مملكة كانم بورنو في السودان الأوسط
Site: | Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2 |
Cours: | تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء |
Livre: | مملكة كانم بورنو في السودان الأوسط |
Imprimé par: | Visiteur anonyme |
Date: | jeudi 3 avril 2025, 18:31 |
Description
تجدون في هذه المحاضرة التكوين السياسي والتطور الحضاري لمملكة كانم بورنو في السودان الاوسط.
1. مقدمة
تعدّ مملكة «كانم - برنو» أولى بنية سياسية ذات مرجعية إسلامية في السودان الأوسط، تأسّست في منطقة بحيرة تشاد، وامتدّت في أوج عظمتها من حوض النيجر غرباً إلى دارفور شرقاً، ووصلت في الشمال إلى فزّان بجنوب ليبيا، وبالإضافة إلى أنّها تغطّي معظم أراضي تشاد المعاصرة؛ وبالتالي فإنّها تضمّ أجزاء من كاميرون وليبيا ونيجيريا وإفريقيا الوسطى.
يُرجِع كثيرٌ من المؤرخين تاريخ تأسيس مملكة «كانم - برنو» إلى ق1ه/ ق8م، وإذا أخذنا بالاعتبار تاريخ سقوطها على يد الاستعمار، في نهايات ق13ه/ ق19م، فيمكن القول بكلّ اطمئنان بأنّها عمّرت قرابة اثني عشر قرناً، وعليه؛ فليس من المغالاة القول بأنّها: من أطول الممالك التي عرفتها بلاد السودان- في العموم-.
ويمكن التمييز في تاريخ مملكة «كانم - برنو» بين عهدين؛ العهد الكانمي: من التأسيس في ق1ه/ ق8م؛ إلى الربع الأخير من ق8ه/ ق14م، والعهد البرنوي: من نهاية العهد الأوّل؛ إلى سقوط المملكة على يد القوى الاستعمارية في ق13ه/ ق19م (1893م)، كما يمكن التمييز بين فترتين للحكم أيضاً؛ فترة حكم الزغاوة: من التأسيس إلى سنة 1075م، وفترة حكم السيفيين: من التاريخ السابق إلى حكم محمد الأمين الكانمي و سقوط المملكة.
2. مملكة كانم
يذكر ديلافوس أنه بشرق بحيرة التشاد عاشت شعوب متفرقة على أرض صحراوية تربطهم لغة وأصل واحد يطلقون عليهم شعب الكانم، هؤلاء أسسوا مملكة كانم التي تعود إلى حوالي (184ه/800م) وهذا حسب الروايات الشفوية، هذه المملكة سيطر عليها الزغاوة وأصبحوا ملوكا للأرض.
حيث ذكر اليعقوبي أنه في زمانه كانت مملكة كانم تحت حكم الزغاوة عام (258ه/872م)، حيث قال: " أما السودان الذين غربوا وسلكوا نحو المغرب، فإنهم قطعوا البلاد فصارت لهم عدة ممالك، فأول مملكهم الزغاوة، وهم النازلون بالوضع الذي يقال له الكانم"، كما ذكر ابن قتيبة خلال القرن (2ه/8م) والمهلبي في نهاية القرن (4ه/10م) تفاصيل عن مملكة الزغاوة أو ما تعرف أيضا بمملكة كانم وهو المكان الذي يعيش فيه الزغاوة.
امتدت مملكة الزغاوة في كانم لتضم إليها مناطق بلما، كوار لتصل حتى زويلا في فزان من الشمال، أما في الشرق فكانت حدودها تحاذي بلاد النوبة، حيث يقول المسعودي بأنها تصل إلى غابة النيل المصري حيث ممالك النوبة التي كانت في حروب معها، كما وصفها المهلبي في القرن (4ه/10م) بأنها مملكة واسعة تمتد من بحيرة التشاد إلى حدود النوبة حيث تضم مملكتهم شعوب كثيرة، هؤلاء يعبدون ملوكهم ويعتقدون بأنهم هم الذين يحيون ويميتون ويمرضون ويصحون، وهذا ما يؤكد بأن الكانميين لم يعتنقوا الإسلام إلا بعد القرن (4ه/10م).
2.1. مملكة كانم في عهد الزغاوة
لقد نشأت المملكة عام 184ه/800م نتيجة سيطرة جماعة من الزغاوة على المجموعات الأخرى بفضل حيازتها على الأسلحة الحديدية، حيث فرضت سيطرتها على الشعوب الرعوية والزراعية التي تعيش في المنطقة الواقعة جنوب شرق كوار بين بحيرة التشاد وبحر الغزال في أرض النوبة.
