2. دور المشرق العربي ومصر في نشر الإسلام في السودان الشرقي

2.2. انتشار الإسلام في بلاد النوبة

عند ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم عام 571م كانت بلاد النوبة مسيحية يعتنقون المذهب اليعقوبي منذ القرن الخامس ميلادي، ارتبطوا جميعا بالكنيسة القبطية، مقسمة إلى ثلاث ممالك  امتد نفوذها من الشلال الأول حتى إقليم سنّار على ضفاف نهر النيل الازرق؛ أول هذه الممالك من الشمال هي المريس (Elmaris) أو نوباتا (Noubata) وعاصمتها المرس وقيل "بوباديا" والعاصمة "فرص"، وفي الوسط مملكة المقرة (Elmakara) وعاصمتها دنقلا (Dengala)، أما في الجنوب نجد مملكة علوة (Oloua) وعاصمتها سوبا (Souba). 

وبعد ظهور الإسلام وانتشاره في شبه الجزيرة العربية ، تدفقت طلائع الجيوش الإسلامية لنشر الإسلام، فغزت بلاد الفرس، الروم ومصر حتى وقفت على تخوم أبواب النوبة في أسوان التي اتخذوا منها ثغرا لهم، ونتيجة هجمات سكان النوبة سيما قبائل البجّة الواقعة في الشمال، فأمر الخليفة "عمر بن الخطاب" رضى الله عنه حماية المسلمين ووضع حدا لهذه الهجمات، فارسل ولاة مصر عددا من الحملات إلى بلاد النوبة، أهمها الحملة التي أرسلها عمرو بن العاص عام (21ه/ 641م)  حيث قادها عقبة بن عامر فقاتل أهلها دون فتحها، حيث كانت مقاومة النوبيون شديدة حيث اجهدوا المسلمين رميا بالسهام.

وعندما تولى أمر مصر عبد الله بن أبي سرح قام في عام (31ه/651م)  شكل جيش تعداده بلغ خمسة آلاف مجاهد فبلغ مدينة دنقلا  وهناك إلتقى الجيشان في معركة حامية الوطيس، ورغم استخدام المسلمين للمنجنيق ورميهم لكنيسة دنقلا إلا أن المسلمين لم يفتحوا العاصمة، فطلبوا الصلح وعقدوا معاهدة البقط؛ التي كفلت للمسلمين حق الإقامة والعمل في المملكة، وكفلوا للنوبة معونة من الأغذية والألبسة مقابل قدرٍ محدودٍ من الرقيق، واستمرَّت العلاقات السلمية بين مصر المسلمة وكوش المسيحية لمدة ستة قرون دون أي صدامات واعتداءات تُذكر.

وقد استمرت معاهدة "البقط" لمدة ستة قرون دون تغيير في جوهر مضمونها، حيث استمر تسرب المسلمين إلى بلاد النوبة وتمكنوا من شراء العقارات في "المرس" وامتزجوا بالسكان المحليين فكان لهم الفضل في نشر الإسلام في أوساطهم، كما كان لبني الكنز وهم فرع من قبيلة ربيعة العربية اليد الطولى في ذلك، حيث تسربوا من أسوان ووصلوا إلى دنقلا فصاهروا الأسر الحاكمة فمهدوا لانفسهم السبيل لاعتلاء عرش النوبة، فكانت النتيجة الحتمية هي اعتناق المولدين للإسلام وتأثرهم بالحضارة العربية الإسلامية، وبالتقادم والإنصهار تلاشت بنود اتفاقية البقط، لاسيما بعد وقوع المنطقة في القحط والفقر ولم يستطع النوبيون دفع العبيد للمصريين كجزية وفق بنود معاهدة البقط.