5. العلاقات الإقتصادية والثقافية والديبلوماسية لكانم بورنو

5.2. العلاقات الثقافية

دخل الإسلام وانتشر في بلاد كانم واعتنقه سلاطينها، وقامت دولتهم على أسسه السليمة، ومن هنا اهتموا بالعلم والمعرفة، سواء في المجالات الدينية أم الدنيوية، لأن دين الإسلام اهتم بكل ما يمكن أن يسعد الإنسانية في حياتها الدنيا ويضمن لها الفوز في الحياة الآخرة.

وكانت الدولة الكانمية الناشئة تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء والإمامة والتدريس في مساجد السلاطين وكتبة الدواوين، فصار كل من يتطلع إلى العلا أن يطلب العلم، وربما رحلوا إلى أماكن أخرى لطلب العلم وخاصة إلى مصر التى تربطها أواصر الود والمحبة مع سلاطين الكانم، وقد ازدادت هذه العلاقات بعد بناء مدرسة (كانمية) في مصر في الفسطاط تسمى (مدرسة ابن رشيق)،  يقول المقريزى : "مدرسة ابن رشيق، هذه المدرسة للمالكية وهى بخط حمام الريش من مدينة مصر، كان الكانم من طوائف التكرور ولما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالاً، وبناها به وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال".

وذكر القلقشندى أن أهل كانم : "بنوا مدرسة للمالكية ينزل بها وفودهم وتسمى هذه الدار برواق كانم"، وكان الطلاب في بادئ أمرهم في الأزهر يضمهم رواق واحد، حين كان عددهم محدوداً – على ما يبدو – فلما ارتفعت مكانة الأزهر وسار حديث الناس عن شهرة علمائه وسمعة خريجيه كثر عدد الوافدين من بلاد الكانم، فنظم المسؤولون لهم دار لسكن الطلاب والحجاج عرف برواق كانم، وقد ضم هذا الرواق العديد من طلاب وسط وغرب أفريقيا.

والجدير بالذكر أن (مدرسة ابن رشيق) في مصر ليست هي صرح التعليم الوحيد الذي قام بتشييده أهل كانم – برنو، فإن التجار القادمين من غرب إفريقيا وبلاد كانم، قد ساهموا بنصيب كبير في إنشاء المدن الساحلية على شواطئ البحر الأحمر مثل : (سواكن) و(مصوع)، وأصبحت هذه المدن الساحلية مراكز هامة لنشر الإسلام، إذ قام أثرياء كانم – برنو في هذه المدن التجارية بفتح المدارس وتشجيع الطلاب على دراسة العلوم الإسلامية.

وقد عاد طلاب كانم إلى بلادهم مزودين بالعلوم الشرعية، وجعلوا مساجدهم مدارس محاكاة للمؤسسات التي تعلموا منها، من حيث أساليب التعليم والمناهج العلمية، وقد قام سلاطين كانم بمنحهم مكانة مرموقة في مجتمعهم، كما أحاطوا أنفسهم بعدد من هؤلاء العلماء يسترشدون بمشورتهم ويكتبون لهم في دواوين رسائلهم.

ولا شك أن هذا التشجيع من سلاطين كانم لطلاب العلم والإرتفاق في رحلاتهم إلى الحج بالعلماء، والتزود بما يستطيعون حمله من كتب العلم، إن هذا التشجيع لهو أثر من آثار التقاء هؤلاء السلاطين بحكام مصر ومشاهدة مجالسهم والوقوف على اهتمامهم.

وكل هذه المنشآت العلمية كانت في عصر السلطان (دونومه دبلايمي) 1221-1259م، لقد أصبح المسلمون من أهل كانم حفظة للقرآن الكريم، يتلونه في صلواتهم، ويستمتعون بحلاوة تركيبه ووقع كلماته على القلب والعقل، وأصبح بذلك المسلمون أول من يتعلم اللغة العربية، وكان ذلك من أقوى أسباب القياس الحضاري الذي حدث من جانب السودان الأوسط (كانم) مع العالم الإسلامي في شتى الوجوه إذ أن اللغة العربية بدأت تأخذ مكانتها حتى أصبحت لغة جديدة لمجتمع إسلامي جديد وقد زاد الزمن رسوخاً بمروره وزاد النشاط العلمي والفكري في بلاد كانم.

وقد استمر الوضع الثقافي والحضاري والتعليمي على هذا المنوال في مملكة  كانم – برنو حتى في فترة ضعفها بل استمر الوضع على هذا النمط حتى القرن التاسع عشر، بل حتى القرن العشرين، يقول الرحالة غيرهارد رولفس : وقد حصل بلاد السودان (كانم) سمعة المدرسة العليا الممتازة ويبلغ عدد طلابها – في ظل حكم محمد الأمين الكانمي – حوالي 2000 – 3000 طالب من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-25 سنة، وأن دراستهم عن حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة ودراسة اللغة العربية وكان ذلك عام 1814م، ويعد هذا الرقم رقماً كبيراً في تلك الفترة التاريخية، ولا يمكن هذا العدد إلا في الجامعات العريقة كما يوضح هذا العدد من عناية سلاطين كانم بالعلم والعلماء وطلاب العلم.

وفي مطلع القرن العشرين ظهرت عدة مدارس، وقفت سداً منيعاً أمام مسخ اللغة العربية وتشويه الحضارة العربية من قبل الاستعمار الفرنسي، الذي هاجم المنطقة محاولاً ترسيخ ثقافته فيها، فارضاً لغته على المواطنين، ويقف على التعليم في هذه المدارس مجموعات من العلماء والمتخصصين.

وقد أكد (محمد بيلو) تمسك الكانميين بالشريعة وحفظهم للقرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغة العربية، وظهور آثار الإسلام وانتشاره في بلاد الكانم – برنو بقوله : "إن أهل كانم متمسكون بالقرآن وشريعة الإسلام، محافظون عليه والإسلام منتشر في طول بلادهم وعرضها، حتى عم جميع الطبقات من الحكام والوزراء والرعايا، والواقع لا يوجد في بلادنا – أي بلاد الهوسا – حفاظاً للقرآن ومتعلمون بقدر ما يوجد في بلاد كانم – برنو".

وبعد هذه الدراسة يمكن القول؛ بأن الثقافة الإسلامية في كانم، كان طابعها عربياً إسلامياً صرفاً لم تداخله أية تأثيرات أخرى، وإن كان عامة الناس يستخدمون لهجاتهم ولغاتهم الخاصة، ثم يستخدمون اللغة العربية في تعبيرهم الثقافي وفي صلواتهم وفي المعاملات والإدارة والمراسلات، كما أن الإسلام طور شعوب تلك البلاد بالثقافة الإسلامية، حيث علق أحد المؤرخين الغربيين على نجاح حكومة كانم في تنظيم إدارة دولتها المترامية الأطراف بقوله : "إن الإسلام هو الذي مكن لهذه الإمبراطورية الشاسعة من تنظيم الرعية وضبط الأمن فيها".