وقد أقام هؤلاء بعلاقات دبلوماسية مع الدول الإسلامية في شمال افريقيا، وعن طريق هذه العلاقات وصل الإسلام إلى ملوك الكانم، حيث كان أول ملك يسلم هو "لادسو" أو "أوسو" ونجده في مواضع أخرى "حوا" الذي حكم بين (459-463ه/1067-1071م) بينما بقي الشعب وثنيا، ثم جاء بعده الملك "عبد الجليل سيما" الذي حكم أربع سنوات بعده، وخلفه الملك "ألوما" الذي حكم عشرون سنة، وبعده "أركو" الذي حكم لمدة أربعة وأربعين سنة كاملة، وبوفاته ينتهي حكم الزغاوة وبداية عهد السيفيين.
2.2. مملكة كانم في عهد السيفيين
تنسب هذه الأسرة إلى البطل اليمني سيف بن ذي يزن، لذلك سميت بالأسرة السيفية، مؤسس هذه الأسرة هو "هوماي" وهو اسم مشتق من حمد أو أحمد ما بين (1075-1080م)، وهو أول من أسلم من الملوك السينوفيين عام 1085م، وهناك دلائل تؤكد على أنه من أصل بربري لكن بشرته سوداء قاتمة، حيث يقول عنه ابن سعيد نقلا عن ابن فاطمة: " إن سلطان كانم ... هو محمد بن جبل، من سلالة سيف بن ذي يزن، عاصمة أجداده الكفار قبل دخولهم الإسلام هي مانان، وقد أسلم جده الرابع نتيجة لتأثير أحد الفقهاء، وبعدها انتشر الإسلام في كل أنحاء كانم". وقد اخضع "هوماي" عدة شعوب وثنية من مدينة كوري ومدينة بدي وجاجة.
كما بسطت مملكة كانم سيطرتها على مدن اسلامية قد سلمت على ايدي فقهاء وملوك الكانم مثل ممالك (تجوة، كوار، فزان، رديني)، هذا وسيطروا على الشعوب البربرية الصحراوية التي تقع شرقي جبل "مقورس" الفاصل بين الكانم وامارة كوكو، والذين اسلموا على يد الملك، حيث يذكر ابن سعيد المغربي أن فزان ونخيلها وودان كلها كانت في عهد السيفيين تابعة لملك كانم.
وهكذا حققت مملكة كانم بفضل الملك هوماي انجازات كبيرة منها اتخاذ "نجيمي" عاصمة جديدة بدل "مانان" وجلب العلماء والفقهاء إليها الذين كانوا يترجمون القرآن ويعلمون الفقه، ونشر الأفكار السياسية التي كانت نتشرة في المغرب الإسلامي. وبعد وفاة هوماي خلفه عدد من الملوك استطاعوا ان يوطدوا أركان المملكة وأن يحافظوا على استقرارها وازدهارها.
3. مملكة بورنو
كلمة بورنو تعود إلى كلمة (بر Bar) والتي تعني "انسان" في لغات قبائل الجرامنت (Garmantes) القديمة التي سكنت في الواحات الجنوبية للصحراء الكبرى، ومنها جاءت تسمية "بركو" أو "بوركو" (كوو أو كاوو وتعني حجر أو جبل)، أي انسان الحجر نسبة إلى جبال المنطقة، ومنها جاءت كلمة "بري بري" لسكان كانم من طرف سكان الهوسا، وبالتالي كلمة بورنو تطلق على الشعب لا على الأرض.
بداية تداول اسم هذه المملكة عند نهاية عهد الملك دوناما عندما بدات شعوب محلية مثل الساو والتوبو والبولالا المتمركزة في بحيرة فيتري، تثور ضد حكم الكانم مع بدايات القرن الثاني عشر ميلادي وبعد مائة سنة من الإضطرابات أي حوالي عام 1314م، قرر ملك كانم "الماي عمر" ترك كانم في الشمال الشرقي من التشاد الحالية من أجل الإستقرار في بورنو الواقعة في الجنوب الغربي من بحيرة التشاد أي في نيجيريا الحالية.
رغم أنه يصعب علينا في ظل ندرة المصادر أن نتعرف على طبيعة العلاقات بين كانم وبورونو قبل القرن الرابع عشر ميلادي، وهو تاريخ انتقال الكانميين إلى بورنو، لكن ابن سعيد خلال القرن الثالث عشر يذكر أن مملكة مستقلة تقع غرب التشاد سماها جاجا، وهو ما يجعلنا نعتقد بأن مملكة بورنو كانت مملكة مستقلة خاصة لما يذكر العمري بأن سلطان مصر كان يتبادل الرسائل مع كل من ملك كانم وملك بورنو.
