1. الشك المنهجي عند روني ديكارت:

كان ديكارت مقتنعا في فترة مبكرة، مثل بيكون، بإن الإحتياج العظيم في الفلسفة هو صياغة منهج دقييق ومثمر للبحث. غير أن ديكارت فهم المناهج التي يستخدمها بالعل الرياضيون وعلماء الطبيعة على نحو أفضل. وقد كان ديكارت نفسه رياضيا بارعا ومرموقا، ومكتشفا الهندسة التحليلية. وقد انتهى إلى أنه يمكن ابتكار منهج للفلسفة يشبه المنهج الذي يستخدمه في الهندسة بنجاه. ولقد كانت صياغة المنهج بالنسبة لديكارت خطوة أولية وأساسية. فقد كان يطمح إلى اكتشاف ما عساه أن تكون معرفة الأشياء الموجودة التي يمكن بلوغها بيقين. ولم يكن يعتقد أن كل المعلومات التي حصلها في لافليش كانت زائفة على الإطلاق. بل كان البعض منها زائفا، ولم تكن لديه وسيلة لتمييزها، حتى وجد منهجا خاصا به. وعندما أصبح لديه منهج بادر باستخدامه في التأمل الأول من تأملاته. (رايت، صفحة ص ص 94، 97)   

لهذا، عول ديكارت على التوسل بالشك منهجا لبناء فلسفة على أسس جديدة سليمة ودعامات راسخة قويمة. فهو برى أننا تلقينا أغلب الآراء المركوزة في نفوسنا من حواسنا وعن معلمينا فلم تكن وليدة تأمل خالص ولا ثمرة تفكير سليم. ينبغي إذن أن تتخلى عن هذه الآراء. وأن حواسنا لتخدعنا أحيانا، وما يخدعنا مرة لا يؤمن جانبه. إذ قد يخدعنا مرارا، فينبغي أن نستبعد شهادة الحواس كلها. ومن الناس من يظل السبيل في التفكير فيخطئ في أبسط المبادئ الهندسية. أنا أشك إذن في كل شيء، ولم يفلت من شكي أبسط الحقائق الرياضية والمعاني العقلية. فالتشكك هو اللحظة الأولى في فلسفة روني ديكارت ولكنها لحظة لا تدوم بل سرعان ما تفضي بنا إلى يقين واضح. فمهما بلغ بي الشك فلن أستطيع أن أشك في أنني أشك. فأنا الذي أشك أفكر، وما دمت أفكر فأنا موجود، أنا أفكر إذن فأنا موجود. (الشنيطي، صفحة 91، 92)  

يقصد المفكر العربي محمد فتحي الشنيطي، بخصوص مسألة كون الشك لا يدون وأنه يؤدي، إذا كان مؤقت، إلى معارف متميزة وواضحة أو يقينية. وبالفعل، هذا ما نعثر عليه في التأمل الأول من تأملات ميتافيزيقية لروني ديكارت الذي تطرق فيه للأشياء التي يمكن أن توضع موضع الشك. إذ يرى هذا الأخير أن الشك هو المنهج الذي ينبغي اتباعه لمن يريد الحذو حذو اليقين المعرفي. وهذا الشك هو شك منهجي، كلي، مؤقت، حيث طيقه على المعارف الحسية والرياضية المجردة. والحق أن السبب الذي جعل ديكارت يسير وفق هذا المنهج يعود إلى الآراء التي تلقاها في مدرسة لافليش اليسوعية، التي يرى أنها لا ترقى إلى مستوى الأفكار. لهذا عمد إلى الشك كعملية عقلية منظمة، أي من أجل تجاوز التعاليم المدرسية وتجديدها بغية تحقيق الوضوح. وقولنا أنا الشك منهجي وكلي ومؤقت، هذا يعني ما يلي:

- الشك كلي: أي أننا بحسب ديكارت، نشك في كل الآراء السابقة، دون استثناء.

- الشك مؤقت: بمعنى أن الشك يحقق الوضوح واليقين المعرفي، وكلما بلغنا اليقين وجب التوقف من الشك.

- الشك منهجي: الشك عند ديكارت له غاية وهو اليقين.

