1-    الاتجاهات الكبرى في الفلسفة الحديثة:

أ- الاتجاه العقلي:

- موقف رونيه ديكارت من الأفكار الحسية:

1- تمهيد:

تجدر الإشارة هنا، إلى موقف ديكارت من المنطق الأرسطي والمنهج الاستقرائي عند فرانسيس بيكون، بحكم أن: نشأة العلم الحديث وتطور العلوم دليل على أن كل شيء موجود في العالم الخارجي يمثل مادة متحركة، من هنا أصبحت مهمة العلم، في العصر الحديث، حسب رونيه ديكارت، تعمل على كشف القوانين التي تحكم الطبيعة، انطلاقا من العلاقة الثنائية بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. بمعنى، الذات المفكرة في الشيء الذي لا يفكر، وهو الموضوع أو المكان أو الوجود، المادة، العالم الخارجي، الحركة، الإمتداد.

من خلال هذا المنطلق، وعلى أساسه، رفض التعاليم الدينية الكنسية التي لا علاقة لها بالتصورات العلمية الجديدة عن الكون. وثم نبذ الفهم اللاهوتي الكنسي للكون، محاولا إعادة صياغة الكون على أنه (آلة)، يتشكل من الموجودات التي ظهرت بتأثير الحركة، فهو في صورته الحقيقية ميكانيكي حركي على حد تعبير ديكارت.

هذا، ويمكن الحكم أن الفلسفة الديكارتية أعطت دفعا قويا لبروز المادية في العصر الحديث. من منطلق أن ديكارت يؤسس للفلسفة العملية في مقابل الفلسفة النظرية التي كانت تخدم اللاهوت. والفلسفة العملية هي الوسيلة التي تضمن لنا فهم العالم وأسرار الطبيعة بحيث نستكنه حقيقتها من ماهيتها.    

2- موقف ديكارت من المنطق الأرسطي:

منطق القياس الأرسطي عقيم. لأن النتيجة فيه لا تحتوي على ما هو جديد أكثر من ما هو موجود في المقدمات السابقة. وعليه، فإنه وسيلة لعرض الحقائق المعروفة من قبل، أي الواردة في المقدمات، مما يدل على أنه ليس بوسيلة لاكتشاف حقائق جديدة، والحقيقة العلمية – حسب ديكارت – تحضر في المعرفة الناتجة عن العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. وعلى هذا الأساس أراد ديكارت تأسيس منهج جديد يوصل ذواتنا إلى ما هو جديد.   

3- موقف ديكارت من المنهج الاستقرائي عند فرانسيس بيكون:

ثار ديكارت على المنهج الاستقرائي منذ نشأته الأولى مع الإنجليزي فرانسيس بيكون، لأن بيكون يقيم المعرفة على الحواس، في حين أن ديكارت يقيم المعرفة على فعالية العقل والمنهج الرياضي الذي يتأسس على الحدس والاستنباط، ويشك في المعرفة الحسية وحتى في حواسنا ويرى بأنها خداعة ومضللة بحيث يتسرب من خلالها الخطأ إلى نتائج البحوث العلمية. ويرى أن المعرفة الصحيحة اليقينية تعتمد على منهج دقيق وليس هناك منهج أدق من الرياضيات. يقول رينيه ديكارت في هذا السياق ما يلي:

"كان مثلي كمثل رجل يسير وحده في الظلمات، فصممت على أن أسير وفق ما يمليه عليا عقلي، وأن أستعين بكثير من الاحتياط في كل الأمور، قصد أن أسلم من الزلل، بنبذ جملة الآراء التي تسربت إلى اعتقادي، دون أن يقودها إليه العقل. لهذا عمدت لوضع مشروع للعمل الذي أتولاه، وأن أتحرى المنهج الحق للوصول إلى معرفة كل الأمور التي يكون عقلي في مستوى تقبلها. ولما كنت أحدث سنا، اشتغلت قليلا بالمنطق: من بين أقسام الفلسفة. وهو فن كما يبدو لي أنه لا بد أن يمد مشروعي بشيء، ولكنني عند امتحاني له، تبينت، أنه عقيم، وأكثر تعليماته الأخرى هي أدنى أن تنفع في أن نشرح للغير ما نعرف من الأمور. وهذا ما كان سببا في أنني فكرب في وجوب البحث عن منهج يكون، مع احتوائه مزايا المنطق والتحليل الهندسي والجبر، خاليا من عيوب: المنطق التقليدي والحواس الخداعة والخيال المضلل."

4- مسألة الشك عند رونيه ديكارت:

شك ديكارت في كل المعارف منذ صغره، بدأ بآراء الفلاسفة المدرسيين التي اطلع عليها في مدرسة لافليش سنة 1604، ثم انتقل إلى الشك في المعارف الحسية، وبالفعل، هذا ما نعثر عليه في كتابه المعنون "تأملات في الفلسفة الأولى"، حيث يقول في التأمل السادس ما يلي نصه: أن كثيرا ما نلاحظ أن الأبراج تبدو من بعيد مستديرة، في حين أنها مربعة أو مسدسة الشكل. وأن التماثيل الضخمة فوق قمم الأبراج تبدو صغيرة وبعد الإقتراب منها تظهر حقيقتها. وكثيرا من الأمثلة الحية أمامنا مثل خطي السكة الحديدية يبدوان أنهما يلتقيان في أعيننا إلا وأنهما متوازيان. وكذلك خط الأفق، نرى انطباق السماء والبحر عند نهاية مرمى بصرنا إذا نظرنا إلى البحر، في حين أن العكس صحيح. من هنا، راح ديكارت يقسم الأفكار إلى ثلاثة أنواع في التأمل الثالث كما يلي:

* الأفكار الخارجية: ويقصد بها الأفكار الحسية، أو ما ينطبع في عقولنا بتأثير الأشياء المادية الخارجية على حواسنا الخمس، ومن أمثلتها اللون والطعم والرائحة واللمس، وهي التي يطلق عليها جون لوك تسمية الصفات الثانوية. واعتقد ديكارت أن هذا النوع من الأفكار لا قيمة له في بناء صرح معرفي دقيق وموضوعي لأن مصدرها الخبرة الحسية، والحواس – كما رأينا – خادعة ومضللة، وبالتالي، لا تصلح وسيلة للمعرفة اليقينية.

* الأفكار الخيالية أو المصطنعة: ويقصد بها ديكارت تلك الأفكار التي نصل إليها بفعل المخيلة ويكونها الخيال بحيث يجمعها مع العالم الحسي، لتظهر في صيغة أفكار لا وجود لها في الواقع، رغم أن بعض عناصرها موجودة في الواقع، ومن أمثلتها كما يقول ديكارت:

فكرتي عن حصان مجنح يطير بدلا من أن يعدو. أو فكرتي عن حيوان له وجه إنسان وجسم أسد كأبي الهول بجوار أهرام الجيزة. أو فكرتي عن كائنات تسكن الكواكب الأخرى لها شكل الإنسان والحيوان معا. وفكرتي عن الرجل الضخم ذو اللون الأخضر.

ولا يقيم ديكارت وزنا لهذا النوع من الأفكار الذي يعتمد على المخيلة ومن ثم على الحواس أو على كليهما خيال وحواس، وكلاهما لا قيمة له في مجال المعرفة الحقة، لأنها تعمل لتأسيس عالم خيالي مرتبط بما هو حسي في آن واحد، وهو عالم من المستحيل تبريره، أو البرهان عليه تجريبيا أو رياضيا.

* الأفكار الفطرية: وتتمثل حسب ديكارت في مجموعة من البديهيات التي نسلم بها دون البرهان عليها، والتي نتعرف عليها بمجرد النظر في طبيعتها مثل أفكارنا عن الذات المفكرة والوجود، وعن وجود الله أولا وأخيرا.

وهذا النوع من الأفكار حدسية تدرك بطريقة مباشرة. يقول ديكارت في بعض المواضع من كتبه أن الفكرة الفطرية هي التي يُزود بها الطفل عند ولادته، ومصدرها الموزع الإله.. الخالق.. المصور.. المنظم..، وقولنا أنها بديهية، حدسية، مباشرة، يعني أنها لا يتطرق إليها الشك، وليست موضوعا للتحليل الرياضي والبرهان التجريبي.

ويذكر ديكارت في مواضع أخرى من كتبه أن الفكرة الفطرية لا توجد في عقل الطفل المولود، وإنما هي مجرد ميل أو استعداد عقلي، فطري، طبيعي للحصول على الأفكار لكي يكبر وتنمو قواه الإدراكية وملكته العقلية.

وأن الفكرة كما يرى مستقلة عن التجربة الحسية، بحكم أنها تمثل استعداد في الإنسان يساعده على اكتساب المعرفة والوصول إلى اليقين.

ثم يتساءل ديكارت حول مسألة تسرب الخطأ إلى المعرفة قائلا: لماذا يخطئ الإنسان في مجال المعرفة إذا كان مزود بكل هذه الأفكار المتنوعة؟

يرى ديكارت أن الخطأ قد يتسرب إلى مجال المعرفة في حالة ما إذا اتبع الإنسان حياته العاطفية وشهواته، وفي حالة ما إذا جوبه بأفكار تعصبية. كما يؤكد بأن العجلة والإندفاع في اكتساب المعارف هو سبب رئيسي يؤدي إلى السقوط في الخطأ، لهذا راح يؤكد أهمية توجيه خبراتنا وممارساتنا وكل نشاطاتنا وإراداتنا بنور العقل.

5- أسس المنهج الرياضي عند رونيه ديكارت:

نصت القاعدة الرابعة من كتاب "قواعد لتوجيه العقل" على أن المنهج هو عبارة عن القواعد الواضحة واليقينية البسيطة التي تضمن لمن يراعيها بدقة أن يحقق هدفه المتمثل في الوصول إلى علم صحيح. ونص ديكارت أيضا في الخطاب في المنهج أن المنهج هو عبارة عن القواعد التي تُعين الإنسان على "زيادة علمه تدريجيا، والارتقاء شيئا فشيئا إلى أسمى نقطة يستطيع بلوغها، رغم ضعفه وقصر حياته." وباختصار، فالمنهج عبارة عن القواعد التي تكفل لمن يراعيها بلوغ الحقيقة في العلوم. ويقوم المنهج – حسب ديكارت – على ركيزتين هما: الحدس والاستنباط.

* الحدس: يقول ديكارت في الحدس، في القاعدة الثالثة من قواعد لتوجيه العقل، ما يلي:

"لا أعني بالحدس الشهادة المتقلبة للحواس، والحكم الخادع للخيال ينشئ موضوعه انشاء سيئا. بل أقصد بالحدس تصور يُصدره ذهن خالص، منتبه، مستعد، وهو تصور يمثل حقيقة، نتيجة، تُفهم مباشرة، دون الشك في صحتها، بعد تعقلنا لها وفهمنا لها. أو أنه بتعبير آخر التصور اليقيني لذهن خالص، منتبه مصدره نور العقل وحده. وما دام الحدس بسيط، كل هذه البساطة، فهو بعينه اليقين. وهذا يمكن، مثلا، لكل منا، أن يتبين بفضل الحدس، أنه موجود، وأن المثلث يتعين بثلاثة أضلاع فحسب، وأن الكرة مثلا مستديرة الشكل."

وهذا ما يقصده ديكارت بالمعرفة المباشرة، أو الإستعداد العقلي الذي يدرك الحقائق البديهية التي يسلم بها الإنسان ولا يتطرق إليها الشك. ثم إن الحدس أيضا لا يمكن البرهان عليه لبداهته. وإن أردنا أن نبرهن على فكرة حدسية فإن ذلك يعتبر عبثا لا طائل تحته، لأن الفكرة الحدسية واضحة بذاتها بلا برهان. ومن ثم يرى ديكارت أنه لو بدأنا في الفلسفة بمجموعة من الأفكار الحدسية لكان ذلك أساسا متينا لإقامة المعرفة اليقينية. ويبرهن على صدق قوله هذا بثلاثة بديهيات متتالية في خطاب في المنهج كما يلي:

البداهة 1: وجود الذات المفكرة

يتساءل ديكارت في موضع من كتابه "خطاب في المنهج" قائلا: ما طبيعة الذات؟ من أكون أنا؟ ما هو الحيز الذي تنتمي إليه هذه الأنا؟

ويجيب قائلاأن كل شيء موجود ضمن أو داخل حيز وجوده، الفضاء موجود في حيز الفضاء...، نفس الأمر بالنسبة للذات المفكرة، فمن منطلق شكي في كل شيء، إلا في أنني أشك، أي في عملية التفكير، فإن هذا يدل على أن الأنا موجودة في حيز التفكير، وعليه، فإن جوهرها الفكرة، وأنها تفرض وجود الفاعل الذي يمارس فعل التفكير.

(Je suis donc une chose vraie, une chose existante. Mais qu’elle est la nature de cette chose ? je suis précisément une chose qui pense, le sujet pensant.) René Descartes

ولكن، إذا كانت الأنا في جوهرها تفكر، ففي ماذا تفكر؟

أفكر في حيز الوجود، في الطبيعة، في المكان، في المادة التي جوهرها الإمتداد الذي لا يفكر. أفكر في الشيء الذي لا يفكر ويمتد. من هنا ينتقل إلى البداهة الثانية.

