تفكك الفلسفة المدرسية (السكولائكية)
تمهيد:
في الحقيقة، إن الحديث عن تفكك الفلسفة المدرسية أمر يجعلنا نستحضر مسألة تضاؤل الكنيسة، وذلك من خلال مجموعة من الأدباء والعلماء والسياسيون الذين أثروا تأثيرا عميقا في ظروف العصر الوسيط الكنسي حيث كان غرضهم ممثل بتفكيك التعاليم الكنسية اللاهوتية اعتبارا منهم أن دحض هذه الفلسفة الوسطية أمر ينقل العصر الوسيط إلى عصر جديد عبر النهضة. ومن بينهم، نخص بالذكر ما يلي نصه:
- انتشار النزعة الإنسانية في أوروبا:
1- دانتي أليجيرى:
ولد في فلورنسا ودرس في جامعات إيطاليا وفرنسا. وكانت الأوضاع السياسية في فلورنسا غير مستقرة بسبب الصراع بين أنصار البابا وأنصار الإمبراطور، وزج دانتي أليجيرى (1265-1321) Dante Alighieri، بنفسه في هذا الصراع وانتهى أمره بالنفي خارج فلورنسا واتخذ من النفي الفرصة للإطلاع والتأمل، وكان يهيم حبا بفتاة تدعى بياتريس لكن لم يلبث أن اختطفها الموت فانصرف للمطالعة والكتابة، ومن أهم مؤلفاته:
*الكوميديا الإلهية: تكلم فيها عن زيارة خيالية قام بها إل الجحيم والجنة حادث في أثنائها النزلاء من رجال الدين والعلم والسياسة وقابل في الجنة محبوبته بياتريس. وتنقسم الكوميديا الإلهية إلى الجحيم والفردوس. نجح في تصوير العدالة الإلهية المطلقة التي لا تفرق بين الأمير الثري والفقير. والجحيم كما صوره كان يزخر بعدد من الباباوات ورجال الدين ورجال السياسة. (إبراهيم ش.، صفحة 30)
كتب الكوميديا الإلهية باللغة الإيطالية وبطريقة قصصية خيالية مشوقة. فهو يتخيل رحلة خيالية قام بها صحبة الشاعر اليوناني فرجيليو زار فيها الجحيم حيث وجد مكتوبا على بابها "الطريق إلى حيث يحشر القوم المجرمون"، دخل دانتي جهنم في زورق سار فيه ورفيقه في نهر يمتد إلى طبقات جهنم وتحدث مع الرهبان الذين باعوا صكوك الغفران للناس وجعلوا منها تجارة رابحة، رآهم في صورة مفزعة : رؤوسهم مغروسة في الأرض والنار مشتعلة في أقدامهم، ورأى المنجمين الذين خدعوا الناس بادعائهم الكشف عن الغيب، والخونة الذين خانوا أوطانهم واللصوص وقطاع الطرق والمرتشين ومرتكبي الخيانة الزوجية ورجال القضاء الذين لم يحكموا بالعدل وغيرهم، ينال كل واحد منهم العذاب حسب ما اقترف من ذنوب. ثم عبر دانتي ومرافقه إلى الجنة حيث ظهرت له معشوقته بياتريس وعلى رأسها تاج من أغصان الزيتون وعلى وجهها حجاب أبيض شفاف، وجابت معه أرجاء الفردوس حيث وجد أرواح الزهاد والشهداء والملوك العادلين ورجال الكنيسة المتصوفين، ثم رأى في الفلك الثامن المسيح عليه السلام ومن حوله القديسيون والأولياء وفي الفلك التاسع تمتع بمشاهدة رب العالمين حيث عجز عن وصف ما رأى. تتجلى في هذا الكتاب صورة الصراع بين روح العصور الوسطى المتجمدة وبين روح النهضة المتحررة، إذ دعى إلى الخروج من تعاليم الكنيسة حيث يضع بعض الباباوات ورجال الدين في جهنم. ولعل الدافع لوضع هذا المؤلف هو الإنتقام من أعدائه والتعبير عن آرائه المتحررة في بعض رجال الدين المنحرفين وغيرهم ممن ظلموا الناس، كما أراد أن يخلد اسم عشيقته بياتريس. (المرجع نفسه، صفحة 31،32)
