- نظرية الأوثان:
إن عاقبة الخطيئة الأصلية هي حرمان الإنسان من معرفة الطبيعة وحرمانه بالتالي من السيادة عليها. وقد بقي هذا الحرمن فيما يرى بيكون خلال عصور الفلسفة القديمة والفلسفة المدرسية لأن الإنسان بقي على ادعائه وكبريائه نائيا من الطبيعة عاكفا على ذاته. وربما مضي به العلم المدرسي على الابتعاد عن الطبيعة وإلى الإمعان في النظر العقلي والجدل العقيم، فبانت بوضوح أكثر عواقب الخطيئة، وظهرت في آفات المعرفة، سواء عند عامة الناس أم عند خاصتهم من المفكرين والفلاسفة والعلماء. هذه الآفات التي تظهر في الكبرياء الإدعاء وفي الأنانية وفي الجدل العقيم وفي العلم النظري يتعين معرفتها وحصرها والاحتراز منها. وقد أطلق عليها بيكون أسماء يتضح فيها امتزاج الصيغ العلمية والمصطلحات الفلسفية والأساليب البلاغية. (حبيب الشاروني، ص: 49) من هنا، "حاول أن يبين، كيف يمكن بسهولة تحريف الأفكار والمواقف وتقييدها. فبحث في أربعة أنماط من الانحياز": (غيلجي، 2012، صفحة 340) أسماها بالأصنام أو الأوثان وهي أربعة أنواع: أوثان القبيلة وأوثان الكهف وأوثان السوق وأوثان المسرح.
أ- أوثان القبيلة:
"وهي مفاهيم خاطئة تصدر عن الطبيعة البشرية، مثل التفكير العاطفي الرغائبي، والتفكير بأن المجردات هي أشياء واقعية، والقبول بالخبرة المباشرة من غير الغوص في أعماق الأشياء." (المرجع نفسه). أوهي ناشئة من طبيعة الإنسان، لذا كانت مشتركة بين جميع أفراده، فنحن ميالون بالطبع إلى تعميم بعض الحالات دون إلتفات إلى الحالات المعارضة لها، وإلى تحويل المماثلة إلى تشابه وتواطؤ، وإلى أن نفرض في الطبيعة من نظام أو اطراد أكثر مما هو متحقق فيها، وإلى أن نتصور فيعل الطبيعة على مثال الفعل الإنساني فنتوهم لها غايات وعللا غائية. (كامل محمد محمد عطية، ص: 38)
ب- أوهام الكهف:
أطلق على هذه الأخطاء إسم أصنام الكهف لأنها ترجع إلى أن كل فرد منا يعيش عي عالم خاص به يشبه الكهف له طبيعته الخاصة وتربيته ونشأته وصلاته بالآخرين وظروفه العقلية والصحية. فالأفراد يختلفون أحدهم عن الآخر: فبعضهم أقدر على ملاحظة أوجه الإختلاف بين الأشياء، في حين أن بعضهم أقدر على ملاحظة أوجه التشابه بينها. وبعضهم يظهر إعجابا كبيرا بكل ما هو قديم من فنون وآداب وعلوم بينما يظهر بعظهم حبا وشغفا بكل ما هو جديد. وبعضهم يبحث عن أصول الأشياء وعناصرها، في حين يقصر بعضهم البحث عن الظواهر. وبعضهم ينزع إلى التحليل فيرى الجزئيات دون أن يرى الكل، وبعضهم ينزع إلى التركيب فيرى الكل دون أن يرى الجزئيات. وللتغلب على هذه الأخطاء ينبغي على الباحث أن يشك في كل ما يضع عليه يده وأن يتأمل فيه لأن الحق لا يعرف الممالأة ولا الحيز. (كريم متي، الفلسفة الحديثة. عرض نقدي، ص: 42)
ج- أوثان السوق:
"وتخص التحريفات اللغوية. فنحن نستخدم تعابير مثل القضاء والقدر، والمحرك الأول، كأنها واضحة ولها مدلولات واضحة." (غيلجي، صفحة 340) وهي الناشئة عن الألفاظ. ويرى بيكون أنها أكثر الأوهام مثارا للإضطراب. وقد سميت بأوهام السوق لأن الناس متى اجتمعت كما تجتمع في الأسواق لا تملك أداة للمناقشة وتبادل الأفكار وما يتكون منها من قضايا. والألفاظ تتكون أصلا طبقا للحاجات العملية والتصورات العلمية، ثم تسيطر بعد ذلك على تصورنا للأشياء. فإذا شئنا مثلا أن نصنف الأشياء اعترضتنا الألفاظ بتصنيفاتها المصنوعة من قبل. وكثيرا من الألفاظ لها معاني مختلفة غامضة كما أن كثيرا منها قد وضع لأشياء لا وجود لها. (حبيب الشاروني، ص: 53، 54)
د- أوثان المسرح:
وهي الناشئة مما تتخذه القضايا والنظريات والمذاهب الفلسفية المتوارثة عن الفلاسفة من مقام ونفوذ. فهذه كلها يتلقاها الناس عن الفلاسفة القدماء كما يتلقى المشاهدون في المسرح كلمات الممثلين تلقى عليهم من عل. ولدينا من تاريخ الفلسفة ما هو حافل بهذه الأوهام. وحسبنا من هذا افتراق الفلاسفة إلى فرقا ومذاهب متعارضة. وهنا يحمل بيكون على أرسطو وأفلاطون وغيرهما، فيقول عن أرسطو إنه أسوأ السوفسطائية، يصوغ القواعد حسب الأقيسة، ثم يبحث عما يؤيدها في ظواهر الطبيعة. ويقول عن أفلاطون أنه شاعر ماجن متعجرف ولاهوتي مفعم بالحماس؛ فهو يجعل العالم المحسوس تابعا للعالم المتخيل قبل وجوده. لذلك يوجه بيكون اللوم للتجريبيين الذين يرى أنهم يجمعون الوقائع كما تجمع النملة غذاءها، وانهم يدعون أن العالم مرآة لما لاحظوه من ظواهر محدودة شغفوا بها دون غيرها. أما العقليون فيرى بيكون أنهم، بعيدا عن أي تجربة أو خبرة، ينشئون من نظرياتهم نسيج العنكبوت. (المرجع نفسه، ص: 55)
وعندما نراجع الأنماط الأربعة من الأوهام عند بيكون، ندرك أنه بين بحق مصادر أربعة مختلفة للخطأ لا بد من تجنبها في تفكيرنا مع ذلك فإننا نجزع في البداية عندما نفكر في أن تلك الأوهام هي أيضا المصادر الرئيسية لمعرفتنا. فنحن لا نستطيع أن نلاحظ غلا عندما نستخدم المصادر الذهنية المشتركة للبشرية، (...)، فإذا أراد الفيلسوف أن يفهمه الناس، يجب عليه ان يستخدم الكلمات في صورتها الشائعة، ولا يخترع رطانة أعجمية خاصة به. ولا يستطيع إنسان حديث أن يرفض تماما كل ما أنجزته الفلسفة في الماضي وأن يحاول أن يبدأ بداية جديدة تماما، كما فعل طاليس في العصور القديمة في الفلسفة الطبيعية، وكما فعل سقراط في الفلسفة الاجتماعية. إننا مضطرون إلى أن نلفت النظر إلى المصادر الأربعة كلها التي عنظدما يساء استخدامها تسبب الأوهام. ولو كان بيكون قد توقف هنان لكان قد قدم بحق تةحذيرا مفيدا ضد الأسباب الرئيسية للخطأ، ولكنه فعل ما هو أكثر قليلا لكي يضعنا على الطريق الصحيح في البحث عن الحقيقة. بيد ان بيكون فعل ما هو أكثر من ذلك كله، فقد قدم لنا منهجا جديدا، أعني صياغته للاستقراء. (رايت، تاريخ الفلسفة الحديثة، 2010، صفحة 69)
- منهج العلمي والإستقراء عند بيكون:
أ- المنهج عند بيكون:
