المبحث الثالث: منازعات الصفقات العمومية

يتضمن هذا الملف محتوى المحاضرة الثالثة من المقياس، بعنوان منازعات الصفقات العمومية، والمقسم إلى مطلبين حيث خصص المطلب الأول لتحديد كيفيات التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية، بينما خصص المطلب الثاني لبيان إجراءات التسوية القضائية لمنازعات الصفقات العمومية خلال مرحلتي الابرام والتنفيذ.

2. المطلب الثاني: تسوية القضائية للمنازعة

2.2. الفرع الثاني: التسوية القضائية للمنازعات الناشئة خلال مرحلة تنفيذ الصفقة العمومية

بعد تأكيد المادة 153، من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، على وجوب البحث عن حل ودي لتسوية منازعات الصفقات العمومية التي تنشأ خلال مرحلة تنفيذ عقد الصفقة العمومية، أحالت نفس المادة تسوية تلك المنازعات، بعد فشل الوصول إلى حل ودي، إلى تطبيق الأحكام العامة المعمول بها في هذا الشأن، وهي التسوية القضائية منازعة الصفقة العمومية بعد تكوين العقد واكتمال الرابطة العقدية، والتي تنظمها قواعد وأحكام قانون الاجرءات المدنية والادارية على النحو التالي:

أولا/ مجال اختصاص القضاء الاداري عن طريق قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل: عندما يتعلق الأمر بمنازعات العقود الإدارية، خلال مرحلة التنفيذ أي بعد تكوين الرابطة العقدية، يؤول الاختصاص من حيث المبدأ، لقاضي العقد، الذي يتحدد مجال اختصاصه بالفصل في المنازعة، في إطار ولاية القضاء الكامل[1]، ذلك أن منازعات عقد الصفقة العمومية هي أحد دعاوى القضاء الكامل التي يختص بالفصل في منازعاتها قاضي العقد، فيدخل في مجال اختصاصه في هذا الإطار كل منازعة إدارية محلها عقد إداري، بكل ما يتصل بهذا الأخير، سواء تعلق النزاع بانعقاده أو صحته أو تنفيذه أو انقضاءه[2].

 واختصاص قاضي العقد هنا شامل لأصل تلك المنازعات وما يتفرع عنها[3]، و يهدف إلى تصفية كافة العلاقات بين الأطراف أيّ مجموع الحقوق و الالتزامات التي تنشأ عن العقد  ويتعلق الأمر في دعاوى القضاء الكامل بكل الدعاوى الرامية إلى التصريح بالمسؤولية التقصيرية أو العقدية[4]، وبالتالي الحكم بالتعويض لصالح المتضرر

يتم الحكم لصالح المتضرر عن طريق دعوى التعويض[5]، المرفوعة بهدف المطالبة والاعتراف للمتضرر بوجود مركز شخصي مكتسب[6]، والإقرار بأن الإدارة من خلال أعمالها، قد مست بحقوقه الشخصية المكتسبة بصفة غير مشروعة، تتمثل الدعاوى المتعلقة بعقد الصفقة العمومية الخاضعة لولاية القضاء الكامل في دعاوى التعويض أو المسؤولية، ودعاوى العقود[7] المتعلقة بالتنفيذ لاسيما:

البطلان [8].

الفسخ بطلب المتعاقد[9].

-   منازعات الأمور المستعجلة[10].

وهنا تجدر الاشارة إلى أنّ ما يصدر من قرارات إدارية بعد قيام الرابطة التعاقدية سواء كانت بصدد تنفيذه أو استندت في إصدارها لنصوص العقد ( مثل القرار المتضمن الامر ببدأ الاشغال، أو وقف تنفيذ الاشغال، أو قرار الفسخ)، فهي قرارات ترتبط بالعقد ارتباط الجزء بالكل، الأمر الذي يحول دون إمكانية الطعن فيها بالإلغاء استقلالا عن العقد، وبالتالي لا يمكن للمتعاقد إلا أن يرفع بشأنها دعوى التعويض، بالاستناد إلى مركزه الشخصي أمام قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل.

 كما نشير كذلك إلى أن هناك منازعات لا تتعلق بعقد الصفقة العمومية بصفة مباشرة، أي لا تستند إلى مخالفة بنوده أو أحكامه التنظيمية، ومع هذا تتأسس الصفة القانونية للمتعامل المتعاقد باعتباره مدعي أو مدعى عليه، إما كطرف أساسي في النزاع أو كمدخل في الخصام، ومثالها المنازعة المتعلقة بنزع الملكية[11]، التي يختص بها القاضي الإداري إعمالا للمعيار العضوي دائما في إطار اختصاصه بالفصل في دعاوى التعويض ضمن ولاية القضاء الكامل[12].

