1. المنظور الإسلامي لحقوق الطفل

1.1. الحق الأول: حق حفظ النفس

 

أول حق للطفل حقه في الحياة؛ كون الطفولة من مظاهر القدرة الإلهية:

ألا ترى أن الله تعالى خلق الطفل في رحم المرأة من نطفة هي غاية في الصغر لا ترى إلا بالمجهر المكبر، قال تعالى: ]إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً[[الإنسان :2] ثم بعد فترة وجيزة من الزمن يُخرج الخالق البارئ المصور من هذه النطفة وليداً طفلاً على صورة بديعة الخلق، قال تعالى: ]لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم[[التين : 4]، وفيه ما فيه من طاقات هائلة، ودوافع كامنة، وحاجات متزايدة تتفتح يوماً بعد يوم؛ تبهر العقول وتنمو في استواء واعتدال؛ ]فتبارك الله أحسن الخالقين[[المؤمنون:14].

اختيار الأبوين الصالحين:

إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يهتم بهذا الأمر وأغفله، وكذلك لم تهتم منظمة اليونيسيف بحقوق الطفل قبل أن يولد كما حفظها الإسلام.

فالضمان والأمان للطفل وحقوقه يكمن في العلاقة الشرعية السليمة بين الأب (الرجل) والأم (المرأة) واختيار كل منهما للآخر بعقد زواج شرعي؛ لأن الحمل قبل عقد زواج مشروع هو من الزنا، والزنا اعتداء على الطفل نفسه إذا نتج عن تلك العلاقة غير المشروعة حمل غير شرعي.

حسن اختيار الزوج والزوجة:

يدعو الإسلام الراغبين في الزواج إلى أن يختار كل منهم زَوْجَه اختياراً واعياً، ولا يتم ذلك إلا بعد التأكد من إيمانه بقيم الدين، والتزام فرائضه والتمسك بحسن أخلاقه، وبعد الوقوف على أحواله الصحية وسلامة جسمه من الأمراض والعلل، يقول رسول الله e: "إذا أتاكم مَن ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"([1])، ويقول e موصياً أمته بالحذر من المرأة الحسناء تنساق وراء الجمال، ولا خُلُق لها ولا دِين: "إياكم وخضراء الدمن"([2])، ويقول e: "تخيروا لنطفكم؛ فإن العرق دساس"([3]).

وتبرز أهمية الاختيار في أن يكون بناء الأسرة قائماً على التجانس المشترك من الطرفين، كما يقوم على القدرة على التعاون بين الطرفين ليسيرا في قافلة الحياة بسعادة وهناء في الدنيا، ونجاة وفلاح في الآخرة.

وهذا من أجل أن يُهَيَّأ للطفل المنتظر المحضنُ الصالح؛ الذي يُعدُّه لحياة عملية وفكرية وسلوكية راقية؛ فلا يكون نقطة سوداء في مجتمعه.

ويكون ذلك باختيار الرجل المناسب ليكون أباً يشعر بمسئولياته، ويقوم بواجباته تجاه زوجته وأولاده، وباختيار المرأة المناسبة لتكون أماً تشعر بمسئولياتها تجاه زوجها وأولادها.

فالأب الناجح (غالباً) في إدارة الأسرة هو الإنسان الصحيح أخلاقياً ونفسياً واجتماعياً وجسمياً، وهو الذي يستطيع ألاَّ يُحْدِثُ فجوات بينه وبين زوجته، وقل مثل ذلك في الزوجة الناجحة.

العناية بالجنين وتنظيم الحمل:

ومن الاهتمام بالطفل قبل ميلاده يدعو الإسلام إلى التزام الأبوين عملية التباعد بين الحمل والحمل الآخر، كي تشعر بفترات راحة تستعيد فيها قوتها وقوة احتمالها في سبيل تحقيق رفاه الأسرة.

وهذا مأخوذ من القرآن الكريم، يقول الله تعالى: ]ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين[[لقمان: 14]، ويقول سبحانه وتعالى: ]وحمله وفصاله ثلاثون شهراً[[الأحقاف: 15]، ويقول عز وجل: ]والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة[[البقرة: 233].