القسم الرئيسي، في فلسفة بيكون هو المنهج العلمي. وقال أن عمل الباحث العلمي شبيه بعمل القناص. ولهذا سماه باسم 'قنص بان' و'بان هو إله الغابات' لأن عمل الباحث يقوده نوع من ملكة الاشتمام شبيهة بملكة الاشتمام عند القناص الماهر الذي يشم أين توجد الفريسة. وفي كتابه الأورغانون الجديد في المقالة الثانيةن يفصل قواعد منهج الاستقراء. يقوم هذا المنهج على وضع لوحات ثلاث هي: لوحة الحضور، بوحة الغياب، لوحة الدرجات. في لوحة الحضور نسجل كل الأحوال التي تظهر فيها الطبيعة (أو الظاهرة) التي ندرسها. فمثلا لو كنا نبحث في الحرارة، فإننا نسجل حضورها في: الشمس، الشعلة، دم الإنسان الحي، ...إلخ. وفي لوحة الغياب نسجل الأحوال التي لا توجد فيها الطبيعة (أو الظاهرة): فبالنسبة إلى الحرارة نسجل عدم وجودها في: أشعة القمر، ودم الحيوان الميت، ...إلخ. وبمقارنة اللوحتين نعرف السبب المولد للحرارة والذي بغيابه ينتفي وجود الحرارة. أما لوحة الدرجات فتسجل كل الأحوال التي فيها تتغير طبيعة ما كلما تغيرت طبيعة أخرى فتزيد كلما زادت، وتنقص كلما نقصت، مما يجعلنا نقرر أن هناك ترابطا بينهما. وبمقارنة اللوحات الثلاث نستطيع أن نستبعد كل الظواهر الغريبة عن الطبيعة التي ندرسها، أي التي تكون غائبة حين تكون الطبيعة حاضرة، وحاضرة حين تكون الطبيعة غائبة، وثابتة حين تكون الطبيعة متغيرة. (بدوي، مرجع سبق ذكره، صفحة 396، 397)
ب- الإستقراء:
الاستقراء الذي دعا إليه بيكون يقوم على أساس الدليل التالي وهو أنه إذا انتفى السبب انتفى المسبب، أي اذا استبعدت العلة لم يحدث المعلول. والاستقراء عند بيكون هو في جوهره عملية تحليل واستبعاد تهدف إلى الحصول على الطبيعة التي نتجت عنها وعن صورتها، ومن طريق لوحات الحضور والغياب نستبعد كل الظواهر الأجنبية عن هذه الطبيعة موضوع البحث. وكان بيكون يزيغ في استقراءه إلى الوصول إلى ما كان يسمى آنذاك باشكال الطبائع، ويرى أن الأشكال هي الموضوع الحقيقي للمعرفة. لكنه لا يقصد من الأششكال ما قصده أفلاطون من الصورة، لأن الأشكال مغروسة في العالم المادي للأشياء الواقعية. وهو أحيانا ينعت الشكل بأنه الشيء نفسه، وفي أحيان أخرى يصفه بأنه الينبوع الذي عنه ينبجس الشيء، وفي أحيان ثالثة يقول عن الأشكال أنها القوانين التي تحكم الواقع المطلق وتكون أية طبيعة بسيطة. وبالجملة، فإن فضل بيكون الرئيسي هو في الدعوة إلى اصلاح أو إعادة بناء العلوم باستخدام المنهج التجريبي بحسب اللوحات الثلاث التي حددها، ووفقا لاستقراء غير تام تراعى فيه قيمة التجارب أكثر من كميتها. وفضله أيضا في الروح العقلية العلمية التي بثها حتى صار من رواد حركة التنوير في القرن الثامن عشر، وفي الدعوة إلى الفصل بين اللاهوت والعلم. (بدوي، مرجع سبق ذكره، صفحة 397، 398)
وهذا المنهج هو القسم الإيجابي من المنطق الجديد والحاجة إليه ماسة لأن تصور العلم قد تغير، فقد كان العلم القديم يرمي إلى ترتيب الموجودات في أنواع وأجناس فكان نظريا بحتا، أما العلم الجديد فيرمي إلى أن يتبين في الظواهر المعقدة عناصرها البسيطة وقوانين تركيبها بغية أن يوجدها بالإرادة، أي أن يؤلف فنونا عملية. وكان العلم اللاحديث يحاول استكناه "الصورة" أي ماهية الموجود مثل صورة الأسد أو الذهب أو الماء أو الهواء، فكان مجهوده ضائعا. أما العلم الجديد فيبحث عن "صورة" الكيفية أو ماهيتها، أي عن صور البضائع المدلول عليها بهذه الألفاظ: كثيفن مخلخل، حار، بارد، ثقيل، خفيف، وما أشبهها من حالات الموجود سواء أكانت تغيرات في المادة أم حركات. فبيكون يحتفظ بلفظ الصورة الوارد عند أرسطو