المبحث الثالث: منازعات الصفقات العمومية

Site: Plateforme pédagogique de l'Université Sétif2
Course: الصفقات العمومية
Book: المبحث الثالث: منازعات الصفقات العمومية
Printed by: Guest user
Date: Tuesday, 17 May 2022, 4:36 PM

Description

يتضمن هذا الملف محتوى المحاضرة الثالثة من المقياس، بعنوان منازعات الصفقات العمومية، والمقسم إلى مطلبين حيث خصص المطلب الأول لتحديد كيفيات التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية، بينما خصص المطلب الثاني لبيان إجراءات التسوية القضائية لمنازعات الصفقات العمومية خلال مرحلتي الابرام والتنفيذ.

1. المطلب الأول: التسوية الودية للمنازعة

تجد التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية أساسها القانون في كل من تنظيم الصفقات العمومية الصادر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 15-247، الذي ينظم هذه الآلية بنصوص خاصة تحتم على المصلحة المتعاقدة أن تبحث وجوبا عن حل ودي لمنازعات الصفقات العمومية الناشئة خلال مرحلة التنفيذ، قبل كل مقاضاة أمام العدالة، كما تجد التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية أساسها القانون في النصوص العامة المنظمة لهذه الوسيلة في الكتاب الخامس قانون الاجراءات المدنية والإدارية رقم 08-09[1]، تحت اسم الطرق البديلة لحل النزاعات، والتي سنحدد أحكامها في الفرعين التاليين من هذا المطلب على ضوء ما نصت عليه المواد القانونية المؤسسة لآليات التسوية الودية للمنازعة القانونين المذكورين. 



[1] – القانون رقم 08-09، المؤرخ في 25 فبراير 2008، المتضمن قانون الاجراءات المدنية والادارية، ج ر عدد 21، صادرة بتاريخ 23 أبريل 2008.

1.1. الفرع الأول: التسوية الودية حسب قانون الصفقات العمومية

حدد تنظيم الصفقات العمومية أحكام التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية في القسم الحادي من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، الوارد ضمن أقسام الفصل الرابع المتعلق بتنفيذ الصفقات العمومية، حيث نصت المادة 153، من هذا القسم على أنه:" يجب على المصلحة المتعاقدة أن تدرج في دفتر الشروط اللجوء لاجراء التسوية الودية للنزاعات وهذا قبل كل مقاضاة أمام العدالة، وأنه يجب عليها أن تبحث على حل ودي للنزاعات التي تطرأ عند تنفيذ صفقاتها كلما سمح هذا الحل بــ/

 ايجاد التوازن للتكاليف المترتبة على كل طرف من الطرفين.

 التوصل إلى أسرع انجاز لموضوع الصفقة.

 الوصول إلى تسوية نهائية أسرع وبأقل تكلفة.

وفي حالة عدم اتفاق الطرفين يعرض النزاع أمام لجنة التسوية الودية للنزاعات المختصة، المنشأة بموجب أحكام المادة 154، لدراسته حسب الشروط المنصوص عليها في المادة 155، ويجب على اللجنة  أن تبحث على العناصر المتعلقة بالقانون أو الوقائع لايجاد حل ودي ومنصف حسب الشروط المذكورة لحل النزاعات الناجمة عن تنفيذ الصفقات العمومية والمطروحة أمامها، أما في حال منازعات تنفيذ الصفقات العمومية المبرمة مع متعاملين أجانب فتتم تسويتها الودية باللجوء إلى هيئة تحكيم دولية، بناء على اقتراح من الوزير المعني للموافقة المسبقة أثناء اجتماع الحكومة".

من تحليل نص هذه المادة نحدد ثلاث أساليب نصّ المشرع الجزائري اتباعها للوصول إلى حل ودي لمنازعات الصفقات العمومية وهي: التفاوض المباشر بين أطراف الصفقة، الطعن أمام لجنة التسوية الودية، الطعن أمام هيئة تحكيم دولية.

أولا/ التفاوض المباشر: من نص المادة المذكورة يظهر أن المشرع قد حدد  حالتين أساسيتين للتفاوض المباشر تتمثلان في: حالة فقدان التوازن المالي للعقد، وحالة تدارك التأخر في انجاز المشاريع، في حين فتح المجال واسعا للتفاوض المباشر، بين أطراف الصفقة في كل ما قد يثار بينهما من نزاع ما دام يمكن من خلال اجراء التفاوض المباشر أن يحقق تسوية نهائية للنزاع في أسرع وقت، وبأقل تكلفة،[1]

ثانيا/ التسوية الودية لمنازعة تنفيذ الصفقات العمومية أمام لجنة التسوية الودية: حددت المادتين من 154 و 155 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، مجال اختصاص لجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية الأحكام المنظمة لتشكيلة هذه اللجنة وكيفيات الطعن أمامها على النحو التالي:

1-   مجال اختصاص لجنة التسوية الودية: يتحدد الاختصاص النوعي للجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية حسب جنسية المتعامل المتعاقد، حيث يعقد لها الاختصاص بنظر الطعون المتعلقة بتنفيذ صفقات عمومية مبرمة مع متعاملين اقتصاديين جزائريين، والتي تختلف تشكيلتها حسب الحالة التي تحدد اختصاصها الاقليمي. 

2-   تشكيلة لجنة التسوية الودية: يعين أعضاء اللجان المختارون نظرا لكفاءتهم في الميدان المعني بموجب مقرر من مسؤول الهيئة العمومية أو الوزير أو الوالي المعني، ويمكن لرئيس اللجنة أن يستعين على سبيل الاستشارة بكل كفاءة من شأنها توضيح أشغال اللجنة، ويعين رئيس اللجنة بمقرر من ضمن الاعضاء، وتوضع أمانه اللجنة لدى رئيسها، أما تشكيلة لجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية المبرمة مع متعامليين اقتصاديين جزائريين، فتختلف باختلاف نطاق اختصاصها، والمحدد على مستويين:

أ‌-   لجنة التسوية الودية للنزاعات للوزارة والهيئة العمومية: حسب المادة 154 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، فإنه تنشأ لدى كل وزير ومسؤول هيئة عمومية تختص بدراسة نزاعات الادارة المركزية ومصالحها الخارجية، أو الهيئة العمومية والمؤسسات العمومية الوطنية التابعة لها، تتشكل من:

- ممثل عن الوزير أو مسؤول الهيئة رئيسا.

ممثل عن المصلحة المتعاقدة.

ممثل عن الوزارة المعنية بموضوع النزاع.

ممثل عن المديرية العامة للمحاسبة.

ب‌-   لحنة التسوية الودية للنزاعات في الولاية: تختص هذه اللجنة حسب نص المادة رقم 154 دائما بدراسة نزاعات الولاية والبلديات والمؤسسات العمومية المحلية التابعة لها والمصالح غير الممركزة للدولة، وتتشكل من:

ممثل عن الوالي رئيس.

ممثل عن المصلحة المتعاقدة.

ممثل عن المديرية التقنية للولاية المعنية بموضوع النزاع.

ممثل عن المحاسب العمومي المكلف. 

3-   كيفيات الطعن أمام لجنة التسوية الودية: حسب نص المادة 155، تبدأ اجراءات الطعن بتوجيه الشاكي (المتعامل المتعاقد أو المصلحة المتعاقدة)، إلى أمانة اللجنة تقريرا مفصلا مرفقا بكل وثيقة ثبوتية برسالة موصى عليها مع وصل استلام، كما يمكن ايداعه مقابل وصل استلام، وتدعى الجهة الشاكية من طرف رئيس اللجنة برسالة موصى عليها مع وصل استلام، لاعطاء رأيها في النزاع الذي وجب أن تبلغه لرئيس اللجنة كذلك برسالة موصى عليها مع وصل استلام في أجل أقصاه عشرة (10) أيام من تاريخ مراسلتها.

تؤدي دراسة النزاع في أجل أقصاه 30 يوما ابتداء من تاريخ جواب الطرف الخصم لرأي مبرر، ويمكن لللجنة أن تستمع لطرفي النزاع أو أن تطلب ابلاغهما بكل معلومة أو وثيقة من شأنها توضيح أعمالها، تؤخذ أراء اللجنة بأغلبية أصوات أعضاءها، ويرجح صوت الرئيس عند تعادل الاصوات.

يبلغ رأي اللجنة لطرفي النزاع بارسال موصى عليه مع وصل استلام، وترسل نسخة من هذا الرأي إلى سلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام.

تبلغ المصلحة المتعاقدة قرارها في رأي اللجنة للمتعامل المتعاقد في أجل أقصاه ثمانية 08 أيام تسري من تاريخ تبليغها برسالة موصى عليها مع وصل استلام، وتعلم اللجنة بذلك.