البداهة 2: وجود موضوع التفكير

ما دامت ذاتي تشك فهي تفكر في الوجود، وعليه، فإنها تفرض الفاعل الذي يتصرف في المادة الخارجية بفعل التفكير. Parce que  y a pas d’actions sans acteurs، وما دمت موجود، فهناك حيز يضمن وجودي. من هنا، يقيم ديكارت ثنائية العقل والوجود، أو العقل والمكان، التفكير والامتداد، الذات والمادة، النفس والجسد. والإمتداد هو العنصر الذي يمكن معالجته رياضياتيا بغية تحديد حقيقته، لتأسيس معرفة علمية حول مادة معينة. لأن العلم لن يصبح علما إلا بعد استخدام التقدير الرياضي في تحديد طبيعة الأشياء. بمعنى أنه كي ندقق في المعرفة ينبغي تكميمها كما أن القانون المتحكم في العلم يتمثل في اخضاع الظواهر الطبيعية، الأشياء، الإمتداد أثناء دراستها من أجل استكناه حقيقتها من ماهيتها إلى صيغ المعادلات الرياضية. فالمادة في جوانبها الكمية هو الشيء القابل للحساب أو الجوهر القابل للقياس والتحليل والتقدير الرياضي. فحقيقة الماء مثلا ليست السائل أو العنصر الذي تقوم عليه الحياة، بالتعبير الأدبي،  – حسب ديكارت – بل فضلا عن ذلك هو H2O ذرة هيدروجين وذرتين أوكسيجين، ولمعرفة ماهية الماء هذه يتعين علينا تحليل طبيعة الماء تحليلا رياضياتيا بتحويلها إلى معادلة رياضية. يقول ديكارت في هذا الصدد ما يلي:

Connaitre l’étendu c’est de faire quantifier son essence, par la transformation de la nature en formules mathématiques, c’est a travers la mathématisation de la nature.

البداهة 3: مسألة وجود الإله

وجود الإله فكرة حدسية ومعرفة مباشرة. نسلم بها ومن المستحيل تطبيق المنهج الرياضي أو البرهان التجريبي عليها، لأن وجود الإله لا يمثل كمية معينة يمكن تكميمها أو حسابها رياضياتيا مثل ما هو الشأن بالنسبة لمادة الماء أو شمع العسل. ومن هنا يستنتج ديكارت أنه لا يمكن قياس الإله أو تقديره تقديرا رياضيا، فهو خالق وموزع الملكة، وواضع الوجود، بل فضلا عن ذلك، إن الامتداد يفرض فكرة وجود الخالق الإله مثلما تفرض الأنا الفاعل الذي يتصرف في موضوع المعرفة.

* الإستنباط: ويعني الإستنباط؛ انتقال الذهن من قضية أو عدة قضايا هي المقدمات إلى قضية أخرى هي النتيجة. وليس من اللازم أن يكون هذا الانتقال من الكلي إلى الجزئي. يقابله المنهج الاستقرائي، الذي ينتقل فيه العقل من الظواهر إلى القوانين. وأوضح صورة للاستنباط البرهنة الرياضية التي يتم فيها الانتقال من الشيء إلى ما يساويه، كقولنا: 1+1= 2.

والإستنباط عند ديكارت هو الانتقال من فكرة حدسية إلى نتيجة تصدر عنها صدورا مباشرا، أي دون تصور أي نقيض أو نتاقض أو تعارض، مثلما هو عليه الحال في المنهج الجدلي، ومن ثم تكون النتائج المستنبطة حدسية. من هنا يثور ديكارت على أنصار المنهج الجدلي بصريح عبارته التالية:

"أعترف أنني ولدت وفي نفسي نزعة عقلية، تجعلني أجد اللذة القصوى في اكتشاف الحجج بنفسي. لا للإصغاء للغير. وقد كان هذا دافعي الوحيد لدراسة العلوم منذ حداثة سني. بالتركيز، لا على المنهج التجريبي ولا على المنهج الجدلي، بل على علم الرياضيات. في مقابل الجدليين الذين ليس بقدرتهم تكوين حقيقة صحيحة تعكس نتيجة صادقة يقينية. من هنا فإن الجدليين ليس بامكانهم تعلم شيئا جديدا بالانتقال من قضية إلى قضية ثم المركب، لأن الجدل حسبي، لا فائدة فيه أصلا لمن يريد البحث عن الحقيقة، وأنه قد يفيد في بعض الأحيان، وإنما لأجل عرض بسيط لحجج كانت معروفة من قبل. وعلى ذلك، وجب نقل الجدل من الفلسفة إلى البلاغة. إن غرضنا من العمل على تأسيس منهج رياضياتي، لا يقتصر فقط على عرض الحجج أو الأفكار، بل فضلا عن ذلك، نقصد اكتشاف حقيقة الأشياء. غرضنا من مراعات المنهج الرياضي الوصول إلى الحقيقة الباطنة للظواهر الطبيعية."وطالما أن ديكارت كان معجبا بالرياضيات وقواعدها وأسسها فقد أراد أن تتم عملية الاستنباط الفلسفي بنفس طريقة الاستنباط الرياضي، بمعنى الكلمة، أراد أن يربط البرهان الفلسفي بالمنهج الرياضي الذي له أربعة قواعد نعرضها كما يلي:

6- قواعد المنهج عند رينيه ديكارت:

* قاعدة البداهة أو الحدس: يقول ديكارت في هذا السياق ما يلي نصه:

"ألا أسلم بشيء على أنه صدق إلا إذا كنت أعلم أنه كذلك، ومعنى ذلك أن أحذر من كل تسرع أو ميل إلى الهوى، وألا أدخل في حكمي شيئا أكثر مما هو حاضرا أمام عقلي في وضوح وتميز. بحيث لا أجد مبررا للشك في صحته."

ويمكن أن نسمي هذه القاعدة البداهة أو الحدس أو اليقين؛ لأن ديكارت يريدنا أن لا نتقبل فكرة ما شائعة أو مقبولة بين جمهور المفكرين، وإنما يريد لنا الاستقلال الفكري بعيدا عن الموروث الثقافي التقليدي، لهذا يدفع بنا إلى تربية ملكة الحكم والقدرة على النقد. ومن آفات الفكر الإنساني الميل إلى الهوى والتسرع في الحكم دون تمحيص.

* قاعدة التحليل: يقول ديكارت عنها ما يلي:

"أن نقسم كل مشكلة نتناولها بالبحث إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء بمقدار ما تدعو الحاجة إلى حلها على أكمل وجه."

وأسمي هذه القاعدة بقاعدة التحليل وهي قاعدة أساسية في أي منهج يراد به الدقة سواء في مجال الفلسفة أو العلم أو حتى في مجال الفنون. كل بحث يتطلب تحليلا، والقدرة على التحليل تلازمها قدرة على النقد. ومن المفترض أن تكون القضية الخاضعة لعملية التحليل معقدة، لأن البسيط غير محتاج للتحليل، فالمشكلة المعقدة هي التي يلزم تحليلها إلى أبسط عناصرها حتى نزيل عنها الغموض وبالتالي، يسهل التعامل معها. 

* قاعدة التركيب: يقول ديكارت ما يلي نصه:

"أن أرتب أفكاري بادئا بأبسط الأشياء وأسهلها معرفة ثم أصعد خطوة خطوة صعودا متدرجا حتى أصل إلى معرفة ما هو أعقد وإذا اقتضى الحال فرضت ترتيبا معينا بين الأفكار وهو ما ليس من طبيعتها أن يتبع بعضها بعضا."

وأسمي هذه القاعدة بقاعدة التركيب والتأليف. والمقصود بها أننا بعد عملية تحليل المشكلة التي أمامنا إلى عناصرها الأولى نعود فنؤلف تلك العناصر من جديد. فهناك من المشكلات ما يبدو عسيرة الحل، صعبة الحل في مجموعها، فإذا حللناها إلى عناصرها تبينا إمكان حلها، لكن بشرط أن يكون التركيب أو التأليف منطقيا، فليس من الضروري أن يتبع نفس الترتيب الأول، بل قد يكون الترتيب الجديد مقصودا لذاته.  

* قاعدة الإحصاء: ويظيف ديكارت بخصوص هذه القاعدة ما يلي:

"ينبغي في كل حال أن أقوم بالإحصاءات التامة والمرجعيات الكاملة بحيث أوقن أنني لم أغفل من جوانب المشكلة شيئا." وتسمى هذه القاعدة بقاعدة الإحصاء أو التحقيق، ويقصد بها الثقة في أننا لم نغفل أي جزء من المشكلة، ويشير هنا ديكارت إلى الأسباب التي تدفعنا إلى إعادة تحقيق عملية رياضية معينة، من بينها: أمراض الذاكرة، أن الإنسان بطبيعته مصاب بأمراض السهو والخطأ والنسيان. ويقصد بها أيضا ألا نستبقي شيئا في الذاكرة غير الأفكار الحدسية، بحيث يستند كل عنصر بسيط إلى فكرة حدسية.

من كل ما سبق ذكره، نستنتج، أن المنهج عند ديكارت عبارة عن جملة قواعد مؤكدة، تعصم مراعاتها ذهن الإنسان من الوقوع في الخطأ، وتمكنه من بلوغ اليقين في جميع ما يستطيع معرفته، دون أن يستنفد قواه في جهود ضائعة. 

ب- الاتجاه التجريبي:

- المنهج التجريبي عند دفيد هيوم:

1- نبذة عن حياة دفيد هيوم:

ينظر النقاد ومؤرخو تاريخ الفكر الفلسفي إلى دافيد هيوم باعتباره قمة الفلسفة التجريبية الإنجليزية. اتفق مع جون لوك في أن الخبرة الحسية مصدر معرفتنا الوحيدة، وأن معرفتنا محدودة بحدود حواسنا وأفكارنا. ولد عام 1711م بمدينة إدنبورغ عاصمة إسكوتلاندا. التحق بجامعة إدنبورغ عام 1723م واستمر بها حتى تحصل على شهادته الجامعية، حيث كان يدرس "الفلسفة الجديدة" التي يقصد بها فلسفة إسحاق نيوتن وجون لوك، والأخلاق والميتافيزيقا واللاهوت والقانون. سافر إلى فرنسا سنة 1734م  حيث بقي ثلاث سنوات مكث بها في مدرسة لافليش اليسوعية التي تلقى فيها ديكارت تعليمه، أتم خلال هذه المرحلة كتابه المعنون: "مقالة في الطبعة البشرية" وهو أدق كتبه وأوفاها. تقدم عام 1739م لتقليد وظيفة أستاذ الفلسفة بجامعة إدنبورغ لكنه اعتزل عنها لأسباب تتعلق بميوله الإلحادية. عاد إلى إسكوتلاندا عام 1766م وعين عام 1767م  وكيلا لوزارة الخارجية لكنه استقال من هذه الوظيفة في السنة التالية. أخلد إلى الراحة عام 1767م حتى وفاته عام 1776م. (إبراهيم مصطفى، 1985)

2- نظرية المعرفة عند دافيد هيوم:

لا شك في أن هيوم قد استفاد من الجو العلمي الذي أحاط به إبان عصر التنوير، استفاد أيضا من سائر الدراسات المعرفية السابقة عنه، خاصة الفلسفة العقلية عند روني ديكارت والفلسفة التجريبية عند إسحاق نيوتن وجون لوك...ألخ. مما أدى إلى اعتناقه لوجهة النظر القائلة أن "جميع معارفنا ردها إلى التجربة"، فرفض إمكانية وجود معرفة يقينية. (محمد فتحي الشنيطي، 1988) من هنا رد المعرفة الإنسانية إلى مصدرين أساسيين: الإحساس Sensations والأفكار Idées.   

2-1- الإحساس:

ونعني بالإحساس ما نطلق عليه تسمية الآثار الحسية التي تتركها في ذواتنا الأشياء الخارجية في شكل انطباعات Impressions، كون أن الحواس تأتينا بالمادة الخارجية عبر أحاسيس تسلك إلينا طريق معين قد يتمثل في العين أو الأذن أو الفم أو الجلد وغيرها فتؤسس في ذهننا معرفة معينة. (المرجع نفسه)

2-2- الأفكار:

لكن هناك وراء الحواس كما يرى هيوم "عقل" لا بد أن يكون قد جُهزَ بمقولات أو قوالب تنصب فيها مادة الإحساسات فتكوّن بذلك علما أو فكرا معينا. أي عقل يستقبل العالم الخارجي في شكل انطباع حسي يعكس الفكرة. ومن هنا، فإن العقل – حسب هيوم – يكتسب المعرفة عبر الحواس. وعليه، إن العقل يقبل الآثار الحسية التي تنتج عنها الأفكار بطريقة آلية.(المرجع نفسه)

2-3- الإنطباعات الحسية:

في الحقيقة، يمكن القول أن هيوم يعتبر في هذا السياق أن كل ما في عقولنا من تصورات وأفكار برجع في الأصل إلى الانطباعات الت تنتقل إلى ذهننا بتأثير التجربة الحسية. والتي يقسمها هيوم إلى انطباعات حسية قوية وعنيفة وانطباعات ضعيفة أي أقل عنفا. أما بالنسبة للانطباعات الحسية العنيفة يشبهها هيوم بوضع اليد على النار المحرقة، فيتشكل على  يشبهها هيوم بوضع اليد على النار المحرقة، فيتشكل على إثر ذلك إدراك عنيف عن النار في عقولنا، يتمثل في فكرة الألو والحرارة المحرقة. والقول بأن هذه الانطباعات حسية عنيفة دليل على أن النار مشتعلة وتتمتع بحيوية معينة كون أنها ملتهبة. وبخصوص الانطباعات الحسية الأقل عنفا والضعيفة تتشكل في ذهننا بعد انطفاء النار وانتهائها أو فقدانها حيويتها، إذ ينبعث عنه احساسنا بمفعول الحرارة ينقل فكرة الحرارة إلى عقولنا.

