1. الاسس النظرية والفلسفية للبحوث الكيفية

المحور الثاني الأسس الفلسفية والنظرية للبحث الكيفي

النموذج التفسيري الظاهرائي

تقدم النظرية التفسيرية (الظاهرتية) منظوراً مختلفاً عن الاتجاهات التقليدية، إذ أنها تجنح إلى تفسير الظاهرية الاجتماعية ليس من منظور كلي أو فوقي، وإنما تعتمد على التفسير الذاتي، وعلى الخبرة الذاتية للأفراد وطريقة تفسيرهم للأحداث أو المواقف اليومية، ويتبع ذلك التفسير من تحريتهم ومن البيئة التي تشتوا فيها، فالفنيو منيولوجيا Phenomenology" كانت بديل نظري لاتجاهات عجزت عن الوفاء بمتطلبات السلوك الإنساني وتحليل المعاني التي ينطوي عليها، خصوصا تلك الاتجاهات المرتبطة بالنزعات الوضعية والروافد المعاصرة لها، فهو اتحاد بعارض الاتحاد الكمي الإحصائي، ويتجه إلى دراسة الحياة اليومية وعلاقات التفاعل بين الأفراد من وجهة نظر الأفراد أنفسهم، وتقييمهم للموقف الاجتماعي الذي يتم داخله التفاعل، فالفنيو منيولوجيا مدخل يهتم بوصف الموضوعات وتحليلها كما تبدو في وعي الأفراد وصفا مباشرا يساعد على إدراك جوهرها، وإدراك حقيقتها، كما يوجه الاهتمام للمفاعلين أنفسهم والمعاني التي يضفيها الأفراد على واقعهم، ويحاولون وصفها وتكوينها داخل خيراتهم..

وتعتمد الدراسة الظاهرية على المقابلات المطولة بعض الشيء تستعرف المقابلة الواحدة من ساعة إلى ساعتين) مع مفحوصين يتم اختيارهم بعناية شديدة، وعادة ما تتم المقابلات مع عدد يتراوح بين 5 إلى 25 شخصا ممن لهم حيرة مباشرة بالموضوع محل الدراسة، ويعتمد التنفيذ الفعلي للدراسة الظوهرية على المشاركين "Participants" وكفاءة الباحث، وذلك من خلال المقابلات الشخصية غير المقننة، أي أن الأسئلة تكون مفتوحة، وفيها يقود الباحث المشاركين للوصول إلى قلب الموضوع، ويستمع الباحث بدقة أثناء وصف المشاركين الخبراتهم بالظاهرة، ويجب على الباحث أن يكون شديد الانتباه والتركيز على التفاصيل والأدلة الدقيقة للموضوع كما تعكسها تعبيرات المشاركين وإجاباتهم وأسئلتهم وموضوعاتهم الجانبية التي يطرحونها، وطوال عملية جمع البيانات على الباحث أن يستبعد تصوراته المسبقة أو خيراته الشخصية التي قد تؤثر فيما يسمعه من المشاركين، وقد يكون هذا الاستبعاد من الصعوبة بمكان، لكنه ضروري إذا أراد الباحث الحصول على معلومات ذات دلالة الخيرات المشاركين بشأن موضوع البحث.

التفاعلية الرمزية

تعد النظرية التفاعلية الرمزية محوراً أساسياً في علم الاجتماع المعاصر، حيث تنظر إلى المجتمع كبناء حي يتشكل من خلال تفاعلات الأفراد اليومية ورموزها، بدلاً من كونه مجرد هياكل جامدة. وتقوم فكرتها الجوهرية على أن البشر يتصرفون تجاه الأشياء والأحداث بناءً على المعاني التي يضفونها عليها، وهي معاني تنشأ وتتعدل باستمرار عبر عملية التواصل الاجتماعي والتأويل الشخصي، مما يجعل الواقع الاجتماعي نتاجاً ذهنياً مشتركاً وليس حقيقة موضوعية ثابتة.

وتركز النظرية على تحليل الوحدات الاجتماعية الصغرى مثل الأسرة وجماعات الأصدقاء، معتبرة أن الفعل والذات هما أبسط صور المجتمع.