ثالثا/ التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية أمام هيئة التحكيم الدولية: يتم الطعن أمام هذه الهيئة وفقا للأحكام العامة المنظمة "للتحكيم الدولي[2]".

 سواء ما ورد منها في قانون الاجراءات المدنية والإدارية كما سيتم بيانها في الفرع التالي من هذا المطلب، أو ما حددته الاتفاقيات الدولية الثنائية والجماعية المصادق عليها، والتي تنظم العلاقات الدولية للدولة الجزائرية بباقي أشخاص القانون الدولي.



[1]  - من بين مواضيع أو حالات التفاوض بين أطراف النزاع قد نجد: سوء انجاز المتعامل المتعاقد للأشغال المتفق عليها في الصفقة، عدم احترام المتعامل المتعاقد لطرق انجاز الصفقة، عدم استعمال المواد المطلوبة أو الطريقة التقنية المتفق عليها، أنظر: فارس خنوش، النظام القانوني لصفقات المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، مذكرة لنيل شهادة التكوين لنيل إجارة المعهد الوطني للقضاء، الدفعة الرابعة عشر، 2006، ص46  وما بعدها.

[2]التحكيم الدولي: نظم المشرع الجزائري التحكيم الدولي دون أن يعرفه في المادة 1039، من القانون رقم 08-09، المصدر السابق، التي أخذ فيها بالمعيار الاقتصادي لتحديد دولية العقد محل التحكيم، وبالتالي "دولية التحكيم"، المتمثل في انتقال رؤوس الأموال والخدمات بين الدول، متراجعا بذلك عن المعيار المختلط، الذي يجمع بين المعيار الاقتصادي المذكور والمعيار القانوني المتمثل في وجود عنصر أجنبي في العلاقة، أو ما يسمى كذلك بمعيار الجنسية، للتوسع حول هاذين المعيارين، راجع: خالد شويرب، "القانون الواجب التطبيق على العقد التجاري الدولي"، أطروحة دكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق، جامعة بن يوسف بن خدة، 2008/2009، ص ص: 14-21.

1.2. الفرع الثاني: تسوية الودية حسب قانون الاجراءات المدنية والادارية

ينص تنظيم الصفقات العمومية رقم 15-247 في مادته 153، على أن تسوى النزاعات التي تطرأ عند تنفيذ الصفقة في إطار الأحكام التشريعية والتنظيمية المعمول بها، بمعنى مجموعة القواعد القانونية التي تحكم نزاعات تنفيذ العقود الإدارية بصفة عامة منها عقد الصفقة العمومية، والتي نجد على رأسها، قانون الإجراءات المدنية والإدارية الذي يمثل الشريعة العامة المنظمة لعملية التقاضي أمام الجهات القضائية الإدارية والعادية في الجزائر وما جاء به من آليات قضائية لفض مثل هذه النزاعات.

     وفي نفس الاطار ألزم نص المادة المذكورة المصلحة المتعاقدة مخاطبا إياها على وجه التحديد كشخص من أشخاص القانون العام ومطالبة قبل الطرف الآخر المتعاقد معها والذي غالبا ما يكون من أشخاص القانون الخاص، بالبحث عن حل ودي كأولوية قبل اللجوء إلى الحل القضائي كلما سمح هذا الحل بتحقيق الغايات المنصوص عليها في المادة المذكورة كما سبق تحديدها.

كما نلاحظ أن القانون أورد مصطلح "حل ودي" بصيغة عامة ودون تخصيص لطريقة حل ودّية معيّنة، مما يفيد أن كل الطرق الودية (أو الحلول البديلة المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية والإدارية من صلح ووساطة وتحكيم) هي حلول قانونية يعتمدها هذا القانون ويحيل كيفية إعمالها و تنظيمها لقانون إ. م. إ  الشريعة العامة، وهو ما ستتم دراسته خلال هذا الفرع.

أولا/ آلية الصلح: الصلح إجراء يقرّه التشريع الجزائري في الكثير من النصوص القانونية إلى أن تصدي المشرع الجزائري للصلح في قانون إ م إ رقم 08- 09،  يأخذ طابع إجرائي في حين نجد أن الصلح الوارد في القانون المدني ذو طابع موضوعي[1]، لا يوفر أية توضيح لكيفيات مباشرته[2]، كما يتضح من نص المادة 970 من القانون 08-09 أن الصلح المعمول به في دعاوى الصفقات العمومية كإحدى أنواع دعاوى القضاء الكامل هو صلح قضائي كونه يتم بعد رفع الدعوى أمام الجهات القضائية الإدارية ويتم تحت إشراف القاضي الإداري[3].

وجواز الصلح في مادة القضاء الكامل معناه جواز الصلح بالنسبة للتعويض جبرا للضرر في مادة الصفقات العمومية وهو ما يتوافق ونص 153 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247 المنظم للصفقات العمومية، وبالمقابل عدم جوازه في دعاوى الإلغاء بمعنى إعمال الصلح في مرحلة تنفيذ الصفقة العامة وليس في مرحلة إبرامها، كما أنه وإن كان النص على إعمال الصلح جوازيا في مفهوم قانون إ م إ (08- 09) فإنه يأخذ طابع إلزامي في مفهوم قانون الصفقات العمومية لأن المصلحة المتعاقدة ملزمة بإعمال الحل الودي قبل اللجوء إلى القضاء.

1-  تعريف الصلح: لقد عرف المشرع الجزائري الصلح في المادة 459 من القانون المدني بأنه[4] "عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو يتوقعان به نزاعا محتملا، وذلك بأن يتنازل كلا منهما على وجه التبادل عن حقه".[5]

2-  اجراءات الصلح: لم يحدد المشرع إجراءات خاصة يتم بموجبها الصلح، إنما فتح المجال واسعا أمام القاضي وفقا لما يراه مناسبا، إلا أن العملية الصلحية تخضع لجملة من الإجرائية باعتبارها تدخل ضمن ما تتطلبه كل عملية قضائية من تسجيل واتصال بالقاضي ثم إدارة الجلسة وصولا للنطق بالحكم.

 وقد أخذ المشرع الجزائري بالنسبة للصلح بالمبادئ المقررة في قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، إذ أن إغفال الصلح وفقا لما نص عليه قانون إ م إ رقم 08- 09، لا يؤدي إلى بطلان الدعوى، لأن المبادرة بالصلح في حسب هذا القانون جوازية سواء تم التصالح بين المصلحة المتعاقدة والمتعامل المتعاقد تلقائيا أو بسعي من القاضي وفي أي مرحلة تكون  عليها الدعوى حسب ما ورد في المادتين 972 و 990[6].

 أثر تحديد الزمان والمكان في عقد مجلس الصلح: بشأن تحديد عنصر الزمان والمكان في آلية الصلح نصت المادة 991 على أن "تتم محاولة الصلح في المكان والوقت الذي يراهما القاضي مناسبين ما لم توجد نصوص أخرى خاصة في القانون تقرر خلاف ذلك"، وبما أن قانون الصفقات العمومية الساري المفعول لم يحدد بنص خاص مكان وزمان معنيين لإعمال الصلح، تبقى السلطة التقديرية واسعة لقاضي النزاع في تحديدهما ولأن هذا الصلح قضائي بطبيعة فلا يتصور مكان آخر غير دار القرار يتم فيه، أما خاصية تحديد الزمن في الصلح فمتعلقه بوجوبيته[7]، إذ لو كان إجراء وجوبي لكان محدد المدة كما هو الحال بالنسبة للوساطة حاليا وكما كان عليه الحال بالنسبة للصلح قبلا إذ كان خلال الثلاثة أشهر الأولى حسب قانون الإجراءات المدنية الملغى.

 أثر حضور وغياب الاطراف على سير عملية الصلح: إن عدم حضور أحد الأطراف لا يعني إلا رفضه للصلح، كما لا يمكن للقاضي شطب الدعوى على هذا الأساس، وطالما أن المدعي هو الذي أودع صحيفة الدعوى فالخصومة بالنسبة له تكون حضورية، لعلمه سلفا بقيام الخصومة، لهذا فغياب المدعي لا يؤثر في الصلح ما دامت طلباته موجودة، فيصبح القاضي كأنه موكل من الطرف الغائب ويقرر باسمه ما توصل إليه في العملية الصلحية.

أما في حالة غياب المدعي عليه فيثبت عدم الصلح.[8]

اختتام عملية الصلح: يثبت الصلح في محضر يوقع عليه الخصوم والقاضي وأمين الضبط ويودع بأمانة ضبط الجهة القضائية حسب مقتضيات المادة 992( 08- 09)[9] ، يبين القاضي في هذا المحضر ما تم الاتفاق عليه ويأمر بتسوية النزاع وغلق الملف ويكون هذا الأمر غير قابل لأي طعن وهو ما أفادت به م 973(08- 09)[10] .

