Section outline

  • دراسة الظواهر الدلالية؛

      2- المشترك اللفظي 

     تمهيد:

       تُعدُّ ظاهرة المشترك اللفظي - مثلُها في ذلك مثلُ الترادف - مشكلةً من مشاكل العلاقات الدلالية، مصطلحٌ يطلقه الدرْسُ الحديث على ظواهرَ متعددةٍ، تشرح العلاقات بين الكلمات في اللغة الواحدة، ومن نواحٍ عدَّة، نحو أن يكون معنيان أو أكثرُ للفظٍ واحد، فتسمَّى العلاقة هنا (المشترك اللفظي)؛ لكونها تسير خلافًا للوضع المثالي للَّغة، الذي يقتضي أن يكون للَّفظ الواحد معنًى واحدٌ، وللمعنى الواحد لفظٌ واحد.  

       إن المشترك اللفظي يرتبط بعلم الدلالة حديثًا، والذي يَلقى الاهتمام البالغ في عصرنا لدى كثير من الدارسين.

    تعريف المشترك اللفظي:

    أ - المشترك لغويًّا:

         " الشِّرْكَةُ والشَّرِكة سواء: مخالطةُ الشريكين، يقال: اشترَكنا بمعنى: تَشارَكنا، وقد اشترك الرجلان، وتَشارَكا وشارَك أَحدُهما الآخرَ... وشاركْتُ فلانًا: صرْتُ شريكَه، واشْتركنا وتَشاركنا في كذا، وشَرِكْتُه في البيع والميراث... قال: ورأَيت فلانًا مُشتركًا، إذا كان يُحَدِّث نفسه أنَّ رأيه مُشْتَرَكٌ ليس بواحد.

          وفي "الصحاحللجوهري: رأيتُ فلانًا مُشْتَرَكًا، إذا كان يحدِّث نفسه كالمهموم... وطريقٌ مُشْتَرَك: يستوي فيه الناس، واسم مُشْتَرَك: تشترك فيه معانٍ كثيرةٌ، كالعين ونحوها؛ فإنه يجمع معانيَ كثيرةً "؛ وينظر (ابن منظور، مادة: شرك).

    ب- المشترك اصطلاحًا:

    للمشترك اللفظي حدود شتى، أهمها:

       قول الزبيدي في مقدمة (تاج العروس)":إنه اللفظُ الواحد الدالُّ على معنَيَيْن مختلفين فأكثر، دلالة على السَّواءِ عند أهلِ تلك اللغة".

        وقولُ (زكريا بن محمد الأنصاري ): "ما وُضع لمعنيين فأكثر، كالقُرْءِ للطُّهْر والحيض"؛    قال (السرخسي ): " وأما المشترك، فكلُّ لفظ يشترك فيه معانٍ، أو أسامٍ، لا على سبيل الانتظام؛ بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المرادَ به على الانفراد، وإذا تعيَّن الواحد مرادًا به، انتفى الآخر؛ مثل اسم (العين)؛ فإنه للناظر، ولعين الماء، وللشمس، وللميزان، وللنقد من المال، وللشيء المعين، لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ، ولكن على احتمال كون كل واحد مرادًا بانفراده عند الإطلاق؛ وهذا لأن الاسم يتناول كل واحد من هذه الأشياء، باعتبار معنًى غيرِ المعنى الآخر، وقد بيَّنا أن لفظ الواحد لا ينتظم المعاني المخـتـلفة "؛ أما (الشوكاني) فحدَّه بقوله: " اللفظة الموضوعة لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعًا أولاً، من حيث هما كذلك ".

    المشترك اللفظي عند القدماء:

    مفهوم المشترك اللفظي عند الأصوليين واللغويين:

       ولعل تعريف أهل الأصول للمشترك هو أدق ما يُحد به، فالمشترك عندهم: " اللفظ الواحد الدال على معنيين فأكثر على السواء عند أهل تلك اللغة "؛ وذكروا أن الاشتراك في الأفعالِ كما في(راح: بمعنى ذهب ورجع)، والحروفِ مثل (مِن) الجارَّةُ: تكون للابتداء، وللتبعيض، و(الواو): للعطف والحال، والأسماءِ مثلوا لها بعين الماء، وعين المال، وعين السحاب.

       ونجد عند اللغويين وجود المشترك اللفظي في اللغة العربية بإجماعهم، وأن الاستعمال دليل الاشتراك، وأن النقل لا يبطل ذلك. ومن هؤلاء: سيبَوَيْهِ حيث قال: " اعلم أن من كلامهم اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين ".

