المقال الأدبي،أوراق الورد للرافعي 

إشكالية المحاضرة :

إذا سلمنا أنّ مصطفى صادق الرافعي حامل لواء البيان والتراث العربي الأصيل،وقد خاض معارك أدبية طاحنة ولاسيما مع طه حسين في كتابه"تحت راية القرآن"،فما أثر هذه الخلفية المعرفية في إنشائه للمقال؟بعبارة أخرى،هل يُمكن أن نقرأ نوع الرسالة التراثية في مقالات الحب" رسائل الورد" أنموذجا ،هل من تهجين بين النوعين؟

1-بيوغرافيا مصطفى صادق الرافعي:

في قرية "بهتيم" واحدة من قرى القليوبية ولد الرافعي عام 1880،في بيت جده لأمه[1]وها هو تلميذه سعيد العريان أعرف الناس به،يكتب دراسة فذه عنه سماها "حياة الرافعي"،يُترجم له قائلا:«الرافعي سوري الأصل، مصري المولد، إسلامي الوطن»[2]،وقد قَدِم أهله وأجداده من الشام ليتولوا القضاء والفقه الحنفي،ويعود في نسب عريق إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. «وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية-وهي كلّ ما نال من الشهادات الدراسية-أصابه مرض مشف أثبته في فراشه أشهرا،وأحسبه كان التيفويد فما نجا منه إلاّ وقد ترك في أعصابه أثرا كان حبسة في صوته ووقرًا في أذنيه من بعدُ (...)فما أتمّ الثلاثين حتى صار أصمّ لا يسمع شيئًا مما حواليه،وانقطع عن دنيا الناس»[3]

وأيّ شهادة ابتدائية،والله إنّها لتعدل دكتوراه اليوم وتبزها بزا،فهذا العبقري العقاد،بعد الابتدائية،فُتِح له باب العمل؛في البريد،والصحافة،ومتنقلا في مختلف الوظائف،وجاءت الثقافة الموسوعية للعقاد والرافعي تجر أذيالها طائعة،فهما أحكماها بالتعليم العصامي،دون إكراه وبشغف معرفي جمّ.وكان هذا المرض الذي أدى إلى الصمم،مركب نقص،عند بعضهم لكنه عند الرافعي وسَميّه طه حسين(عميد الأدب العربي)؛ أبي بصير،كان حافزا لطلب العلم واستصحاب الكتب بدل الناس،فجدد الرافعي بيان العربية ووصلها بعصورها الزاهية.وظفر الرافعي بوظيفة أجداده في سلك القضاء كاتبا،بمحكمة "طلخا الشرعية"،ونال لقاء ذلك؛ كلّ شهر أربعة 4 جنيهات.وتزوج في الرابعة والعشرين السيدة "نفيسة البرقوقي"،ورُزق ب:سامي ومحمد وعبد الرحمن وزينب ووهيبة[4].ومن آثاره :"تاريخ آداب العرب"،"كتاب المساكين"،و"تحت راية القرآن"،"وحي القلم" ،و"على السفود"،و"السحاب الأحمر"،و"رسائل الأحزان" ،و"أوراق الورد".

2- في تعريف المقالة:

1-2المقالة لغة :

جرى العرف الأكاديمي على ضرورة الوقوف عند التعريف اللّغوي،ومنه يُدلف إلى التعريف الاصطلاحي،وإنّ الناظر في معاجمنا ولاسيما ابن منظور يجد ما نصّه :«(...)أمّا تجوُّزهم في تسميتهم الاعتقادات والآراء قولاً فلأنّ الاعتقاد يخفى فلا يُعرف إلاّ بالقول،أو بما يقوم مقام القول دليلا عليها،(...)والجمع أقوال، وأقاويل جمع الجمع؛قال يقول قولا وقيلا وقولة ومقالا ومقالة؛ وأنشد ابن برى للحطيئة يخاطب عمر،رضي اللّه عنه:

تحنن عليّ،هداك المليك

فإنّ لكلّ مقام مقالا »[5]