إذن فحسب المادة الأخيرة فإن الصلح في المادة الإدارية ومنها الصفقات العمومية ينتهي بأمر من رئيس التشكيلة، بالإضافة إلى المحضر الذي ثبت فيه الاتفاق، ودون هذا الأمر يكون المحضر مجرد عمل مادي لا يرتب أي أثر عمل عكس الصلح في المواد المدنية فالخصومة التي تنتهي بالصلح لا يصدر بشأنها حكم قضائي، إنما يحل المحضر المثبت للصلح محل الحكم القضائي وهو ما أفادت به   م 992 (08-09) [11].

3-  مدى رقابة القضاء على العملية الصلحية: إلى جانب إسناد مهمة إدارة الصلح للقاضي نفسه فإن القانون وفي المادة الإدارية على وجه الخصوص، فرض طرفا منظما هو النيابة العامة، وذلك كون المصالح المتنازع حولها تستدعي وجوب حضور الإدارة و التي هي ذات طابع عمومي، بالإضافة إلى أن القانون في عملية الصلح انتدب طرفا من إدارة القضاء يسهر على تدوين محضر الصلح كضمانة أخرى على الحياد والموضوعية وهو كاتب الضبط.

ثانيا/ آلية الوساطة: الوساطة حسب المادة 994، من القانون رقم 08-09، إجراء وجوبي فهي عكس الصلح، على القاضي القيام بها في الجلسة الأولى عن طريق عرضها على الخصوم.

1- تعريف الوساطة: يعرف الشرع الجزائري الوساطة في القانون رقم رقم 90-02، المتعلق بالوقاية من النزاعات الجماعية في العمل وتسويتها وممارسة حق الإضراب في المادة 10 منه بأنها: " إجراء يتفق بموجبه طرفا الخلاف الجماعي على إسناد مهمة اقتراح تسوية ودية للنزاع إلى شخص من الغير يدعى الوسيط يشتركان في تعيينه"، والملاحظ أن المشرع الفرنسي لم يعرف الوساطة، ولا عرفها المشرع الأردني رغم التجربة الأردنية الرائدة في مجال الوساطة[12]، وهذا لأن المشرع غالبا ما يترك التعريف للفقه او القضاء حتى لا يفيق من مفهوم النص وهو ما تبناه المشرع الجزائري من في كل من تنظيم الصفقات العمومية و قانون الاجراءات المدنية والادارية الساريي المفعول.

2-التنظيم القانوني لعملية الوساطة: نظم المشرع الجزائري اجراء الوساطة في المواد من 994 إلى 1005 من قانون إ م إ رقم 08- 09،  والمتعلقة لاسيما بــتحديد الشروط التي تحكم الوساطة، مثل الشروط الشكلية والموضوعية المتعلقة باختيار وتعيين الوسيط، و الأحكام النوعية المنظمة إجراء الوساطة كالمدة ونطاق أعمالها، حيث:

 حددت مدة الوساطة بثلاثة أشهر قابلة للتجديد لنفس المدة ولمرة واحدة فقط بطلب من الوسيط إذا اقتضى عمله ذلك، شرط موافقة الخصوم إلا أن التمديد يبقى محض سلطة تقديرية للقاضي[13].

أما عن نطاقها فهو يتحدد من جانبين هما:

جانب يتعلق بنوع النزاع القائم: وهو ما نصت عليه المادة 994 حيث استثنت  فقط قضايا الأسرة والقضايا العمالية من نطاق أعمال الوساطة على اعتبار إن لها إجراءات خاصة بها وأيضا نصت على عدم جوازها في كل ما من شأنه أن يمس بالنظام العام([14]) مما يفيد أن الوساطة في غير هذه المواد جائزة ومن بينها مادة العقود الإدارية بوجه عام ومادة الصفقات العمومية على وجه الخصوص.

جانب يتعلق بمدى امتداد الوساطة لتشمل كامل عناصر النزاع: أم أنها تشمل فقط جزء منه تنصب عليه[15].

رقابة القاضي على سير عملية الوساطة: يمكن للقاضي في أي وقت إنهاء الوساطة بطلب من الوسيط أو من الخصوم، كما يمكن له إنهائها تلقائيا إذا تبين له استحالة السير الحسن لها، ويجب في جميع الحالات التي ينتهي فيها القاضي عملية الوساطة أن ترجع القضية إلى الجلسة ويستدعى الوسيط والخصوم عن طريق أمانة الضبط، ويجب أن ترجع القضية للجدول بالتاريخ المحدد لها مسبقا من قبل القاضي[16]، و يبسط القاضي رقابته على سير عملية الوساطة في كل مراحلها على النحو التالي:

خلال المرحلة التمهيدية: يملك القاضي خلال هذه المرحلة سلطة المبادرة بعرضها على الخصوم، وتكييف نوع النزاع و فيما إذا كان ضمن الاستثناءات الواردة على إعمال الوساطة أم لا ثم تعيين الوسيط وتحديد مدة الوساطة.[17]

 خلال مرحلة المفاوضات: والتي تبدأ بمجرد نطق القاضي بالأمر المتضمن تعيين الوسيط أين يقوم أمين الضبط بتبليغ نسخة منه للخصوم ونسخة للوسيط الذي يخطر القاضي بقبوله مهمة الوساطة دون تأخير ويدعوا الخصوم إلى أول لقاء للوساطة.[18] ، وفي هذه المرحلة يجوز للوسيط بعد موافقة الخصوم سماع كل شخص يقبل ذلك ويرى في سماعه فائدة لتسوية النزاع، ويخطر القاضي بكل الصعوبات التي تعرضه في مهمته.

 مرحلة اختتام عملية الوساطة: أيضا تحت رقابة القاضي حيث يخبره الوسيط بانتهاء مهمته كتابيا وبما توصل إليه الخصوم من اتفاق أو عدمه، وبعد أن يحرر الوسيط محضر يضمنه محتوى الاتفاق ويوقعه والخصوم، ترجع القضية أمام القاضي في التاريخ المحدد لها مسبقا، ليقوم القاضي بالمصادقة على المحضر المتفق فيه بموجب أمر غير قابل لأي طعن[19].

ثالثا/ آلية التحكيم: التحكيم اصطلاح عام تقترن به مسميات فرعية يختلف معناه في إطارها بحسب نوع المنازعة التي يراد حسمها عن طريقه فيرد بأشكال مختلفة، كالتحكيم التجاري أو التحكيم الدولي، أو التحكيم الإداري...وهكذا[20]، والمشرع الجزائري لم يتعرض لتعريف التحكيم في المادة الإدارية عامة ولا في مجال الصفقات العمومية على وجه الخصوص تاركا ذلك للفقه والقضاء[21].

1-  الاساس القانوني لاعمال التحكيم في مادة الصفقات العمومية:  ويستند أعمال التحكيم في الصفقات العمومية إلى المادة 153 من قانون الصفقات العمومية رقم  15-247 الساري المفعول، السالفة الذكر،  كما يجد أساسه القانوني في المادة 75 ومن القانون رقم 08-09، التي تنص على أنه: "لا يجوز للأشخاص المذكورة في المادة 800 أعلاه[22]، أن تجري تحكيما إلا في الحالات الواردة في الاتفاقيات الدولية التي صادفت عليها الجزائر وفي مادة الصفقات العمومية".

     يتضح من استقراء نص المادة الأخيرة أنه إذا كان أحد أطراف الصفقة العامة المبرمة واحد من الأشخاص المعنوية العامة الوارد ذكرهم في المادة 800 من القانون رقم 08-09، على سبيل الحصر أمكنها إعمال التحكيم في النزاع القائم أثناء تنفيذ الصفقة،  ومنه فان المشرع الجزائري أجاز إعمال التحكيم بصراحة النص، بل وألزم به المصلحة المتعاقدة في مجال الصفقات العمومية على سبيل التحديد.

     والمشرع الجزائري أقر التحكيم بصورتيه، والصورة الأسبق ظهورا هي شرط التحكيم، حسب المادة 1007 من القانون رقم 08-09، حيث يتحقق بوجود الشرط الذي يتفق بمقتضاه متعاقدي الصفقة العامة مسبقا في بنود العقد، على عرض النزاعات التي  قد تنشأ بينهم على محكمين، إذ أن شرط التحكيم في هذه الحالة متعلق بنزاع محتمل وذو طبيعة غير محددة.

     أما الصورة الثانية فنصت عليها المادة 1011  من القانون المذكور صراحة ، وهي اتفاق بين الأطراف بمناسبة نزاع معين قائم يلتزمون بمقتضاه بعرض هذا النزاع على المحكم.