4. مملكة كانم بورنو
في حدود القرن (6ه/12م) بدأ سكان كانم بالهجرة نحو الغرب للإستقرار في بورنو غرب بحيرة التشاد، وفي غضون القرن (10ه/16م) قامت هجرة أخرى للتوبو الهاربين من هجمات إدريس ألوما ضدهم، كما هاجر عدد كبيرة
من عرب الكانم إلى منطقة التشاد للبحث عن أرض أكثر خصوبة خاصة وأن تلك الفترة عرفت مجاعة كبيرة دفعت بزيادة الهجرة الجماعية، وبهذا التقت جماعات التوبو مع عرب الكانم في غرب بحيرة التشاد واطلق عليهم بلغة الكانوري (الساو) أو الجماعة، وتذهب المؤرخون بأن أربعة من ملوك كانم من الأسرة السيفية يكونوا قد قتلوا على يدي الساو في معارك ضدهم.
وبذلك اضطر ملوك الكانم من السيفيين إلى ترك الكانم والانتقال نهائيا إلى بورنو والاستقرار بها بعد تزايد ضغط قبائل البولالا، وذلك في عهد الملك "الماي عمر"، لكن تم استعادة ارض الكانم، حيث حدثت حروب بين السيفيين والبولالا انتهت بإخضاع ملك البولالا "دوناما بن سلما" وبهذا أصبح السيفيون يحكمون كانم وبورنو مع بعض، حيث تمكن "دوناما علي" (1472-1504) من الجلوس على عرش كانم وعرش بورنو معا وأقام عاصمته الجديدة في نكازاركامو (Ngazargamo) وتولى الحكم من بعده ملوك حكموا باسم مملكة كانم بورنو.
4.1. كانم بورنو في عهد الحاج إدريس ألوما
لقد قام بتوحيد البورنو واسترجع الكانم وطرد العدوان، حيث كتب المؤرخ "أحمد بن فرتو كتابا بعنوان " تاريخ إدريس ألوما وغزواته" وصف فيه حملاته العسكرية الإثني عشر الاولى كما وصفه هو شخصيا فقال: " وكان السلطان ادريس ألوما شديد التمسك بالكتاب والسنة، شديد الكراهية لأهل البدع والمحادثات، ولقد حكم بالكتاب والسنة في عهد ملكه".
حيث شهدت فترة حكمه شن هجمات على الشعوب الوثنية في الجنوب وجلب العبيد لأن تجارة الرقيق كانت رائجة، كما حارب شعوب البولالا والساو وحقق انتصارات عظيمة، كان لهذا الملك جيش قوي وكثير العدد، مجهز ومسلح جيدا وأوكل قيادته إلى كبار الضباط، لكن جيشه غير نظامي بل كان العمل عسكري يوم على أساس النهب والسلب ويرتكز على عنصر المفاجأة، بالرغم من أن هذا الملك قد انتهج تنظيمات وتخطيطات بارعة إلا أنها لم تعمر إلا بوجوده فقط.
عند أداءه للحج ومروره على مصر اكتشف أهمية السلاح الناري فجلب منه عدة بنادق وأسلحة نارية من الدولة العثمانية التي كانوا يقايضونها بريش النعام وجلود النمور والتماسيح والعبيد، كما جلب المدربين الأتراك وأنشا فيلقا خاصا بالفرسان المسلحين بالبنادق وفيلق خاص بعبيد القصر.
يُعدّ السلطان إدريس ألوما (1570-1602م) أكبر ملك لكانم - برنو، وقد وصلت المملكة في عهده لأوج عظمتها، وقد أدّت الإصلاحات القانونية والاقتصادية والتربوية، التي قام بها السلطان إدريس ألوما، إلى تحقيق نهضةٍ شاملة للمملكة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وعمرانيّاً.
لقد عمل إدريس ألوما على نشر الإسلام في منطقته، فقام ببناء مساجد بالآجر بدل الطوب والحجارة مغطاة بالحصير ، كما شن حروبا ضد الظواهر الإجتماعية الفاسدة من الزنا والفواحش واعتنى بالأرامل واليتامى وانفق عليهم، كما أمر بتعيين قضاة من الفقهاء المسلمين يحكمون على أساس الشريعة الإسلامية، ونتيجة جهود المتواصلة في سبيل نشر الإسلام دخل في الإسلام جميع اعيان ونبلاء الدولة وأصبح الشعب بأكمله يلجأ إلى الشريعة الإسلامية في شؤونه اليومية.
