الإنسانية والوجودية في الفكر الغربي. مصر: مكتبة النهضة المصرية.                  – يوسف كرم. (1979). تاريخ الفلسفة الحديثة. القاهرة: دار المعارف.                                                – كريم متي. (1988). الفلسفة الحديثة (عرض نقدي). ط2، بنغازي: ليبيا.                                                         

Modifié le: mercredi 22 octobre 2025, 15:22