من هنا، يمكن القول أن الأفكار الفطرية والبديهيات الرياضية والمعرفة المباشرة الحدسية التي أقعد عليها ديكارت عقلانيته النقدية لا أساس لها من الصحة، من منطلق أنها تتحول مع هيوم إلى انطباعات حسية عنيفة وضعيفة، لأن؛ المعرفة كما يرى هيوم تحضر في عقولنا في شكل: انطباعات حسية قوية عنيفة وهي الأحاسيس + انطباعات حسية ضعيفة وهي الأفكار، وهاتين الصفتين الأخيرتين في اتحادهما تتشكل المدركات على حد تعبير دافيد هيوم.        

2-4- المدركات:

هي المعرفة الحسية الناتجة بتأثير الانطباعات الحسية العنيفة والضعيفة في آن واحد. والحق أننا كي نستوعب ونفهم المعنى الحقيقي للمدركات عند هيوم ينبغي علينا استحضار ما يلي ذكره:

1- إدراكات حسية ممثلة: بقوة عنف الأثر الحسي الذي هو في درجة عالية من التأشكل بحواسنا الخمس وحياتنا العاطفية.

بمعنى الكزلمة قوة وعنف خبراتنا الفيزيولوجية؛ كون أن انطباعاتنا الحسية تتسع لتشمل حياتنا الفيزيولوجية وخبراتنا العاطفية والسيكولوجية. ومن بين خصائصها أنها متدفقة بعنف وديمناميكية حية كالنار المحرقة المؤلمة والحارة. وعاطفة الحب المؤلمة حينما نعيش حالة الفراق.

2- الأفكار: وهي حسب هيوم انطباعات حسية باردة مجردة من حيويتها وحرارتها. وهي انعكاس أو انطباع خبراتنا الفيزيولوجية والسيكولوجية والعاطفية في عقولنا حيث تتحول إلى تصورات أو أفكار تظهر مباشرة بعد التجربة العنيفة والقوية المعاشة.

C’est le reflet ou l’impression de l’expérience physiologique et psychologique quelque soit la nature de cette expérience vécu qui domine notre pensée et reste après l’expérience violente. Ceci étant, rien ne peut se faire comme idée sans l’expérience vécu. Car, celui par exemple qui n’a pas vécu démocratiquement ne peut jamais comprendre le sens de la démocratie. 

منه، إن الأفكار من منظور دافيد هيوم هي الآثار التي تتركها الحياة المادية في بنيتنا الفكرية، بدليل أنه من ليس له تجربة معينة عن شيء ما، من المستحيل أن يستوعب المعنى الحقيقي لهذا الشيء. وأفضل مثال على ذلك أنه لا نستطيع أن نفهم معنى الفقر والجوع إن لم نعش فقراء وإن لم نحس بالجوع.

بناء على ذلك، معرفة الفكرة – حسب هيوم – هو عيشها، من هنا كلام برتراند راسل: "إن الرياضيون هم الذين يتحدثون لغة لا يعرفونها."

إذن، أفكارنا هي زبدة خبراتنا المعيشية، بدليل اختلاف الأفكار من مجتمع إلى آخر، ومن مفكر إلى آخر، ولكل أفكاره.

3- خاتمة:

في الأخير، نستنتج من كل ما سبق ذكره أنه من الصعب التمييز بين الانطباعات الحسية القوية والأفكار المرافقة بعضها البعض والمتلازمة في الحضور. وهذا هو هيوم يقول في هذا الصدد ما يلي ذكره:

"حينما أجلس في غرفتي لأفكر، فإن هذه العملية لا تأتي من العدم، بل هي تجسيدا للانطباعات التي أحسست بها." (دفيد هيوم، 2008)  

وإن دل هذا على معنى معين، فإنما يدل على نفي هيوم الأفكار الفطرية الموروثة والبديهيات والمعرفة الحدسية المباشرة التي أسسها ديكارت، والتأكيد بحضور الأفكار الاستدلالية البعدية. ويضيف هيوم بهذا الخصوص ما يلي نصه:

"يمكننا الآن، وقد أعطينا بهذه التقسيمات نظاما وترتيبا لأشيائنا، أن نوجه أنفسنا لتأمل هذه الصفات والعلاقات بمزيد من الدقة. الحالة الأولى التي تلفت نظري هي التشابه الكبير بين انطباعاتنا وأفكارنا في كل شيء خاص آخر ما عاد درجة قوتها وحيويتها، حتى ولتبدو كل واحدة منهما تعكس الأخرى، بحيث تكون مدركات العقل الحسية كلها مزدوجة وتظهر على شكل انطباعات وأفكار على حد سواء." (المصدر نفسه، ص: 21)

ما أساس المعرفة؟ وما هو الأصل الذي اشتقت منه الأفكار – حسب هيوم - ؟

سأحاول أن أقدم لكم فلسفة دافيد هيوم بطريقتي الخاصة، وذلك بتسليط الضوء على بعض القضايا الرئيسية التي تناولناها في المحاضرة الثانية بعد ما قمنا بتصحيح اختبار السداسي الأول، وقبل الدرس المعنون: "المنهج الترانسندنتالي عند إيمانول كانط". هذا، لأنه من المستحيل التطرق لفلسفة كانط دون التطرق للمنهج التجريبي عند دافيد  هيوم وخاصة ما يتعلق بمبدأ السببية.

في الحقيقة، يرى هيوم أن جميع أفكارنا البسيطة في أول ظهورها لها مشتقة من انطباعاتنا البسيطة التي تقابلها والتي تمثلها تلك الأفكار بدقة. وعليه، فإن كل فكرة بسيطة مشتقة من انطباع بسيط يشابهها تمام المشابهة. والحق أن انطباعاتنا هذه تتمثل في الاحساسات؛ كالاحساس بالذوق واللون والسمع...إلخ من جهة، والإنفعالات كالأهواء والعواطف الجياشة.

معنى الانطباع:

مجموعة من المعطيات المباشرة نحصل عليها بالإحساسات الفيزيولوجية والانفعالات.     

معنى الفكرة:

هي الصورة التي تعكس هذه الإنطباعات، أي الصورة الخفية للإحساسات والإنفعالات.

الفرق بين الإنطباع والفكرة:

- أسبقية الانطباع على الفكرة.

- الانطباع يعد أكبر قوة وحيوية عن الفكرة التي هي كما اتفقنا تتمثل في الإنطباع الأقل عنفا والضعيف.

لكن، في بعض من الأحيان قد يصبح وقع الانطباعات في الإنسان أقل قوة وحيوية من الفكرة وذلك إذا خزن الإنسان ودام فيه هذا الحزن حيث قد يصل إلى حالة الجنون فتصبح الفكرة حينئذ ذات قوة وحيوية عن الانطباعات. على الرغم من ذلك إلا وأن هيوم لم يغفل مدى قوة وحيوية الانطباعات.

والحال تلك، يرى هيوم أن الإدراكات البسيطة تنقسم إلى الانطباعات البسيطة التي تشتق منها الأفكار البسيطة، بحيث تكمن فيما بينها علاقة تطابق دائمة، فليس هنالك أبدا أي أفكار بسيطة غير مشتقة أو منفصلة عن الانطباعات البسيطة. لكن، هل تنطبق هذه الصفة على الأفكار والانطباعات المركبة؟ بمعنى الكلمة، هلى يمكن الجزم بأن جميع الانطباعات المركبة تتحول إلى أفكار مركبة تتطابق معها تمام المطابقة؟ وهل بإمكاننا تأكيد الفكرة التي مؤداها أن جميع الأفكار المركبة مشتقة من الانطباعات المركبة حيث تماثلها تمام المماثلة؟

يجيب دافيد هيوم في هذا الصدد قائلا ما يلي نصه: "ألاحظ كثيرا من أفكارنا المركبة ليست لها أبدا انطباعات تقابلها، وأن كثيرا من انطباعاتنا المركبة ليست أبدا منقولة تماما على شكل أفكارنا..." ويقدم لنا مثال التجول في شوارع باريس (Paris) عاصمة فرنسا الذي له علاقة مباشرة بملكة الذاكرة، وفكرة ياقوت وذهبْ (القدس) المستمدة من نسيج مخيلتنا، بحيث يؤكد بأن كلا الفكرتين غير متطابقتان مع الانطباعات الحسية وليستا وليدتا هذه الانطباعات. بمعنى، أنه عمد في هذا السياق إلى الإشارة إلى دور الذاكرة والمخيلة اللتان هما ملكتان سيكولوجيتان ليستا لهما أية علاقة والعقل الذي يتمتع بدور فعال له علاقة بالمنطق. أما بالنسبة للمخيلة والذاكرة فهما ملكتان نعتمد عليهما ونستخدمهما في عملية ترتيب أفكارنا والجمع بينهما.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى إبراز الفرق بين الذاكرة والمخيلة من منظور هيوم فنقول أن الأولى تحتفظ بالأفكار وبالترتيب الذي اقتحمت به العقل. والثانية تتناول الأفكار بالتغيير عبر الزيادة والحذف، فإذا أردنا إضافة فكرة معينة إلى فكرة ما فسنضيفها وإذا أردنا العكس من ذلك فإننا سنقوم بحذف منها ما نشاء.

كيف تترتب الأفكار عند هيوم؟ ما هي المبادئ المساعدة على قيام الأفكار حسب هيوم؟ وهل يؤدي العقل دور معين في عملية ترتيب الأفكار؟

يرى هيوم أن الأفكار ترتبط على نحو يجعل فكرة ما تستدعي، بطريقة آلية، فكرة أخرى دون تدخل العقل. وبهذه الطريقة تترابط الأفكار وفق مبدأ ترابط أو تداعي الأفكار. ويحصل هذا التداعي وفق مبادئ منظمة وهي ثلاثة: التشابه، الاقتران في الزمان والمكان، التعاقب من العلة إلى المعلول. أمثلة على ذلك:

- تستدعي الفكرة (أ) الفكرة (ب) إذا كان بينهما تشابه.

- تنجذب الفكرة (أ) إلى الفكرة (ب) إذا كان هناك تعاقب أسبقية العلة على المعلول: كقولنا مثلا أن (أ): علة، و(ب): معلول.

- تستدعي الفكرة (أ) الفكرة (ب) إذا كان بينهما اقتران وتجاور في المكان والزمان.

 - المراجع:

- دفيد هيوم. (2008). مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة د. موسى وهبة، بيروت: دار الفارابي، ط1.

- محمد فتحي الشنيطي. (1981). المعرفة، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر.            - مصطفى إبراهيم إبراهيم. (1984). الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، الاسكندرية: دار الوفاء، ط1.

 ج- الاتجاه المثالي:

- وظيفة الفلسفة عند جورج ولهالم فريدريش هيغل:

1- مقدمة:

تشهد الحقبة الزمنية المعاصرة، التي نمر بها، من منظور منهجية البحث العلمي، سيلا جارفا من الأدوات العلمية المستخدمة في ميدان العلوم الاجتماعية والانسانية إلى درجة جعلت من المهتمين بالحقل الفلسفي الهيغلي التقليدي، يصرفون نظرهم عن ما يسمى من قبل: جدلية الوعي والتاريخ، فأدخلوا منهج هيغل الجدلي طي النسيان. بل قذفوه في سلة تاريخ المهملات العلمية. ليغدو شيئا ضمن مادة أرشيف المنهجية العلمية. بدعوى أنه لم يعد يجدي نفعا ولا يغني فتيلا. هذا ما نستشفه لدى كثير من أعلام الفكر الفلسفي المعاصر، لاسيما أعلام الماركسية أمثال لودفيج فيورباخ، فريدريك أنجلز، كارل ماركس. وأعلام الوضعية التقليدية عند أغيست كونت. والوضعية المنطقية الجديدة عند رودولف كارناب وآخرون... والفلسفة الأونجلو - ساكسونية المتعلقة بالتحليلية من برتراند راسل حتى لودفيج فيجنشتين، وأعلام الفلسفة التحليلية الماركسية، الذين أعلنوا أن الفلسفة التحليلية، في الأصل، تمثل ثورة عنيفة على النسق الهيجلي، وضد كل التصورات الفلسفية المثالية المجردة. فلقد استحسنوا هؤلاء الأدوات الإبيستيمولوجية التي أثارها ماركس في كتابات النضج. وسعوا أيضا إلى اعتناق أدوات المنطق الوضعي. في ذات الوقت استهجنوا الجدل الهيجلي، وأعلنوه عقيما، على الرغم من أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي نعيشها مفعمة كليا بالتناحر والتضاد بين أطراف المجتمع الفاعلة.