    وابن فارس، قال: " باب أجناس الكلام في الاتفاق والافتراق: يكون ذلك على وجوه... ومنه اتفاق اللفظ واختلاف المعني؛ كقولنا: عين الماء، وعين المال، .. وعين الميزان ".

    وأخيرًا:

    يطلق علماء اللُغة العربيةِ القدماءُ مصطلحَ  "المشترك اللفظيعلى كل أنواع اللفظ الذي يدل على أكثرِ من معنى، سواء أتقاربت معانيه أم اختلفت، ويترتب على ذلك أن كل معاني كلمات  "عينالموجودة في المعاجم تعدُّ من قبيل المشترك، وتعطَى مدخلاً معجميًّا واحدًا في المعاجم، سواء تلك التي تقاربت معانيها؛ مثل: الجاسوس، والعضو الباصر، وفم القربة، أو تلك التي ليس لها صلة بهذه المعاني؛ مثل: الاعوجاج في الميزان، والمطر الذي يجيء ولا يقلع أيامًا، والسحابة التي تأتي من جهة القبلة.

    تعريف اللغويين المحدثين للمشترك اللفظي:

       هو ما اتحدتْ صورة لفظة، واختلف معناها (صبحی الصالح)، أو هو أن تتعدد المعاني للَّفظ الواحد. وأما الدكتور (وافي) في كتابه  "فقه اللغة فقد قال عن المشترك اللفظي:      " يکون للكلمة الواحدة عدةُ معانٍ تطلق علی کل منها علی طريق الحقيقة لا المجاز"، أما (إبراهيم أنيس) فله رأي متشدد في هذه القضية؛ يقول: " كذلك إذا ثبت لنا من نصوص أن اللفظ الواحد قد يعبِّر عن معنيين متباينين، سمَّينا هذا بالمشترك اللفظي، أما إذا اتضح أن أحد المعنيين هو الأصل، وأن الآخر مَجازٌ له، فلا يصح أن يعد مثلُ هذا مِن المشترك اللفظي في حقيقة أمره ". ويذهب إلى أكثرَ من ذلك، حين أقرَّ أحقية (ابن درستويه) عندما أنكر معظمَ تلك الألفاظِ التي عدَّت من المشترك اللفظي، واعتبرها من المجاز؛ ولذلك فالمشترك الحقيقي إنما يكون حين لا نلمح أية صلة بين المعنيين، كأن يقال لنا مثلاً: إن (الأرض) هي الكرة الأرضية، وهي أيضًا الزكام، وكأن يقال لنا: إن (الخال) هو أخو الأم، وهو الشامة في الوجه، وهو الأكمة الصغيرة، ومثل هذه الكلمات التي اختلف فيها اختلافًا بيِّنًا، قليلة جدًّا؛ بل نادرة ولا تتجاوز أصابع اليد عدًّا.

        وقد ردَّ (أحمد مختار عمر) رأيَ (إبراهيم أنيس)، معلقًا على ما ذهب إليه قائلاً: "وإذا كان لنا مِن تعليقٍ على رأي (الدكتور أنيس)، فإنه يتلخص فيما يأتي:

    أولاً: إنه رغم تضييقه الشديد لمفهوم المشترك اللفظي في كتابه (دلالة الألفاظ)، وقصره المشتركَ الحقيقي على كلمات لا تتجاوز أصابعَ اليد، والمشتركَ بمعناه الواسعِ على كلماتٍ لا تتجاوز العشَرات، نجدُه في كتابه (في اللهجات العربية) يصرح أن المعاجم العربية قد امتلأت بها، وأن ما نشأ عن التطور الصوتي المئات.

    قال (د. أنيس): " فکما تتطور أصوات الكلمات، وتتغير معانيها، تتغير مع احتفاظها بأصواتها "؛ فهذا التطور يغير في المعاني، ويحتفظ بشکل الكلمة ونطقها، مما يَنتج عنه كلمات مشتركة نطقًا، مختلفة في المعنى.

    ثانيًا: عدمُ استقراره على رأيٍ واحد بالنسبة للكلمات التي نشأت عن تطور صوتي.

    ثالثًا: كونه ادَّعى أن العلماء لم يشيروا إلى التطور الصوتي كعامل من عوامل نشوء المشترك وحدوثه.

    رابعًا: مزجَ بين المنهجين الوصفي والتاريخي في علاج قضية المشترك، وكان الأَولى أن يقتصر على أحدهما.

       أما (صبحي الصالح) - مِن المحدَثين أيضًا - فيستدل على وقوع المشترك في اللغة بالتطور وتباين المواقف، يقول: " الكلمات لا تستعمل في واقع اللغة تبعًا لقيمتها التاريخية، فالعقل ينسى خطوات التطور المعنوي التي مرتْ بها، إذا سلمنا بأنه عرَفها في يوم من الأيام، وللكلمات دائمًا معنى حضوريٌّ ومحدود باللحظة التي تستعمل فيها، ومفرد خاص بالاستعمال الوقتي الذي تستعمل فيه".