فمن خلال التفاعل، يستخدم البشر الرموز - والتي تشمل اللغة والإيماءات والصور الذهنية - لتبادل التوقعات وفهم أدوار الآخرين حيث يضع الفرد نفسه مكان الطرف الآخر لتوجيه سلوكه الخاص، وهو ما يربط بين عقول الأفراد وحاجاتهم في نسق متصل يدمج الفرد في قلب المجتمع ويجعل المجتمع يعيش في وعي الأفراد.

كما تشير الفرضيات الأساسية لهذه النظرية إلى أن الانطباعات التي نكونها عن أنفسنا وعن الآخرين هي بناءات شخصية ناتجة عن التفاعل الرمزي، وهذه الصور الذهنية هي التي تحدد طبيعة العلاقات اللاحقة بغض النظر عن جوهر الشخص الحقيقي. فاللغة تلعب الدور المحوري في صياغة الأنشطة الذهنية، وبواسطتها يتم الاتفاق على الحقائق الاجتماعية، مما يحول المواقف اليومية إلى مسرح لتبادل المعاني وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وتدعيمه من خلال الفهم المشترك.

وفي النهاية، يرى هذا المنظور أن السلوك الإنساني ليس مجرد استجابة لمؤثرات خارجية، بل هو عملية تفسير واعية، حيث يقوم الأفراد باستنتاج أدوار الآخرين وتكوين أنماط فعل جديدة بناءً على ذلك التقدير. وبناءً عليه، يصبح المجتمع شبكة معقدة من التفاعلات التي تعتمد في استمرارها على قدرة البشر على استخدام الرموز وتفسيرها، مما يمنح الحياة الاجتماعية طابعاً مرناً يتغير بتغير المعاني التي يتداولها الناس في مواقفهم المختلفة.

البحوث الكيفية التأويلية:

تعد العلوم الإنسانية حديثة النشأة حيث لم تستقل بنفسها إلا في بداية القرن التاسع عشر، وعندما أرادت أن تصنع لها مكانة ضمن باقي العلوم، واجهت مشكلة المنهج الذي يوصلها إلى تلك الغاية، فهناك من رأى أن عليها تبني منهج التفسير كباقي العلوم الطبيعية، خاصة مع أنصار النزعة الوضعية، الداعين إلى وحدة العلوم، وهناك فريق آخر اعترض على تلك الدعوة المجحفة في حق العلوم الإنسانية كونها لها خصوصية لا مثيل لها عند تلك العلوم المغايرة لها، سواء على مستوى الموضوع أو مستوى المنهج، فإذا كان منهج التفسير يلاءم الظاهرة الطبيعية، فإن المنهج الأنسب للظاهرة الإنسانية هو الفهم، والفهم كلمة متميزة عن التعليل الذي يقوم عليه العلم الدقيق، الفهم يقوم على الربط بين الجانب الداخلي والخارجي

وتعد البحوث الكيفية التأويلية نوع من البحوث التي يهدف من خلالها الباحثون في علم الاجتماع إلي فهم المعاني التي يعطيها المبحوثين أو الأفراد إلى حياتهم وإنجازاتهم الخاصة، وهنا يكون المعنى الذي يعطيه المبحوثين لأفعالهم هي وحدة الملاحظة والتحليل الذي ينشغل عليها الباحث، وهنا تتدخل ذاتية الباحث في فهم وتأويل هذه المعاني التي يعطيها الأفراد لسلوكياتهم وأفعالهم.

حيث يقوم التأويل (الهرمنيوطيقا) "Hermeneutics " على فلسفة التعمق خلف ما هو ظاهر من تعبيرات و علامات ورموز للكشف عن المعاني الكامنة والجوانب غير المعينة من الخبرة أو التجربة في محاولة لفهم المجهول بالمعلوم، حيث تبدأ عملية الفهم دائما من المعلوم في تجربتنا لتنفذ إلى المجهول، في محاولة لفهم التجربة التاريخية، فالقصد من عملية التأويل إزالة الغموض الذي يبدو في الظاهر، وكشف الحقائق الخفية التي لا تظهر إلا بالتعمق في دلالات المعاني، لذا اهتمت الهرمنيوطيقا في بادئ الأمر بتحليل النصوص المكتوبة، وكانت تعرف بفن إدراك وتحديد المعنى المختبئ في النصوص " ..