وفي هذا الجو، لا نملك سوى المساءلة في امكانية النظر فيما يجري من أحداث، على ضوء المنهج الجدلي. فهل يوجد متسع من المكان للجدل في قلب الصراعات والمتناقضات المتناحرة في منظور فريدريك هيغل؟

2- وظيفة الجدل الهيجلي:

في الحقيقة، هيغل فيلسوف ألماني، رائد المذهب المثالي، المنسجم في أجزاءه، وفق منهجه الجدلي الذي ينشد المطلق.

تطرق إلى ظاهرة الاغتراب، فاعتبره فكرة مركزية، إلا أنه يتميز بالتجريد، حيث رطها بعالم الفكر، وهو ما يعرف عنده ب: جدلية الوعي. فماذا يقصد هيغل بجدلية الوعي؟

يرى هيغل في العديد من مؤلفاته لاسيما "فينومينولوجيا الروح" و "محاضرات في فلسفة التاريخ: العقل في التاريخ الجزء1"، أنه تكمن علاقة غرابة بين الإنسان والعالم، أي بتعبيره هو بين الروح (الذات) والعالم الخارجي (الموضوع). فالإنسان يعيش في عالم من المتناقضات، وهو عاجز على الجمع بينهما من أجل نزع الغطاء السحري الذي يحجب الذات عن معرفة العالم الخارجي. لهذا، يرى هيغل، بأن الإنسان في هذا السياق التاريخي ممزق، هذا الشعور بالتمزق، هو العامل الذي يحتاج إلى الفلسفة وعملية التفلسف من أجل تعقل وفهم العالم الخارجي، بحيث يتحقق بعد ذلك التركيب والتأليف بين المتناقضات. من هنا، قام منهجه على ركيزتين أساسيتين:

الأولى: أن الفكر هو مبدأ الوجود

والثانية: أن الفكر هو الذي يقوم بتحليل التناقض الموجود على الصعيد التاريخي. وعليه، فإن العقل هو الحكم في مسرح التاريخ.

والحق أنه في ذات السياق تتجلى وظيفة الفلسفة، أو جدل الوعي، الذي يمر بثلاث مراحل، قصد بلوغ المطلق. يقول هيغل في هذا السياق ما يلي نصه: "وظيفة الفلسفة تكوين الوحدة، الكلية، الروح المطلق".

ولتحقيق ذلك، أراد أن يحدد يوميات مسار الوعي للوصول إلى الحقيقة (المركب بين المتناقضات). ومن هنا، يسير الوعي، حسب هيغل، أثناء دورته الدياليكتيكية بثلاثة مراحل.

في البداية، يمر بمرحلة الوعي الخالص، التي نشرحها كما يلي:

نتخيل الرضيع لحظة قدومه إلى هذا العالم، فهو لا يدرك حقيقة العلاقة التي تربطه بالعالم الخارجي، هذه المرحلة، تتميز بالبساطة والعفوية والتلقائية، فأنا هو العالم والعالم هو أنا. وهذا ما يدل على أن الأنا في هذه المرحلة الذاتية غير مستعدة لتعقل التاريخ. لأنها غير مزودة بالقوة والقدرة على التمييز، والنقد والسلب، لتحقيق ما يسميه هيغل بالتجاوز.

وبعد ذلك، وأثناء مسار حركة الوعي، عبر الخبرة الحسية، يكتسب الوعي قوة وقدرة على التمييز والتحليل والنقد. هذه المرحلة يسميها هيغل بمرحلة: وعي الذات ذاته. مما يعني أن الذات وصلت إلى مرحلة الوعي بوجود العالم الخارجي ووجود الأنا المفكرة. وأن الفرد أصبح في إطار هذه المرحلة الموضوعية ذات مفكرة ناقدة سالبة، بإمكانه رفض/ سلب انتماءه إلى العالم الخارجي بحكم أنه أصبح نقيضه بعد أن احتك به. لهذا يرى هيغل، أن هذه المرحلة تتميز بالانشقاق والتمزق، فيطلق عليها تسمية الوعي البائس، نظرا لما تعانيه الذات من ألم وتمزق بينها وبين نقيضها العالم الخارجي. من هنا، تنبثق حسب هيغل، رغبة الأنا في البحث عن تحقيق الانسجام والتوافق والسعادة. هذا الصراع بين الأنا والآخر: أي الإنسان والعالم الخارجي، أو الإنسان وأقرانه، بالنسبة لهيغل يشكل قانون الطبيعة الانسانية. بمعنى، أن كل شيء، ليصل إلى ذاته، لابد أن يمر بنقيضه، ليحقق وحدته في معناه الكلي المطلق. ويقدم لنا هيغل أمثلة متعددة حول مسألة الصراع ومن بينها أن مسألة الاعتراف بالذات تتم عن طريق الآخر. هذا الأخير، يبحث عن معناه في ذاتي، لأنني أنا أتمسك بوجودي ضده. وهذا الصراع يمثله بجدلية العبد والسيد في الجزء الأخير من فينومينولوجيا الروح. والحق أنه صراع مستمر بين العبد والسيد حتى الفناء والموت. والوعي الذي يخشى الموت ينجر عنه الخضوع للسيد، وهذا ما يشكل وعي العبد. والوعي الثاني الذي يتجرأ ويتزود بفضيلة الشجاعة ويفضل الموت حرا طليقا، على أن يكون عبدا، هو الوعي المنتصر، يشكل وعي السيد.

لكن، إذا كان هيغل يعتبر الحرية مطلبا أساسيا للفرد، فإنه يتساءل، من أجل حل هذه المفارقة أو الصراع بين العبد والسيد: كيف يمكن للعبد أن يتحرر من عبوديته؟ كيف يتخلص من تبعيته للسيد؟ هل بالتضحية بحريته أم يطلب التغيير والتحرر؟ التغيير لابد منه، والتحرر مسألة أساسية عند هيغل، ولكن كيف يتحقق ذلك؟ هل يكون بالثورة؟

في الحقيقة، هي المساءلة التي نجيب عليها في المحاضرة القادمة حول وظيفة جدل الوعي عند فريدريك هيغل. أن كل شيء، ليصل إلى ذاته، لابد أن يمر بنقيضه، ليحقق معناه. وهنا يقدم لنا هيغل عدة أمثلة من بينها:

- مسألة الاعتراف: بحيث أن الاعتراف بالذات يتم عن طريق الآخر. هذا الأخير، يبحث عن معناه في ذاتي، من منطلق أنني أتمسك بوجودي ضده. وهذا الصراع يمثله هيغل بجدلية العبد والسيد، ثنائية العبد والسيد. في الجزء الأخير من فينومينولوجيا الروح. وهو صراع مستمر حتى الموت بين العبد والسيد. والوعي الذي يخشى الموت ينجر عنه الخضوع للسيد، وهذا ما يشكل العبد. والوعي الثاني الذي يتزود بفضيلة الشجاعة، يفضل الموت حرا، على أن يكون عبدا، هو الوعي المنتصر، يشكل وعي السيد. لكن، إذا كان هيغل يعتبر الحرية مطلبا أساسيا للفرد، فإنه يتساءل في هذا السياق قائلا: كيف يمكن للعبد أن يتحرر من عبوديته، أي كيف يتخلص من تبعيته للسيد؟ لغرض حل هذه المفارقة أو الصراع القائم بين العبد والسيد. هل يتم ذلك بالتضحية بحريته، أم أنه يطلب التغيير والتحرر؟ التغيير لابد منه، والتحرر شيء أساسي. ولكن كيف يتحقق ذلك، هل عن طريق الثورة؟ للإجابة عن هذه المفارقة يقول هيغل ما يلي: "إن الإنسان موجه إلى أعلى درجات الحرية" إلا أنه ضد الثورة. فتجاوز العبد وضعه البائس يمكن تحقيقه على نحو آخر.

- مسألة العمل عند هيغل:

يرى هيغل في العمل شرطا ضروريا وأساسيا للتحرر وتخلص العبد من تبعيته للسيد. في المرحلة الأولى، ثم يتحدث هيغل عن مسألة اليد الخفية في المرحلة الثانية.

- جدلية العبد والسيد:

*التبعية المزدوجة بين العبد والسيد:

يرى هيغل في العمل وسيلة للتحرر. فالعمل يزيد من قيمة الإنسان ويكشف عن أبعاده المتعددة. كما يقضي على الضروريات والحتميات التي تقيد الإنسان. بما فيها مسألة الاستغلال في اطار نمط الإنتاج الاقطاعي. ويدلل هيغل على ذلك بكون العبد يحقق ذاته عن طريق العمل وما ينتجه. مما يسمح له بتطوير مهاراته وقدراته الذهنية والجسمية. وفي سياق سيرورة العمل، تتشكل وتتكون ذات العامل أو العبد، وتتجه نحو التحرر من العبودية، وذلك بعدما يتشكل وعي العبد في التاريخ عن طريق الدفاع والمطالبة بالحقوق. أما بالنسبة للسيد سيتوقف عن كونه سيدا، بل ويتحول إلى عبد في تبعيته للعبد، في إطار المطالبة بحقوقه، فقد يؤدي ذلك إلى سن قوانين جديدة تحمل في طياتها آيات بطلان نمط الإنتاج الاقطاعي الذي سيتحول إلى نمط إنتاج جديد، وهذا الأمر يشهد عليه التاريخ بعد بروز الرأسمالية الليبرالية القائمة على فكرة الحرية.

*الذات شرط وجود الآخر:

العبد لا يمكنه أن يكون عبدا في غياب السيد. والسيد من دون عمل العبد لا يتمتع بالموضوعات المنتجة من طرف العبد. في هذه العلاقة، وهذا التفاعل، القائم على متناقضين (قضيتين) يظهر لنا أنكل طرف فرد أو ذات يحدد وجوده الاجتماعي وشخصيته عن طريق الآخر. وهنا يجتمعان تحت غطاء التبعية، كل منهما بحاجة للآخر، بل إن كل واحد منهما لا يكون إلا بوجود الآخر. وبالتالي، فإن كل فرد هو شرط وجود الآخر. يبين لنا هيغل، من خلال جدلية الوعي، أن الفكر في مساره الثلاثي هذا، سيحقق ويتجاوز التناقض بين الذات والموضوع، بقبول اندماج كل منهما في الآخر. وهذا ما يوضحه في المرحلة الثانية مستندا إلى النظام الاقتصادي الإنجليزي بتطرقه لمسألة اليد الخفية.

*اليد الخفية: يرى هيغل أن الفرد حينما يشتغل فهو لا يعمل لتحقيق مصالحه الشخصية فقط. ففي الوقت نفسه يعمل من أجل شخص آخر. وعليه فاليد الخفية تمثل تأليف أو تركيب بين الأنا والآخر في منظومة الاقتصاد الحر. فعلى الرغم من أن المصلحة الشخصية تلعب دورا هاما في الاقتصاد الحر، وأنه لا وجود لشخص بإمكانه العمل ضد مصلحته الشخصية، إلا وأن الفرد وبتأثير اليد الخفية يشتغل لسد حاجات الآخر. هنا يمكن القول بأن مصلحتي لا تتعارض مع مصلحة الآخر.

- خاتمة: في الأخير نستنتج:

*أن الفكر عند هيغل هو تلك الحركة التي من خلالها نقبل ونندمج في نقيض الذات ونتجاوز هذا التتاقض ونخرج منه بتجربة أكثر قوة.

*أن إدراكنا لقلب الجدل الهيغلي هذا، جعلنا ندرك حقيقة أن (أنا) لست (أنا)، كيف لا أليست الغيتارة التي تسكن إليها نفسي هي نفسها قطعة الخشب التي حفرها ونحتها سكين من حديد. كذلك يتساءل "جبران خليل جبران" عن ماهية السعادة والحزن فيقول:

"هما وجهان لعملة واحدة". ارجع إلى نفسك ستجد أنه من كان سبب فرحك بالأمس هو نفسه سبب حزنك اليوم، فإن حزنت تأمل نفسك من جديد ستجد أنك حزين بسبب من كان مصدر سعادتك وبهجتك.    

د- الاتجاه المادي:

- موقف (كارل ماركس) من التصورات المثالية عند (فريدريش هيغل):

1- تمهيد:  

 لقد كانت فلسفة هيجل متشبعة ببعد تأمّلي متعالي عن التجربة الإنسانية الحسيّة الواقعية في كتابه الموسوم: فينومينولوجيا الرّوح الذي صدر سنة 1802، بعدما استقى مفهوم الظّاهراتيّة من الكتب التي تمثل مرحلة شباب كانط الذي استعمل لأوّل مرّة لفظ الظّاهريّات لوصف الطبيعة باعتبار أنه كان عالمًا في الجغرافيا ينشد وصف ظواهر الأرض والسّماء بما فيها المطر والرّعد والبرق والرّيح ...إلخ، أي وصف الظواهر الطبيعية بصفة عامة.