وبهذا تكون مجهودات ألوما توجت مسيرة خمسة قرون من المجهودات لنشر الإسلام في بلاد السودانن لاسيما أن الإسلام قد عم بين الطبقة الشعبية بدل طبقة الحكام والنبلاء فقط. أما عن استبدال القوانين والعادات الوثنية القديمة بالشريعة الإسلامية، يمكن القول بأن ذلك اقتصر على الشعب الكانوري فقط والأراضي الخاضعة مباشرة للسلطة المركزية في كانم بورنو.
5. العلاقات الإقتصادية والثقافية والديبلوماسية لكانم بورنو
.
5.1. العلاقات الإقتصادية
لم تقتصر علاقات كانم بالدول العربية على الجانب الثقافي فقط، بل تجاوزته إلى شكل آخر من العلاقات، تزيده قوة فوق قوة، بسبب الصلات التجارية بينها، لقد اتسعت تجارة كانم في مصر، وتدفقت الثروات إلى خزائنها، وهو أبلغ دليل على اتصال العلاقات الودية بين كانم – برنو ومصر، وأن طائفة من أهل كانم رحلوا إلى مصر، وأقاموا واشتركوا بنصيب موفور في تجارتها الخارجية، واشتغلت هذه الطائفة بتصريف المحاصيل السودانية، ومارسوا تجارة البهارات من اليمن والهند، وقد اتخذت هذه الطائفة مدينة (قوص) مركزاً لها، فأصبحت سوقاً تجارياً حافلاً بمنتجات الوسط الإفريقي والمغرب واليمن.
حيث كوَّن تجار كانم في مصر نقابة قوية على التجارة واحتكرتها، وأقاموا على نقابتهم رئيساً معترفاً به من قبل الحكومة المصرية، بمعنى أن سلطان الكانم أتخذ لنفسه سفيراً مقيماً بالقاهرة، مهمته الإشراف على تنظيم القوافل التجارية ورحلات الحج، والاتصال بالسلطان لمعاونة الجالية الكانمية في مصر، وقد نمت ثروة تجار كانم نمواً عظيماً، بحيث أصبحوا يقومون في عالم التجارة مما تقوم به البنوك الحديثة، ويقرضون السلاطين في مصر والبلاد المجاورة.
ويتعامل أهل كانم بالقماش الذي ينسجونه في بلادهم ويطلقون عليه إسم (دندي) كما يتعاملون بالودع والخرز وقطع النحاس والورق على أساس تسعيرها بالقماش، وهذا ما يوضح لنا مدى القوة التي تتمتع بها مملكة كانم الإسلامية في تلك الحقب، لأن قوة الدول وعظمتها تكمن في قوة اقتصادها وتنظيم إدارتها وهما أمران تحققا في دولة كانم، ولا ننسى دور التجار العرب من قبل، فإن للتجار العرب دوراً كبيراً في نشر اللغة العربية وتوطيد العلاقات بين كانم وبلادهم.
حيث توجد كثيراً من الشواهد التي تدل على عمق اللغة العربية والعروبة في بلاد كانم رغم محاولات الاستعمار بعد سيطرته على تشاد والمناطق التابعة لكانم، في العمل على محو الطابع العربي، وقد تأثر أهل كانم بالإسلام إلى حدٍ كبير ونشروا مظاهر الثقافة الإسلامية بين تلك الشعوب المحلية وقد أغنت اللغة العربية لغة أهل كانم بمئات الألفاظ الدينية والسياسية والاقتصادية، بل صار المسلمون في كانم متشبعين بالحضارة الإسلامية العربية، وهكذا طبعت البلاد بالطابع العربي الإسلامي رغم تداخل القبائل العربية مع القبائل المحلية في السودان الأوسط في قلب إفريقيا تشاد.
فقد دخلت الإسلام وطبعت بالروح العربية طوعاً لا قهراً، وقامت الحضارة الإسلامية وبقيت اللغات المحلية بجانب لغة الضاد لغة القرآن كدليل على أن الحضارة الإسلامية تقوم على معاملة الناس بالحسنى، وقد وجدت الشعوب الكانمية ضالتها في ظل الحضارة الإسلامية العربية، على أن هذا التعريب في كانم اتخذ مظاهر متعددة، منها النسب واللغة والتاريخ وكتابة المراسم السلطانية.
5.2. العلاقات الثقافية
دخل الإسلام وانتشر في بلاد كانم واعتنقه سلاطينها، وقامت دولتهم على أسسه السليمة، ومن هنا اهتموا بالعلم والمعرفة، سواء في المجالات الدينية أم الدنيوية، لأن دين الإسلام اهتم بكل ما يمكن أن يسعد الإنسانية في حياتها الدنيا ويضمن لها الفوز في الحياة الآخرة.