كما أن الجنين محتاج لرعاية مستمرة عن طريق العناية بصحة الأم الجسمية والذهنية والنفسية وتغذيتها بالغذاء المفيد، وتهيئة الأجواء النفسية المريحة لأعصابها وتفكيرها في الفترة التي تسبق الولادة والفترة التي تعقبها.

فمن حيث الأسباب:

تُعّدُّ تغذية الجنين ووجوده في بطن الأم مُعافاً صحيحاً معتمدة كلياً على توفير العناية الصحية للأم، وتقديم الوجبات الكافية من الطعام المشتمل على عناصر الغذاء الضرورية، والإنفاق عليها بسخاء، قال الله تعالى: ]وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف[[البقرة: 233]، والمولود له هو الزوج (الأب)، فينبغي أن يعتني بتغذية الزوجة الحامل، وألا يهمل هذا الجانب المهم حفاظً على صحة زوجته (الأم)، وعلى الجنين من ناحية ثانية، وعلى سلامة الأسرة كي لا تتعرض هي أو أحد أفرادها في المستقبل للأمراض والعلل التي تكلف الكثير من النفقات والمتاعب النفسية، فينبغي أن توضع الترتيبات بحيث تتضافر الأسرة والمجتمع والدولة في تأمين الغذاء للحوامل والأمهات وتوفير الأجواء المناسبة لراحتهن.

إذ لا ضرر ولا ضرار:

ولا فائدة في الزواج والحمل والولادة إذا كان في ذلك إضرار بالوالدة أو الوالد أو الولد أو بالمجتمع، فقد كان e يكثر من الدعاء: "اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء"، قيل: وما جهد البلاء يا رسول الله؟ قال: "قلة المال وكثرة العيال"([4]).

وهذا يتطلب من الزوج أن يخطط لتنمية موارده وضبط نفقاته ومصاريفه مهما كان حجم الموارد والمصاريف، ومع الزمن تصبح لديه خبرات واسعة في القيام بمسئوليات الأسرة، وإدارة شئونها ورعايتها، وهذا يقتضى ألا يترك رب الأسرة أسرته نهباً للجوع والحرمان والحاجة مما يؤثر في صحة الزوجة والأولاد ويعرضهم للعلل والأمراض، والضعف والهزال والإرهاق وفقر الدم بالإضافة إلى إلحاق الضرر الأخلاقي والانحراف السلوكي في حياة أفراد الأسرة، قال رسول الله e: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت"([5]).

وورد أن رجلاً مر على النبي e وأصحابه فرأوا من جَلَدِه ونشاطه، فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال e: "إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان"([6]).

التمييز ضد الأنثى:

حمل القرآن الكريم حملة شديدة على الذين احتقروا الأنثى وعاملوها معاملة غير إنسانية، وقسوا عليها، وحرموها كثيراً من حقوقها الفطرية التي تقتضيها إنسانيتها.

ولعل من أبرز أسباب احتقار المرأة لدى الشعوب في العالم:

1-              أنها جالبة للعار وبخاصة عندما تسبى من قبل الغزاة.

2-              أنها ضعيفة لا تشترك في قتال ولا تدافع عن الحمى.

3-              أنها رجس من خلق الشيطان، أو خلق إله غير آلهتهم التي يزعمونها.

4-              أنها تكلفهم نفقات لعيشها وهم غير قادرين على تأمينها.

5-              أنها سبب خطيئة آدم التي أخرجته من الجنة.

6-              أنها من عداد الماشية.

وبناء على نظرتهم هذه قسموا أطفال الإنسان إلى قسمين:

قسم طاهر زكى من خلق آلهتهم وهو جنس الذكور.

وقسم مدنس بالرجس من خلق الله وهو جنس الإناث.

وهذه النظرة إلى الأنثى دفعتهم إلى ممارسات مجانبة للحق، ومنافية للعدل، ومغرقة في الظلم والضلال.