 لكن، بعدما تساءل هيجل قائلاً: أين الظواهر؟ هل هي في الطّبيعة أم في النّفس العارفة، أي النفس المدركة؟ قام بردّ الظّواهر إلى ظواهر الذّات، مبيّنًا أنّه لا توجد ظواهر موضوعية غير مدركة، وما دامت الظّواهر مدركة فإن الذات هي جزء لا يتجزأ من الموضوع الخاضع لعملية الإدراك، كما أنّ الموضوع هو أيضًا جزء من الذّات. من هنا تشكلت الثنائية الهيجلية المتمثلة في الدّياليكتيك القائم بين الذّات العارفة وموضوع المعرفة، وإن جاز القول، تكونت علاقة صراع بين الأنا والعالم الخارجي، بعد أن نجح هيجل في بناء هذه الأنا الترنسندنتالية في فينومينولوجيا الرّوح، لتظهر لنا، بعد ذلك، عظمة الفلسفة الغربية في العودة إلى الأنا الترنسندنتالية، وهو المشروع الذي أسّس له الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت الذي يعطي أهمّية بالغة للأنا المفكرة التي تتمثل ماهيتها في الفكرة. ومن خلال هذا المنطلق، نفهم بأنّ هيجل يريد أن يفهم الواقع الخارجي المحسوس عن طريق العقل (الرّوح)، وبالتّالي جعل كلّ ما هو عقلاني واقعي، فاتخذ انطلاقته في مؤلّفه الثّاني المعنون: علم المنطق بمقولته الشّهيرة الآتية نصّها: "إنّ كلّ ما هو واقعي عقلاني، وكلّ ما هو عقلاني واقعي" وراح يحصر عمل الإنسان في ملكة الإدراك.

 من هنا، اتخذ (كارل ماركس)-(1813-1883)،(Karl Marx) انطلاقته في نقد مثاليّة هيجل الموضوعيّة من هذه الفكرة التي تصف لنا هيجل وكأنّه يردّ الإنسان إلى ملكته العقلية في حين أنّ ماركس يؤكّد في العديد من مؤلّفاته أولوية العالم الخارجي عن الذّات العارفة، وأنّ العالم هو مصدر المعرفة في مختلف أشكالها.

ولكن ما نلاحظه وما نستشفّه من خلال مؤلّفات ماركس هو أنّ موقفه المناهض لمختلف المنظومات الفلسفيّة المثاليّة لم ينصهر فقط في مثل هذه الأشكال المثاليّة، بل امتدّ إلى غيرها ليصل إلى المذاهب الفلسفيّة الماديّة في مختلف أشكالها كماديّة (لودفج فيورباخ)-(1804-1872)،(Ludwig Feuerbach) الحدسيّة. وفي الحقيقة، إنّ هذا العامل يدفعنا إلى تعيين الملامح الإبيستيمولوجيّة التي تميّز المنظومة الفكريّة الماركسيّة حيث دعت بنا الضّرورة المنهجية إلى عرض فلسفة ماركس عرضًا موضوعيًّا علميًّا خاليًا من كل المواقف الإيديولوجيّة بالمعنى السّلبي. لكن قبل الشّروع في ذلك، ينبغي علينا أن نطرح الإشكاليّة الآتيّة:

      إذا كان ماركس مناهضًا لكل من الفلسفة المثاليّة والفلسفة الماديّة على حدّ سواء، فما عساه أن يكون في وجهة نظره الفلسفيّة؟ أهو مادي أم مثالي أو مادي ومثالي في آن واحد؟ أم لا هذا ولا ذاك؟ وفي هذه الحالة الأخيرة كيف يمكن لنا أن نصنّفه؟

في الحقيقة، إنّ موضوع بحثنا هذا يحدّد لنا منذ البداية تلك المحاور التّحليليّة الهادفة إلى كشف حقيقة الفكر الماركسي بالمعنى الدّقيق، ولقد كان من الضّروري أن ننطلق بتبيان موقف ماركس من مثاليّة هيجل، وعن طريق إماطة اللّثام عن نقده المصوّب إزاء ماديّة فيورباخ الحدسيّة التي جاءت لتؤسّس صرح فلسفي جديد ينتقد من خلاله مثاليّة هيجل. وبالتّالي، فإنّ الغاية من هذا البحث تتلخّص في تبيان البعد البراغماتي العملي الذي يجب أن تتّخذه الفلسفة كنشاط فكري نوعي متحرّر من كلّ القيود الميتافيزيقية، ذلك لأنّ العالم الخارجي هو هنا أمامنا ومعنا، وهو الذّي نعيش فيه، بحيث من المستحيل تصوّره في مكان آخر متعالي عنه.

هكذا كان من اللّزام علينا تفادي كلّ مفهوم فلسفي بإمكانه أن ينفي تصوّر ماركس الجديد لبناء فلسفة جديدة تؤدّي رسالة التّغيير الاجتماعي وتتجاوز مفهوم تفسير العالم. بتعبير آخر، تفدي كل تلك الأنساق المجرّدة التي تقف كعائق أمام الفلسفة العلميّة الثّوريّة التي تتلخّص وظيفتها الجوهريّة في تحليل الواقع وكشف حقيقة بنياته التّحتيّة الخفيّة بغية تغييره، خاصة عندما تستدعي الضّرورة ذلك. أي وجب علينا، في نظر ماركس، أن نعيد النّظر في وظيفة الفلسفة في حياة الإنسان، بكلّ أبعادها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والنّفسيّة، بحكم أنّها هي التي تحدّد طبيعة الذّات الإنسيّة وتعطي لنا الوجه الحقيقي لمعنى الإنسان والتّاريخ في آن واحد.

2- موقف ماركس المناهض لمثاليّة هيجل:

 لقد أطلق الهيجليّون الشّباب على مثاليّتهم إسم الماديّة الصّحيحة، أمّا ماركس وإنجلز فقد تنكّروا بهذا الإدّعاء الذي لا أساس له، وناقضا المثاليّة بالأطروحات الأساسيّة لفهم مادي متكامل للعالم، ينطلق من الحل المادي للمشكلة الأساسيّة في الفلسفة، ويتوصّل إلى استنتاج علمي بصدد الدّور الحاسم للإنتاج المادي في الحياة الاجتماعيّة،(جماعة العلماء السوفييت،2007،ص:168)، بحكم أنّهما توصّلا إلى "استنتاج أولويّة الوجود وثانويّة الوعي من النّاحيّة الفلسفيّة أو كذلك من النّاحيّة الفلسفيّة التّاريخيّة في آن واحد. وهما إذ ينتقدان الهيغليّين الشّباب الذين يستثنون علاقة الإنسان النّظريّة والعمليّة بالطّبيعة والصّناعة، فإنّهما يثبتان أنّه لا سبيل إلى فهم أيّ عنصر من العصور التّاريخيّة إذا انطلقنا من وعيه الاجتماعي (السّياسي، الأدبي، اللاّهوتي) فقط، دون الاعتبار أنّ هذا الوعي نفسه ينبغي أن يحدّد تفسيره في تطوّر الحياة الاجتماعيّة الماديّة،"(المرجع نفسه) ليتّضح، بعد ذلك، أنّ الهيجليّون الشّباب هم في الواقع مثاليّون، وفوق ذلك ذاتيّون، ويمثّل هيجل –حسب ماركس- "الحدّ الأقصى الذي يمثّل الفلسفة الذّاتيّة والتّصوّرات الميتافيزيقيّة، وأنّه التّعبير الأعلى في المخيّلة التي تؤدّ إلى اغتراب الإنسان."(Jean Yves Calvez,1974)

وممّا ينبغي الالتفات إليه بهذا الصّدد، هو أنّ ظاهرة الاغتراب تعدّ بمثابة العامل الرّئيسي الذي أدّى بماركس إلى صياغة فلسفته النّقديّة الاجتماعيّة المناهضة لمثاليّة هيجل، وبالتّالي

التّخلّي والرّحيل من مملكة الوهم الميتافيزيقي التي تمثل عائقًا أمام الإنسان يمنعه من استيعاب ذاته الإنسيّة وتجسيدها لتتخذ شكل الكلّي و حقيقتها الملموسة. هكذا "هاجم ماركس بنقده الفلسفة المثاليّة بصفة عامّة، رافضًا بذلك كل تأمّل نظري، وأعاب على البحث التّجريبي الفلسفي، كاشفًا عيوب التّصوّر الهيجلي للمطلق."(Lefebvre,1964)

ولتحقيق غرضه النقدي نشر عام 1843 نصًّا يبيّن من خلاله موقفه المناهض والعدائي لمنظومة هيجل الفلسفيّة وللدّين، وذلك ما يتّضح في كلامه الذي يرمي إلى استبدال الفلسفة المثاليّة بالفلسفة الماديّة، نظرًا لكون هذه الأخيرة تأخذ على عاتقها مهمّة تجاوز التّصوّرات الميتافيزيقيّة المجرّدة فتستبدل نقد السّماء بنقد الأرض. وبعد ذلك في كتابه "مساهمة في نقد فلسفة الحقّ عند هيجل" عام 1843، يرى أنّ "الديّن يمثّل عائقًا أمام الإبداع [...]، [في حين أنّ] السّعادة الحقيقيّة للشّعوب تفرض إلغاء الدّين، كونه مرآة عاكسة لتعاسة الشّعوب. من هنا، ينبغي تحويل النّقد الدّيني إلى نقد قائم على الحقّ، ومن النّقد اللاّهوتي إلى النّقد السّياسي."(E.Ballibar,1972,P.16)

الواقع إنّ ما تجدر إليه الإشارة في ذات الإتّجاه، هو أنّ ماركس يركّز انتقاداته على مثاليّة هيجل باعتبارها أكثر المذاهب تأمّليّة تقدّمًا وأكثرها انتشارًا في السّاحة المعرفيّة، وذلك راجع إلى ارتباطها الوثيق بالدّيانة المسيحيّة. يقول ماركس في هذا السّياق ما يلي:

"إنّ فلسفة التّاريخ الهيجليّة، هي مجرّد تعبير فلسفي عن المذهب المسيحي في صورته الألمانيّة الكاشف عن التّناقض القائم بين العقل والمادة، وبين اللّه والعالم،[...]، ففلسفة التّاريخ الهيجليّة تصادر مسبقًا على وجود عقل مجرّد أو مطلق،"(Karl et Friedrich,1972,P.107) الذي هو اللّه خالق العالم المادّي. إنّ هذا التّجريد الذّي يميّز المثاليّة الهيجليّة دفع الماديّون إلى إصدار حكم مفاده أنّ "المثاليّة الحقيقيّة توجد عبر التّاريخ إلى جانب الدّين، إذ ولدت من الدّن ونجمت عنه. فهذا هو (فلاديمير اليتش أوليانوف لينين)-(1870-1924)،(Vladimir Ilitch Oulianov Lénine) يقول في هذا الموضوع عبارة شهيرة وهي:المثاليّة ليست سوى صورة مهذّبة ومنقّاة للدّين،هكذا ادعى المثاليّون ومن بينهم هيجل أنّ الكون خلق بواسطة روح ترفّ فوق الظّلمات والتي هي المطلق (اللّه) اللاّمادي،بمعنى أنّ المثاليّة الهيغليّة كما يرى ماركس هي شكل مهذّب من أشكال الدّين." (بوليتزر،2001،ص:90) والدّليل على ذلك يتّضح لنا في كتابه "مخطوطات 1844الاقتصاديّة – الفلسفيّة" حينما اعترف لأوّل مرّة بأنّ فيورباخ هو أوّل من كشف هذا المزيج بين المنطق واللاّهوت الذي يتشكّل منه "علم المنطق" لدى هيجل. وبالفعل، هذا ما نعثر عليه في كلام ماركس الذي يلي نصّه:

"إنّ فيورباخ هم الوحيد الذي له موقف رصين وصارم في نقده الموجّه للديالكتيك الهيجلي، وهو الذي قدّم اكتشافًا حقيقيًّا ومخلصًا في هذا الموضوع. وبالتاّلي يعدّ في وجهة نظري بمثلبة المنتصر الحقيقي على الفلسفة القديمة [...]. إنّ مساهمة فيورباخ العظيمة بخصوص هذا الموضوع، والتي أثّرت فينا بعد ذلك، تتلخّص في عمله الآتي نصّه:

-أنّه برهن وأثبت أنّ الفلسفة ليست أيّ شيء آخر، فهي تمثّل فقط الدّين الموضوع في شكل أفكار والمطوّر بواسطة عمليّة التّفكير، والذي يعكس شكلاً آخر ومجالاً آخر للوجود المتمثّل في اغتراب الإنسان عن ماهيته الحقيقيّة. هكذا قام فيورباخ بتفسير الديالكتيك الهيجلي (حيث أسّس فيما بعد نقطة انطلاق بنّاءة وإيجابيّة) قائلاً: إنّ هيجل، في الحقيقة، يتحدّث عن الاغتراب، عن اللاّمحدود، وعن العالم المجرّد، أو(الماهيّة) و(عن التّجريد المطلق والجامد والسّاكن.) وبالتّالي، فإنّ رسالته الفلسفيّة تحمل في طيّاتها معان دينيّة لاهوتيّة. إنّ هذا العامل اللاّهوتي أدّى بفيورباخ إلى التّفكير في ضرورة إلغاء اللاّمحدود، وتعويضه بالواقع المحدود والملموس والمحسوس الخالص، حيث اعتبر بأنّ الفلسفة هي إلغاء لكل من الدّين واللاّهوت. كما قام بإلغاء سمة الإيجابيّة في دياليكتيك هيجل، وأعاد تجديد كلّ من الدّين واللاّهوت."(Karl Marx,1972,P.108)

كما يرفض أيضا مثاليّة هيجل من حيث أنّها تحصر كل أبعاد الإنسان في عمليّة الشّعور بالذّات فقط، وذلك ما كان يمثّل لبّ الدّراسة النّقديّة الماركسيّة إزاء منظومة هيجل النّسقيّة. وبالتّحديد، يقول ماركس في هذا السّياق ما يلي:

"يستبدل هيجل في كتابه «ظاهريّة الرّوح» الإنسان بالشّعور بالذّات، حيث تظهر حقيقة الإنسان الغنية بالأبعاد الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة محصورة في إحدى ملكاته المتمثّلة في الشّعور بالذّات [...]. فعلى هذا الأساس يمضي هيجل في «ظاهريّة الرّوح» ليصل إلى ضرورة إحلال المعرفة المطلقة محلّ الحقيقة الإنسانيّة، فالمعرفة المطلقة، بالتّحديد، هي –حسب هيجل- منحصرة في الوعي الذّاتي للإنسان ولا شأن لها بالعالم الموضوعي. لهذا حوّل هيجل الإنسان إلى إنسان الشّعور بالذّات، بدلاً من أن يحوّل الشّعور بالذّات إلى شعور الإنسان الحقيقي الذي يعيش في العالم الموضوعي الواقعي المحسوس المحدّد وجوده. [...] إنّ الهدف الذي يحذو حذوه هيجل، في «ظاهريّة الرّوح»، هو إرادته وإصراره على إثبات أنّ الشّعور بالذّات هو الواقع الوحيد والكلّي الممكن."(Karl Marx,1968,PP.116,117)

يتبيّن لنا من خلال هذا النّص، أنّ ما قام به ماركس يتمثل في إماطة اللّثام عن العيب الذي تتصف به مثاليّة هيجل التي حوّلت الإنسان من كائن عامل إلى كائن تنحصر نشاطاته في عمليّة الشّعور ليس فقط، بحيث تمّ فصله عن العالم الخارجي المحسوس، وبالتاّلي، إنّ ماركس يرى بأنّ هيجل قد أغفل تلك الصّلة التي تربط الإنسان بالطّبيعة الخارجيّة المتمثّلة في علاقة العمل التّي تحرّك الإنسان وهو بصدد ممارسة نشاطاته التّطبيقيّة فتتموضع ماهيته الإنسيّة في شكل الصّنعة التي تكشف عن قدراته العقليّة والخياليّة المستترّة، بوصفه كائنًا يتألّف من (الجسم: اللّحم، العظام) و (الرّوح: التي ماهيتها الفكرة).

بتعبير آخر، لقد ردّ هيجل –حسب ماركس-، في «ظاهريّة الرّوح»، الإنسان العامل إلى الذّات العارفة عوض من أن يعمل على كشفها، فاغترب الإنسان عن معاني الإنسانيّة ومضامينها، بحكم أنّ ماركس ينطلق في كتابه: "الإيديولوجيّة الألمانيّة" الذي نشر عام 1846 من فكرة مهمّة جدًّا، مؤدّاها أنّ الأفراد الإنسانيّون اجتماعيّون بطبعهم، ينتجون في إطار الشّروط التي تمليها عليهم حياتهم الاجتماعيّة. وبهذا، يمكن القول أنّه انتقد المثاليّة الألمانيّة التي فصلت بين الإنسان والطبيعة وخلقت صلة بين الإنسان واغترابه، "هذه الصّلة التّي لا تتطابق ولا تتوافق مع جوهر الإنسان، أي مع وعي الذّات،"(Karl Marx,1972) ومن هنا، سمّي كتابه ب: "الإيديولوجية الألمانيّة".

ومن خلال هذا الفهم الماركسي لطبيعة الإنسان، نفهم أنّ الإنسان، في الأصل، هو إبن الطّبيعة والمجتمع الذي يشترك فيه الحياة مع أقرانه، وذلك نظرًا لكونه "مدفوع بالقوى الطّبيعيّة، القوى الحيويّة. إنّه كائن طبيعي ونشيط وفعّال [...]، يتمتع بكيانه المادي المتشكّل من أعضاء الجسم والدّم والعظام، وموهوب بالقوى الطبيعيّة، حيٌّ، واقعيٌّ، حسّاسٌ، واعيٌ وهادفٌ، بمعنى، موجودٌ من أجل تحقيق هدفه في الوجود بالمطالبة بحقوقه والتّظاهر والدّفاع عن حياته."(Ibid.,PP.115,116) كما يعدّ، في منظور ماركس، "كائنٌ يتمتّع بمجموعة من الحاجات والرّغبات، ولد في الطّبيعة، كائنٌ يعمل وينتج، ويخترع بغية سدّ حاجاته البيولوجيّة [...] وهو بذلك مناضل ضدّ الطّبيعة التي منها يبرز."(Lefebvre,1968,P.41) 

يواصل ماركس مهمّته في كشف عيوب النزعة المثاليّة، فيعاتب أعلام الفلسفة المثاليّة باتّخاذهم الفرع (الرّوح) أصلاً والأصل (الدّماغ) فرعًا. بتعبير آخر، يعتبر موقف ماركس عدائي ومناهض للمثاليّين الذين على رأسهم (جورج باركلي)-(1684-1753)،(Georges Berkeley)، ثمّ هيجل، اللّذين رأيا بأنّ الفكر هو أصل المادة في الحركة، وأنّ المادة ما هي إلاّ انعكاس لصورة الوعي، إذ يرى أنّها بالضّرورة على خطأ. وإذا كانت صيرورة التّاريخ لدى هيجل تقوم على العقل وحده، فإنّ هذا التّاريخ هو من منظور ماركس "لا فعاليّة له، إنّه لا يملك الثّروات الهائلة، إذ ليس في وسعه توجيه نشاط الإنسان صوب تحقيق أهدافه بل على العكس من ذلك، يوجّه الإنسان التّاريخ على نحو تحقيق مقاصده، لذا فإنّ التّاريخ مجرّد إطار يعكس نشاط الإنسان الحيّ والفعّال والواعي والهادف."(Marx et Friedrich,1972,P.16)

هكذا يعتبر الماديّون بأنّ الأصل هو الدّماغ (المادة أو العضو)، والفرع هو الرّوح (الفكرة)، وكانوا صادقين في تأكيدهم "ضدّ المذهب المثالي لباركلي وضدّ الفلاسفة الذين يختبئون وراء مذهبهم اللاّمادي: أنّ العلم والأشياء، هما من جهة متجسّدين خارج أفكارنا، وأنّه ليسا بحاجة إلى أن يتجسّدا، ومن جهة أخرى، ليست أفكارنا هي التّي تخلق هذه الأشياء، لكن العكس تمامًا، إنّ الأشياء هي التّي تعطي لأفكارنا بعدها الأونطولوجي المادي."(Politzer,1970,PP.59,60) إنّ هذه الحقيقة تجرّنا إلى القول، إنّ ماركس كان يقصد من خلال نقد النزعة المثاليّة، وبخصوص مسألة أسبقيّة الرّوح على المادة، أنّ "الديالكتيك في الفكر والوعي يعكس حركة المادة، وإذا تاريخ المعرفة والعلم يعرض ويقدّم لنا صيرورة ديالكتيكيّة (الثّورات، الصّراعات بين المتناقضات...إلخ)، فذلك راجع في المقام الأوّل إلى وجود ديالكتيك في الطّبيعة،[...] هناك إذن ديالكتيك طبيعي، مادي، أوّلي وجوهري يتمثّل في الوجود، بمعنى، الطّبيعة الماديّة المحدّدة للوعي الذي تعكسه" (Lefebver,1964, P.23)، التي تتألّف من دينامكيّة المادة في الواقع على نحو ما تمليه الشّروط الاقتصاديّة والاجتماعيّة والظّروف التّاريخيّة بصفة عامّة. فعلى أساس هذه الفكرة يقيم ماركس صرح فلسفته الماديّة مناهضًا جميع الأنساق الفلسفيّة المثاليّة، بحيث يعطي الأولويّة لشروط الحياة الاجتماعيّة بالنّسبة لأيّ حقبة تاريخيّة كانت، في تعيّن أو تحديد طبيعة الأفكار والمبادئ التي تنتشر وتسود روح العصر. وبالفعل، هذا هو المعنى الذي نستشفّه من خلال كلامه الذي يلي:

"ليس وعينا الذي يحدّد ويعيّن الشّروط الماديّة لحياتنا، إنما العكس من ذلك تمامًا، فالشّروط الماديّة ووجودنا الاجتماعي هو الذي يحدّد وعينا."(Karl Marx,1947,P.5)

إنّ من خلال هذا المنطلق وعلى أساسه يبدو هيجل بالنّسبة لماركس "في نهاية نقده، غامضًا ومبهمًا، وعليه فقد اعتبرناه دائمًا وثوقيًّا و دوغمائيًّا [...]، ففي كتابه« فينومينولوجيا الرّوح»، أعاد عمليّة بناء صرحه الميتافيزيقي المفعم بلأوهام. ألم يحاول هيجل إعادة بناء العالم الحسّي وعالم التّاريخ بردّه إلى الوعي الذّاتي للإنسان؟"(Jean yves Calvez,1974,P.48)

نعم، فكما سبق وأن أشرنا إلى ذلك، تعدّ محاولة هيجل في ردّ الظواهر إلى الذّات وتعقّل العالم الخارجي وجعل كلّ ما هو واقعي عقلاني، - في العالم الحسّي النّسبي الذي تسود فيه بعض التناقضات الاجتماعيّة المبتذلة المغايرة لطبيعة الوعي الإنساني-، من أجل بلوغ المطلق والكمال، السّبب الرّئيسي الذي جعل ماركس يتّهمه "بالتّصوّف والمشي على الرّأس [...]، إذ قال بأنّ منهجه الموسوم بالدّيالكتيك المادي مضاد مباشرة لمنهج هيجل في النّقد الدّيالكتيكي [...]. كما صرّح في الأخير بأنّ غايته من كلّ هذا تتمثّل في جعل مثاليّة هيجل ماديّة، وذلك بغية مواجهة مختلف التّناقضات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة السّائدة في العالم المادي الملموس."(E.Ballibar,1972 ,P.19)

وبالإضافة إلى ذلك، لقد عرفت مثاليّة هيجل نقدًا لاذعًا في الوقت الذي كان فيه ماركس يكتب مؤلّفه الضّخم الموسوم "رأس المال.مساهمة في نقد الاقتصاد السّياسي"، أي في المجلّد الأوّل والجزء الأوّل منه. والدّليل على ذلك نعثر عليه في كلام ماركس الآتي نصّه:

"على الرّغم من أنّ طريقتي الدّيالكتيكيّة لا تختلف عن الطّريقة الهيجليّة من حيث الأساس، إلاّ وأنّني عمدت إلى نقد الجانب الصّفي فيه، حتّى أصبحت طريقتي تمثّل ندّها تمامًا، لأنّ حركة الفكر، هذا الفكر الذي يشخّصه هيجل ويطلق عليه اسم الفكرة التي كانت في نظره خالقة للواقع وصانعة له، وما الواقع إلاّ الشّكل الحادثي للفكرة، فإنّني أرى العكس من ذلك، إذ ليست حركت الفكر إلاّ انعكاس للحركة الواقعيّة، منقولة إلى الإنسان ومستقرّة فيه، فإذا كان هيجل يشوّه الدّيالكتيك بالصّوفيّة، حيث كان يسير على رأسه، فما علينا إلاّ أن نعمل على إعادته يسير على قدميه، لكي نرى له هيئة معقولة تمامًا [...]، ذلك لأنّه من حيث جوهره هو نقدي وثوري، له علاقة مباشرة مع الأوضاع القائمة" (كارل ماركس،1982، ص:22،23)، ولكن الاختلاف الذي يكمن بين كلّ من هيجل وماركس بخصوص مفهوم الثّورة هو أنّها تتخذ انطلاقتها بالنّسبة للأوّل من العالم المثالي بوصفها تهدف إلى تنظيم العالم، بينما يرى ماركس أنّها تتمثل في الصّراع المحتدم القائم بين الطبقتين المتنازعتين: البروليتاريا التي تثور ضدّ أوضاع الفقر والبؤس واللاّمساواة وضدّ ميكانيزم الملكيّة الخاصّة، والبورجوازيّة التي تمتلك القوى المنتجة وموضوعات العمل ملكيّة خاصّة. إنّ ماركس يؤكّد بأنّ الثورة تنفجر إثر هذا التّناقض الجوهري الذي تحمله المنظومة الرّأسماليّة في طيّاتها، وبالضّبط بعد إدراك الطبقة العمّاليّة بأوضاعها المزريّة والتّناقضات الاجتماعيّة-الاقتصاديّة التي تشكّل بنية المنظومة الرّأسماليّة الليبرالية، كالتّناقض بين العمل والاستغلال، والتّناقض القائم بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، والعمل الجماعي من جهة والرّبح الخاص من جهة أخرى.