وكانت الدولة الكانمية الناشئة تشجع العلم وتطلب العلماء، فاتخذ سلاطينها وأمراؤها من العلماء مربين لأبنائهم، كما أسندوا إليهم مناصب القضاء والإمامة والتدريس في مساجد السلاطين وكتبة الدواوين، فصار كل من يتطلع إلى العلا أن يطلب العلم، وربما رحلوا إلى أماكن أخرى لطلب العلم وخاصة إلى مصر التى تربطها أواصر الود والمحبة مع سلاطين الكانم، وقد ازدادت هذه العلاقات بعد بناء مدرسة (كانمية) في مصر في الفسطاط تسمى (مدرسة ابن رشيق)، يقول المقريزى : "مدرسة ابن رشيق، هذه المدرسة للمالكية وهى بخط حمام الريش من مدينة مصر، كان الكانم من طوائف التكرور ولما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج، دفعوا للقاضي علم الدين بن رشيق مالاً، وبناها به وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال".
وذكر القلقشندى أن أهل كانم : "بنوا مدرسة للمالكية ينزل بها وفودهم وتسمى هذه الدار برواق كانم"، وكان الطلاب في بادئ أمرهم في الأزهر يضمهم رواق واحد، حين كان عددهم محدوداً – على ما يبدو – فلما ارتفعت مكانة الأزهر وسار حديث الناس عن شهرة علمائه وسمعة خريجيه كثر عدد الوافدين من بلاد الكانم، فنظم المسؤولون لهم دار لسكن الطلاب والحجاج عرف برواق كانم، وقد ضم هذا الرواق العديد من طلاب وسط وغرب أفريقيا.
والجدير بالذكر أن (مدرسة ابن رشيق) في مصر ليست هي صرح التعليم الوحيد الذي قام بتشييده أهل كانم – برنو، فإن التجار القادمين من غرب إفريقيا وبلاد كانم، قد ساهموا بنصيب كبير في إنشاء المدن الساحلية على شواطئ البحر الأحمر مثل : (سواكن) و(مصوع)، وأصبحت هذه المدن الساحلية مراكز هامة لنشر الإسلام، إذ قام أثرياء كانم – برنو في هذه المدن التجارية بفتح المدارس وتشجيع الطلاب على دراسة العلوم الإسلامية.
وقد عاد طلاب كانم إلى بلادهم مزودين بالعلوم الشرعية، وجعلوا مساجدهم مدارس محاكاة للمؤسسات التي تعلموا منها، من حيث أساليب التعليم والمناهج العلمية، وقد قام سلاطين كانم بمنحهم مكانة مرموقة في مجتمعهم، كما أحاطوا أنفسهم بعدد من هؤلاء العلماء يسترشدون بمشورتهم ويكتبون لهم في دواوين رسائلهم.
ولا شك أن هذا التشجيع من سلاطين كانم لطلاب العلم والإرتفاق في رحلاتهم إلى الحج بالعلماء، والتزود بما يستطيعون حمله من كتب العلم، إن هذا التشجيع لهو أثر من آثار التقاء هؤلاء السلاطين بحكام مصر ومشاهدة مجالسهم والوقوف على اهتمامهم.
وكل هذه المنشآت العلمية كانت في عصر السلطان (دونومه دبلايمي) 1221-1259م، لقد أصبح المسلمون من أهل كانم حفظة للقرآن الكريم، يتلونه في صلواتهم، ويستمتعون بحلاوة تركيبه ووقع كلماته على القلب والعقل، وأصبح بذلك المسلمون أول من يتعلم اللغة العربية، وكان ذلك من أقوى أسباب القياس الحضاري الذي حدث من جانب السودان الأوسط (كانم) مع العالم الإسلامي في شتى الوجوه إذ أن اللغة العربية بدأت تأخذ مكانتها حتى أصبحت لغة جديدة لمجتمع إسلامي جديد وقد زاد الزمن رسوخاً بمروره وزاد النشاط العلمي والفكري في بلاد كانم.
وقد استمر الوضع الثقافي والحضاري والتعليمي على هذا المنوال في مملكة كانم – برنو حتى في فترة ضعفها بل استمر الوضع على هذا النمط حتى القرن التاسع عشر، بل حتى القرن العشرين، يقول الرحالة غيرهارد رولفس : وقد حصل بلاد السودان (كانم) سمعة المدرسة العليا الممتازة ويبلغ عدد طلابها – في ظل حكم محمد الأمين الكانمي – حوالي 2000 – 3000 طالب من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20-25 سنة، وأن دراستهم عن حفظ القرآن الكريم والقراءة والكتابة ودراسة اللغة العربية وكان ذلك عام 1814م، ويعد هذا الرقم رقماً كبيراً في تلك الفترة التاريخية، ولا يمكن هذا العدد إلا في الجامعات العريقة كما يوضح هذا العدد من عناية سلاطين كانم بالعلم والعلماء وطلاب العلم.