2- شروط التحكيم: نظرا لأهمية التحكيم وضع المشرع شروط صارمة لصحته تتمثل في:

الشروط الشكلية لصحة اتفاق التحكيم: والمتعلقة بشروط تعيين المحكمين، وانهاء مهامهم وعددهم، وشرط الكتابة وتحديد تاريخ التحكيم، شرط تعيين موضوع النزاع[23]

 الشروط الموضوعية لصحة اتفاق التحكيم: والمتعلقة بشرط الاهلية الخاصة بأطراف النزاع الممثلين في المتعامل المتعاقد والمصلحة المتعاقدة، وكذا أهلية الوكيل، شرط المحل والمتمثل في عنصر الخلاف القائم بين الطرفين[24].

3-  سير الخصومة التحكيمية: نظم القانون الخصومة التحكيمية باعتبار أن التحكيم هو المنهج في تحقيق العدالة شأنه شأن القضاء العام في الدولة، فنص القانون رقم 08-09 على بعض الأحكام الخاصة بالأعمال الإجرائية في خصومة التحكيم، بعد تأكيده في المادة 1019 على أن تطبق على الخصومة التحكيمية الأوضاع والآجال المقررة أمام الجهات القضائية ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك.

أ‌- تقديم الطلب: الذي يقدم أمام محكمة التحكيم وإيداع الوثائق والمذكرات من قبل المدعي (المحكم) ويتم التبليغ الرسمي  للمدعي عليه (الخصوم) وتوقع هذه الطلبات من قبل الممثل القانوني للدولة إذا كانت هي المصلحة المتعاقدة كطرف بالصفقة والخصومة كشخص معنوي عام لما نصت عليه المواد 976، 228 رقم 08-09.

وقد حددت المادة 15  بيانات الطلب، أما عن تحديد مكان التحكيم؛ فيجوز أن يجرى في أي مكان يتفق عليه الخصوم وإلا تحدد هيئة التحكيم المكان الأنسب لظروف الدعوى وملائمة المكان لأطرافها، في حين ألزمت المادة 8 من قانون إ م إ أن تكون لغة الإجراءات في العرائض والمذكرات باللغة العربية، و تبدأ الإجراءات منذ تسلم المدعي عليه طلب التحكيم الذي يحرر كتابيا بورقة تسلم إليه أو تعلن له وفقا لأحكام المادة 09  ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

ب‌-   سير الجلسات: تسهيلا للإجراءات لا بد من أن تجري جلسات تمهيدية كإجراءات منظمة لعملية التحكيم قبل البدء في جلسات المرافعة التحكيمية، والتي تبدأ بعد استنفاذ إجراءات الطلبات ووجود كل البيانات المتفق عليها من الأطراف وتطبق عليها قواعد الحضور والغياب المنصوص عليه في المادة 1019 فيما يخص الأطراف ما لم يتفق على خلاف ذلك.

 حيث أن هيئة التحكيم بغياب الأطراف تستكمل إجراءاتها معتمدة في ذلك على الوقائع والأدلة الإثباتية، لكن إن لم يكن هناك اتفاق معين، تعود المحكمة التحكيمية للقواعد والأحكام العامة فيلزم هنا أن يكون التكليف بالحضور على شكل وبيانات محددة كما حددتها المواد 18، 20 من القانون 08-09،  أما فيما يخص حضور المحكمين فقد ألزم المشرع الجزائري جميع المحكمين بالحضور، حسب المادة 1020، حيث تنجز محاضر التحكيم وأعمال التحقيق من قبل جميع المحكمين إلا إذا اتفق الطرفان على ندب أحدهم للقيام بذلك.

بالنسبة للإثبات في خصومة التحكيم، فنشير إلى أنه يخضع إلى وسائل الإثبات المقررة في القواعد العامة المعمول بها في قضاء الدولة، إلا أن المحكم قد لا يطبق وسائل الإثبات كما هي بل قد يديرها بما يتلاءم مع أوضاع وظروف كل قضية، دون أن تكون له سلطة وحرية مطلقة بحيث لا يخرج عن المبادئ العامة المقررة والمتمثلة في: ندب الخبرة، الأدلة الكتابية، المعاينة، شهادة الشهود.[25]

ت‌-  حسم النزاع ونهاية الخصومة: تلزم محكمة التحكيم بنظر المنازعة والفصل في موضوعها وإذا حكمت في الموضوع الذي تختص بنظره دون الالتزام بأعمال التحقيق والمحاضر المكلفة بإرسائها لأجل فض النزاع، ولو باتفاق من الأطراف تعرض قرارها للبطلان وكان منعدما لا يحوز أية حجية، و حكم التحكيم في مجال الصفقة العامة يخضع لأحكام وقواعد خاصة حددها المشرع في تحرير حكم التحكيم والآثار المترتبة على هذا الحكم، الذي يحوز بمجرد صدوره حجية الأمر المقضي[26] .

ث‌-  تنفيذ الحكم التحكيمي: إذا قام المحكوم عليه بتنفيذ الحكم اختياريا وأعلن إرادته الواضحة في ذلك فهو يعتبر قابلا لحكم التحكيم، إلا أنه قد يمتنع عن ذلك فيضطر المحكوم له إلى تنفيذه جبرا وهذا ما يحتاج إلى سند وإجراء تنفيذي حتى يكون حكم التحكيم قابلا للتنفيذ الجبري.

 وهنا صرح المشرع بأنواع حكم التحكيم التي قد تكون: إما قرارات تمهيدية، أو حكم جزئي، أو أن يكون الحكم التحكيمي حكما نهائيا[27]، والتي تكون قابلة للتنفيذ بأمر من رئيس المحكمة التي صدر في دائرة اختصاصها هذا الحكم، حيث يكون هذا الاخير هو صاحب الاختصاص في تنفيذ حكم التحكيم، كما أن أحكام التحكيم تكون مشمولة بالنفاذ المعجل أسوة بالأحكام القضائية إذ تطلب الأمر ذلك وتطبق عليها نص القواعد المتعلقة بالأحكام القضائية عند نفاذها المعجل الواردة في المادة 1037.

ج‌-  طرق الطعن المقررة في الحكم التحكيمي: أخضع المشرع الجزائري الحكم التحكيمي، حسب المادة 1032 من قانون إ. م. إ لطرق الطعن المقررة للأحكام القضائية كما يوجد طريق خاص للطعن في مجال التحكيم وهو ما يسمى، بالمعارضة في أمر التنفيذ رغم أن الأصل في أحكام التحكيم أنها غير قابلة للمعارضة.



[1]  - للتوسع أكثر راجع: نبيل صقر، الوسيط في شرح ق إم، الصلح، الوساطة، التحكيم، دار الهدى للنشر، الجزائر، 2008، ص 542.

[2]  - أنظر: بربارة عبد الرحمن، شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم (08- 09)، منشورات بغدادي، الجزائر، الطبعة الأولى، 2009، ص 518.

[3]   - أنظر: الأنصاري حسن النيداني، الصلح القضائي، دار الجامعة الجديدة للنشر ، مصر، 2001، ص 134.

[4]   - المادة 459 من القانون رقم 05- 10، المؤرخ في 20 يونيو 2005، المعدل والمتمم للأمر رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم، ج ر عدد 44، صادرة بتاريخ 26 يونيو 2005.

[5]   - أما الصلح لغة فيعني إنهاء الخصومة، فنقول صالحه وصلاحا وصافاه، ونقول صالحه على الشيء أي سلك معه  مسلك المسالمة في الاتفاق، وصلح الشيء إذا زال عنه الفساد، كما عرفته الأستاذة ابتسام القدام في مؤلفها المصطلحات القانونية في التشريع الجزائري بأنه : " عقد ينهي به الطرفان نزاعا قائما أو محتملا وذلك من خلال التنازل المتبادل ".

[6]  - حيث تنص المادة  972، من القانون رقم  08- 09، المصدر السابق على أنه: " يتم إجراء الصلح بسعي من الخصوم أو بمبادرة من رئيس تشكيلة الحكم، وتنص المادة 990 ، من نفس المصدر على أنه " يجوز للخصوم التصالح تلقائيا أو بسعي من القاضي في جميع  مراحل الخصومة  بعد موافقة الخصوم".

[7] -  بن صاولة شفيقة، الصلح في المادة الإدارية، دار هومة، الجزائر، 2006، ص 154.

[8]   -  بن صاولة شفيقة، المرجع السابق، ص 129.

[9]   - انظر: المادة 993، من القانون رقم  08- 09، المصدر السابق.

[10]   - أنظر: المادة 973 ، من نفس المصدر.

[11]   - أنظر: بربارة عبد الرحمن، شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم (08- 09) المؤرخ في 23 فيفري 2008، منشورات بغدادي، الجزائر، الطبعة الأولى، 2009، ص 522.

[12]   - للتوسع أكثر راجع- بشير الصليبي، الحلول البديلة للنزاعات المدنية ، دار وائل للنشر ، الطبعة الأولى، الأردن، 2010، ص 15.