إذن، ألا يدلّ هذا على أنّ "الوجود الاجتماعي هو الذي يحدّد الوعي الاجتماعي، باعتبار أنّ كلّ إنتاج فكري مرتبط بصورة أو بأخرى بسيرورات العمل المادّي"(إرنست،1980) وباعتبار أنّ "البشر يدخلون في الواقع خلال عمليّة إنتاجهم في إطار علاقات محدّدة للإنتاج تتوافق مع الدّرجة المحدّدة لتطوّر قواهم الماديّة الإنتاجيّة. والنّتيجة الكلّيّة لهذه العلاقات الإنتاجيّة تكوّن وتشكّل البناء الاقتصادي للمجتمع، والأساس الواقعي الذي يقام عليه البناء الفوقي القانوني والسّياسي التي يتماثل معها أشكال محدّدة للوعي الاجتماعي. إنّ نمط إنتاج الحياة الماديّة هو الذي يقرّر عمليّة الحياة الاجتماعيّة، السّياسيّة والعقليّة بوجه عام."(Karl Marx,1947,P.5)

أمّا فيما يخصّ كتابه "بؤس الفلسفة"، فعلى الرّغم من كونه يمثل ردًّا عنيفًا ومرهقًا على "فلسفة البؤس" لبرودون، إلاّ أنّه يوجّه دائمًا سهام نقده إزاء كلّ فلسفة تقوم على أساس البحث الميتافيزيقي، ومن بينها رفضه غموض النّسق الهيجلي. يقول ماركس بهذا الصّدد ما يلي:

"إنّ الصّيغة الهيجليّة ليست ثلاثيّة إلاّ بفضل رغبة المعلّم الطّيبة أو خطأه، وهي تتضمّن أطراف ثلاث حيث لا يوجد في الحقيقة سوى إثنين، وهي بالتّالي لا ترى أنّ المفارقة لا حلّ لها على الإطلاق، إنّها تشير إلى تذبذب أو تضاد قابل لإحداث توازن فحسب."(كارل ماركس،دون تاريخ،ص:12)

      وهذه المسألة تتّضح جليًّا وبدقّة من خلال قوله الآتي نصّه:

"على غرار هيجل، كنت قد تبنّيت فكرة أنّ حلّ المفارقة ينبغي أن يكون من خلال طرف أرقى هو التّركيب الذي يختلف عن الطّرفين الأوّلين، الموضوعة والنّقيضة، إنّه خطأٌ في المنطق بقدر ما هو خطأ في التّجربة، لكنّني عدت عنه اليوم. لا حلّ للمفارقة، هنا يكمن العيب الأساسي لمجمل الفلسفة المثاليّة.فالطّرفان اللّذان تتألّف بهما يتوازنان [...] إنّ التّوازن ليس تركيبًا، كما عناه هيجل وكما كنت قد افترضته من بعده."(كارل ماركس،دون تاريخ،ص:12)

هكذا ينتقد ماركس مفهوم الإنسان لدى كلّ من هيجل وفيورباخ، ويبقى مصرًّا على التّعريف الذي قدّمه للإنسان، حينما اعتبره كحركة عمليّة حيّة وخلاّقة، تكشف عن قواه الباطنيّة العقليّة منها والخياليّة والنّفسيّة، فيحوّله من إنسان الوعي بذّات إلى إنسان فعّال يغيّر ذاته كلّما أسهم في تغيير العالم الخارجي. وبهذا، فإنّ المفهوم الجديد الذي أتى به ماركس، في هذا السّياق، سيحوّل مهمة الإنسان من تفسير العالم إلى العمل على تغييره، باعتبار أنّ المهمّ في العالم، من منظور ماركس، لا ينحصر في تأويله بل يتعدّى ذلك إلى التّأثير عليه وتغييره عن طريق إضفاء الإنسان ماهيّته العقليّة في الواقع لتتجلّى في صورة الأشياء ومختلف النّشاطات المعبّرة عنها. أنّ ما ينجز اندماج الإنسان – حسب ماركس – في محيطه الاجتماعي هو "النّشاط الإنساني الذي لا يؤخذ على أنّه روحاني محض بل يؤخذ باعتباره عينيًّا وعمليًّا، باعتباره عملاً، فالعمل يلعب دور الحدّ الأوسط بين الفكرة والواقع العيني الذي عزاه هيجل للفكرة. فعن طريق العمل، أي النّشاط الاقتصادي والاجتماعي، تتحقّق الوحدة العميقة، الوحدة الدّيناميكيّة والحيّة للعقل والمادة، للإنسان والعالم الخارجي، ويزداد اندماج الإنسان في العالم بشكل متقدّم في مجرى فعل و ردّ فعل دائمين للوسط على الإنسان والإنسان على الوسط."(فيصل عبّاس،1996،ص:183، (184

في الأخير، إنّ الغرض من دراستنا موقف ماركس العدائي لكلّ من مثاليّة هيجل وماديّة فيورياخ، يتلخّص في الكشف عن مفهوم الفلسفة لدى ماركس، وذلك عبر الإجابة عن الإشكاليّة الآتية: هل بقيت الفلسفة، مع ماركس، متعلّقة بالتّصوّرات والمقولات المتعاليّة، ومختلف الأنساق التّأمّليّة المفارقة للعالم الحسّي المادي الملموس؟ أم أنّه عمد لتأسيس دعائم فلسفة جديدة؟

3- خاتمة:

إنّ الإجابة عن هذه الإشكاليّة تتضمّن في جوفها الإجابة عن إشكاليّة البحث التي تمّ طرحها منذ البداية، والتي تتوضّح في عمليّة تصنيف ماركس إلى الحقل الفلسفي الذي ينتمي إليه. فهل هو مادي أم مثالي؟ أم ليس هذا ولا ذاك؟ و إن كانت الإجابة تنفي اعتناق ماركس واحتضانه أو تبنّيه للمثاليّة التقليديّة دون غيرها، والماديّة السّابقة، فمن يكون إذًن؟

وما تجدر الإشارة إليه في ذات الاتجاه، هو أنّ ماركس قد قلب هيجل الذي كان واقفًا على رأسه فجعله يقف على قدميه. ممّا يدلّ على أنّه حوّل النّقد ذو الطّابع الدّيالكتيكي إلى الدّيالكتيك النّقدي، فبقي متأثّرًا بحيويّة وديناميكيّة وفعاليّة الفكرة الهيجليّة التي استعان بها لنقد مقولات الاقتصاد السّياسي: الإغتراب، القيمة الفائضة المطلقة، القيمة الفائضة النّسبيّة، صنميّة البضاعة، التّقسيم الاجتماعي للعمل، الاستغلال...إلخ. إنّ نقله الفعاليّة الفكريّة الهيجليّة إلى العالم المادي، نظرًا لما تتميّز به من ما هو سلبي وثوري، بغية تصحيحه، هو العامل الجوهري الذي شكّل منهجه في الدّيالكتيك المادي. فمن خلال محاولته في جعل هيجل يقف على قدميه، أصبح يعتبر المنقذ الحقيقي لمثاليّة هيجل التي كانت تحذو حذو المطلق، بحكم أنّه جعل منها تتجه نحو الواقع المعيش بغية تجاوز التّناقضات التي يتألّف منها. ومن هنا نشأة مع ماركس الفلسفة الماديّة الجديدة التي تتميّز عن سائر البنى النّظريّة المجرّدة والأنساق الفكريّة المفارقة للواقع المعيش، وإن شئنا لقلنا أنّ هذا الأخير هو الذي يحدد طبيعتها ويعيّن ملامحها الجوهريّة. بتعبير آخر، مع ماركس انبثقت فلسفة جديدة إلى عالم المعرفة، متّخذة منحاها من نقد السّماء إلى نقد الأرض: إنّها، بكلّ اختصار، تتمثّل في الفعل المتحرّر من كلّ القيود والأغلال الميتافيزيقيّة بما فيها الدّين والمثاليّة المطلقة.

 - المراجع:

- بالحرف العربي:

- أرفون هنري. (1977). فلسفة العمل، ترجمة الدكتور عادل العوا، بيروت- باريس: منشورات عويدات، ط1.                                                                                                                   - بوليتزر جورج. (2001). مبادئ أولية في الفلسفة، ترجمة وتقديم د. فهيمة شرف الدين، بيروت: دار الفارابي، ط5.                                                                                                        - جماعة من العلماء السوفييت. (1990). الفلسفة الماركسية في القرن 19، في جزئين، ترجمة حسان حيدر، بيروت: دار الفارابي.                                                                                       - كارل ماركس. (1982). رأس المال (نقد الاقتصاد السياسي)، الجزء الأول، المجلد الأول، ترجمة محمد عيتاني، بيروت: مكتبة المعارف.                                                                             - ------------. (ب-ت). بؤس الفلسفة، ترجمة محمد مستجير مصطفى، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع.                                                                                                    - ماندل إرنست. (1980). مدخل إلى الإشتراكية العلمية، ترجمة غسان ماجد وكميل داغر، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر.                                                                                             - عبد اللطيف عبادة. (1984). إجتماعية المعرفة الفلسفية. دراسة تحليلية نقدية لاجتماعية المعرفة الفلسفية وبنيتها ومناهجها ومشاكلها وامكانية تطبيقها على الفكر العربي الإسلامي، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب.

 - بالحرف اللاتيني:

-Etienne Balibar, 1993, La philosophie de Marx, La Découverte, Paris.                                       - Friedrich Engels, 1973, Socialisme utopique et socialisme scientifique, Editions. Sociales, Paris.                                                                                                                                               - Jean Yves Calvez, 1974, La pensée de Karl Marx, Editions. Seuil, paris.                                                                                                                                                 - Henri LEFEBVRE, 1964, Marx, Sa vie, Son œuvres, Presses Universitaires de France, Paris.                                                                                                                                               - ----------------------, 1968, Sociologie de Marx, Presses Universitaires de France, Paris.         – Karl Marx, 1972, Misère de la philosophie. Réponse à la philosophie de la misère de M. Proudhon, Editions. Sociales, Paris.                                                                                             - --------------, 1974, Contribution à la critique de l’économie politique, Editions. Sociales, Paris.                                                                                                                                               - --------------, 1968, Œuvres choisies, Traduction de Robert Guterman et Henri LEFEBVERE, Tome 1, Editions. Gallimard, Paris.                                                                         - --------------, 1972, Manuscrits de 1844, Traduction et présentation d’Emil Bottegelli, Editions. Sociales, Paris.                                                                                                                 - --------------, Friedrich Engels, 1972, La sainte famille ou critique de la critique critique, Traduction de EMA Cogniot, présenté par Nicole Meunier et Gilbert Badia, Editions. Sociales, Paris.                                                                                                                             - Politzer Georges, 1970, principes élémentaires de philosophie, 3éme édition, Editions. Sociales, Paris.                                                                                                                -Franck Fichbach, "Lidéologie chez Marx : De la vie étriquée aux représentations imaginaires", Dossier : Critique de l’idéologie, Revue Actuel Marx, Numéro 43 (2008), Presses Universitaires de France, Paris.                                                                                         - Emmanuel Renault, "Comment Marx se référe – T – IL – au travail et à la domination", Dossier : Travail et domination, Revue Actuel Marx, Numéro 49 (2011), Presses Universitaires de France, Paris.                                                                                                      - Karl Hermann Tjaden, , "Le caractére fétiche de la marchandise et du capital comme résultat de la civilisation occidentale", Traduction de Didier RENAULT,  Dossier : Critique de l’idéologie, Revue Actuel Marx, Numéro 43 (2008), Presses Universitaires de France, Paris. 

