حركة الإحياء وعصر النهضة الأوروبية

1- مظاهر النهضة الأوروبية:

يجدر بنا أن نشير إلى أن كلمة النهضة Renaissance، ايطالية الأصل، يرجع اشتقاقها اللغوي إلى لفظ ريناتشيطة Rinascita أو ريناتشيمانطو Rinascimento التي تداولها لأول مرة رجال العلم والفن إبان القرن الرابع عشر في ايطاليا، حين يتحدثون عن أحوالهم المعيشية بالمقارنة مع أسلافهم من القرون الوسطى، علما أن المادة الفلسفية (الصراع بين دعاة النقل ودعاة العقل) والصناعة الفنية، كانت كثيرة الوفرة، ثرية وغنية النوعية، على مدى القرنين، مما جعل الحس العلمي والنقد الفلسفي و الفني النهضويين ينصبوا عليها بحثا لتنميطها Modélisation على النحو الذي يمتثل عليه العلم امتثالا جديدا، وكان ذلك خلال حركة النهضة الايطالية الأولى الممتدة من القرن الرابع عشر إلى نهاية القرن الخامس عشر، ليتم، على إثرها، اكتشاف الثقافتين الرومانية واليونانية القديمتين. (أحمد، 2022، صفحة 579، 580)

وهذا الأمر جعل رواد النهضة الأوروبية يعلنون "رأيا آخر، يفيد ضرورة إعادة النظر في إتخاذ النهضة الأوروبية سببا مباشرا في ميلاد الحداثة بكل أبعادها، على اعتبار الفكر المدرسي كان يحمل في ثناياه ما يكفي من الأفكار والتصورات والمادة المعرفية لرسم ملامح الفكر الحديث على نحو يكون هذا الأخير مجرد امتداد طبيعي للتراث عصر الوسيط الثقافي والعلمي، وذلك على الرغم من وضوح إيهاب الظلامية الخرقاء في ثوب التنجيم والهمجية والحروب الطاحنة المهلكة المتقطعة. ومع ذلك نود، من خلال هذا النص، استجلاء بصمات النهضة الأوروبية في إحداث قطيعة ابستيمولوجية مع النمط الفكري السائد في القرون الوسطى الأوروبية على مختلف مستويات النشاطات الثقافية لنستشعر التغييرات المستحدثة في بنية الأوروبي المتوسط الذهنية بالمقاربة الضمنية من عصر الوسيط. (كشي، صفحة 579)

ونستشف التغيرات المقصودة على المستويات الآتية:

أ- الكشوفات الجغرافية والتحولات الاقتصادية:

 في سنة 1045 دخلت أوروبا فترة تحول كبرى حيث توقفت هجرة الجرمان والآسيويين واستقرت أوروبا أوروبا في السكان. وتوسعت التجارة بشكل كبير في إيطاليا وجنوب فرنسا وهولاندا. فالنهضة التي بزغت منذ القرن 14م كانت فترة إنجازات للفنانين والمعماريين الأوروبيين وعصر الاكتشافات الكبرى وقتها حيث بدأت في القرن 15م باكتشافات بحرية للأراضي والبحار المجهولة. وأخذت البرتغال وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا تبني إمبراطورياتها الاستعمارية في أفريقيا وآسيا وأمريكا. وفي القرن 18م بدت صناعات جديدة تظهر وتتطور. شهد هذا القرن تحولات كبيرة في أوروبا ففيه اكتشفت القارة الأمريكية. (الحفيظ ع.، مرجع سبق ذكره، صفحة 41) 