[13]  - أنظر: المادة 994، من القانون رقم  08- 09، المصدر السابق.

[14]   - انظر:  المادة 996 من نفس المصدر.

[15]   - أنظر:  المادة 995 من نفس المصدر.

[16]   - أنظر:  المادتين 1002 و 1003 من نفس المصدر.

[17]   - أنظر: المواد 994 و995 و 996 من نفس المصدر.

[18]   - أنظر: المادة 1000 من القانون رقم  08- 09، المصدر السابق.

[19]   - أنظر: المادتين 1003 و1004 من نفس المصدر.

[20]   - خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الخضير، التحكيم في العقود الإدارية في الفقه الإسلامي والنظم المعاصرة مع دراسة تطبيقية للنظام السعودي، مذكرة نهاية التربص لنيل شهادة الماجستير، المملكة العربية السعودية، ص 66.

[21]  - "يمكن تعريفه بأنه وسيلة قانونية تلجأ إليها الدولة أو احد الأشخاص المعنوية العامة الأخرى لتسوية كل أو بعض المنازعات الناشئة عن علاقاتها القانونية ذات الطابع الاداري عقدية كانت أم غير عقدية فيما بينها، أو بينها وبين أحد أشخاص القانون الخاص الوطنية أو الأجنبية"، أنظر: عبد العزيز عبد المنعم خليفة، التحكيم في منازعات العقود الإدارية الداخلية والدولية، الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي، مصر، 2006، ص 14.

[22]   - تنص المادة 800 من القانون رقم 08-09، المصدر السابق، على أنه: "المحاكم الإدارية في جهات الولاية العامة في المنازعات الإدارية تختص بالفصل في أول درجة بحكم قابل للاستئناف في جميع القضايا التي تكون الدولة أو الولاية أو البلدية أو إحدى المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية" .

[23]   - أنظر: المواد 1015 و 1012 و 1008 و 1009 و 1016 و 1010، من القانون رقم 08-09، المصدر السابق.

[24]   - أنظر: المواد 976 و  1006 و 1007 و 1011، من نفس المصدر.

[25]  -  ريحاني أمينة، حيتوس صبرينة، مذكرة ليسانس، نظام التحكيم في منازعات الصفقات العمومية على ضوء قانون إ. م إ، جامعة بسكرة، 2009، ص 47. 

[26] -  تحوز أحكام المحكمين حجية الشيء المقضي به، وهي حجية تتعلق بحماية المصلحة الخاصة، وتبقى هذه حجية مطلقة على أطراف التحكيم فقط، فلا يحتج بأحكام التحكيم على من لم يكن طرفا في الخصومة التي صدر حكم التحكيم فيها، أنظر: المادة 1038 من القانون رقم 08-09 ، المصدر السابق.

[27] - القرارات التمهيدية : هي أحكام لا تفصل في موضوع النزاع كليا أو جزئيا فهي غير منهية للخصومة بل ترمي الى التمهيد لاصدار حكم موضوعي أو وقتي – مستعجل- ومن خلال موافقة اطراف النزاع توصي محكمة التحكيم أو تامر باجراء وقتي أو مستعجل قبل اصدار حكمها، يستعمل لاغراض معينة على ان يتحول الى حكم دائم إذا تم أداء العمل بشكل مقبول .

- الحكم الجزئي : هو حكم غير منهي للخصومة ،فاصل في الموضوع عندما تتعلق بطلبات متعلقة بالتاخيرأو كمية ماتم تنفيذه في موضوع النزاع ، فيتضمن على وجه التحديد الجزء من الطلب الذي فصل فيه مع استمرار محكمة التحكيم في النظر في باقي المسائل لذلك فالحكم الجزئي لا ينهي ولاية المحكم ويمكن اعادة النظر فيما تم النظر فيه مرة اخرى ، ولا يشترط لمارسة هذه السلطة اصدار احكامها باتفاق الاطراف ، الا انه يجوز حرمانها من ذلك باتفاقهم.

- الحكم النهائي : هو الحكم المنهي للنزاع بصورة نهائية والحائز على حجية الشيء المقضي فيه.

2. المطلب الثاني: تسوية القضائية للمنازعة

نشير بداية بشأن تحديد قواعد الاختصاص إلى أن: جهة القضاء الاداري هي من تختص بالفصل في المنازعة المتعلقة بعقد الصفقة العمومية، ضمن نطاق محدد يشكل نطاق اختصاص القضاء الإداري في هذا المجال، والذي يعقد خارجه الاختصاص بالفصل في بعض منازعات هذا العقد استثناء لجهة القضاء العادي، وتحديدا القاضي المدني والقاضي الجزائي، ويستند مبدأ اختصاص القاضي الإداري بالفصل في المنازعات المتعلقة بعقود الصفقات العمومية إلى نصوص قانونية مختلفة منها ما يجد أساسه في النصوص الخاصة المنظمة للعقد، ومنها ما يستند للأحكام العامة، التي تحدد الاختصاص النوعي في المادة الإدارية في الجزائر[1]، والتي نجدها ترتكز على المعيار العضوي.

 وعلى هذا الاساس يختص القاضي الإداري بالفصل في منازعات عقد الصفقة العمومية، التزاما بالمعيار العضوي المكرس تشريعيا[2]، باعتبار أن أحد أطرافها بالضرورة شخص من أشخاص القانون العام المذكورة في المادة 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية،  ممثلا في المصلحة المتعاقدة سواء كانت الدولة أو البلدية، أما حسب قواعد الاختصاص الإقليمي، فقد أُوكل الاختصاص في مادة العقود الإدارية، تحديدا للمحكمة الإدارية، التي تم في دائرة اختصاصها إبرام العقد[3]، ومن المسلم به أن منازعات العقود الإدارية، ومن بينها عقد الصفقة العمومية، بعد تكوين الرابطة العقدية أي خلال مرحلة تنفيذ العقد تؤول أساسا إلى اختصاص قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل.

 ومع هذا نجد في منازعات العقود الإدارية، ما يعقد الاختصاص في بعض حالاتها وضمن شروطها الخاصة إلى قاضي الإلغاء، وذلك قبل تكوين الرابطة العقدية أي خلال مرحلة الابرام.



[1] -  تحدد هذه القواعد النصوص التالية: المادة 9 من، القانون العضوي، رقم 98-01 المؤرخ في 30-05-1998، المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله، ج ر عدد 37، الصادرة بتاريخ 01 يونيو 1998، ص:3، المعدل والمتمم.

-      المادة الأولى من القانون، رقم 98-02، المؤرخ في 30 مايو 1998، المتعلق بالمحاكم الإدارية، ج ر عدد 37، الصادرة بتاريخ 01 يونيو 1998، ص:8.

-  المادة 800، من القانون، رقم 08-09، المصدر السابق.

-   للتوسع حول: توزيع قواعد الاختصاص النوعي بين القـانون العضـوي المتعلق بمجلس الدولة والقانون المتعلق بالمحكمة الإدارية، وقانون الإجراءات المدنية والإدارية، راجع: عمار بوضياف، (المعيار العضوي وإشكالاته القانونية في ضوء قانون الإجراءات المدنية والإدارية)، دفاتر السياسة والقانون، العدد 5، جوان 2011، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، ص ص: 11-25.

-   أما للنظر في التطبيقات القضائية للاختصاص النوعي لمجلس الدولة، أنظر: حيثيات قرار غبر منشور لمجلس الدولة  الجزائري، صادر بتاريخ 26/07/1999، في قضية ساطوح أحمد ضد مديرية التربية لولاية سكيكدة، عن مرجع : لحسين بن الشيخ آث ملويا، المنتقى في قضاء مجلس الدولة، المرجع السابق، ص ص: 177- 179.

[2] -  أنظر: حسين فريجة، المبادئ الأساسية في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ط 02، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013، ص: 341.

-   وهو نفس الاتجاه الذي كان المشرع يأخذ به في قانون الإجراءات المدنية القديم في مادته رقم 7 مكرر، أنظر: مسعود شيهوب، النظرية العامة للمنازعات الإدارية (نظرية الاختصاص)، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999، ص350 وما بعدها.

-   أنظر: رمزي حوحو، أحمد صابر حوحو، (معيار الاختصاص في المنازعة الإدارية )، مجلة المنتدى القانوني، العدد 03، ماي 2006، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، ص: 128 وما بعدها.

[3] -  خلافا لنص المادة 803 من القانون، رقم 08-09، المصدر السابق، المحددة للاختصاص الإقليمي بالإحالة إلى المادتين 37 و38 والمحدد بموطن المدعى عليه، فإن المادة 804 حددت وجوبا في مادة العقود الإدارية مهما كانت طبيعتها، رفع الدعوى أمام المحكمة التي يقع في دائرة اختصاصها مكان إبرام العقد أو تنفيذه.