*رسالة الملكية: وضع دانتي رسالة في الفلسفة أسماها الملكية أشار فيها إلى أن الحروب هي التي تعوق التقدم الإنساني ولذا فالسلام العالمي يجب أن يكن هدف رجال السياسة، وذكر أن تطلع رجال الدين صراعهم على السلطات الدنيوية واتجاههم لجمع الثروة هو سبب الشرور والنكبات في الماضي. ولذا يجب نشر روح التقشف والقناعة بين رجال الدين. ونادى في رسالته هذه إلى قيام الدولة العالمية لتحقيق السلام العالمي والخير للبشر جميعا، وهذه الدولة العالمية في نظره على نسق الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي يجب فيها أن لا يستمد الإمبراطور لقبه ونفوذه من البابا وأن لا يخضع لسلطانه. ولدانتي مؤلفات أخرى تناول فيها موضوعات متعددة في السياسة والأخلاق كما أن له قصائد شعرية وكتب أدبية. (المرجع نفسه، صفحة 32)
2- آراء مارتن لوثر الفلسفية:
*موقف مارتن لوثر من اللاهوت:
كانت تقاليد اللاهوت المسيحي منذ أنسلم هي أن اللاهوت هو: "الإيمان الذي ينشد التعقل". لكن لوثر وقف معارضا لهذا الاتجاه الذي ساد العصور الوسطى من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر. وقال بأن اللاهوت ليس تعقلا لمصدر العقيدة الإيمانية، بل هو فعل ونشاط عملي ينتسب إلى مجال الحياة العاطفية. وأكد أن اللاهوت لا يسعى إلى الفهم العقلي، بل إلى السلوك العاطفي الوجداني ابتغاء الطاعة. وكان لوثر يرى في العلاقة بين الفلسفة والدين أن كلاهما ينفصل عن الآخر، لان ملكة المعرفة في اللاهوت هي الإيمان، بينما ملكة المعرفة في الفلسفة هي العقل. وقد زاد لوثر على هذا أن ميدان كليهما مختلف أيضا، لأن ميدان العقل هو العالم المرئي المحسوس، هو هذه الدنيا، هو عالم الكون والفساد، الذي فيه كل شيء فان. ووظيفة العقل هي أن يكون الوسيلة التي يتوجه بها الإنسان في هذه الدنيا، التي هي المكان الطبيعي للفلسفة. أما ميدان اللاهوت فهو الحقائق الإلهية السماوية، السرمدية، الروحية. وهي حقائق إنما نحن نعرفها عن طريق الوحي، عن طريق إنجيل يسوع المسيح، عن طريق كلام الله، وندركها بواسطة الإيمان وتجارب الإيمان. (بدوي، 1984، صفحة 365)
*مسألة إلغاء دور القسيس في التوسط بين الإنسان والله كثورة ضد الكنيسة:
ويرد لوثر كل قوة وكل علة إلى الله، الذي هو العلة الأولى. ولهذا لا يرد إلى العلل الثانية إلا دورا ثانويا تماما. وقد استخلص النتائج اللاهوتية العملية، لهذه الفكرة. ومن أهم النتائج العملية التي استخلصها من هذا المذهب هو اسقاط كل توسط بين الله والإنسان، وبالتالي إلغاء دور القسيس في التوسط بين الله والإنسان، وبالتالي إلغاء نظام البابوية الذي يقوم على رأس هؤلاء الوسطاء. وقد سار في هذا الاتجاه شوطا طويلا، حتى نعت بابوبة روما بأنها من صنع الشيطان. (المرجع نفسه، صفحة 322)
3- ديزيديريوس إيراسموس روترداموس (1422-1536) Désiderius Erasmus Roterdamus:
ولد في روتردام، ومات في بال. نموذج الأنسي Humaniste الذي كان ينادي به في القرن السادس عشر أهل الثقافة. كان متضلعا في الأدب اللاتيني، وكتب كل كتبه باللاتينية، فعرف بشهرته العالمية، عان من الفقر، وترهب. ارتحل كثيرا إلى فرنسا وانكلترا حيث تعلم اليونانية في أوكسفورد وعلمها في كامبردج، وإيطاليا وألمانيا. من اهم كتبه "في مديح الجنون" الذي كتبه في سبعة أيام بدون الاستعانة بأي كتاب والذي سخر فيه عن غباء البشر وأخطاؤهم بدون أن يراعي الكنيسة أو الأمراء. (طرابيشي، 1987، صفحة 45) لقد "كان الأول صاحب أعمال أدبية لاذعة النقد والسخرية إزاء الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية الزائفة، ونخص أعماله بذكر كتابه الوارد عنوانه أعلاه: Eloge de la folie الذي جاء على شكل إنشاد وتظخيم كلامي على طريقة البلاغة الكلاسيكية التي استوحاها الانسانيون من المدارس القديمة. ليس الجنون المقصود مجرد صورة بلاغية التي عودنا عليها السوفسطائيون، وإنما إعلان جنون الإنسانية والآلهة على حد سواء بحيث يعالج أمراض والمزاعم الكاذبة التي لحقت البشرية في كل فئاتها وعلى كل مستوياتها، ذلك لأن الجنون، والحال تلك، مصدر السرور والسعادة في حين أن الحكمة لا تجدي نفعا ولا تغني فتيلا لما تثير من حزن وبؤس. (كشي، محاضرات في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، 2023، صفحة 14، 15)
وله آراء جيدة في التربية وفي التوجيه الأخلاقي والسياسي، ففي نفس العصر الذي كتب فيه ماكيافيللي كتابه الشهير "الأمير" وفصل فيه بين الأخلاق والسياسة، لأن السياسي لا أخلاق له، نجد إيراسموس يؤكد ضرورة أن يجمع السياسي بين الأخلاق والسياسة، فيراعي قواعد الأخلاق في سلوكه السياسي. كذالك يهاجم إيراسموس الحروب وقال عنها أنها: "غرق لكل الأمور الخيرة." (بدوي، الموسوعة الفلسفية ج1، 1984، صفحة 98) توطدت علاقته مع أهم إنسانيو عصر النهضة خارج إيطاليا وهو: توماس مور بالإضافة إلى مارتن لوثر الذي سيثور عليه فيما بعد. لكنه يبقى مرتبط بتوماس مور، فكان صديقه الحميم.
4- أعمال "توماس مور" الكاملة وجيوفاني بوكاتشيو:
أما توما مور، فهو صاحب بصيرة ثاقبة التي نستشفها من خلال أعماله الجسيمة المدونة في 21 مجلد بعنوان: "أعمال توماس مور الكاملة" التي نشرتها جامعة يال الأمريكية Complete works of Thomas More, Yale university, New haven نلمس فيها عمق التحليل الذي يكشف عن أسباب البؤس الاجتماعي والاضطرابات السياسية وما تثير من مشقة البشرية. (أحمد، 2023، صفحة 15) ونحن لسنا بحاجة لإعادة الدرس السابق الذي تطرقنا فيه لنظرية مور في اليوتوبيا بحيث توسعنا فيها. كما يجب تجنب تكرار مساهمة بيكو دولا ميراندولا وليوناردو دا فنتشي وغيرهما من رواد النزعة الإنسانية في إيطاليا أو خارج إيطاليا، في عصر النهضة الأوروبية.
وإلى جانب بيترارك، الذي نتاولنا أهم أفكاره في المحاضرات السابقة، "نجد جيوفاني بوكاتشيو (1313-1375) Giovanni Boccaccio الذي أجلى، من خلال أعماله الأدبية الكثيرة، جمال المرأة، فعظمه وجعله مبجلا وكذلك فعل بكل أشكال الحب، فذاء لبعده الإنساني ومناهضة لكل الصور المزيفة لإنسية الإنسان وماقتا لكل أشكال التزمت وما يلزم عن ذلك من التلفيق والنفاق" (كشي، المرجع نفسه، 2023، صفحة 14)، أنذاك في العصر الوسيط الكنسي.