ثانيا/ مجال اختصاص القاضي المدني بالفصل في منازعة تنفيذ الصفقات العمومية: يعقد الاختصاص للقاضي المدني بنظر منازعات تنفيذ عقد الصفقة العمومية في الحالات التي تفتقر فيها المنازعة للطرف العمومي، وهو ما يتحقق في المنازعات التي تثور بين المتعامل والمتعاقد والغير، باعتباره أن هذا الأخير طرف مدني يخضع في علاقاته التعاقدية مع الغير لقواعد القانون الخاص[13].

 سواء تمثل هذا الغير في فئة معينة كعمال المؤسسة، أو فئة المرتفقين (المستفيدين من خدمات المرفق المرتبط بانجاز الصفقة العموية، أو سواهما كالغير المرتبط مع المتعامل المتعاقد  بأي شكل من أشكال التعاقد الثانوي في شكل عقود مناولة.



[1] -  سميت هذه الدعاوى، بدعاوى القضاء الكامل نظرا لاتساع وتعدد سلطات القاضي الإداري المختص بالفصل فيها، ذلك أن ولاية القاضي في هذه الدعاوى كاملة تتناول تمحيص النقاط القانونية والأمور الواقعية ولا تقف مهمته عند حد التدقيق فيما إذا كان القرار مخالفا للقانون أو لا، بل تتجاوز سلطات القاضي هذا الحد إلى درجة الحكم بالتعويض للمتضرر للتوسع راجع: نبيل صقر، الوسيط في شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية (الإجراءات الإدارية)، دار الهدى، الجزائر، 2009، ص: 198.

-  أنظر أيضا: حسين طاهري، القانون الإداري والمؤسسات الإدارية (التنظيم الإداري والنشاط الإداري)، دار خلدون للنشر والتوزيع، الجزائر، 2007، ص: 185.

[2]-  محمد سليمان الطماوي، القضاء الإداري (قضاء التعويض و طرق الطعن في الأحكام)، ط 02، دار الفكر العربي، د ب ن، 1977، ص: 252.

[3] -  مسعود شيهوب، المبادئ العامة للمنازعات الإدارية ( نظرية الاختصاص)، ج 02 ط 06، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013،  ص: 118.

[4] -  تسمح المسؤولية العقدية للمتعاقد مع الإدارة أن يتحصل على تعويض إذا كان هناك خطأ عقدي من جانب الإدارة، و قد يكون السبب الداعي إلى طلب التعويض تقنيا كأن تعمد المصلحة المتعاقدة إلى تفسير أحد البنود الواردة في العقد بمحض إرادتها، كما قد يكون سبب طلب التعويض ماليا ناجما عن المطالبة بتحيين الأسعار مثلا، و في كل الحالات لا تتحمل الإدارة التعويض إلا بمقدار ما نسب إليها من خطأ، للتوسع راجع: محمد سليمان الطماوي، القضاء الإداري (قضاء التعويض و طرق الطعن في الأحكام) ، المرجع السابق، ص: 293.

-     كما تتأسس مسؤولية الإدارة  كذلك، متى كان لها سلطة الرقابة  الإشراف على المتعاقد، الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذ أعمال متعلقة باحتياجات المرفق العام، فتكون مسؤولة عن خطئها في القيام بواجب الرقابة والإشراف، إذا سبب هذا الخطأ ضررا لأحد الأفراد أو ممتلكاته الخاصة، ومرد ذلك إلى أنّ لجهة الإدارة الحق دائما في تغيير شروط العقد الإداري، وعلى هذا الأساس فإنها تعتبر مسؤولة مع المقاول إذا سبب هذا الأخير ضررا للغير، للتوسع راجع: أحمد محمود جمعة، اختصاص القضاء الإداري بالمنازعات الإدارية للأفراد و تطبيقاتها العملية، منشأة المعارف، مصر، د س ن، ص: 268.

[5]-  رغم أن المشرع قد نص على دعوى التعويض ونظم إجراءات رفعها إلا أنه لم يورد لها تعريفا محددا، فاسحا المجال في تعريفها للفقه، الذي نجده يعرفها بأنها: " الدعوى القضائية الذاتية التي يحركها ويرفعها أصحاب الصفة والمصلحة أمام الجهات القضائية المختصة وطبقا للشكليات والإجراءات المقررة قانونيا للمطالبة بالتعويض الكامل العادل واللازم لإصلاح الأضرار التي أصابت حقوقهم بفعل النشاط الإداري"، أنظر: عمار عوابدي، نظرية المسؤولية الإدارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2004، ص:255.

-   وعرفت كذلك بأنها: " دعوى من خلالها يطلب صاحب الشأن من الجهة القضائية المختصة القضاء له بمبلغ من المال تلزم إدارة ما بدفعه نتيجة ضرر أصابه "، أنظر: عمار بوضياف، دعوى الإلغاء في قانون لإجراءات المدنية والإدارية دراسة تشريعية وقضائية وفقهية، ط 01، جسور للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص: 62.

