حركة انتشار الإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء
موضوع هذه المحاضرة يتعلق بحركة انتشار الإسلام في بلاد السودان والفاعلين الحقيقيين الذين كان لهم الدور البارز في نشر الإسلام في المنطقة وما نتج عنه من مؤثرات حضارية على بلاد السودان ساهمت فيما بعد في تأسيس أقوى مملك إسلامية بالمنطقة.
2. دور المشرق العربي ومصر في نشر الإسلام في السودان الشرقي
2.1. انتشار الإسلام في بلاد الحبشة
كانت التجارة بين عرب شبه الجزيرة العربية وشعوب شرق إفريقيا ما زالت مستمرَّة حين جاء الإسلام، فلمَّا اشتدَّ أذى مشركي مكة للمسلمين أذن رسول الله صلى الله عليه و سلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، أين يوجد بها الملك النجاشي الذي وصفه الرسول بأنه: " لا يُظلم عنده أحد"، فكانت أول هجرة في الإسلام تتألف من اثنى عشرة صحابي وأربع صحابيات يتقدمهم سيدنا عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ﷺ، وهذا بعد سنتين من جهر الرسول ﷺ بالدعوة الاسلامية عام 615م، حيث كان بني عامر مسيطرة على ساحل البحر الأحمر الغربي بجزره وموانيه، وبفضل الله ووجود بني عامر في الموانيء الأفريقية استطاع المهاجرون المسلمون الأوائل أن يبحروا إلى الحبشة.
حيث ركبوا البحر من ميناء شعيبة الحجازي بالقرب من جدة وتوجهوا في سفينتين إلى باضع وهناك من يقول سواكن وكانوا في طريقهم إلى الحبشة التي كان يحكمها ملك عادل؛ هذه الجزيرة هي عاصمة مملكة بني عامر البجاويين التي تسمى جارين. واستقبل أفراد قبيلة بني عامر هؤلاء المهاجرين ورحبوا بهم، وأعطوهم الأمان للنزول في أرض مملكتهم. وبذا تكون هذه القبيلة البجاوية هي أول شعب يعطي الأمان للمسلمين ولأول مهاجريهم خارج الجزيرة العربية، بل وداخلها أيضاً.
وقد أكرم الله سبحانه وتعالى أمة البجه بالأسبقية في الإسلام، وذلك بدخول الإسلام إلى ربوعها قبل فتح مكة المكرمة بسبع عشرة سنة، حيث كانت هجرة الفوج الأول من الصحابة رضوان الله عليهم في السنة الخامسة من البعثة النبوية. وعليه فإن مملكة بني عامر هي أول دار للهجرة الإسلامية، حيث حباها الله بهذا الشرف وهذه المنة قبل أن يأذن الله لرسوله بالهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بتسع سنين.
ولم تكن تلك هي أول هجرة أو آخر هجرة للمسلمين لأراضي بني عامر، لأنه ما لبثت أن قامت جماعة أخرى من مهاجري المسلمين تتكون من مائة وواحد بهجرة مماثلة إلى أرض بني عامر، ومنها إلى أرض النجاشي، وذلك بعد سنة 615 م مما هدد قريشاً وأخافها، فقاموا بإرسال وفد بقيادة عمرو بن العاص للمرة الثانية للنجاشي فدعا المهاجرين وطلب منهم تفسير سبب هروبهم من موطنهم فاخبره جعفر بن ابي طالب، وقرأ عليه بعض آيات سورة مريم فقال النجاشي: " إن هذا الكلام والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة" فرد على رسولي قريش قائلا : "انطلقا والله لن اسلمهم إليكما أبدا".
بهذا اعتبرت هجرة الصحابة إلى الحبشة هي باكورة دخول الإسلام إلى افريقيا، كما اعتبر جعفر بن أبي طالب أول من قام بالدعوة الإسلامية في السودان الشرقي، ومن هنا أخذت الهجرات العربية تصل الحبشة عبر البحر الأحمر في أوقات مختلفة ومن فئات مختلفة (علماء، تجار، أمراء، مزارعين، ...الخ) ، فسكنوا أكثر المناطق عمرانا وهي مصوع عند ميناء عدوليس، وقليل في مضيق باب المندب ، وهضبة الحبشة حيث منطقة هرر الخصبة، وفي الصومال حاليا أين توجد موانئ جيبوتي، زيلع وبربرة، ومن هذه المناطق انطلقت الهجرات نحو المناطق الداخلية لشرق السودان، حيث سكن هؤلاء مع المسيحيين وامتزجوا بهم فانتقل الكثير منهم إلى الإسلام فجاء نتاج هذا الامتزاج جيل اسلامي أخذ يكثر بمرور الأيام والسنين.
لكن علاقة المهاجرين بالسلطات المسيحية تعدو في هذا الطور علاقة الخضوع للأمراء الذين يحكمون هذه الأجزاء كما يخضع أهل البلاد، حيث يدفعون الضرائب ويظهرون بمظهر الولاء لهم وظل الوضع على حاله إلى أن تمكن المسلمون من انشاء امارات اسلامية في شرق إفريقيا في القرن الثالث هجري التاسع الميلادي.
والحق أن الأحباش الذين اعتنقوا الديانة المسيحية عام 350م عن طريق مصر؛ عند ظهور الإسلام أصبحوا على اتصال بالنصارى في أوروبا للعمل ضد الإسلام وتجلى ذلك في تقديم مساعدات مادية ومعنوية للصليبيين الزاحفين على المشرق فاصبح لهم دير في بيت المقدس، وفي نفس الوقت كانت الحبشة تقوم بأعمال القرصنة في البحر الأحمر، إلا أن تحرك المماليك أجبرها على التوقف عن تلك الأعمال، الأمر الذي جعلها تحرض ملك قبرص النصراني على غزو الإسكندرية عام (767ه/1365م)، كما اتصل الأحباش بملوك أوروبا للعمل ضد المماليك، وهدد الأحباش المماليك وذلك بغزو الأماكن المقدسة وتحويل مجرى النيل حيث وعدهم ملك البرتغال بدعمهم.
وكان من الطبيعي أن يقف المسلمون ضد هذه الإستفزازات، حيث حملت إمارة عدوليس في مطلع القرن العاشر هجري راية الجهاد في شرق إفريقيا ووصل نفوذها إلى مرتفعات الحبشة، خلال هذه الفترة كان العثمانيون يضمون البلاد العربية للوقوف في وجه البرتغاليين والإسبان، إلا أن إمارة عدوليس خضعت للأحباش نتيجة خسارتها لعدة معارك معها.
ثم جاءت بعدها امارة هرر وحملت لواء الجهاد ضد الأحباش، وقد شجعها في ذلك وصول العثمانيون إلى شرق افريقيا ووقوفهم في وجه الحلف البرتغالي الحبشي، حيث وقفوا إلى جانت سلطان هرر وكانت النتيجة ضم هذا السلطان لاجزاء الحبشة، فعاد الإسلام إلى عدد كبير ممن ارتدوا عن الإسلام نتيجة الضغط والإكراه. كما وجد الإسلام طريقه إلى قلوب الكثيرين من الأعيان والزعماء الأحباش.