- تضاؤل الكنيسة وزيادة نفوذ العلم في أوروبا:
1- نيكولا كوبرنيك ويوهان كيبلر: تزامن تهافت الثقافة الباباوية بصعود نفوذ العلم الوضعي بشكل يلفت الانتباه خوصوصا بعدما نشر نيكولا كوبرنيك خلال سنة 1543 نظرية "مركزية الشمس" المناهضة للاعتقاد المألوف والمعتمد رسميا من قبل أعلام الكنيسة، وأعني به نظرية "مركزية الأرض"، وإن كانت نظرية مركزية الشمس لم تعرف رواجها إلا في القرن السابع عشر بعد أن أدخل عليها يوهان كيبلر(1571-1630) Johannes Kepler وغاليلي اصلاحات، لتحتدم على إثر ذلك معركة العقل والنقل الطويلة بين دعاة العلم الوضعي ودعاة العلم اللاهوتي. الأول، بوصفه علما مفتوح الآفاق وقوي الأثر في واقع الإنسانية المعيش، والثاني بوصفه علما مذهبيا متحجرا يتخذ ذاته معيارا نهائيا للحقيقة في كل أشكال تجلياتها. وبين هذا وذاك، استمال العلم الوضعي انتباه واهتمام أغلبية فلاسفة العصر الحديث الساحقة بالنظر قيامه على العقل ومناشدته له. والجدير بالإشارة إلى أن اهتمام فلاسفة العصر بالعلم الوضعي لم يكن بسبب فعاليته النظرية في الاهتداء إلى الحقيقة النظرية فحسب، إنما كان الاهتمام به بشكل خاص نظرا إلى أثاره الدامغة في حياة الإنسانية العملية والتطبيقية بكل أبعادها ومستوياتها إذ انكشف العلم الوضعي على نحو جعله يتخذ صفة الأداة والوسيلة الفضلى لتغيير الطبيعة قصد الاستفادة منها. اكتشاف الإنسان منذ بداية العصر الحديث، نجاعة العلم في إصلاح أوضاع البشرية المادية بأوسع معنى العبارة، بدءا من كونه استقوى به في الحرب عند اكتشاف سلاح المدفعية في القرن الخامس عشر، لا سيما بعد أن تقلد كل من غاليلي وليوناردو وضائف حكومية بدعواهما اصلاح المدفعية وتطويرها وتحذيق وسائل التحصين. (كشي، 2023، صفحة 13) وفي هذا السياق يقول برتراند رسل في كتابه المعنون: "تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثالث، الفلسفة الحديثة" ما يلي نصه:
"لم تبدأ آثار العلم الهامة إلا قرب نهاية القرن الثامن عشر. ولقد عرف العلم رواجا كبيرا في هذا القرن بالضبط بسبب ما حققه من منفعة عملية تطبيقية في حياة البشرية، وكان هناك محاولة بغية فصل العلم من الجانب النظري، وجعله بدرجة كبيرة يتعلق بالجانب التقني. (...) وقد تغلغل نفود وجهة النظر هذه عند الفلاسفة منذ عهد قريب." (راسل، 1977، صفحة 7، 8)
- المراجع:
- أحمد كشي. (2023). مطبوعة الدروس النظرية بعنوان: محاضرات في الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة، جامعة الجزائر2، 2023. – برتراند راسل. (1977). تاريخ الفلسفة الغربية. الفلسفة الحديثة. الكتاب الثالث، ترجمة: محمد فتحي الشنيطي، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب. - شوقي الجمل، عبد الله إبراهيم. (2004). تاريخ أوروبا من النهضة إلى الحرب الباردة. القاهرة: المكتب المصري لتوزيع المطبوعات. – عبد الرحمن بدوي. (1984). الموسوعة الفلسفية (بجزأيها الأولى والثانية). ط1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. – جورج طرابيشي.(1987). معجم الفلاسفة. بيروت: دار الطليعة.