وفي مطلع القرن العشرين ظهرت عدة مدارس، وقفت سداً منيعاً أمام مسخ اللغة العربية وتشويه الحضارة العربية من قبل الاستعمار الفرنسي، الذي هاجم المنطقة محاولاً ترسيخ ثقافته فيها، فارضاً لغته على المواطنين، ويقف على التعليم في هذه المدارس مجموعات من العلماء والمتخصصين.
وقد أكد (محمد بيلو) تمسك الكانميين بالشريعة وحفظهم للقرآن الكريم والعلوم الإسلامية واللغة العربية، وظهور آثار الإسلام وانتشاره في بلاد الكانم – برنو بقوله : "إن أهل كانم متمسكون بالقرآن وشريعة الإسلام، محافظون عليه والإسلام منتشر في طول بلادهم وعرضها، حتى عم جميع الطبقات من الحكام والوزراء والرعايا، والواقع لا يوجد في بلادنا – أي بلاد الهوسا – حفاظاً للقرآن ومتعلمون بقدر ما يوجد في بلاد كانم – برنو".
وبعد هذه الدراسة يمكن القول؛ بأن الثقافة الإسلامية في كانم، كان طابعها عربياً إسلامياً صرفاً لم تداخله أية تأثيرات أخرى، وإن كان عامة الناس يستخدمون لهجاتهم ولغاتهم الخاصة، ثم يستخدمون اللغة العربية في تعبيرهم الثقافي وفي صلواتهم وفي المعاملات والإدارة والمراسلات، كما أن الإسلام طور شعوب تلك البلاد بالثقافة الإسلامية، حيث علق أحد المؤرخين الغربيين على نجاح حكومة كانم في تنظيم إدارة دولتها المترامية الأطراف بقوله : "إن الإسلام هو الذي مكن لهذه الإمبراطورية الشاسعة من تنظيم الرعية وضبط الأمن فيها".
5.3. العلاقات الديبلوماسية
إلى جانب الصلات التجارية هنالك صلات سياسية تتمثل في السعي إلى الحج عبر دول عربية وخاصة مصر وهم في طريقهم إلى الحجاز، ويقال أن سلطان كانم ترك بمصر نحواً من ثلاثمائة من العبيد، ولابد أن أمثال هذه الزيارات قد تكررت، وأن صلة كانم قد توطدت حتى كان الرواق والمدرسة والإنفاق عليها من مال السلطان.
كم كان لكانم علاقات مماثلة مع الحفصيين في تونس، حيث زارت السفارة الكانمية بلاد تونس في عام 1237م، فحمل معه هدية ثمينة عبارة عن (زرافة)، وقد وصفت بالنجاح هذه الرحلة وعرفت هذه الهدية ( بنجم السافانا الإفريقية)، وتم إبرام معاهدة سياسية حصلت بموجبها كانم على أسلحة نارية، واستطاع الكانميون أن يفتحوا الصحراء كلها في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وكان لها قوة كبيرة من الفرسان عدتها ثلاثة آلاف فارس على قول المؤرخين، مكنت له من توسيع رقعة الدولة، ولهذا أصبحت كانم – برنو مركزاً للحضارة الجديدة.
هذه العلاقات امتدت إلى زمن نفوذ العثمانيين في شمال إفريقيا، ففي عهد محمد باي والي طرابلس الغرب اتصل بسفارة مع أمير بورنو أوائل القرن السابع عشر، و ابتداء من أواخر هذا القرن زاد عدد السفارات و الزيارات بين الضفتين ، إذ كانت الإدارة العثمانية حريصة على إقامة علاقات مع شعوب جنوب الصحراء و تواصلها فقد كتب والي طرابلس إلى حاكم زندر الشيخ تنمو بن سليمان و كذلك الشيخ هاشم بن عمر الكانمي حاكم بورنو بدعوتهما إلى استمرار المراسلات و المخابرات بينهما و أن تدوم عواطفهم الكريمة في حق أهالي طرابلس الغرب. كما أن السلطان العثماني عبد العزيز خلال القرن التاسع عشر أرسل هدية بواسطة واليه علي رضا باشا الجزائري إلى السلطان بورنو ، و كذلك ملك فزان كان في كل مرة يوفد سفراء إلى ملك بورنو.