2.1. الفرع الأول: تسوية القضائية للمنازعات الناشئة خلال مرحلة ابرام الصفقة العمومية

يعقد الاختصاص بالفصل في المنازعة خلال هذه المرحلة، للقاضي الاداري، بموجب دعوى الغاء محلها قرار اداري صادر ضمن اجراءات ابرام العقد، باعتبار أن الرابطة العقدية لم تنشأ بعد، كما أنه خلال هذه المرحلة قد تثار بشأن ابرام عقد دعوى استعجالية يختص بالفصل فيها القاضي الاستعجالي، أو تثبت حالة من حالات الفساد أو التجاوز المخل بأحد شروط أو مبادئ ابرام الصفقة العمومية، ما يشكل أحد جرائم الفساد المتعلقة بابرام عقد الصفقة العمومية، والتي تعقد الاختصاص للقاضي الجزائي بالنظر في الدعوى المرفوعة بمناسبتها، وهو ما سنحدده في عناصر هذا الفرع على النحو التالي:  

أولا/ عقد الاختصاص لقاضي الالغاء بالنظر في منازعات إبرام الصفقات العمومية: إن الطبيعة العقدية للعمل القانوني تحول دون إمكانية الطعن فيه بالإلغاء[1]، ذلك أن دعوى الإلغاء تنصب على قرار إداري، أما العقد الإداري فيجد مجاله في دعاوى القضاء الكامل، وعليه لا يجوز مبدئيا قبول دعوى الإلغاء ضد القرارات التي تتعلق بالعقود الإدارية، إلا انه استثناء، يمكن رفع دعوى الإلغاء ضد القرارات الإدارية الممهدة لعملية التعاقد الصادرة لإتمام عملية الإبرام، كالقرارات التي تستهدف التمهيد لإبرام العقد، أو السماح بإبرامه أو تحول دون ذلك[2]، على اعتبار أن العملية العقدية عملية مركبة ومتكاملة تسهم في صنعها أعمال قانونية تتوافر فيها صفة القرار الإداري، والتي يمكن النظر إلى كل منها بشكل مستقل، وبالتالي قبول دعوى الإلغاء المرفوعة بشأنها، إذ تجوز مخاصمتها إذا شابها وجه من أوجه اللامشروعية إعمالا لنظرية القرار الإداري المنفصل[3]، فترفع ضدها دعوى الإلغاء بصورة مستقلة عن العقد[4] .

أما القرارات التي تصدر بعد قيام الرابطة التعاقدية سواء كانت بصدد تنفيذه أو استندت في إصدارها لنصوصه فهي قرارات ترتبط بالعقد ارتباط الجزء بالكل، الأمر الذي يحول دون إمكانية الطعن فيها بالإلغاء استقلالا عن العقد، وبالتالي لا يمكن للمتعاقد إلا أن يرفع بشأنها دعوى التعويض، بالاستناد إلى مركزه الشخصي أمام قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل، وعليه لا يمكن الطعن بالإلغاء في القرارات الإدارية المتصلة بالعقد الإداري في مرحلة تنفيذه، من طرف المتعاقد إلا إذا أصدرت الإدارة المتعاقدة هذه القرارات بوصفها سلطة عامة كسلطة ضبط مثلا وليست باعتبارها طرفا متعاقد[5].

في حين يمكن للغير أن يرفع دعوى الإلغاء ضد تلك القرارات التي تمس بحقوقهم ومراكزهم، على أساس أنّ هذا الغير، لا يمكنه رفع دعوى تعويض نزولا عند نسبية أثار العقد، وشخصية دعاوى التعويض، باعتبارها من دعاوى القضاء الكامل، وبالتالي تكون قابلة للطعن فيها بالإلغاء ضمانا لحقوق الغير، وذلك متى تم المساس بحقوقهم من طرف الإدارة المتعاقدة بوصفها طرفا في العقد[6].

ثانيا/ مجال اختصاص القاضي الاستعجالي بالنظر في منازعات ابرام الصفقات العمومية: إن الاستعجال المتعلق بالإخلال بالتزامات الإشهار والمنافسة خلال مرحلة ابرام عقد الصفقة العمومية، يخرج عن نطاق اختصاص قاضي العقد لأن محله قرار إداري، وهو ما يحيل الاختصاص بالفصل فيه استثناء إلى قاضي الإلغاء، ولقد استحدث هذا الاختصاص في مادة العقود والصفقات العمومية لقاضي الأمور المستعجلة بموجب المادتين 146 و 147 من القانون، رقم 08-09، إذ لم يتم النص عليه من قبل، في ظل قانون الإجراءات المدنية الملغى[7].

ثالثا/ مجال اختصاص القاضي الجزائي بالنظر في منازعات ابرام الصفقات العمومية: إن استعمال المال العام هو أساس المعاملات الاقتصادية العمومية، والعقود الإدارية التي من بينها عقد الصفقة العمومية، محل أموال طائلة تشكّل ميدانا خصبا لاختلاس الأموال العمومية و الثراء غير المشروع،  وبهدف حماية المال العام ومحاربة الفساد الإداري[8]، عمد المشرع إلى تجريم بعض الممارسات الاقتصادية[9]، لاسيما في مجال العقود الإدارية.

 حيث صدر القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته المعدل والمتمم[10]، متضمنا أحكاما خاصة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية على وجه الخصوص، باعتبارها النموذج الشامل للعقود الإدارية في الجزائر، مؤكدا على أن الإجراءات المعمول بها في مجال إبرام الصفقات العمومية يجب أن تؤسس على قواعد الشفافية و المنافسة الشريفة [11].

تنص في هذا الإطار، المادة التاسعة من القانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته المعدل والمتمم، على أنه: "يجب أن تؤسس الإجراءات المعمول بها في مجال الصفقات العمومية على قواعد الشفافية و المنافسة الشريفة، و على معايير موضوعية و يجب أن تكرس هذه القواعد على وجه الخصوص: علانية المعلومات المتعلقة بإجراءات إبرام الصفقات العمومية، الإعداد المسبق لشروط المشاركة و الانتقاء، معايير موضوعية و دقيقة لاتخاذ القرارات المتعلقة بإبرام الصفقات العمومية، وممارسة كل طرق الطعن في حالة عدم احترام قواعد إبرام الصفقات العمومية "، أما الأحكام المتعلقة بمسؤولية الشخص المعنوي عن ارتكاب جريمة من جرائم الفساد والتي يختص بالفصل فيها القاضي الجزائي بطبيعة الحال، فقد أحالها قانون مكافحة الفساد رقم 06-01، إلى قانون العقوبات[12]، بينما حدد في المادتين 26 و27 الجرائم المتعلقة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية، والمتمثلة في:

أ‌-  جنحة المحاباة[13].

ب‌- جنحة استغلال نفوذ الأعوان العموميين [14].

ج- جنحة الرشوة [15].



[1] -  تنصب دعوة الإلغاء على قرار إداري، وتقتصر سلطة القاضي فيها على التحقق من مدى مشروعية القرار، وبالتالي الحكم بإلغائه دون أن تمتد سلطته إلى أبعد من ذلك، كتعديل القرار المطعون فيه، أو استبداله  ولا أن يقضي بحقوق شخصية معينة لرافع الدعوى، وتعّرف دعوى الإلغاء، بأنها: " دعوى قضائية ترفع أمام الجهة القضائية المختصة بغرض إلغاء قرار إداري غير مشروع طبقا لإجراءات خاصة ومحددة قانونا"، أنظر: عمار بوضياف، دعوى الإلغاء في قانون الإجراءات المدنية والإدارية دراسة تشريعية وقضائية وفقهية، المرجع السابق، ص: 48.

[2] -  محمد عبد العال السناري، مبادئ وأحكام العقود الإدارية في مجال النظرية والتطبيق، دار النهضة العربية، بيروت، د س ن، ص:79.

[3] - حيث اعتبر مجلس الدولة الفرنسي أن القرارات الإدارية المركبة المتصلة بالعقد والتي تصدر قبل إبرامه هي قرارات إدارية منفصلة عن العملية العقدية، و مستقلة عن العقد الإداري، يمكن فصلها، والطعن فيها أمام قاضي الإلغاء بصورة مستقلة عن دعاوي القضاء الكامل، ، للتوسع راجع: محمد سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية دراسة مقارنة، ط 03، دار الفكر العربي، د ب ن، 1976، ص: 266.

[4]-   للتوسع راجع: عمار عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية في النظام القضائي الجزائري، ج 02 (نظرية الدعوى الإدارية)، ط 02، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2003، ص:446 وما بعدها.

[5]-  أنظر: عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية في النظام القضائي الجزائري، ج 02 (نظرية الدعوى الإدارية)، المرجع السابق، ص 266.

