توينبي

ارنولد توينبي عرف كاعظم مُؤرِّخ في هذا العصر، بحَثَ في الحضارات بحثا مُفصَّلا وشامِلا، و في موسوعته التاريخيَّة (دراسة التاريخ) في 12 مُجلَّدً صرف في تأليفها 41 عامًا. خِلافًا لمُعظم المؤرِّخين فهو يُفرِّقُ بين المُجتمعات البِدائيَّة والحَضاريَّة؛ فالحَضاريَّة أقلُّ عددًا من الأُولى، فهي 21 مُجتمعًا اندثَرَ مُعظمُها، ولم يبقَ منها كما يقول غيرُ سبع حضارات ستٌّ منها تمر بدَور الانحلال وهي الحضارة الأُرثوذكسية المسيحية البيزنطية، والأُرثوذكسية الروسية، والإسلامية، والهندوكية، والصينية، والكورية-اليابانية؛ أمَّا السابعة، أي الحضارة الغربية، فلا يُعَرف مصيرُها حتَّى الآن. ويُفسِّرُ تُوينبي نشوءَ الحضارات الأُولى، أو كما يُسمِّيها الحضارات المُنقطعة، من خلال نظريَّته الشهيرة (التحدِّي والاستجابة) المستله من عِلم النَفس السلوكيّ من (كارل يونغ Carl Jung) 1875-1961 الذي يوضح إنَّ الفَرد عندما يتعرَّضُ لصدمةٍ يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما ومن ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادة التوازن والتمسُّك به بديلا عن واقعه المُرّ، فيُصبح انطوائيًّا (استجابةً سلبيَّة). والثانية، قبول الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيًّا (إيجابيَّة). لاحظْ هذا ما ينطبقُ على العرب فإنَّهم تعرَّضوا لصدمة حضارية، فلجأوا إلى الماضي دفاعًا عن النفس. الجماعات استجابت إلى التحدِّيات الطبيعية بأساليبَ مُختلفة: منها بالبقاء في أرضها وتحوُّلها إلى قبائل بدويَّة، أي كانت استجابتُها سلبيَّة تحوَّل بعضُها إلى قبائلَ رُحَاّلة تسعى وراءَ الكلإ والماء لترعى أنعامَها التي تعيش عليها. الآخر انحدر إلى الجنوب نحو المناطق الاستوائيَّة المُشابهة للبيئة السابقة إلى حدٍّ بعيد، فظلَّ مُحافِظًا على نَمطِ مَعيشته البدائيَّة السابقة إلى يومنا هذا. رحَل قسمٌ ثالث إلى دِلتا النيل، حيثُ وَاجه أحوالاً طوبوغرافيَّة جديدة تتمثَّلُ بوجود هذا النهر العظيم وتلك البيئة المُختلفة، فكافح عوائقها وسخَّرها لأغراضه، بعد أن اكتشف الزراعة، الأمر الذي أدَّى إلى إنشاء الحضارة المصريَّة الرائعة. كما إنَّ انتقلَت جماعات من شبه الجزيرة العربية إلى أهوار جنوب العراق والفرات الأسفل فتمخَّض عنها انبثاق حضارات ما بين النهرين. ومنها الرحيل إلى مناطقَ جديدة مُختلفة قريبة من الأنهار، حيث أسَّست تلك الحضارات الأُولى، أي كانت استجابتُها ديناميكيَّة حضاريَّة، تعتمد على الحركة أو الهجرة، ثم التغيير والتطوير والإبداع. كيف طبَّق تُوينبي هذه النظريَّة على نشوء الحضارات؟ يقول في تفسير ذلك إنَّ المجتمعات البدائيَّة لدى مُواجهتها تحدِّياتٍ بيئيَّة أو بشريَّة مُعيَّنة تستجيبُ استجاباتٍ مُختلفة، أي إنَّها تُواجه ذلك الحافزَ برُدودِ فِعلٍ تختلفُ من جماعةٍ إلى أُخرى، بعضها سلبيَّة وبعضها إيجابيَّة. وعلى هذا المِنوال يُفسِّر ظهورَ الحضارات الأصليَّة الأُولى في كلٍّ من وادي الرافدين ووادي النيل، فيقول: كان السهل الأفروآسيويّ (أي جنوب شبه الجزيرة العربيَّة وشمال إفريقيا) يتمتَّع بجوٍّ مُعتدل ومَراعٍ شاسعة ومياهٍ غزيرة، خلال نهاية الفترة الجليديَّة الأخيرة، كما ذكرنا سابقا. وكانت الشراذمُ البشريَّة المُنتشرة فيه تعيشُ عيشةً راضية على الصَّيد والقَنص وجمع الثمار والبذور. ولكن حدثَ تغيُّرٌ مناخيّ تدريجيّ في الفترة المُعتدلة أو الدفيئة الأخيرة التي نعيشها الآن، الأمر الذي سبَّب انحباسَ الأمطار وانتشارَ التصحُّر وجفافَ الأنهر. (كما يحدث الآن وبشكلٍ مُستمرّ في بعض أجزاء إفريقيا الوُسطى حيث تمتدُّ الصحراء الكُبرى وتتَّسعُ باستمرار)

» مسرد أساسي