البنيوية:

تُعدّ البنيوية من أبرز التيارات الفكرية التي ظهرت في القرن العشرين، وقد ارتبطت أساسًا بالتحول المعرفي الذي أحدثه اللساني السويسري Ferdinand de Saussure في مجال دراسة اللغة. فقد أحدث هذا الأخير قطيعة مع الدرس اللغوي التقليدي التاريخي والمقارن، الذي كان يهتم بتطور اللغة عبر الزمن، ودعا إلى دراسة اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها بوصفها نظامًا قائمًا بذاته. ومن هنا انطلقت البنيوية باعتبارها منهجًا يركز على مفهوم "البنية" أو "النسق"، أي الكل المتماسك الذي تتحدد عناصره من خلال العلاقات التي تربط بينها، لا من خلال خصائصها الفردية المعزولة. فالبنية ليست مجرد تجميع لعناصر، بل هي شبكة من العلاقات الداخلية الثابتة التي تمنح الكل معناه ووظيفته.

واصطلاحًا، تشير البنيوية إلى دراسة الظواهر المختلفة (كاللغة، والمجتمع، والأسطورة، والعقل) بوصفها أنظمة مترابطة، حيث لا تُفهم هذه الظواهر إلا من خلال تحليل العلاقات الداخلية التي تربط عناصرها. وهذا ما أكده كل من Lucien Sève وLeonard Jackson، إذ شددا على أن البنيوية تنظر إلى الظاهرة كوحدة كلية متكاملة لا يمكن اختزالها إلى مجموع أجزائها، وأن التحليل البنيوي ينصرف إلى كشف القوانين التي تحكم ترابط هذه الأجزاء داخل النسق.

وقد تبلورت البنيوية اللسانية مع صدور كتاب "محاضرات في اللسانيات العامة" سنة 1916، حيث أرسى دي سوسير أسس اللسانيات الحديثة القائمة على المنهج الوصفي، الذي يعتمد على الملاحظة المباشرة للظواهر اللغوية، بعيدًا عن الأحكام المعيارية أو التفسيرات الخارجية. وقد ركّز على دراسة اللغة كنسق داخلي مستقل، مؤكدًا أن موضوع اللسانيات هو اللغة في بنيتها الآنية، لا في تاريخها فقط، مما جعل منه الأب المؤسس للبنيوية، وإن لم يكن الوحيد.

وانطلاقًا من هذا التصور، بنى دي سوسير تحليله على مجموعة من الثنائيات المتقابلة التي شكلت أساس التفكير البنيوي، ومن أهمها:

أولًا: ثنائية اللسان (Langue) والكلام (Parole)
يميز دي سوسير بين اللسان بوصفه نظامًا اجتماعيًا من العلامات اللغوية المشتركة بين أفراد المجتمع، وبين الكلام باعتباره ممارسة فردية لهذا النظام. فاللسان هو مجموعة القواعد والقوانين المجردة التي توجد في أذهان الجماعة، وهو ظاهرة اجتماعية ثابتة نسبيًا، بينما الكلام هو التطبيق الفعلي لهذه القواعد في مواقف التواصل، وهو نشاط فردي متغير يختلف من شخص إلى آخر. ويضع دي سوسير هذه الثنائية ضمن إطار أوسع هو "اللغة" (Langage) باعتبارها ملكة إنسانية عامة، حيث تمثل اللغة الكل، واللسان جزءًا اجتماعيًا منها، والكلام تجليًا فرديًا لهذا الجزء. ومن هنا تتضح أولوية اللسان كموضوع للدراسة اللسانية، لأنه يمثل النظام أو النسق الذي يمكن تحليله علميًا، في حين أن الكلام متغير وغير قابل للضبط بنفس الدرجة.

ثانيًا: ثنائية الآنية (التزامنية) والزمانية (التعاقبية)
فرّق دي سوسير بين نوعين من الدراسة اللغوية: الدراسة الآنية التي تهتم بوصف اللغة في لحظة زمنية محددة، والدراسة الزمانية التي تدرس تطور اللغة عبر الزمن. وقد انتقد هيمنة المنهج التاريخي في القرن التاسع عشر، مؤكدًا أن فهم اللغة كنظام يتطلب دراستها في حالة سكون، أي في إطارها الآني، قبل تتبع تحولاتها التاريخية. فالمنهج التزامني يركز على العلاقات الداخلية بين عناصر اللغة في زمن معين، بينما يهتم المنهج التعاقبي بتغير هذه العناصر عبر الزمن. ويرى دي سوسير أن الفصل بين المنهجين ضروري، لأن لكل منهما موضوعه وأدواته، مع إعطاء الأولوية للدراسة الآنية باعتبارها الأساس الذي يُبنى عليه فهم التطور اللغوي.