وكي نزيد من محاصرة الدلالات والعقد الناظم لهذه المعاني،نستأنس بما أورده خالد أبو الليل وهو يتأمل القواميس اللّغوية،ليُعطينا خلاصته قائلا:«"قول" هو الجذر اللّغوي للكلمة،ويعني ما يتلفظ به الإنسان،أو ما يتكلم به،أشارت إلى هذا المعنى معاجم اللّغة؛مثل"لسان العرب" و"القاموس المحيط"(...) ثمّ تطور هذا المعنى اللّغوي للكلمة،فأصبح يُشير إلى "الرأي". وذلك بعد ظهور المذاهب الإسلامية،التي ارتبط استخدام مفردة المقالة معها-أحيانا- بالدلالة على "المذاهب"،(وهو ما يحمل في طياته معنى الرأي والتعبير عن رأي الجماعة)»[6] ولا مندوحة من هذه الإشارة اللطيفة بين القول والحديث،وذلك الأثر الذي انتقلت إليه المقالة،فغدت تخصّ الذين يتميزون برأي يُدلون به ليؤثروا في الجمهور،كيف لا وهم النخبة الحاملة للوعي .

2-2المقالة اصطلاحا:

إذا طالعنا "المعجم الأدبي"،فإنّه يذكر عدة مفاهيم للمقال كالآتي:«مقال Article ,Dissertation

1-          مقالةٌ،بحثٌ موجَز يتناول بالعرض والتَّعليل قضيّة من القضايا،أو جانبا منها.وقد يطول فيبلغ حجم كتاب عاديّ.

2-          بحث في سطور أوصفحات معدودة شاعت كتابته بعد انتشار الجرائد والمجلّات.وتتميّز هذه المقالةبالتركيز على المعنى،وبوضوح العرض،والانتهاء،في معظم الأحيان،إلى محصّلات بارزة ترسخ في أذهان القرّاء.وقد تأثر هذا الفن من الكتابة بالأساليب الأجنبية،لأنّ فنَّ الصحافة العربية،كان في مُنطلقه،تقليدا أمينا للصحافة الغربية .

3-          المقالة،الرأيّ الذي يبديه الكاتب أو المفكر،ويكون عادة معبّرا عن موقف خاصّ به »[7]

ما يمكن أن نستشفه من هذا التعريف؛هو أولا ؛العلاقة بين الدلالة اللّغوية الاصطلاحية فالمقال يُحيل إلى الرأيّ والاعتقاد،ثمّ ثانيا،من أسباب تطور المقال وذيوعه بين الناس الصحافة،وهي الحامل/الوعاء الذي يسّر انتشاره،وثالثا،أنّ المقال فكرة أو موقف أو موضوع ؛في شتى مناحي الحياة،يٌعرض بتحليل موجز .

ومن أهم التعريفات التي يتداولها الباحثون تعريف محمد يوسف نجم،وقد خلصّ إليه بعد أن راجع عديد التعاريف الغربية«قطعة نثرية محدودة الطول والموضوع،تُكتب بطريقة عفوية،سريعة خالية من الكلفة والرهق،وشرطها الأوّل أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب.»[8]ولئن أمكننا الاعتراض على هذا الباحث،فإننا نتوقف عند مقوّم العفوية في المقالة،ذلك أنّ المقالة لا ترد عفو الخاطر،بل فيها من كدّ الذهن وإعمال العقل كثيرا من الجهد،والنظر،وربّما قصد الباحث إلى سلاسة ويسر التناول،وخانته الكلمة.إذ بعض المقالات أسبوعية،يتعمل فيها صاحبها بحثا وتقصيا دقيقا،حتى يُذيعها بين قرائه،وتكون محط ردود أقلام تتعاورها وتكون عيالا على مائدتها.

أما عباس محمود العقاد،وهو رائد العبقريات،فإنّه أصّل هذا الفن،وأرجعه لما عُرف عند العرب من الفصول؛التي تضم أطرافا من الحديث عن "الأخلاق"و"وأخبار الشجعان والبلغاء"وقد تلتبس بالمقامة بما هي حادثة طريفة في مجلس واحد،وبعد أن يذكر أنّ هذا الفن حديث عند الغربيين،معددا رواده كـ: "مونتاني"و"باكون"،يعطي لنا ما يسميه هو مقالا قائلا"«والذي نراه نحن في "المقالة"أنّها ينبغي"أن تكون مشروع كتاب في موضوعها لمن يتسع وقته للإجمال ولا يتسع للتفصيل،فكلّ مقالة في موضوع فهي كتاب صغير يشتمل على النواة التي تنبت منها الشجرة لمن شاء الانتظار" »[9] وفي ضوء هذا القول يمكن أن نؤكد أنّ المقال هو بسط لفكرة بلورها صاحبها،ليبسطها لقرائه،هي خلاصة رأيه في المسألة،سمتها الأساسية الإيجاز؛ فحدود المقالة بين عشر10 صفحات إلى أربعين 40،تصح أن تكون فصلا في كتاب لمن يروم التفصيل أو كُتيبا صغيرا لمن يبغي الإيجاز.وبذلك تلتحم أجزاء المقال وتدور حول موضوع وفكرة رئيسة.