غير أن الإسلام بتعاليمه السمحة وإرشاداته الرشيدة أبطل كل هذه الادعاءات والمزاعم، وسَفَّهَ تلك النظرات الجائرة التي عاشت في العالم وما زال بعضها يعيش إلى يومنا هذا.

قال الله تعالى: ]وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون[[النحل: 58-59].

فالتمييز بين الذكر والأنثى خلل في العقيدة، يظهر فيه اعتراض على حكمة الله تعالى في خلقه، وفيه اعتراض على مشيئته النافذة في استمرار الحياة على الأرض بوجود الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ]لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير[[الشورى: 50].

وفي توجيهات رسول الله e (محافظة على النسيج الاجتماعي، والتكافل الأسري) قال: "مَن عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه"([7])، وقال e: "من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن. وصبر عليهن. واتقى الله فيهن دخل الجنة"([8])، ويقول رسول الله e: "من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن وسقاهن وأطعمهن وكساهن من جِدَتِهِ (أي ماله) كن له حجابا من النار يوم القيامة"([9]).

حق الطفل في الحياة:

حَرَّم الإسلام قتل النفس الإنسانية بغير حق، تحريماً قاطعاً، قال الله تعالى: ]ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق[[الأنعام: 151 والإسراء: 33]، وقال الله تعالى: ]ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق[[الفرقان: 68]، وهذه نصوص صريحة في أن الإسلام جعل للنفس البشرية حرمتها وكرامتها.

ولم يفرق في ذلك بين طفل وشيخ وشاب، ولا بين ذكر وأنثى، بل كان النص واضحاً في قوله تعالى: ]ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم[[الأنعام: 151]، وقال الله تعالى: ]وإذا الموءودة سئلت. بأي ذنب قتلت[[التكوير: 8- 9].

فحق الإنسان في الحياة ذكراً أو أنثى قررته شريعة الله في محكم التنـزيل، فمن حق كل إنسان أن يتمتع بحياته وأن يعيش آمناً على دمه ونفسه، ومن حقه أن يدافع عن نفسه ويدفع كل خطر يهدده، ومن حقه أن يُهَيَّأ له كل ما يُبْقِي على حياته من وسائل العيش من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وتطبيب ودواء، وفي بيان الحاجات الأصلية للإنسان كانت الإشارة القرآنية إلى ما توفر لآدم عليه السلام في الجنة؛ إذ قال تعالى: ]إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى[[طه: 118-119 ].

والاعتداء على هذا الحق جناية عظمى لا ينبغي التساهل مع مقترفها، ولا ينبغي النظر إليه من منظار الرأفة والعطف والشفقة، ولا ينبغي النظر إليه من حيث فرديته؛ فالحفاظ على الجماعة أولى من التبرير لخطأ الفرد أو عمده، يقول الله تعالى: ]يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون[[البقرة 178- 179].

ومن حق الحياة المشروع جاء تحريم الإجهاض؛ حسب التفصيل الفقهي الذي اتفق عليه بالتحريم المطلق بعد نفخ الروح، وبالكراهة قبل ذلك، مع الإشارة إلى قول فقهاء المالكية بتحريم الإجهاض منذ اليوم الأول للحمل، وجعل الإسلام للجنين المقتول خطأ دية معلومة في الشريعة ليقدم أعظم تشريع لقيمة الحياة الإنسانية وحق الحياة.

وهذا التحريم يشمل إسقاط الجنين بالإجهاض وإن كان ابن زنا، إلا إذا كان في ذلك إنقاذ لحياة الأم التي هي أصل حياته وكان ذلك ضرورة لازمة شرعاً وعقلاً وصحة.




([1]) رواه الترمذي.

([2]) رواه الدارقطني.

([3]) رواه ابن ماجه.

([4]) رواه الدارقطني.

([5]) فتح الباري شرح صحيح البخاري.

([6]) رواه الطبراني بسند رجاله رجال الصحيح.

([7]) رواه مسلم.

([8]) رواه ابن ماجه.

([9]) رواه الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر الجهني.