ما الثقافة؟
من أين جاءت كلمة (ثقافة) ومنذ متى استخدمت في اللغة العربية؟
لم تذكر المعاجم هذه الكلمة إلا لماما، سواء في ذلك القديمة أو الحديثة. ففي لسان العرب المجلد العاشر: "يقال ثقف الشيء وهو سرعة التعلم"، ويقول بن دريد: "ثقفت الشىء حذقته". وفي حديث الهجرة: "هو غلام شاب لقن ثقف"، أي ذو فطنة وذكاء.
وفي دائرة معارف القرن العشرين المجلد الثاني: "ثقف يثقف ثقافة: فطن وحذق، وثقف العلم في أسرع مدة أي: أسرع أخذه، وثقفه يثقفه ثقفا: لبه في الحذق، والثقيف: الحاذق الفطن".
والمعاجم الحديثة تقول: "ثقف ثقافة: صار حاذقا خفيفا، وثقف الكلام فهمه بسرعة".
كلمة ثقافة لم تكن مستعملة في العصور السابقة، لا في العصر الأموي ولا العباسي، إذ لا أثر لها في اللغة الأدبية أو في اللغة الرسمية والإدارية لذلك العصر. ولا وجود لها في لغة ابن خلدون الذي يعد المرجع الأول لعلم الاجتماع في العصر الوسيط.
إن التاريخ يثبت أن الثقافة العربية كانت في اوج ازدهارها في العصر الأموي والعباسي.
هناك ظاهرة تثقيف تلقائي هي ثمرة طبيعية لأي مجتمع في أي وضع كان.
فهذا واقع اجتماعي عام حتى في المجتمعات البدائية، ولكنه واقع ظل زمنا طويلادون تحديد، أي إنه ظل مجرد شيء حاضر عار من التسمية، وبذلك لم يتح له أن يصبح فكرة.
فروما كانت لها ثقافة، وكان لأثينا ثقافة، لكن لا العبقرية الرومانية ولا الإغريقية ابتكرت لفظا أطلقته عنوانا على ثقافتها.
وكل ما كان في روما أو أثينا إنما هو حضور ثقافة ما، تحديدوتشخيص لاقع اجتماعي أو تعريف لفكرة (ثقافة). وهكا ايضا كان الأمر في دمشق وف بغداد.فلا نتعجب إذا لم نجد كلمة ثقافة في وثائق العصر الاموي والعباسي أو في مؤلفات ابن خلدون، لأن فكرة الثقافة حديثة جاءتنا من أوربا. وفي بلادنا العربية لا نكاد نجد كلمة ثقافة إلا وقرنت بكلمة culture باللاتينيةوهذا ما يدل على أن كلمة ثقافة لم تكتسب قوة التحديد في اللغة العربية. فالكلمة وجدت بطريقة التوليد، والكاتب الذي صاغها قد اختارها من بين عدد من الأصول اللغوية من مثل: "علم، أدب، فهم، أدرك، ثقف"، والفعل ثقف أصل لغوي يتصل تاريخه بلغة ما قبل الإسلام، فورد في سورة البقرة، مطلع الآية 190 "واقتلوهم حيث ثقفتموهم".
فمفهوم "ثقافة" ثمرة من ثمار عصر النهضة الأوربية، عندما شهدت أوربا في القرن السادس عشر انبثاق مجموعة من الاعمال الأدبية الجليلةفي الفن والأدب والفكر.
فكلمة culture المشتقة من الأصل اللاتيني cultuvar كانت تعني الزراعة.
فكان الأوربي آنذاك "إنسان الأرض"، والحضارة الأوربية هي "حضارة الزراعة"، فالحرث والبذر والحصادلها دورا هاما في نفسية الأوربي فهي التي تحدد وتنظم إنتاج الأرض، فعند تعاظم إنتاج الفكر، فلن تكون هناك غرابة إذا ما أطلق عليه الرجل لفرنسي كلمةculture -التي تعني الزراعة-إطلاقا مجازيا.
حيث أن هذه الاستعارة قد شخصت وصنفت واقعا اجتماعيا لم يكن مدركا، فالاستعارة حين أطلقت على الواقع الاجتماعي قد خلفت مفهوما جديدا هو مفهوم "الثقافة".
فاصبحت culture منذ ذلك الحين فكرة، فهي شيء (حاضر)، دل على (وجوده) بواسطة التسمية.
تلك هي الدرجة الأولى في سلم التعريف، وتأتي قوة اللفظة culture من أنا مرت بهذه الدرجة ثم نمت في اللغات الأوربية منذ ذلك الحين.
المرجع: مالك بن نبي: مشكلة الثقافة، دار الفكر، دمشق، ط 21، 2019، ص ص: 19-26، بتصرف.