  3خصائص المقال :

وبناء على ما تمت مناقشته من تعاريف،نُحاول أن نحدد خصائص المقالة[10]:

v  عرض فكرة بألفاظ موجزة،تستقصي عناصرها في ترتيب ونسق محدد.

v  المقالة عرض لموضوع شيّق،يخرج عن الوعظ الزاجر،فيه من حسن البيان والاستدلال والتسلسل .

v  تتميّز المقالة بالصدق الوجداني والفنيّ،وهو ما يجعل العرض واضحا،يأخذ بلب القارئ،ويؤثر فيه.

v  تتعدد موضوعات المقالة،وهي تتجاوز عن الحصر،من مشكلات اجتماعية وأحاديث يومية وسياسية ودينية وثقافية،وتاريخيةو... فيعمد صاحب المقال إلى استلهام أحد المصادر،وينبري يعرض رأيه محللا،ومحاججا،داحضا ومفندا...

v  من أبرز خصائص المقالة؛ طرافة الموضوع وجدته وحسن التناول.

v  لما قال بوفون "الأسلوب هو الرجل"،إذ هو بصمة تميز هذا الأديب عن غيره،فكذلك لكلّ مقال أسلوب يطبع صاحبه.

4-رسائل أوراق الورد نحو قراءة أجناسية:

يصدر عادة المؤشر الأجناسي من المؤلف/الناصّ،أو من دار النشر،لتحقيق غايات تصنيفية في المكتبة،من جهة،ومن جهة أخرى لبيان آفاق القراءة عند المتلقي؛فقارئ القصيدة أفق انتظاره،يختلف عن قارئ رواية أو مشاهد فيلم،إذ لكلّ نوع أجناسي،أدبية معيّنة بمفهوم تدوروف،حيث يشغل المؤشر الأجناسي مع العنوان،كعتبات معضدة للقراءة،لبيان مقصدية ما،ورهان قرائي تعاقدي،بين المؤلف والقارئ.

فكيف نقرأ العبور الأجناسي،وهُوية التداخل النوعي في استهلال"أوراق الورد رسائلها ورسائله"؟

«هذا الديوان من الرسائل تكملة على كتابين خرجا من قبل،وهما "رسائل الأحزان"،"والسحاب الأحمر"،فجملة آرائنا في فلسفة الجمال،والحب وأوصافهما،هي في هذه الكتب الثلاثة.ورسائل"أوراق الورد" هذه تطارحها شاعر فيلسوف روحاني،وشاعرة فيلسوفة روحانية،كلاهما يحب صاحبه،كما يقول الفيلسوف،ابن سينا باعتبار عقلي(...)أمّا بعد فإننا لا نعرف في تاريخ الأدب العربي كلّه رسالة كتبت من هذا الطراز.»[11]

بناء على هذا النصّ الاستهلالي،فإنّه يكشف عن أنواع تتنافذ على بعضها بعض؛دون أن تُعطي اليد الطولى لأحدها،أوّلها أوراق الورد هي ديوان شعر،ألفه شاعر،وما أكثر العاشقين وقصصهم في ديوان الشعر العربي،وثانيهما،هو رسائل؛وهو نوع آخر ينتمي من حيث التجنيس إلى جنس السرد، الذي يُفارق جنس الشعر،ويُناظره،ومن جهة أخرى هي مطارحات وآراء فلسفية،لتخرج بتميّزها عما كُتب من رسائل إخوانية في النسق العربي،متميّزة بأصالة و"فرادة لا نعرف في تاريخ الأدب العربي كلّه رسالة كتبت من هذا الطراز"

ولنمثل على هذا الحضور الأجناس من خلال انتقاء أنموذج:

«وأهدى إليها مرة زجاجة من العطر الثمين،وكتب معا :يا زجاجة العطر،اذهبي إليها،وتعطري بمسّ يديها وكوني رسالة قلبي لديها،وها أنذا أنثر القبلات على جوانبك،فمتى لمستك فضعي قبلتي على بنانها،وألقيها خفية ظاهرة،في مثل حنوّ نظرتها وحنانها،وألمسيها من تلك القبلات معاني أفراحها في قلبي ومعاني أشجانها.»[12]

فمن توقيع التكرار،ينبع نغم،وأساس الشعر هو توقيع أنغام،فهذا النصّ لا يخلو من شعرية الشعر.كما يتضمن النصّ بين طياته أبياتا شعرية.وهنا يصدق وصفه بديوان الشعر،وإن فارق أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي.

و لقد اصطنع قارورة عطر برائحتها،رسولا بين الحبيبين،وحملها فلسفة الجمال وآراء في الحب.وهذا مقوم أساسي في الترسل،فهو سرد،وحوار محمول .

وما يلي من حجاج،واستدلال هو أقرب إلى مقال فلسفة في الحب،يحلل فيه المشاعر الإنسانية،ليختم بحسن تخلص،ينتقل فيه من زهر العطر إلى زهر الكلم وزهر الجنة«وستعلم حين تسكبك هي على جسمها الفاتن أنّك رجعت إلى أجمل من أزهارك،وأنّك كالمؤمنيين تركوا الدنيا ولكنهم نالوا الجنة ونعيمها...»[13]

صفوة القول:

لا مراء في أن المقال أوسع انتشارا؛ لأننا في زمن السرعة،والانفجار المعرفي،وغني عن البيان أنّ المقال،بمختلف أنواعه هو بحث ونقاش في مسألة ما،ولا يخفى على أهل الذكر أنّها من أقصر الطرق لتبليغ الأفكار.وهي جامعة للقلب والعقل معا،حيث تُلهب العواطف،وتشغل العقل بنسق حجاجها وتنظيم أفكارها.

وقد عرفنا أنّ العصر الحديث كان عصر المقالة،لعدة عوامل منها: انتشار الطباعة،والصِّحافة،ووجود أقلام مميّزة نافحت عن قضايا راهنة في زمنها.وقد توقفنا عند بنية المقال عند مصطفى صادق الرافعي،لخفة نسقه؛الذي يجمع إلى البيان نوع الرسالة الإخوانية الرقيقة،وفلسفة الحبّ والجمال .



[1] يُنظر:عادل بن أحمد بن سالم باناعمة،بناء الجملة،عند مصطفى صادق الرافعي،من خلال كتابه أوراق الورد،رسالة ماجستير،المملكة العربية السعودية،كلية اللّغة العربية،قسم الدراسات العليا،فرع اللّغة،1421،ص,14

[2] محمد سعيد العريان،حياة الرافعي،مؤسسة هنداوي(مصر)،دط،2017،ص.17

[3] المرجع نفسه،ص.22

[4] يُنظر:عادل بن أحمد بن سالم باناعمة،المرجع السابق،ص.15،16

[5] ابن منظور،لسان العرب،نخبة من الأساتذة،طبعة مراجعة ومصححة،دار الحديث(مصر)،ج7،مادة (ق.و.ل)ص.450

[6] خالد أبو الليل،فن المقالة العربية،كلية الآداب،جامعة القاهرة،دط،دت،ص.8

[7] جبور عبد النور،المعجم الأدبي،أهم معجم أدبي،أكثر من 900 مصطلح أدبي،دار العلم للملايين(لبنان)،دط،دت،ص.260

[8] محمد يوسف نجم،فن المقالة،دار الثقافة(لبنان)،ط4،1966،ص.95

[9] عباس محمود العقاد،يسألونك، مؤسسة هنداوي(مصر)،دط،2013،ص.10

[10] يُنظر:عطاء كفافي،المقالة الأدبية،ووظيفتها في العصر الحديث،هجر للطباعة والنشر(مصر)، ط 1،1985،ص.13-16

[11] مصطفى صادق الرافعي،أوراق الورد،رسائلها ورسائله،دن،دب، ط 10،1982،ص.13،14

[12]  المصدر نفسه،ًص.34

[13]  المصدر نفسه،ص.36

Modifié le: Tuesday 15 March 2022, 12:41