[6]-  أنظر: نعيمة آكلي، "النظام القانوني لعقد الامتياز الإداري في الجزائر"، رسالة ماجستير في القانون، جامعة مولود معمري، تيزي وزو، 2013، ص: 169.

[7] –  للتوسع راجع: عبد الله مسعودي، الوجيز في شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية، دار هومة، الجزائر، 2009، ص: 294- 295.    

[8]–  يعيق الفساد دور الدولة في وضع بيئة تنافسية نزيهة، بفسحه المجال لاستثمارات مبنية على  المحسوبية والمحاباة، مما يعجّز المستثمرين الجادين ذوي الكفاءة من منافسة تلك الاستثمارات، للتوسع راجع: ربيعة صبايحي، (حدود تدخل الدولة في المجال الاقتصادي في ضل اقتصاد السوق)، المجلة النقدية للقانون والعلوم السياسية، العدد 2، 2009، كلية الحقوق جامعة مولود معمري، تيزي وزو، ص: 265.     

[9] - أنظر: المواد 123 و 124 و 125 و 128 مكرر01، من الأمر، رقم 66-156 المعدل والمتمم، المصدر السابق، الملغاة بموجب المادة 71 من القانون، رقم 06-01، المعدل والمتمم، المصدر السابق.

[10]-   أنظر: المواد 26 و 27 و 35، من القانون رقم 06-01، المعدل والمتمم، المصدر السابق..

[11] –  إن الشفافية، من العوامل التي تحقق المنافسة الشريفة بين الأعوان الاقتصاديين المتدخلة في السوق بما يضمن السير العادي لآلياته.

-    Voir : Nachida BOUZIDI, )Gouvernance et développement économique, une introduction au débat(, Revue Idara ,Vol 15, NO 2, 2005, P 110.      

[12]  أنظر: المادة 53، من القانون، رقم 06-01 المعدل والمتمم، المصدر السابق.

-      المادة 18 مكرر من الأمر، رقم 66- 156 المعدل و المتمم، المصدر السابق.

[13]-  وردت هذه الجنحة في الفقرة الأولى من المادة 26 من القانون، رقم 06-01، المصدر السابق، التي حلت محل المادة 128 مكرر من قانون العقوبات، المعدل و المتمم: بنصها على أنه "يعاقب بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات، و بغرامة من 200.000دج إلى 1.000.000دج، كل موظف عمومي يقوم بإبرام عقد أو يؤشر أو يراجع عقدا أو اتفاقية أو صفقه أو ملحقا مخالف بذلك الأحكام التشريعية و التنظيمية الجاري العمل بها بغرض إعطاء امتيازات غير مبررة للغير"، وقد حددت القانون رقم 06-01 المذكور، العقوبات المقررة لهذه الجنحة، في المواد التالية: 05 و 09 و 26 الفقرة الأولى و 48 و 49 الفقرة الأولى والثانية. من القانون.

[14]-  تناولت هذه الجنحة، الفقرة الأولى من المادة 26 من القانون، رقم 06-01، المصدر السابق، التي حلت محل المادة 128 مكرر من قانون العقوبات المعدل والمتمم: التي تنص على أنه: "يعاقب بالحبس من سنتين إلى 10 سنوات و غرامة من 200 ألف دج إلى 1.000.000 دج، كل تاجر أو صناعي أو حرفي أو مقاول من القطاع الخاص أو بصفة عامة كل شخص طبيعي  أو معنوي يقوم و لو بصفة عرضية بإبرام عقد أو صفقة مع الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات أو الهيئات العمومية الخاضعة للقانون العام أو المؤسسات العمومية الاقتصادية أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي و التجاري و يستفيد من سلطة أو تأثير أعوان الهيئات المذكورة من أجل الزيادة في الأسعار التي يطبقونها عادة أو من أجل التعديل لصالحهم في نوعية المواد أو الخدمات أو آجال التسليم  أو التموين"،  وتعد هذه الجريمة الصورة العكسية لجنحة المحاباة.

[15] -  تجد جنحة الرشوة في مجال العقود الإدارية أساسها القانوني، في المادة 27 من القانون، رقم 06-01، المصدر السابق، التي حلت محل المادة 128 مكرر1 من قانون العقوبات المعدل والمتمم، والتي تنص على أنه "يعاقب بالحبس من 10 سنوات إلى 20 سنة، و بغرامة من مليون إلى 2 مليون، كل موظف عمومي يقبض أو يحاول أن يقبض لنفسه أو لغيره بصفة مباشرة أو غير مباشرة، أجرة أو منفعة مهما كان نوعها بمناسبة تحضير أو إجراء مفاوضات قصد إبرام أو تنفيذ صفقة أو عقد أو ملحق، باسم الدولة أو الجماعات المحلية أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري أو المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري أو المؤسسات العمومية الاقتصادية"، للتوسع راجع: عادل مستاري، موسى قروف، (جريمة الرشوة السلبية للموظف العام في ظل قانون 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته)، )مجلة الاجتهاد القضائي(، العدد الخامس، 2009، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر،  بسكرة، ص: 167 وما بعدها.

2.2. الفرع الثاني: التسوية القضائية للمنازعات الناشئة خلال مرحلة تنفيذ الصفقة العمومية

بعد تأكيد المادة 153، من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، على وجوب البحث عن حل ودي لتسوية منازعات الصفقات العمومية التي تنشأ خلال مرحلة تنفيذ عقد الصفقة العمومية، أحالت نفس المادة تسوية تلك المنازعات، بعد فشل الوصول إلى حل ودي، إلى تطبيق الأحكام العامة المعمول بها في هذا الشأن، وهي التسوية القضائية منازعة الصفقة العمومية بعد تكوين العقد واكتمال الرابطة العقدية، والتي تنظمها قواعد وأحكام قانون الاجرءات المدنية والادارية على النحو التالي:

أولا/ مجال اختصاص القضاء الاداري عن طريق قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل: عندما يتعلق الأمر بمنازعات العقود الإدارية، خلال مرحلة التنفيذ أي بعد تكوين الرابطة العقدية، يؤول الاختصاص من حيث المبدأ، لقاضي العقد، الذي يتحدد مجال اختصاصه بالفصل في المنازعة، في إطار ولاية القضاء الكامل[1]، ذلك أن منازعات عقد الصفقة العمومية هي أحد دعاوى القضاء الكامل التي يختص بالفصل في منازعاتها قاضي العقد، فيدخل في مجال اختصاصه في هذا الإطار كل منازعة إدارية محلها عقد إداري، بكل ما يتصل بهذا الأخير، سواء تعلق النزاع بانعقاده أو صحته أو تنفيذه أو انقضاءه[2].

 واختصاص قاضي العقد هنا شامل لأصل تلك المنازعات وما يتفرع عنها[3]، و يهدف إلى تصفية كافة العلاقات بين الأطراف أيّ مجموع الحقوق و الالتزامات التي تنشأ عن العقد  ويتعلق الأمر في دعاوى القضاء الكامل بكل الدعاوى الرامية إلى التصريح بالمسؤولية التقصيرية أو العقدية[4]، وبالتالي الحكم بالتعويض لصالح المتضرر

يتم الحكم لصالح المتضرر عن طريق دعوى التعويض[5]، المرفوعة بهدف المطالبة والاعتراف للمتضرر بوجود مركز شخصي مكتسب[6]، والإقرار بأن الإدارة من خلال أعمالها، قد مست بحقوقه الشخصية المكتسبة بصفة غير مشروعة، تتمثل الدعاوى المتعلقة بعقد الصفقة العمومية الخاضعة لولاية القضاء الكامل في دعاوى التعويض أو المسؤولية، ودعاوى العقود[7] المتعلقة بالتنفيذ لاسيما:

البطلان [8].

الفسخ بطلب المتعاقد[9].

-   منازعات الأمور المستعجلة[10].

وهنا تجدر الاشارة إلى أنّ ما يصدر من قرارات إدارية بعد قيام الرابطة التعاقدية سواء كانت بصدد تنفيذه أو استندت في إصدارها لنصوص العقد ( مثل القرار المتضمن الامر ببدأ الاشغال، أو وقف تنفيذ الاشغال، أو قرار الفسخ)، فهي قرارات ترتبط بالعقد ارتباط الجزء بالكل، الأمر الذي يحول دون إمكانية الطعن فيها بالإلغاء استقلالا عن العقد، وبالتالي لا يمكن للمتعاقد إلا أن يرفع بشأنها دعوى التعويض، بالاستناد إلى مركزه الشخصي أمام قاضي العقد في إطار ولاية القضاء الكامل.