ثالثًا: ثنائية الدال (Signifiant) والمدلول (Signifié)
تُعدّ هذه الثنائية من أهم إسهامات دي سوسير، حيث عرّف العلامة اللغوية بأنها وحدة ثنائية تتكون من دال (الصورة الصوتية) ومدلول (المفهوم الذهني). ولا تربط العلامة بين الشيء واسمه، بل بين تصور ذهني وصورة صوتية، وكلاهما ذو طبيعة نفسية (سيكولوجية). فالدال ليس الصوت الفيزيائي، بل صورته الذهنية، والمدلول ليس الشيء الخارجي، بل المفهوم المرتبط به في الذهن. ويتميز هذا الارتباط بكونه اعتباطيًا، أي غير قائم على علاقة طبيعية بين الدال والمدلول، وإنما على اتفاق اجتماعي داخل الجماعة اللغوية. ومن هنا تصبح اللغة نظامًا من العلامات التي تتحدد قيمتها من خلال العلاقات التي تربط بينها داخل النسق، لا من خلال إحالتها المباشرة إلى الواقع.

مفهوم البنيوية:

مفهوم البنيوية هي منهج نقدي محايث يقوم على الوصف والتحليل الموضوعي الصارم، حيث يسعى إلى دراسة الظواهر المختلفة بوصفها أنساقًا أو بنياتٍ مترابطة، تُفهم من خلال العلاقات الداخلية التي تربط عناصرها لا من خلال عواملها الخارجية أو سياقاتها التاريخية. وهو منهج يركز على الكشف عن القوانين التي تحكم اشتغال هذه البنيات، معتبرًا أن قيمة كل عنصر لا تتحدد في ذاته، بل في موقعه داخل النسق وعلاقته ببقية العناصر. كما يقوم على مبدأ أولوية الكل على الجزء، وعلى تحليل البنية في حالتها الآنية (التزامنية) بعيدًا عن التفسيرات الذاتية أو الأحكام الانطباعية، بهدف الوصول إلى فهم علمي دقيق ومنهجي للظواهر المدروسة.

مفهوم البنية
تُفهم البنية في التصور البنيوي – كما تبلور خاصة مع Claude Lévi-Strauss وامتدادًا لأسس Ferdinand de Saussure – على أنها نسق من العلاقات الداخلية المنتظمة التي تربط بين عناصر متعددة، بحيث لا تُعرَّف هذه العناصر بذاتها، بل من خلال مواقعها داخل الكل والعلاقات التي تشدّها إلى غيرها. فالبنية ليست تجميعًا ميكانيكيًا لوحدات منفصلة، بل هي كلٌّ منظم تتوقف فيه كل وحدة على غيرها، ويكتسب معناها ووظيفتها من داخل هذا الترابط.

خصائص البنية
تتحدد البنية في الفكر البنيوي بمجموعة من الخصائص الأساسية التي تميزها، ومن أبرزها:

1- الكلية (Totalité)
تعني أن البنية تشكّل كيانًا متكاملاً لا يمكن فهمه عبر تحليل أجزائه بشكل منفصل. فالعناصر داخل البنية مترابطة ترابطًا وظيفيًا، وأي تغيير في عنصر واحد يؤثر في بقية العناصر. لذلك يؤكد البنيويون على أولوية الكل على الجزء، وعلى أن المعنى لا ينبع من العنصر الفردي، بل من موقعه داخل النسق.

2- التحولات (Transformations)
البنية ليست ثابتة بشكل مطلق، بل هي قابلة للتحول وفق قواعد داخلية تضبط هذا التغير. أي أن التغير لا يكون عشوائيًا أو مفروضًا من الخارج، بل يتم داخل إطار النسق نفسه، وفق قوانينه الخاصة. ومن هنا فالبنيوية تهتم بدراسة قوانين التحول التي تحافظ على استمرارية البنية رغم تغير مظاهرها.

