تمهيد:
مثل دخول الانترنت في حياة الإنسان منعطفا حاسما، غير من واقع الحياة كلية، فبعد أن عاش الإنسان منذ ظهوره الأول على كوكب الأرض، في عوالم ثلاث كانت تمثل واقعه، خياله وهواماته، ولج فجأة عالما رابعا افتراضيا ذو خصوصية مطلقة، يتوسط العالم الواقعي، الخيالي والهوامي، بكل امتداد وعمق، أين تتوفر فيه كل خصائص الواقع، مع إمكانية تجسيد الخيال بكل تفاصيله، هذا التغير الجذري في المعاش اليومي للفرد دفعه إلى استدخال الانترنت كقطب جديد موازي للحياة اليومية فيه يفكر، يعبر، يؤثر ويتأثر، يتقمص ويسقط، يقوّم وينحرف، في عصر جديد يعرف بعصر الافتراضية، يتميز بطفرة هائلة في حجم المعلومات وسرعة تداولها وانتشارها بين الأفراد والكيانات، هذا الغزو الرقمي غير كل ميادين الحياة الإنسانية وأثر على شخصية الفرد وفرض واقعا جديد وفضاء لم يعرفه الإنسان من قبل.
حيث يعتبر الفضاء السيبرياني أو الافتراضي مجال خصب، لكل الظواهر الإيجابية والسلبية، فكما هو وسيلة تختصر الزمان والمكان، هو وسيلة لتغير الأوضاع وتعديل الأشياء، إن تعلق الأمر بالغاية السامية والاستعمال الرشيد لخدماته، أما إن أراد الإنسان شرا لنفسه أو لغيره، فالمجال مفتوح على مصراعيه في الانترنت، نظرا لخصوصيتها القابلة للإخفاء والتستر والانتحال، ما يمكن للفرد أن يمارس كل الممارسات الممنوعة أو حتى يرتكب جرائم، تمس بالأفراد أو بالمؤسسات، والتي تعتبر نوعا جديد من الجرائم المستحدثة التي تتطلب عناية خاصة وتدخلا مميزا نظرا لخصوصيتها المختلفة عن باقي الجرائم التقليدية، والأكيد أن ولوج الفئة المجرمة من المجتمع إلى الفضاء الافتراضي كان من جهة تطورا مع مقتضيات العصر الراهن و من جهة أخرى لعوامل أخرى تتعلق بخصوصية الجريمة السيبريانية.
والجزائر مثلها مثل بقية الدول عايشت دخول الانترنت منذ سنوات التسعينيات من القرن الماضي وعرفت عديد التحولات الكبرى، منذ ظهور شركات التزويد بالانترنت الفضائي، إلى غاية دخول الانترنت عالي التدفق والانترنت عبر الهاتف المحمول، فتزايدت أعداد المشتركين وأصبح من النادر أن لا يكون هناك فرد لا يملك خط انترنت، أو شريحة تسمح بالولوج إلى هذا العالم، وكما عرفت الجزائر الانترنت، عرفت مشاكلها والأخطار الكامنة وراءها، خصوصا بعد تطور الشبكة العنكبوتية من الواب 1.0 إلى الواب 2.0، ما أتاح الفرصة للفرد إلى الوصول إلى خصائص وتطبيقات لم تكن متاحة من قبل، أبرزها التفاعل المباشر وإمكانية امتلاك قواعد بيانات خاصة، إضافة إلى التفاعل الاجتماعي الافتراضي، ما جعل الأمر أكثر تشعبا وأقل تحكما من السابق، هذه الخاصية التي دفعت بالجميع إلى تبنى الفضاء السيبرياني واستحداث حيز على مستواه سواء عن طريق الحسابات الشخصية، المدونات، المواقع الخاصة والمنصات التواصلية الاجتماعية، إلى جانب تطبيقات الدردشة والمحادثة الفورية، واستغلاله إيجابيا وسلبيا، حيث ظهرت الجريمة السيبريانية كمظهر جديد لم يعرفه المجتمع الجزائري سببت في الكثير من المآسي والأضرار على الفرد والمجتمع.
الجريمة السيبريانية:
الجريمة السيبريانية هي مصطلح عام وشامل يشير إلى الجرائم المرتكبة باستخدام أجهزة الكمبيوتر والإنترنت، ويمكن تعريفها عمومًا على أنها فئة فرعية من جرائم الكمبيوتر، أو الإنتهاكات المرتكبة باستخدام الإنترنت أو شبكة كمبيوتر أخرى كعنصر من عناصر الجريمة، وقد عرف المجلس الأوروبي لمكافحة الجرائم السيبريانية الجريمة السيبريانية في سياق معاهدة بودابست 2001 على أنها كل جريمة تتصل بالفضاء السيبرياني والتي تدرج ضمن أربعة أنماط هي جرائم ضد سلامة المعلومات والبرامج وجرائم متصلة بالكمبيوتر واختراقه وجرائم تتعلق بالمحتوى إلى جانب جرائم تتعلق بإنهاك الملكية. (Littlejohn et al, 2008, P 15)