                                                             :ه-الاتجاه الوضعي

- المنهج التجريبي عند أوجست كونت:
1- مقدمة:

يعتبر الكثيرون من الكتاب الغربيون أن أوجست كونت هو الأب المؤسس لعلم الاجتماع متناسين في ذلك الرائد الحقيقي لهذا العلم وهو عبد الرحمن ابن خلدون إما عن عمد وإما نتيجة قصور في أن دراساته لم تلقى ما تستحقه من ذيوع وانتشار.
ولقد ولد أوجست كونت في مونتيليه بفرنسا عام (1798 – 1857) والتحق وهو في سن السادسة عشرة بمدرسة البولتكنيك أو مدرسة الفنون التطبيقية ولقد كانت أوسع المدارس شهرة وأكثرها تميزا في ذلك الوقت ونظرا لطبيعة الدراسة بهذه المدرسة فلقد كان الاهتمام الأساسي لمناهجها هو التركيز على دراسات الرياضة والطبيعة ولم يكن هناك تركيز يذكر على الدراسات الإنسانية بوجه عام. وفي سن التاسعة عشرة عمل كونت سكرتيرا للكاتب الإشتراكي المعروف (سان سيمون) وكان ما زال طالبا بمدرسة الفنون التطبيقية ومع أن سان سيمون كان ينتمي إلى الأرستقراطية الفرنسية إلا أنه أصبح واحدا من أوائل مشاهير الإشتراكيين المثاليين وواحدا من المفكرين الاجتماعيين ولقد عمل كونت وسان سيمون معا منذ عام 1817م وحتى عام 1823م وكانت علاقتهما في عملهما وثيقة لدرجة أنه أصبح من الصعب معها التمييز بين إسهامات كل منهم ويتضح ذلك في عملهم المسمى " خطة العمليات اللازمة لإعادة تنظيم المجتمع . ولقد كانت حياة كونت سلسلة من الإحباطات والمعارك الشخصية الأمر الذي تزايدت معه عزلته الاجتماعية بصورة مستمرة حتى أنه أصيب بمرض عقلي جعله ينقطع عن محاضراته التي كان قد بدأ في إلقائها سنة 1826م في الفلسفة الوضعية مما دعاه إلى محاولة الانتحار غرقا في نهر السين، ثم عاد ما بين سنة 1830 – 1843 إلى إلقاء محاضراته التي كان قد انقطع عنها وفيها قدم تصوراته للمعرفة والعلوم وحاول خلالها وضع أسس علمه الجديد والذي أطلق عليه في بادئ الأمر (الفيزياء الاجتماعية) ثم تجنبا لتكرار الاسم الذي سبقه إليه (كتيليه) سمى العلم الجديد باسم علم الاجتماع. ويعد كونت مثله في ذلك مثل سبنسر من أنصار المدخل العضوي والذي أعطى اهتماما أساسيا إلى البناء الميكانيكي الآلي للكائن الاجتماعي حيث كان ينظر أصحاب هذا المدخل إلى المجتمع باعتباره نظاما متكاملا يؤدي كل عضو من أعضائه وظيفته من أجل استمرار الكل وأن هذا المجتمع جزء لا ينفصل عن النظام الوظيفي.
وجدير بالذكر أن النموذج العضوي في النظرية الاجتماعية أقدم أشكال النظرية الاجتماعية وثمة ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية أدت إلى ظهور وإرساء قواعد هذا النمط في النظرية الاجتماعية، فالمبادئ الأساسية للنموذج العضوي دعى إليها جماعة من مفكري الطبقة العليا درسوا فلسفة عصر التنوير وآمنوا بها وتفاعلوا مع البيئة الاجتماعية وعاشوا أحداث الثورة السياسية والانهيار الاجتماعي والتطور والنزعة الطبيعية والتصورية الاجتماعية والإصلاح الاجتماعي وقدموا رؤية جديدة للمجتمع تركز على حاجات المجتمع المنظمة ويؤدي هذا المجتمع وظائفه وفق القوانين الطبيعية.

2-الديناميكاالاجتماعية:
تدور دراسات كونت في الديناميكا الاجتماعية حول نظريتين أساسيتين هما :
أ‌. نظرية في تطور المجتمعات (قانون المراحل الثلاثة).
ب‌. نظرية في تقدم الإنسانية.
أ-نظريةالتقدم:
يرى كونت أن التقدم الاجتماعي لابد وأن يكون خاضعا لقوانين ولعل هذه الفكرة كانت غائبة عن أذهان المفكرين السابقين الذين درسوا الحركات الاجتماعية بوصفها ذبذبات أو اضطرابات وهو يرى أن انتقال الإنسانية من مرحلة إلى أخرى يكون عادة مصحوبا بالتقدم والتقدم المادي يكون أوضح وأسرع حركة وأسهل تحقيقا، أما التقدم في الطبيعة الإنسانية فيكون واضحا في الطبيعة البيولوجية والعقلية، وهو يرى أن الجانب العقلي من التقدم جانب أساسي وظاهر فالتاريخ يحكمه ويوجهه نمو الأفكار. ويرى كذلك أن الإنسان يبدو غالبا مشغولا بإشباع حاجات مادية ولذلك فإن التقدم يكون واضحا وظاهرا بالفعل في مجال السيطرة على قوى الطبيعة لكن كونت يصر على أن النمو العقلي يؤدي إلى النمو المادي.
ولقد دعم كونت نظريته المتفائلة بقبوله النظرية التي تقول أن السمات التي يكتسبها الفرد خلال حياته يمكن أن تنتقل بالوراثة البيولوجية إلى الأبناء، كما اعتقد كونت أن التطور الاجتماعي ما هو إلا استمرار للتقدم العام الذي يبدأ من مملكة النبات فالسلسلة الاجتماعية الكبرى تتطابق مع سلسلة الكائنات الكبرى وليس مع تتابع المراحل العمرية لكائن عضوي بسيط ويعد هذا الافتراض عنصرا أساسيا في نسق فكري يؤكد التقدم المستمر.
وتمثل الديناميكا الاجتماعية ما يعرف الآن في علم الاجتماع باسم التغير الاجتماعي.                      
ب-قانون المراحل الثلاثة:
يؤمن كونت بالتقدم أي التحول إلى المجتمع المثالي مثله مثل غيره من فلاسفة عصره، وعلى الرغم من ذلك فهو يصر على أن هذا المجتمع لن يتحقق بالثورة السياسية بل عن طريق التطبيق المناسب لعلم أخلاقي جديد وهذا العلم أسماه علم الاجتماع ، سنة 1839م، ولهذا أصبح كونت معروفا بأنه الأب المؤسس لعلم الاجتماع " أرفع العلوم جميعا " والعلم الذي سوف يستخدم المنهج العلمي الوضعي من خلال الملاحظة والتجريب والمقارنة من أجل فهم نظام ما ومن أجل دفع التطور ويتضمن التطور والوصول إلى المجتمع المثالي.
أما مرور فكرة الإنسان بمراحل تاريخية معينة هي المرحلة اللاهوتية والمرحلة الميتافيزيقية والمرحلة الوضعية (الإيجابية). فقد أشار إلى أن تقدم المعرفة هو الأساس الذي ترتكز عليه نظريته في التطور من خلال (قانون المراحل الثلاث) والذي يعد أمرا حتميا فقط بل إنه أمر قطعي أيضا بالإضافة إلى ذلك فإن تقدم المعرفة لا نهائي بمعنى أننا دائما نقترب من المعرفة الوضعية الكاملة ولكننا لا ندركها مطلقا.
ولقد تناول كونت كل مرحلة من هذه المراحل بصورة أكثر تفصيلا:
فبالنسبة للمرحلة الأولى وهي المرحلة اللاهوتية : حيث يعتقد الناس أن الموضوعات الجامدة  التي لا حياة فيها  هي موضوعات حية.
أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الميتافيزقية : وهي الفترة التي حدث فيها تفسير للسببية بلغة القوى المجردة ، حيث تحل الأسباب والقوى التجريدية محل الإرادات وتسود فكرة وجود كيان عظيم واحد هو الطبيعة.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة فهي المرحلة الوضعية: وتتميز هذه المرحلة بأنها مرحلة إيجابية يحل فيها العلم محل الخرافات حيث يطور البشر عملية التفسير بمصطلحات العملية الطبيعية والقوانين العلمية وعند هذه النقطة من تطور المجتمع يصبح من الممكن التحكم في الأحداث الإنسانية، ويعتقد كونت أو المدنية الأوروبية قد وصلت بالفعل إلى المرحلة الوضعية من التحكم في الظروف الطبيعية وأصبحت على حافة الوضعية فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية. ولا تظهر كل مرحلة من المراحل السابقة صورة محددة من النمو العقلي فقط بل إن لكل مرحلة تطور مادي مماثل، ففي المرحلة اللاهوتية تسود الحياة العسكرية وفي المرحلة الميتافيزيقية تسود الأشكال القانونية أما المرحلة الوضعية فهي مرحلة المجتمع الصناعي، وهكذا يتمسك كونت بأن التطور التاريخي يكشف عن حركة متوافقة للأفكار والمؤسسات. ويصور الشكل عرض مختصر لنمط المجتمع عند كونت والذي يشمل الاستاتيكا الاجتماعية والديناميكا الاجتماعية.

- مراحل التطور الثلاث  (اللاهوتية والميتافيزقية والوضعية) :
*
الحركة نحو سيطرة علم الاجتماع.
*
الصدام بين السلطات والكنسية والعسكرية .
فهو يرى أنه من خلال قانون المراحل الثلاثة أن العقل الإنساني أو التفكير الإنساني قد انتقل في إدراكه لكل فرع من فروع المعرفة من الدور الديني التيولوجي إلى الدور الميتافيزيقي وأخيرا الدور الوضعي أو العلمي.
ويقصد بالدور الديني أن العقل كان يسير على أسلوب الفهم الديني بمعنى أنه يفسر الظواهر بنسبتها إلى قوى غيبية خارجة عن الظاهرة نفسها كالآلهة والأرواح الشيطانية وما إليها كأن يفسر ظاهرة النمو في النبات بنسبتها إلى الله، ويقصد بأسلوب الفهم الميتافيزيقي أن العقل كان يفسر الظواهر بنسبتها إلى معان مجردة أو قوى ميتافيزقية كأن يفسر ظاهرة النمو في النبات بنسبتها إلى قوة النبات. ويقصد بأسلوب الفهم العلمي أن العقل يذهب في تفسيره للظواهر بنسبتها إلى القوانين التي تحكمها والأسباب المباشرة التي تؤثر فيها كأن يفسر ظاهرة النمو بنسبتها إلى العوامل الطبيعية والكيميائية والقوانين المؤلفة لهذه الظاهرة.
3- منهج البحث عند كونت :
تتلخص قواعد المنهج عند كونت في الملاحظة والتجربة والمنهج المقارن ثم ما يسميه كونت بالمنهج التاريخي وسنتعرض في الآتي لكل منها :
أ- الملاحظة : المقصود بالملاحظة ليس مجرد الإدراك المباشر للظواهر ولكن هناك وسائل أخرى مثل دراسة العادات والتقاليد والآثار ومظاهر الفنون الأخرى وتحليل ومقارنة اللغات والوقوف على الوثائق والخبرات التاريخية ودراسة التشريعات والنظم السياسية والاقتصادية وما إليها. والملاحظة الاجتماعية ليست سهلة وذلك لطبيعة تداخلها وكذا لأن الفرد يشارك فيها بدرجة أو بأخرى، لذا يجب النظر إلى الحقائق الاجتماعية على أنها موضوعات منعزلة عنا وخارجة عن ذاتنا ومنفصلة عن شعورنا حتى نستطيع أن نصل من وراء الملاحظة الاجتماعية إلى نتائج أقرب إلى حقائق الأمور، وهو يرى أن الملاحظة أو استخدام الحواس الفيزيائية يمكن تنفيذها بنجاح إذا وجهت عن طريق نظرية.
ب- التجربة : يقصد بها التجربة الاجتماعية حيث يمكن مقارنة ظاهرتين متشابهتين في كل شيء ومختلفتين في شيء واحد.

ج- المنهج المقارن : وهو يرى أن المقارنة الاجتماعية بالمعنى الصحيح تقوم على مقارنة المجتمعات الإنسانية بعضها ببعض للوقوف على أوجه الشبه وأوجه التباين بينها.
د- المنهج التاريخي : ويسميه كونت بالمنهج السامي ويقصد به المنهج الذي يكشف عن القوانين الأساسية التي تحكم التطور الاجتماعي للجنس البشري باعتبار هذا الجنس وحدة واحدة تنتقل من مرحلة إلى أخرى أرقى منها.
ولقد ميز كونت علم الاجتماع عن الفلسفة السياسية بإصراره على أن الاستقصاءات السوسيولوجية لابد وأن تعتمد على المناهج الوضعية أو الموضوعية في الملاحظة والتجريب والمقارنة المميزة للعلوم الطبيعية، كما أن تطبيق المعرفة العلمية عن المجتمع جديرة بأن تقدم أكبر تقدم في المجتمع الإنساني، ولقد جاهد كونت وكتب كثيرا دفاعا عن الموقف الوضعي بالنسبة لدراسة المجتمع ولذلك أصبحت الوضعية مقترنة بكونت تاريخيا، إلا أنه لم يمارس عمليا ما كان ينادى به حيث أنه لم يقم بدراسات يستخدم فيها طرق البحث الاجتماعي فلا نزاع في أنه أول من عرف علم الاجتماع بأنه الدراسة الواقعية المنظمة للظواهر الاجتماعية.

Modifié le: mardi 11 novembre 2025, 16:55