3- التنظيم الذاتي (Auto-régulation)
تشير هذه الخاصية إلى أن البنية تمتلك قدرة داخلية على ضبط نفسها والحفاظ على توازنها دون الحاجة إلى تدخل خارجي. فهي نسق مغلق نسبيًا، يعمل وفق قواعده الخاصة، ويعيد إنتاج ذاته باستمرار من خلال العلاقات التي تربط عناصره. وهذا ما يجعل البنيويين يركزون على التحليل الداخلي للبنية، دون اللجوء إلى التفسيرات الخارجية (التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية).

مابعد البنيوية:

يعرفها جوناثان كولر بانها اتجاه فكري ونقدي ظهر كرد فعل على البنيوية يقوم على التشكيك في فكرة البنية الثابتة والمعنى المستقر ويؤكد ان النصوص تنتج معاني متعددة تبعا لاختلاف القراءات والسياقات

اما جاك دريريدا فيقول ان المعنى في النص ليس نهائيا او مستقرا بل يتولد باستمرار من خلال الاختلاف بين العلامات

من ابرز روادها جاك دريدا صاحب نظرية التفكيك وميشال فوكو في دراسة العلاقة بين السلطة والمعرفة ورولان بارت الذي جاء بفكرة موت المؤلف وجيل ديلوزوفكرته الاختلاف والتعدد في فهم الظواهر الثقافية والمعرفية

اهم أفكار مابعد البنيوية:

1- رفض ثبات المعنى
ترى ما بعد البنيوية أن المعنى ليس ثابتًا أو نهائيًا كما افترضت البنيوية، بل هو متغير ومفتوح على تأويلات متعددة. فالنص لا يحمل دلالة واحدة مستقرة، وإنما ينتج معاني مختلفة حسب القارئ والسياق الثقافي والزماني. وقد عبّر Jacques Derrida عن ذلك بفكرة "اختلاف المعنى" (différance)، حيث يظل المعنى مؤجلًا باستمرار، ولا يمكن القبض عليه بشكل نهائي، لأن كل دال يحيل إلى دوال أخرى في سلسلة لا تنتهي.

2- التفكيك (Deconstruction)
التفكيك هو منهج نقدي يهدف إلى تحليل النصوص وكشف تناقضاتها الداخلية، وإظهار أن ما يبدو متماسكًا أو بديهيًا يخفي داخله توترات واختلافات. لا يسعى التفكيك إلى هدم النص، بل إلى إعادة قراءته بطريقة تكشف تعدد دلالاته. وهو يقوم على زعزعة الثنائيات التقليدية (مثل: مركز/هامش، حضور/غياب)، وإبراز أن أحد الطرفين لا يمكن أن يوجد دون الآخر، مما يقوض فكرة المعنى الأحادي.

3- مركزية اللغة
تؤكد ما بعد البنيوية أن اللغة ليست مجرد أداة لنقل المعنى، بل هي التي تُنتج المعنى نفسه. أي أننا لا نفكر خارج اللغة، بل من خلالها. فكل ما ندركه من واقع أو حقيقة يمر عبر أنظمة لغوية ورمزية، مما يجعل اللغة مركزية في تشكيل المعرفة. وقد عمّق Roland Barthes هذا التصور عندما اعتبر أن النص فضاء لغوي تتقاطع فيه دلالات متعددة، وليس مجرد رسالة من مؤلف إلى قارئ.

4- العلاقة بين المعرفة والسلطة
يرى Michel Foucault أن المعرفة ليست محايدة أو موضوعية بالكامل، بل ترتبط بأنظمة السلطة داخل المجتمع. فالخطابات (العلمية، الإعلامية، الدينية...) تُنتج "حقائق" تخدم بنى السلطة وتُعيد إنتاجها. وبالتالي، فإن ما نعتبره "معرفة" هو في الواقع نتيجة صراعات وخطابات تتحكم فيها مؤسسات وقوى اجتماعية. فالمعرفة تُستخدم لضبط الأفراد وتوجيه سلوكهم، وفي الوقت نفسه تُنتج السلطة أشكالًا معينة من المعرفة.

ومن ابرز الانتقادات التي وجهت اليها:

النسبية المفرطة

 الغموض واللغة

 اهمال البنى المادية والاقتصادية

صعوبة تقديم بدائل علمية