وسائل المحافظة على النظام العام للدائنين
المبحث الثالث
دعوى الصورية
تفترض الصورية وجود تصرفين بين نفس العاقدين أحدهما ظاهر لم تتجه إليه إرادتهما، والآخر خفي والذي يمثل قصدهما الحقيقي. ومثال ذلك إخفاء هبة في صورة بيع. أما دوافع الصورية فمتعددة منها المشروعة ومنها غير المشروعة: كأن لا يريد شخص ألا يظهر أما الناس أنه متبرع خشية الرياء، أو خشية أن يزاد عليه في في سعر الشيء الذي يريد إقتناءه. وقد يراد منها التهرب من رسوم مرتفعة، أو التحايل على أحكام القانون التي تمنع شخصا من التعاقد مثلا ويشترط لتوافر الصورية الشروط الآتية:
أولا- أن يكون هناك عقدان إحداهما ظاهر وآخر خفي: ويسمى هذا الأخير بورقة الضد، فالذي يعلم بوجود العقدين هو المتعاقدين، أما الغير فلا يعرفون إلا العقد الظاهر فحسب.
ثانيا- أن يختلف العقد الظاهر عن الخفي في عنصر معين: هذا مع الأخذ في الإعتبار أن العقدين قد يتعاصران، بحيث يبرمان في نفس الوقت، لكن لا يمنع ذلك من أي يكون العقد الخفي سابق أو لاحق لإبرام العقد الظاهر. وليس معنى هذا أن العقد الخفي تعديل أو إلغاء للعقد الظاهر، بل المتعاقدان يغشان الغير بحيث يظهران لهم شيء ويخفيان شيئا آخر فهو تدليس إن صح القول. إتجاه الغير.أما العنصر الذي تلحقه الصورية، فقد يكون رضا الطرفين في ذاته، كأن يتم الإتفاق في الظاهر على البيع، في حين أن العقد الخفي يقضي بأن ليس هناك بيع، فلا ثمن سيدفع ولا ملكية ستنتقل، فالرضا غائب هنا. وقد ترد الصورية على سبب العقد، بحيث نجد طبيعة العقد مختلفة، ففي الظاهر يوجد بيع وفي الخفي نجد هبة. وقد تلحق الصورية موضوع العقد، الذي عادة ما يكون في ثمن البيع، بحيث يكون الثمن الظاهر أقل بكثير من الثمن الخفي.
المطلب الثاني
أحكام الصورية
تظهر هذه الأحكام في العلاقة الموجودة بين العاقدين والغير:
أولا- أحكام الصورية فيما بين المتعاقدين وخلفهما العام:
طالما إتجهت إرادة المتعاقدين إلى العقد الخفي لا الظاهر، فإن العقد الخفي هو الذي يسري عليهما وعلى خلفهما العام، مع ما يترتب على هذا القول من أحكام. وعليه يجب أن تتوافر في العقد الخفي أركانه الأساسية من تراضي ومحل وسبب. أما إن كان العقد الخفي يتطلب شكلية معينة( كالرسمية) بينما لا يتطلبها العقد الظاهر فإن اخفي يكون صحيحا ولو لم يفرغ في الشكل المطلوب. هذا وإثبات وجود العقد الخفي بين المتعاقدين يتبع في شأنه القواعد العامة في الإثبات، بحيث متى كان العقد الظاهر مكتوبا وجب إثبات العقد الخفي بالكتابة، وفي الحالة العكسية جز إثبات العقد الخفي بكل الطرق.
ثانيا- أحكام الصورية بالنظر إلى الغير:
يقصد بالغير هنا الدائنون العاديون للمتعاقدين وخلفهما الخاص. فهؤلاء واعتمادا منهم على ظاهر الأمور يسري في حقهم العقد الظاهر لا الخفي وهذا متى كانوا حسني النية، بحيث لا يعلمون بوجود الصورية وإلا عوملوا كالمتعاقدين. هذا ولما يحدث أن تتعارض مصالح الغير، بحيث نجد أن بعضهم تكون مصلحته في التمسك بالعقد الظاهر والآخر بالعقد الخفي، فالحل الواجب الإتباع هو إعتماد العقد الظاهر في مواجهتهم وهذا حماية لمن يتمسك بظاهر الأمور وهذا إعتمده القضاء الفرنسي. والغير الذي يدعي الصورية يجب عليه إثباتها وذلك بكافة طرق الإثبات إذا لم يكن طرفا في العقد.