هذه الحقيقة الأولى لا يداخلني فيها أي شك. ولكن ما الذي يجعلني على ثقة من حقيقة هذه القضية "أنا أفكر إذن أنا موجود" ان ما أعرفه في وضوح وتميز هو أنني لكي أفكر فلا بد أنني موجود. ومن ثم يمكنني أن أتخذ كقاعدة أن الأشياء التي أتصورها في غاية من الوضوح والتميز هي أشياء حقيقة على التمام. فالوضوح والتميز في الأفكار هو معيار حقيقتهما.(المرجع نفسه، ص 92) ولكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهننا هو: هل شك ديكارت في كل شيء؟

شك ديكارت في الجانب النظري ولم يشك في الجانب العملي. وعليه، فإن شكه نظري وليس عملي. اعتبارا أن ديكارت لم يطبق الشك إلا في مجال التفلسف ويستبعده تماما عن الحياة العملية (الدين والأخلاق) مما يؤكد أنه لم يشك في الذين والأخلاق والسياسة. اعتيارا أن الحياة السياسيةن في منظور ديكارت، تعتبر الركيزة الأـساسية التي يستند ويقف عليها الفيلسوف للشك في المجال النظري. لكن، ينبغي الكشف عن مشكلة هي الخلفية التي جعلت ديكارت يستبعد شكه من المجال الديني والسياسي الأخلاقي، هذه الخلفية تتمثل في الخوف من محاكم التفتيش وعقوبة الكنيسة، لهذا سعى للحفاظ على علاقته مع الكنيسة.

من هنا، ينتقل ديكارت إلى التأمل الثاني المعنون: في طبيعة النفس الإنسانية وأن معرفتها أيسر من معرفة الجسم. في هذا التأمل سعى إلى وضع حد لعملية الشك من أجل تأسيس اليقين، كما بحث أيضا في طبيعة الجسم وحددها في صفاتها المتمثلة في المشي، الحركة، الأكل، حيث توصل في الأخير إلى ضرورة الفصل بين الذات والجسم اعتبارا أنه قد حدد لنا، من قبل، جوهر العقل الذي هو الفكرة التي تفرض وجود الفاعل الذي يفكر. ثم يتساءل قائلا: هل يمكن الوصول بعد الشك إلى مبدأ يقيني ثابت تؤسس عليه المعرفة؟ ما هو هذا المبدأ اليقيني؟ وما هي طبيعته؟

في الحقيقة، توصل ديكارت بعد الشك إلى مبدأ يقيني يتعلق بإثباته وجود الذات ووجود موضوع المعرفة، أي: (أنا أفكر، التي تعني جوهر الذات هو الفكر، أنا موجود، تعني أن الذات تفرض وجود الموضوع المفكر فيه والذي جوهره الإمتداد). وهذه القضية يقينية لا يمكن أن يتسلل إليها الشك. ودليل وجود الذات عنده يقول بوجود مجموعة من الخواطر التي تراودني من حين لآخر، إن وجود هذه الخواطر، يفرض بالضرورة وجود ذات مفكرة. وبعد ذلك، يواصل ديكارت ويضيف ما يلي: ما معنى الفكر؟ وما هو التفكير؟ وهل نفكر دائما وباستمرار؟

يرى ديكارت أن ماهية الذات هي التفكير، وأن الفكرة هي الصفة الملازمة للذات والتي لا تنفصل عنها ما دامت الذات موجودة. لكن السؤال المطروح في هذا السياق، هل يقتصر التفكير على التذهول والتعقل فقط أم أنه يشمل كل العمليات العقلية والنفسية التي تقوم بها الذات؟ يجيب ديكارت في المقال عن المنهج بالعبارة الآتية نصها: "ولكن أي شيء لأنا إذن؟: أنا شيء مفكرٌ، وما الشيء المفكر؟ إنه شيء يشك، ويفهم، ويتصور، ويثبت، وينفي، ويريد، ولا يريد، ويتخيل، ويحس أيضا." (ديكارت، صفحة 84) إن التفكير لا يخص التعقل فقط، بل يشمل كل العمليات النفسية التي نقوم بها.

يواصل ديكارت في التأمل نفسه، بحثه حول الذات، لكن هذه المرة ينتقل إلى مسألة الوضوح والتمير العالقة بالكوجيتو فما معنى ذلك؟ يتجلى وضوح الكوجيتو في العلاقة الوثيقة التي تربط الفكر بالوجود، فإذا كانت الذات موجودة، فوجب أن تفكر، وإذا كانت الذات تفكر، إذن هي بالضرورة تفرض الفاعل الذي يمارس عملية التفكير، وتفرض أيضا الحيز الذي تنتمي إليه عملية التفكير، أي مجال التفكير، الذي يرى ديكارت أنه يتمثل في العالم الخارجي، (مثال شمع العسل، ومثال الماء). وكونه متميز يدل على أن صفة الفكر لا يمكن مزجها أو خلطها مع صفات الجسم (فالفكر صفة خاصة بالذات) وحدها والتي لا يمكنها أن تبرهن على وجود الجسم، إنها الصفة التي تميز الذات عن الجسم. ولكن، لماذا معرفة وجود الذات هي الأسبق حسب ديكارت؟

 لأن الذات (الفكر) هي الوسيلة التي بواسطتها نفكر، نحن بوصفنا كائنات متناهية في الكائن اللامتناهي، ثم في وجود الأجسام الخارجية، فالجسم هو موضوع نفكر فيه عن طريق الذات المفكرة.