وكانت حركة الكشوفات الجغرافية نتيجة من نتائج النهضة الأوروبية والتقدم العلمي، وقد ساعدة على نجاح حركة الكشوفات عوامل اقتصادية، فقد كانت السلع الشرقية كالتوابل، والعطور، والعقاقير الهندية والأقمشة الحريرية والبن وغيرها- تجد رواجا في أوروبا وكانت السلطات الحاكمة في مصر والشام تفرض على هذه السلع الشرقية رسوما فادحة كما حققت البندقية أرباحا خيالية من نقل هذه التجارة للشواطئ الأوروبية. هذا، وأدى العامل الديني المتمثل في الرغبة في تحويل السكان في البلاد التي تكتشف إلى المسيحية وأدت حركة التبشير إلى كشف الكثير من المناطق غير المعروفة. (إبراهيم ش.، 2004، صفحة 20، 21) فبعد عام 1450 وقعت مناطق واسعة من العالم تحت النفوذ الأوربي، فقد استطاع رواد مغامرون كمن أوروبا أن يكتشفوا ساحل أفريقيا، وشمال وجنوب أمريكا، وجميع المنافذ المائية التي توصل إلى الهند، وجزر عديدة في المحيط الأطلنطي والمحيط الهادئ، وبذلك وضع الأوروبيون أيديهم على معظم أنحاء العالم وكان ذلك أساسا للاستعمار الأوروبي الذي استمر قرونا وكان سببا في تغير مجرى التاريخ الحديث. وكان الدافع الاقتصادي هو أول الدوافع التي أوحت للأوروبيين بالاتجاه نحو الكشف عن تلك البلاد المجهولة والطرق البحرية الجديدة بين أوروبا والهند. (نوار ع.، صفحة 46، 47)  

وقد أشفرت الكشوفات الجغرافية عن نتائج هامة، كانتقال مركز التجارة من البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي وبدت الحياة في موانئ البرتغال وأسبانيا وأوروبا الغربية. والتقدم الصناعي الضخم للاستحواذ على المواد الخام المتوفرة في البلدان المكتشفة حديثا. والحال تلك، بخصوص ظهور مبادئ سياسية جديدة كسيطرة الرجل الأبيض والتفرقة العنصرية. هذا بالإضافة إلى مسألة تقدم الملاحة البحرية. وانقلاب جذري في علم الجغرافيا باتساع معلوماتنا عن شكل الأرض. ظهور ومعرفة محاصيل جديدة في أوروبا مثل البطاطس والكاكاو والتبغ والذرة. والإستعمار الحديث، فقد ترتب عن كشف مناطق جديدة في أمريكا وأفريقيا، إندفاع الأوروبيين للإستعمار حتى خيل للبعض أن الاستعمار ظاهرة جديدة. ويمكن القول أن الكشوفات الجغرافية هي الوجه المضئ للنهضة الأوروبية بينما الاستعمار هو الوجه القبيح لهذه النهضة. (إبراهيم ش.، صفحة 21، 22)

ب- النهضة العلمية:

كانت الحياة العلمية في العصور الوسطى مقيدة بقيود الكنيسة، ولذلك كانت الكشوفات العلمية نادرة، ولم يستطيع المشتغلون بالعلم أن يفكروا بطريقة فردية، بل كانوا يعتقدون فيما قاله أسلافهم، واضعين نصب أعينهم تطابق العلم بما ترضي به الكنيسة. بينما كان بعض الباباوات يحاربون أي دراسة حرة إذا لم تتمش مع الدراسات الدينية. مع أن اتصال الأوروبيين – وعلى رأسهم الإيطاليون – بالحضارة الإسلامية منذ القرن الحادي عشر ساعد أوروبا على أن تبدأ نهضة علمية بلغت أوجها في أوائل القرن الثالث عشر. ولم تكن تلك البداية نهضة علمية حقيقة ولكنها كانت بذورا نمت وترعرعت في القرن السادس عشر ثم بلغت عظمتها في القرن السابع عشر، وقد ساعدت الحرة الإنسانية على ظهور النهضة العلمية فقد كان معظم علماء النهضة ينتمون إلى تلك المدرسة، يهتمون بتحقيق النظريات العلمية ووصف ظواهر الطبيعة وصفا جديدا قائما على الملاحظة والعلوم الرياضية، ففي علم الفلك ظهرت نظرية الفلكي كوبرنيك التي محت الفكرة القديمة بأن الأرض ثابتة والشمس والكواكب تدور حولها، وأثبت بما لا يدع مجالا للشك أن للأرض حركة دائرية كسائر الكواكب وأنها تدور حول الشمس. وقد شهد القرن السادس عشر نهضة في علم الطبيعة (الفيزياء) والرياضيات والطب والعلوم الطبيعية والتجريبية وعلم التشريح (الفسيولوجيا). (نوار، مرجع سبق ذكره، صفحة 39، 40)   