6. التواصل الحضاري بين كانم بورنو والمغاربة
تشترك مملكة كانم بونو وبلاد المغارب التي كانت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية آنذاك، في الاهتمام بالدين الإسلامي واللغة العربية، والتعليم والقيم النبيلة والأخلاق الفاضلة، والشعائر الدينية الحنيفة، وتتواصل من خلال التجارة والتبادل المعرفي والثقافي، وبما أن مملكة كانم برنو تعرفت على الإسلام في القرن الأول الهجري، فإن الإسلام قد هيأ إلى المناطق الإفريقية التي دخلها أن تتصل بالحضارة الإسلامية في وقت مبكر، فقد أحدث هذا الدين الجديد نشاطا ثقافيا وحراكا اجتماعيا، ونشاطا اقتصاديا عظيما، فأتاح للمناطق المختلفة صلات التزواج والجوار وتبادل السلع والمنافع، فيما بينها
وكان للدولة العثمانية وجود وحضور في منطقة الشمال الإفريقي والمغرب العربي منذ سنة 1518م وأما مصر فإن الوجود العثماني فيها كان أقدم من ذلك التاريخ، واحتل الجيش العثماني أجزاء من فزان التي كانت خاضعة لحكم وسلطنة إمبراطورية كانم برنو، وهو ما أثار حفيظة أمبراطورية كانم برنو، من النوايا العثمانية، غير أن التواصل الحضاري والاجتماعي والثقافي والتجاري ما بين الشعوب الإفريقية وما جاورها من الدول كسر كل الحواجز والتوجهات السياسية في المنطقة، مما جعل الباب مفتوحا أمام الأمبراطوريتين للتعاون.
ونتج عن ذلك تطور في التواصل الحضاري، وازدهرت حركة التبادل التجاري بين الإمبراطوريتين، وتوسعت إلى درجة التعاون والتفاهم، والناظر إلى الوثائق المتبادلة فيما بينهما يدرك مدى توسعها في حماية التجارة وتواصل الشعوب المتاخمة للصحراء والدول الإفريقية السمراء بالدولة العثمانية، فقد ذكر الباحث صلاح الدين حسن السوري، أن حركة التبادل التجاري بين الأمبراطوريتين توسع إلى التعاون فيما بينهم، وانتقل إلى الجوانب الثقافية والاجتماعية، وأحدثة هذه العلاقة حركة عمرانية تمثلت في مد الجسور عبر الصحراء، وإزدهار المدن والمراكز التجارية في أعماقها وتحقيق الأمن والطمانينة فيها، والأهم من ذلك كله العلاقات الإنسانية التي ظهرت في حسن التعامل وتبادل الثقة وحل المشاكل بالأساليب السلمية، الأمر الذي طمأن الحكام في مملكة كانم برنو.
ومن المعروف أن هذا التوسع يثمر في التعارف، ويسهم في إرثاء الحضارة الإسلامية في المنطقة، بل ويفتح باب التبادل والتواصل الاجتماعي، من خلال طمأنة حكام إمبراطورية كانم برنو الإسلامية بعدم غزوها أو الاستعلاء إلى أراضيها، وهو ما سعت إليه الدولة العثمانية لمعرفة أصالة الدين الإسلامي بالأمبراطورية، وفي رسائل متبادلة أكدت الحكومة العثمانية بأن ليس لها أطماع سياسية في برنو، إنما مقاصدها تقتصر على بناء جسور المحبة والصداقة بين البلدين المسلمين، كان هناك حرص على تنمية هذه العلاقات وتطويرها وتقويتها، فكانت السفارات والرسائل المتبادلة والمستمرة بين البلدين من رسائل السياسة، وبطبيعة الحال كانت تتضمن الاهتمام بالتجارة وتأمين الطرق وتيسير الأمور بما يعود نفعه على الطرفين، وكانت عبارات التعظيم والتفخيم وإظهار الاحترام تنمق بعناية، وتستخدم فيها المحسنات البديعية التي تميزها عن الرسائل الشخصية العادية والادارية الرسمية.