ولكنه يعنى به شرط وجود كيفية ما، أو هو يعدل عن الصورة الجوهرية إلى شروط وجود الصورة العرضية، وكان ذلك شلأن القدماء الكيميائيين إذ كانوا يعتقدون إمكان تحويل المعادن بالتأثير في كيفياتها، وبالفعل كان بيكون يأمل أن نطاق سلطاننا على الطبيعة باستكشاف صور الكيفيات إذ إننا حينئذ نستطيع أن نولد كيفية أو أكثر في جسم غير حاصل عليها فنحوله من الحرارة مثلا إلى البروردة أو بالعكس، وأن نركب الكيفيات بعضها مع بعض فنوجد الأشياء أنفسها، نوجد الذهب مثلا أو أي معدن آخر. فلا يعد بيكون مبتكرا لهذا العلم الذي ينعته بالجديد. (محمد محمد عويضة، ص: 40)
ولا سبيل إلى استكشاف الصورة سوى التجربة أي التوجه إلى الطبيعة نفسها إذ لا يتسنى التحكم في الطبيعة واستخدامها في منافعنا إلا بالخضوع لها أولا. إن الملاحظة تعرض علينا الكيفية التي نبحث عن صورتها مخطلطة بكيفيات أخرى، فمهمة الإستقراء استخلاصها باستبعاد أو اسقاط كل ما عداها. وآفة الاستقراء ما ذكر بين أوهام القبيلة من الاكتفاء بالحالات التي نلاحظ فيها ظاهرة ما والاعتقاد بأنها تكفي للعلم بطبيعتها، هذا النوع من الاستقراء يسمى استقراء بمجرد التعداد، ونتفادى هذه الآفة ونصل إلى العلم بالصورة بتنويع التجربة وتكرارها ومدها وتطبيقها وجمعها. (المرجع نفسه)
كان لبيكون اسهام ذو قيمة في تحديد المناهج المنطقية التي استخدمها العلماء في أبحاثهم تحديدا دقيقا. وفهم العالم منذ بيكون بصورة جيدة المناهج المناسبة للملاحظة التجريبية. فليس في استطاعة الإنسان أن يفرض قوانين على الطبيعة. كما أنه لا يستطيع أن يعرف بصورة سابقة على التجربة ماهي قوانين الطبيعة. بل لا بد أن يذهب مباشرة إلى الطبيعة، ويلاحظ بصبر، ويجري تجارب، ويستمد نتائجه منها. لقد أعلن بيكون تحرر الفكر الحديث من القبول الأعمى لسلطات الماضي من ناحية، ومن التأمل الخيالي الذي لا ضابط له من ناحية أخرى. ونقول بعبارة أكثر دقة إنه أعلن ذلك التحرر أكثر مما تأثر به هو نفسه بالفعل. فقد تأثر به كبلر وجاليلية والعلماء الآخرون في ذلك العصر، فيما يتعلق منه بعملهم. ومع ذلك فإن لبيكون الفضل في صياغة روح المنهج العلمي بصورة أكثر وضوحا من أي شخص آخر في جيله، وفضل العمل بصورة أكبر لكي تكون هذه الروح معروفة ومقدرة بصورة عامة. (رايت، مرجع سبق ذكره، صفحة 71، 72)
- المراجع:
- الشاروني حبيب. (2005). فلسفة فرانسيس بيكون. بيروت: دار التنوير، ط1. – بدوي عبد الرحمن. (1984). موسوعة الفلسفة. ج1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر. – كمال محمد محمد عويضة. (1993). فرانسيس بيكون: فيلسوف المنهج التجريبي الحديث. بيروت: دار الكتب العلمية، ط1. – كريم متي. (2001). الفلسفة الحديثة: عرض نقدي. بنغازي: دار الكتب الوطنية، ط1. - وليم كلي رايت. (2010). تاريخ الفلسفة الحديثة. بيروت: التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط1. – غنار سكيربك، نلز غيلجي. (2012). تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، ترجمة د. حيدر حاج اسماعيل، مراجعة نجوى نصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1.