    من أمثلة المشترك اللفظي:

    من المشترك اللفظي في القرآن الكريم كلمة (نُكر)، وقد وردت في القرآن الكريم على ستَّة أوجُه:

    1.   "نكِرَهُبكسر الكاف و "أنكرَهُضدّ عرفه، فمن الأوَّل﴿فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ [هود: 70]، ومن الثاني﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [ النحل: 83].

    2.   "نُكربضمّ النون وسكون الكاف أو ضمّها، كلاهما بمعنى: المنكر الَّذي لا تألفه النَّفس ولا تستريح إليه، فمن الأوَّل﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ [الكهف: 74]، وقِس عليه (87) الكهف، (8) الطَّلاق، ومن الثاني﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾[القمر: 6].

    3.   نكَّرت الشيء بمعنى: غيَّرته وزنًا ومعنى؛ ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾ [النمل: 41]؛ أي: غيِّروا معالمه لئلاَّ تهتدي إليه.

    4.   النَّكير كظريف، ومعناه: الإنكار، ومنه﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: 44]؛ أي: فكيف كان إنكاري عليكم؟! ومنْه أيضًا قولُه تعالى﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٍ﴾ [الشورى: 47]؛ أي: لا تستطيعون إنكار ما اقترفْتموه من الذنوب.

    5.   "أنكرفي قوله تعالى﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19] ومعناها: أقبح الأصوات.

    6.   "المنكربفتح الكاف: اسم مفعول من الرباعي المهموز، وقد وردتْ في الكتاب الكريم آياتٌ كثيرة تذْكر المعروف والمنكر متقابلَين، فالمعروف: ما عرفه الشَّرع ورضِيه وأمر به، كالصَّلاة وصِلة الرَّحِم وطاعة الوالدَين، والمنكر: ما أنكره الشَّرع ولم يقبلْه وتوعَّد عليه، كالزِّنا والرِّبا وعقوق الوالدَين.

    أمَّا "المنكرفي قوله تعالى﴿تَعْرِفُ فِي وَجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنكَرَ﴾ [الحج: 72]؛ أي: إنكار القرآن حين تُتلى عليهم آياته، وهي هنا مصدر ميمي.

    وأمَّا "المنكرفي قوله تعالى﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنكَرَ﴾ [العنكبوت: 79]، فالمراد إتيان كلِّ ما يُخالف الشَّرع والخلق الكريم، وأمَّا "منكرونفي قوله تعالى﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الحجر: 62] أي: مَجهولون عندي غير معروفين.

    أهمية المشترك في العربية:

         في اللغة العربية؛ للمشترك اللَّفظي في العربية أهمية بالغة، فلقد كان مادَّة صالحة للتَّورية والتَّجنيس عند المشغوفين بالمحسّنات اللَّفظيَّة، مثل كلمة (العجوز) في قصيدة للشيخ يوسف بن عمران الحلبي، يمدح قاضيًا وهي:

    لحاظٌ دونها غول العجوز     وشكّتْ ضعف أضعاف العجوز

    الأولى: المنية، والثانية؛ الإبرة.

     

     أمثلة على المشترك اللفظي في العربية:

    1- العرش: السرير ويكون للملك، وعرشُ البيت: سقفه، والعرش: اسم لمكة، والعرش: البيت، وجمعه: عروش، والعرش: ما يستظل به، والعرش: الذي يكون على فم البئر، يقوم عليه الساقي، وعرش الرجل: قوام أمره، فإذا زال ذلك عنه قيل: ثُلَّ عرشه أي: هدم.

    2- الدين: الإسلام، والدين: الحساب، والدين: العادة، والدين: الطاعة والدين: الجزاء.

    3- الجنُب: الرجلُ الغريب، والجنُب: الرجل المخالط للمرأة، وقد استعمل للجماعة في قوله تعالى: ” وإن كنتم جنباً فاطهروا”.

    4- الخليل: الصديق، مأخوذ من الخُلَّة، وهي المودة، وفي التنزيل:” لا بيع فيه ولا خُلَّة “، والخليل: المحتاج، مأخوذٌ من الخَلَّة، وهي الحاجة.

    وختاما فإن المشترك اللفظي موجود في الكتاب والسنة واللغة في رأي أغلب العلماء ولا اعتبار لقول من نفى ذلك، وهو من أهم العوامل التي تؤثر في تحديد المعنى.