لقد توسع التبادل التجاري والتبادل الثقافي والتواصل الحضاري بين مملكة كانم برنو والدول المجاورة لها، خاصة مع دولة مصر العربية " فالإسلام جاء إلى كانم برنو عبر بوابة مصر وجاء بالعلم والحضارة والثقافة وبشر ببزوغ فجر جديد في العلاقات الإنسانية خاصة بين شعب كانم برنو وشعب مصر وعمل على فتح قنوات الاتصال أمام شعب كانم برنو على الحضارة الإسلامية المصرية التي استفاد منها كثيرا في تطوير حياته العلمية والثقافية" وهكذا جميع دول الشمال الإفريقي ومع دول الخلافة العثمانية، التي أظهرت نواياها في التعاون والتبادل بينهم.ا
ففي إحدى الوثائق المؤرخة 27 شعبان سنة 1286، صدر قرار مجلس إدارة الولاية يؤكد أهمية التجارة بين الولاية وبرنو، ويقرر رصد مبلغ لإرسال هدية مناسبة صدرت فيها إرادة سلطانية لحاكمها عمر الكانمي، وإن يقوم بحمل الرسالة والهدية شخص ذو اعتبار يحمل لقبا شرفيا، وتم ذلك بالفعل، والرسالة تحمل تاريخ 2 رمضان سنة 1286، وكانت مفعمة بعبارات التبجيل والتعظيم والاشادة بفضل عمر الكانمي ومكانته، وكانت تتضمن أيضا الاهتمام بالتجارة وتنميتها وتأمين طرقها وضمان أمنها، ويضيف الدكتور صلاح الدين السوري، أن سعيا من الطرفين في الحفاظ على هذه العلاقات الطيبة في السنوات اللاحقة، ففي رسالة من والي طرابلس أحمد باشا مؤرخة في 8 محرم سنة 1300 إلى حاكم برنو الشيخ أبي بكر بن عمر الكانمي يفيده بوصول كتابه وهديته إلى السلطان عبد المجيد الثاني، ويعبر فيها عن شكر السلطان وامتنانه وإشادته بالروابط الطيبة وحسن الجوار والتضامن بين المسلمين، وأهم ما في الرسالة التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتجارة وحمايتها وتسهيل أمرها.
إن هذا التواصل الحضاري بين الأمبراطورية العثمانية ومملكة كانم برنو، يؤكد مدى إرساء دعائم المحبة والصداقة، بل أثمر هذا التواصل في علاقات سياسية متينة وساهم في حل المشاكل بالوسائل السلمية، كما جلب فوائد ومصالح اقتصادية وكنوز معرفية بين الدوليتين، من هنا فإنها تجربة فريدة من نوعها ومليئة بإنجازاتها.
7. ضعف المملكة وظهور محمد الامين الكانمي
بعدما توفي إدريس ألوما عام 1603م تاركا مملكة واسعة المساحة والأمن، خلفه عدد من المايات الذين حافظوا على انجازاته وحافظوا على ازدهار المملكة لبضع سنوات خاصة خلفائه من أبناءه الثلاث، لكن بدأ الضعف يدب في أوصل المملكة بعد ظهور أمراء ضعاف وبداية الإعتداءات الخارجية وانتشار المجاعات.
حيث عرفت المملكة هجمات من طرف الطوارق وهجمات أهل كوار، رغم ارسال حملات تأديبة لهؤلاء لكن دون جدوى، حيث تعرضت المملكة للحصار عدة مرات في العاصمة، ومجاعة كبيرة في عهد الماي علي ابن الحاج، بعدها دخلت البلاد في اضطراب وفوضى دامت سبعة أعوام.
أمام هذا الوضع ظهر الشيخ محمد الأمين الكانمي وهو من مواليد منطقة فزان في ليبيا، عمل على نشر الإسلام وثقافته في السودان الأوسط، فحارب البدع والخرافات الوثنية العالقة بالإسلام، حيث استقر في كانم وتزوج من ابنة أمير من أمراء كانم بورنو .
ولما تعرضت البلاد لغزو الفلاتة بزعامة محمد عثمان دان فوديو نظم جيشا صغيرا من الكانميين فتصدى لتوغل قوات دان فوديو نحو بحيرة التشاد التي سقطت العاصمة في ايدي الفلاتة، ففر الحاكم أحمد بن علي إلى الشمال، وتولى الحكم من بعده ابنه دوناما بن أحمد الذي ساعده محمد الكانمي في تنظيم الجيش، والعودة إلى العاصمة لتحريرها من يد الفلاتة، لكن الفلاتو تمكنوا مرة أخرى من الهجوم على العاصمة البرناوية وهرب الماي دوناما منها، وهنا استغل محمد الأمين كانمي الوضع وأصبح الحاكم الفعلي على مملكة بورنو عام 1809م، واتخذ من عاصمة كاكا عاصمة له، ليبدأ عهد جديد من تاريخ المملكة وهو عهد حكم شيوخ الدينيين، حيث أصبح الملوك يلقبون بالشيوخ إلى غاية ان سقطت مملكة كانم بورنو الإسلامية على يد الإستعمار الأوروبي، حيث تفتت الإمبراطورية وتقاسمتها الدول الاستعمارية ( بريطانيا وفرنسا وألمانيا) في عام 1894م.