[6]-  من خصائص دعوى التعويض بالإضافة لكونها أحد دعاوى القضاء الكامل أنها:  من دعاوى الحقوق، دعوى قضائية، و أنها دعوى ذاتية شخصية، للتوسع راجع: عمار عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية في النظام القضائي الجزائري (نظرية الدعوى الإدارية)، ج 02 ، المرجع السابق، ص: 568.

[7]-  عزري الزين، الأعمال الإدارية ومنازعاتها، "محاضرات منشورة، مطبوعات مخبر الاجتهاد القضائي وأثره على حركة التشريع، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2010، ص: 78.

[8]-   يرفع دعوى إبطال عقد الامتياز أحد أطرافه، و لا يمكن لغير الأطراف رفعها، لأن الأجنبي عن العقد لا يجوز له أن يطعن في العقد لاقتصار آثاره على الأطراف، وترفع دعوى الإلغاء بغية القضاء بإبطال العقد لتخلف أحد أركانه أو شروط صحته سواء تعلق الأمر بركن الرضا أو المحل أو السبب، دون ركن الشكل حيث أن أساس دعوى مخالفة العقد للشكل الذي أوجبه القانون يعقد الاختصاص بنظرها لقضاء الإلغاء، للتوسع راجع: نعيمة آكلي، المرجع السابق، ص: 164.  

[9]-  لصاحب العقد أن يرفع دعوى إدارية تندرج في نطاق القضاء الكامل، يطالب فيها بفسخ العقد في حالات معينة تبرر طلبه، كحالة القوة القاهرة أو صدور خطأ جسيم من جانب الادارة المتعاقدة، أنظر:  قدور بوضياف، قدور بوضياف، "عقد الامتياز في مجال تسيير الموارد المائية"، مذكرة ماجستير، تخصص: الدولة والمؤسسات العمومية، كلية الحقوق بن عكنون، جامعة الجزائر1، 2013، ص: 76.  

[10]-  تخضع منازعات الأمور المستعجلة في منازعات العقود الإدارية لاختصاص القضاء الكامل اعتبارها منبثقة ومتفرعة عن العقد الإداري، وإن كان محلها قرار إداري، إذ يختص القضاء الإداري بالفصل في الطلبات المستعجلة سواء كانت مطروحة عليه بصفة أصلية أو باعتبارها فرعا من المنازعة المعروضة، فتفصل المحكمة في الطلب المستعجل المتفرع عن العقد الإداري بأن تستظهر الأمور التي يخشى عليها فوات الوقت أو النتائج التي يتعذر تداركها أو الضرر المحدق بالحق المطلوب المحافظة عليه، ثم يستظهر بعد ذلك جدية الأسباب أو عدم جديتها، وهنا لا يجب الخلط بين طلب مستعجل ينبثق عن رابطة عقدية ويدخل في مجال العقد، وبين طلب وقف تنفيذ القرار الذي يتعلق فقط بقرار إداري، للتوسع راجع:  فريجة حسين، المبادئ الأساسية في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ط 2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013، ص: 341.

[11] -  تنظم أحكام نزع الملكية للمنفعة العمومية بموجب القانون رقم 91-11، أنظر: القانون، رقم 91-11، المؤرخ في 27 أبريل 1991، المحدد للقواعد المتعلقة بنزع الملكية من أجل المنفعة العمومية، ج ر عدد 21، الصادرة بتاريخ 08 مايو 1991، ص: 693.

[12]-  أخضع المشرع الجزائري المنازعة المتعلقة بتقدير التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العمومية، إلى نفس القواعد الإجرائية المقررة لدعاوى القضاء الكامل، رغم تميّزها عن باقي المنازعات المتعلقة بالتعويض عن مسؤولية أشخاص القانون العام، التي تثبت بوجود خطأ من جانب الإدارة، ذلك أنّ منازعات نزع الملكية تهدف إلى التعويض عن معاملة إجبارية  تمت بين شخص معنوي عام وصاحب الملكية المنزوعة، والتي تستوجب التعويض قانونا دون وجود خطأ، وبما أنها من دعاوى القضاء الكامل، فإن اختصاص الفصل فيها يعود إلى المحكمة الإدارية حسب المادة 801 و 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بما أن أحد طرفي المنازعة شخص معنوي عام، وهو أيضا ما دأب عليه القضاء الجزائري في عدة تطبيقات قضائية بهذا الشأن، للتوسع راجع: زوبير براحلية، "التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العمومية في التشريع الجزائري"، مذكرة ماجستير في القانون العقاري، كلية الحقوق، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2008، ص ص: 62-65.   

[13]-  تخضع المؤسسة المتعاقدة بصفة "بصفة متعامل متعاقد" ، لأحكام القانون العام ( القانون الإداري) في علاقاتها مع الدولة "المصلحة المتعاقدة"، وتخضع للأحكام القانون الخاص في علاقاتها مع الغير من أشخاص القانون الخاص.