حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء
موضوع هذه المحاضرة يتعلق بحركة انتشار الإسلام في بلاد السودان والفاعلين الحقيقيين الذين كان لهم الدور البارز في نشر الإسلام في المنطقة وما نتج عنه من مؤثرات حضارية على بلاد السودان ساهمت فيما بعد في تأسيس أقوى مملك إسلامية بالمنطقة.
3. دور المغاربة في نشر الإسلام في السودان الغربي والأوسط
3.2. هجرة القبائل العربية والبربرية
انتشر الإسلام في السودان الغربي والأوسط أيضا بفضل هجرات القبائل العربية و البربرية، التي أخذت تهاجر إلى هذه القفار و بسط نفوذها ودينها الإسلامي هنالك ، و خصوصا بني سليم وبني هلال التي تقدمت تجاه الصحراء الكبرى ،و نجد القبائل المحلية اضطرت إلى التوسع جنوبا بعد اعتناقها الإسلام ، فتحركت قبيلة جدالة و عبرت نهر النيجر في طريقها إلى السودان الغربي.
كما نجد لسكان توات الاثر البارز و الدور الكبير في هذا المقام، في نسج العلاقات الإسلامية، وهذا بحكم التقارب الجغرافي للمنطقتين، و بديهي أن يكون بين الوافدين عدد كبير من الفقهاء والعلماء، و هذا ما يؤكده السعدي أنه كان في تنبكتو [1] وحدها مقبرة ضمت خمسين تواتيا كلهم من الفقهاء و العباد الصالحين.
و قد كان لقبيلة كنته[2] دور في نشر الإسلام، سيما أنهم نسجوا علاقات خاصة مع أمراء ماسينا، و من شيوخها سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار الكبير. و كذا نفس الشأن للقبائل الفولانية التي كان لهم أهمية ودور في نشر الإسلام لا يقل عن دور القبائل الأخرى.
[1] . تنبكتو: يقول عنها عبد الرحمان السعدي: »مسقط رأسي وبغية نفسي، ما دنستها عبادة أوثان ولا سجد على أديمها قط لغير الرحمان، مأوى العلماء والعابدين، ومألف الأولياء والزاهدين، وملتقى الفلك والسيار«. وهي مدينة إسلامية منذ نشأتها في أواخر القرن الخامس الهجري على يد طوارق مقشرين الذين »جعلوها خزانة لمتاعهم وزروعهم«، إلى أن صارت »مسلكاً للساكنين في ذهابهم ورجوعهم«. ثم أخذ الناس يسكنون الموضع ويزداد عمارة و»يأتيه الناس من كل جهة ومكان حتى صار سوقاً للتجارة«. ويشير السعدي إلى أن أول من كان يتردد على تمبوكتو هم تجار السراقولي، »ثم أهل تلك الجهة كلها«. ومن المرجح أنهم توافدوا عليها بعد سقوط كومبي صالح (عاصمة غانة في العصر الوسيط) في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي القرن 7 هـ/ 13 م فقط أصبحت تمبوكتو وجني محوراً للحياة التجارية بالسودان الغربي. وابتداء من القرن 14 م، أصبحت تمبوكتو مركزاً نشيطاً للتجارة في السودان الغربي، حيث »سكن فيها الأخيار من العلماء والصالحين وذوي الأموال من كل قبيلة ومن كل بلد من أهل مصر وأوجلة وفزان وغدامس وتوات ودرعة وتفلالت وفاس وسوس إلى غير ذلك«، منتقلين إليها من ولاتة. مع استقرار التجار والعلماء العرب، ازدهرت التجارة والثقافة إلى حد أن تمبوكتو أصبحت منارة للعلم بالسودان الغربي،
[2] . كنتة: أصل قبيلة كنتة حسب الروايات الشفوية و المصادر المحلية يعود إلى عقبة بن نافع فاتح شمال إفريقيا، بعد وفاته تفرق نسله في مختلف مناطق بلاد المغرب، استقرت قبيلة كنتة بالصحراء بعد أن أصبحت الأوضاع غير ملائمة في المناطق الشمالية خلال القرنين 13م و14 م ، فارتبط تاريخ كنتة بإقليم توات، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى إفريقيا الغربية، عبر الطرق التجارية الصحراوية الرابطة بين توات و إفريقيا الغربية، حيث حملوا معهم لواء الدعوة الإسلامية استقروا بالأزواد. يذكر الرحالة أن طوارق منطقة تنبكتو هم كنتة (Contah)، البرابيش (les Berâbisch) ، آڤلاد(les Agled)، تادماقت (les Tedmagt)، أوليمدن (les Oulimeden) و بنتافوني (les Benta-Founy) ، تمتد أراضيهم من جني إلى زبرام (Zabram) قرب سيڤو (Segtou) .