1. الدعوى غير المباشرة
المطلب الأول
مفهومها
أحيانا يتقاعس المدين عن المطالبة بحقوقه التي لدى الغير(أي مدينه) ومن شأن ذلك التقاعس أن يسبب ضررا للدائن الذي من مصلحته أن يزداد الضمان العام ليطمئن بذلك إلى إستيفاء حقوقه كاملة غير منقوصة. لهذا الغرض مكن المشرع الدائن من رفع دعوى للمطالبة بديون من مدينه التي هي لدى الغير وهذا نيابة عنه. على أنه يشترط لمباشرة حقوق المدين الشروط الآتية:
أولا: بالنسبة للدائن
يمكن القول أن المشرع لا يشترط في الدائن إلا أن يكون حقه قبل المدين محقق الوجود( لا إحتمالي مثلا) وخال من أي نزاع ولو لم يكن دين الدائن مقدرا. وعلى هذا يجوز أن يكون دين الدائن مؤجلا أو معلقا على شرط واقف.
ثانيا: بالنسبة للمدين
يجب في المدين، أن يمسك عن إستعمال حقوقه(كا، لا يطالب بدين حل أجله في مواجهة مدينه)، وأن من شأن ذلك إعسار المدين أو الزيادة فيه. و إن كان الإعسار يمثل زيادة الديون على الحقوق، فإن المشرع لم يكلف الدائن إثبات ذلك، بل كل ماعليه هو إثبات مقدار الديون التي في ذمة المدين، وهذا بدورهكاف لاعتبار المدين – في نظر القانون- معسرا بقرينة قانونية بسيطة يجوز للمدين إثبات عكسها ودحضها بإثات أن له أموالا كافية لسداد الديونالتي هي عليه. ويجب أيضا عند مباشرة الدعوى غير المباشرة إدخال المدين في الخصومة إذ هو شرط في قبول الدعوى، ثم ليكون الحكم الصادر فيها حجة عليه وعلى دائنيه أيضا.
ثالثا: بالنسبة للحقوق التي يستعملها الدائن باسم مدينه
يستطيع الداءن أن يباشر –نيابة عن المدين- جميع حقوق هذا الأخير ومختلف الدعاوى في مواجهة مدينه (كالمطالبة البطلان العقد، أو فسخ أو دفع ثمن المبيع والهن في حكم قضائي..............) إلا أن تكون تلك الحقوق لصيقة بشخصالمدين بحيث لا يجوز لغيره مباشرتها ( كحق فسخ زواج أو المطالبة بالطلاق أو رفع دعوى نسب لكي يرث المال....) أو أن الأمر يتعلق بمال لا يجوز الحجز عليه حتى مع فرض مباشرة تلك الحقوق نيابة عنه.
المطلب الثاني
آثار الدعوى غير المباشرة
سبق أن أشرنا إلى أن الدائن حينما يباشر حقوق مدينه، والتي منها الدعوى غير المباشرة، إنما عد نائبا عن المدين ومصدر النيابة هذه هو القانون ذاته. على أن رفع هذه الدعوى ليس معناه كف المدين عن التصرف في أمواله، فله مطلق التصرف فيها، وليس معنى رفع هذه الدعوى أن ما يتحصل عليه الداءن من مدين مدينه، يستأثر به، بل كل ما في الأمر، أن تلك الحقوق تدخل الذمة المالية للمدين وعلى الدائن إن أراد إستيفاء حقه التنفيذ على أموال المدين كما يفعل غيره من الدائنين. ويترتب على إستعمال الدائن لحقوق مدينه إمكانية تمسك المدين المرفوعة ضده الدعوى، بكل الدفوع التي كان له أن يتمسك بها في مواجهة دائنه ( كالبطلان والفسخ والمقاصة والإبراء..........).