ولقد تزعم حركة النهضة العلمية أعلام رسخت أسماؤهم في تاريخ الثقافة العلمية على شاكلة باولو توسكانللي (1397-1482)Paolo Toscanelli  عالم رياضيات وطبيب وعالم فلك حيث ساهم بأعماله في تطوير المباحث الفلكية بشكل جسيم، ونيكولا موبرنيك (1473-1543) Nicola Copernic الذي أحدث ثورة حقيقية بعمله العلمي الجوهري الموسوم ب: "ثورة الأجرام السماوية" Révolution des sphères célestes الذي كشف من خلاله نظريته الثورية (مركزية الشمس) Héliocentrisme وقدمها على نحو المضاد التام للنظرية الرسمية المعتمدة في عصره (مركزية الأرض) Géocentrisme التي تبناها وزكاها رجال الدين وفقا للنصوص الدينية السائدة والمعتمدة. (لويس، 1978، صفحة 73)

ذلك، هو الإنجاز العلمي الذي اعتبره عالم الابستمولوجيا المعاصر ألكسندر كويري (1892-1964) Alexandre Koyré والفيزيائي توماس صمويل كوهن (1922-1996) Thomas Samuel Kuhn بمثابة نقلة نوعية في علم الفلك، إذ تخلصت الإنسانية العلمية بمقتضاها من تصورها المقفل والمغلق للعالم لتنتقل إلى تصور آخر مفتوح ولا متناه: Une évolution qui fit passer l’humanité d’une vision d’un monde clos à un univers infini. وكيف لا يكون الأمر كذلك وهو الذي أثبت لأول مرة في تاريخ العلم أن الكواكب تدور حول الشمس وأن الأرض تدور حول نفسها. وإلى جانبه نذكر أندري فيزال (1514-1564) André Vesale الطبيب الذي ساهم في تطوير التشريح Anatomie والجراحة بفضل محاضراته المدونة في عمل قيم جاء بعنوان: "De humani corporis fabrica" "بنية جسم الإنسان" الذي نشر سنة 1543 ليلفت النظر ، من خلاله، إلى وجوب تحري أوضاع الإنسان وأحواله البيولوجية وضعيا بدل البحث عنها وتنقيبها حيث لا توجد. (كشي، مرجع سبق ذكره، صفحة 571)  

والحال تلك، لا يمكن أن لا نذكر غاليلي (1564-1642) Galileo Galilei  الذي ساهم بشكل جسيم في النشر والتدعيم العلمي لأعمال نيكولا كوبرنيك فضلا عن مساهمته الشخصية في علم الفلك والرياضيات وعن ابتكار أدوات القياس الرياضية الدقيقة وتوظيفها في قياس الظواهر الطبيعية للانتقال من ضبط العلاقات القائمة بين الظواهر الطبيعية على نحو 'كيفي' وما يلزم عن ذلك من السطحية والتقريب ومعرفة الإنسان للظواهر الطبيعية، إلى تقديرها تقديرا كميا وما يلزم عنه من الدقة في معرفته للظواهر الطبيعية والإنسانية، بالإضافة إلى نضاله الحثيث ضد الفكر الظلامي الذي لزم القرون الوسطى ولاسيما مشاداته مع رجال الكنيسة وشراسة احتجاجه على سلطة الثقافة البابوية المتزمتة، بحثا على تأسيس المعرفة على معول العقل العلمي دون سواه. (كشي، المرجع نفسه) 

Modifié le: mercredi 22 octobre 2025, 15:24