أما بخصوص مسألة وضوح الأفكار وتميزها التي تقوم عليها المعرف اليقينية، يرى ديكارت أنه "لا يمكن التوصل إليها عن طريق الملاحظة الحسية، فإن مصدرها لا بد ن يكون في الأفكار الفطرية. ويذكرنا هذا المذهب بنظرية التذكر عند أفلاطون إلى حد يعود إلى الاعتقاد بأن تلك الأفكار فطرية في العقل ولها صحة خاصة بها تفوق الملاحظة الحسية، غير أنه ليس هناك افتراض عند ديكارت أنها ذكريات يتم الإبقاء عليها في حالة سابقة للوجود. إن الأفكار الفطرية، عند ديكارت، لا تكون في العقل منذ الميلاد، ولكنها تكون فطرية بالمعنى الذي نقول فيه أن الكرم فطري في عائلات معينة، بينما تكون أومراض معينة مثل النقرس والحصبة فطرية في عائلات أخرى. فالأطفال الصغار لا يولدون مزودين بها، ولكن مزودين بسهولة اكتسابها." (رايت، مرجع سبق ذكره، صفحة 96)      

ويقابل الأفكار الفطرية الأفكار العارضة التي تكتسب عن طريق الإحساس (كما هي الحال عندما نرى الشمس ثم نشعر بالحرارة)، والأفكار الخيالية التي ترجع إلى الخيال (مثل السيرنيات: مخلوقات خرافية في الأساطير اليونانية لها را امراة وجسم طائر، كانت تسحر الملاحين بصورتها وغنائها العذب وتقضي عليهم. وفكرة الحصان المجنح).والأفكار الفطرية هي بصورة واضحة بديهيات الرياضيات، وقوانين الفكر. ولا يزعم ديكارت أن جميع الناس أو حتى كثير جدا من الناس على وعي ببعض الأفكار الفطرية الأكثر أهمية لمذهبه الفلسفي.(المرجع نفسه)

2. نقد الكوجيتو الديكارتي:

1.2. نقد غاسوندي مبدأ الكوجيتو:

وجه غاسوندي نقدا للكوجيتو الديكارتي، مفادف أن الكوجيتو الديكارتي هو قياس منطقي استنتجه ديكارت من مقدمة كبرى وهو كالآتي: "كل ما يفكر موجود، أنا أفكر، إذن أنا موجود". والدليل حسب غاسوندي، على أنه ترتب عن المقدمة الكبرى هي لفظة: "إذن".

1.1.2. رد ديكارت على نقد غاسوندي:

يرد ديكارت على هذا الاعتراض مبينا أن الكوجيتو هي المعرفة الأولى التي توصل إلى تأكيد يقينها بعد الشك، وبناء على ذلك فإنها ليست مترتبة من أي شكل من أشكال القياس. كما صرح بأن وظيفة كلمة "إذن" الواردة في الكوجيتو، لا تنحصر في عملية الربط بين المقدمات والنتائج كم هو الحال في منطق  القياس الحملي الأرسطي. بل تشير إلى العلاقة الوثيقة بين الفكر والوجود. وتدرك هذه العلاقة، بحسب ديكارت، عن طريق الحدس. مما يعنى أن طريقة ديكارت هي: الحدس العقلي وليس القياس الأرسطي الحملي العقيم الذي يبحث في صورة الأشياء.  

2.2. نقد جون لوك للأفكار الفطرية:

رفض الأفكار الفطرية ومن ثم فكرة الله ليست فطرية. ففي كتابه مقال في الفهم البشري يرى أن الإنسان يولد وعقله صفحة بيضاء. بدليل، أن الطفل لا يعرف شيء عن فكرة الإله. والتباين الوارد بين الناس من جنس إلى آخر حول فكرة الإله والإيمان. فلوك لا يرفض  فكرة الله بل يرفض القول بفطريتها. فيقول بالتجربة الحسية لبلوغ حقائق الأشياء.  

3.2. نقد إمانويل كانط:

ينظر كانط إلى العقل نظرة نقدية وليست دوغمائية، فعند ديكارت العقل يمكن أن يتعرف على جميع الأشياء، لكن كانط يضع حدود للمعرفة العقلية فيميز بين مجالين من المعارف هما:

*مجال الظواهر "الفينومين": حيث يصل العقل إلى معرفة حقائق الأشياء، الظواهر. وتكون فيه المعرفة ممكنة.

*مجال النومين: العالم الميتافيزيقي حيث يستحيل بلوغ المعرفة، والخوض في البحث في قضاياه المتمثلة في: النفس، الله، الكون، بمعنى: لا يستطيع العقل ى تكوين معرفة ميتافيزيقية. هذا الثلاثي هي مسلمات بحسب كانط نؤمن بها ولا ننتقدها.   

Modifié le: mercredi 3 décembre 2025, 20:30