 كما نشير كذلك إلى أن هناك منازعات لا تتعلق بعقد الصفقة العمومية بصفة مباشرة، أي لا تستند إلى مخالفة بنوده أو أحكامه التنظيمية، ومع هذا تتأسس الصفة القانونية للمتعامل المتعاقد باعتباره مدعي أو مدعى عليه، إما كطرف أساسي في النزاع أو كمدخل في الخصام، ومثالها المنازعة المتعلقة بنزع الملكية[11]، التي يختص بها القاضي الإداري إعمالا للمعيار العضوي دائما في إطار اختصاصه بالفصل في دعاوى التعويض ضمن ولاية القضاء الكامل[12].

ثانيا/ مجال اختصاص القاضي المدني بالفصل في منازعة تنفيذ الصفقات العمومية: يعقد الاختصاص للقاضي المدني بنظر منازعات تنفيذ عقد الصفقة العمومية في الحالات التي تفتقر فيها المنازعة للطرف العمومي، وهو ما يتحقق في المنازعات التي تثور بين المتعامل والمتعاقد والغير، باعتباره أن هذا الأخير طرف مدني يخضع في علاقاته التعاقدية مع الغير لقواعد القانون الخاص[13].

 سواء تمثل هذا الغير في فئة معينة كعمال المؤسسة، أو فئة المرتفقين (المستفيدين من خدمات المرفق المرتبط بانجاز الصفقة العموية، أو سواهما كالغير المرتبط مع المتعامل المتعاقد  بأي شكل من أشكال التعاقد الثانوي في شكل عقود مناولة.



[1] -  سميت هذه الدعاوى، بدعاوى القضاء الكامل نظرا لاتساع وتعدد سلطات القاضي الإداري المختص بالفصل فيها، ذلك أن ولاية القاضي في هذه الدعاوى كاملة تتناول تمحيص النقاط القانونية والأمور الواقعية ولا تقف مهمته عند حد التدقيق فيما إذا كان القرار مخالفا للقانون أو لا، بل تتجاوز سلطات القاضي هذا الحد إلى درجة الحكم بالتعويض للمتضرر للتوسع راجع: نبيل صقر، الوسيط في شرح قانون الإجراءات المدنية والإدارية (الإجراءات الإدارية)، دار الهدى، الجزائر، 2009، ص: 198.

-  أنظر أيضا: حسين طاهري، القانون الإداري والمؤسسات الإدارية (التنظيم الإداري والنشاط الإداري)، دار خلدون للنشر والتوزيع، الجزائر، 2007، ص: 185.

[2]-  محمد سليمان الطماوي، القضاء الإداري (قضاء التعويض و طرق الطعن في الأحكام)، ط 02، دار الفكر العربي، د ب ن، 1977، ص: 252.

[3] -  مسعود شيهوب، المبادئ العامة للمنازعات الإدارية ( نظرية الاختصاص)، ج 02 ط 06، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013،  ص: 118.

[4] -  تسمح المسؤولية العقدية للمتعاقد مع الإدارة أن يتحصل على تعويض إذا كان هناك خطأ عقدي من جانب الإدارة، و قد يكون السبب الداعي إلى طلب التعويض تقنيا كأن تعمد المصلحة المتعاقدة إلى تفسير أحد البنود الواردة في العقد بمحض إرادتها، كما قد يكون سبب طلب التعويض ماليا ناجما عن المطالبة بتحيين الأسعار مثلا، و في كل الحالات لا تتحمل الإدارة التعويض إلا بمقدار ما نسب إليها من خطأ، للتوسع راجع: محمد سليمان الطماوي، القضاء الإداري (قضاء التعويض و طرق الطعن في الأحكام) ، المرجع السابق، ص: 293.

-     كما تتأسس مسؤولية الإدارة  كذلك، متى كان لها سلطة الرقابة  الإشراف على المتعاقد، الذي أوكلت إليه مهمة تنفيذ أعمال متعلقة باحتياجات المرفق العام، فتكون مسؤولة عن خطئها في القيام بواجب الرقابة والإشراف، إذا سبب هذا الخطأ ضررا لأحد الأفراد أو ممتلكاته الخاصة، ومرد ذلك إلى أنّ لجهة الإدارة الحق دائما في تغيير شروط العقد الإداري، وعلى هذا الأساس فإنها تعتبر مسؤولة مع المقاول إذا سبب هذا الأخير ضررا للغير، للتوسع راجع: أحمد محمود جمعة، اختصاص القضاء الإداري بالمنازعات الإدارية للأفراد و تطبيقاتها العملية، منشأة المعارف، مصر، د س ن، ص: 268.

[5]-  رغم أن المشرع قد نص على دعوى التعويض ونظم إجراءات رفعها إلا أنه لم يورد لها تعريفا محددا، فاسحا المجال في تعريفها للفقه، الذي نجده يعرفها بأنها: " الدعوى القضائية الذاتية التي يحركها ويرفعها أصحاب الصفة والمصلحة أمام الجهات القضائية المختصة وطبقا للشكليات والإجراءات المقررة قانونيا للمطالبة بالتعويض الكامل العادل واللازم لإصلاح الأضرار التي أصابت حقوقهم بفعل النشاط الإداري"، أنظر: عمار عوابدي، نظرية المسؤولية الإدارية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2004، ص:255.

-   وعرفت كذلك بأنها: " دعوى من خلالها يطلب صاحب الشأن من الجهة القضائية المختصة القضاء له بمبلغ من المال تلزم إدارة ما بدفعه نتيجة ضرر أصابه "، أنظر: عمار بوضياف، دعوى الإلغاء في قانون لإجراءات المدنية والإدارية دراسة تشريعية وقضائية وفقهية، ط 01، جسور للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص: 62.

[6]-  من خصائص دعوى التعويض بالإضافة لكونها أحد دعاوى القضاء الكامل أنها:  من دعاوى الحقوق، دعوى قضائية، و أنها دعوى ذاتية شخصية، للتوسع راجع: عمار عوابدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية في النظام القضائي الجزائري (نظرية الدعوى الإدارية)، ج 02 ، المرجع السابق، ص: 568.

[7]-  عزري الزين، الأعمال الإدارية ومنازعاتها، "محاضرات منشورة، مطبوعات مخبر الاجتهاد القضائي وأثره على حركة التشريع، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2010، ص: 78.

[8]-   يرفع دعوى إبطال عقد الامتياز أحد أطرافه، و لا يمكن لغير الأطراف رفعها، لأن الأجنبي عن العقد لا يجوز له أن يطعن في العقد لاقتصار آثاره على الأطراف، وترفع دعوى الإلغاء بغية القضاء بإبطال العقد لتخلف أحد أركانه أو شروط صحته سواء تعلق الأمر بركن الرضا أو المحل أو السبب، دون ركن الشكل حيث أن أساس دعوى مخالفة العقد للشكل الذي أوجبه القانون يعقد الاختصاص بنظرها لقضاء الإلغاء، للتوسع راجع: نعيمة آكلي، المرجع السابق، ص: 164.  

[9]-  لصاحب العقد أن يرفع دعوى إدارية تندرج في نطاق القضاء الكامل، يطالب فيها بفسخ العقد في حالات معينة تبرر طلبه، كحالة القوة القاهرة أو صدور خطأ جسيم من جانب الادارة المتعاقدة، أنظر:  قدور بوضياف، قدور بوضياف، "عقد الامتياز في مجال تسيير الموارد المائية"، مذكرة ماجستير، تخصص: الدولة والمؤسسات العمومية، كلية الحقوق بن عكنون، جامعة الجزائر1، 2013، ص: 76.  

[10]-  تخضع منازعات الأمور المستعجلة في منازعات العقود الإدارية لاختصاص القضاء الكامل اعتبارها منبثقة ومتفرعة عن العقد الإداري، وإن كان محلها قرار إداري، إذ يختص القضاء الإداري بالفصل في الطلبات المستعجلة سواء كانت مطروحة عليه بصفة أصلية أو باعتبارها فرعا من المنازعة المعروضة، فتفصل المحكمة في الطلب المستعجل المتفرع عن العقد الإداري بأن تستظهر الأمور التي يخشى عليها فوات الوقت أو النتائج التي يتعذر تداركها أو الضرر المحدق بالحق المطلوب المحافظة عليه، ثم يستظهر بعد ذلك جدية الأسباب أو عدم جديتها، وهنا لا يجب الخلط بين طلب مستعجل ينبثق عن رابطة عقدية ويدخل في مجال العقد، وبين طلب وقف تنفيذ القرار الذي يتعلق فقط بقرار إداري، للتوسع راجع:  فريجة حسين، المبادئ الأساسية في قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ط 2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2013، ص: 341.

[11] -  تنظم أحكام نزع الملكية للمنفعة العمومية بموجب القانون رقم 91-11، أنظر: القانون، رقم 91-11، المؤرخ في 27 أبريل 1991، المحدد للقواعد المتعلقة بنزع الملكية من أجل المنفعة العمومية، ج ر عدد 21، الصادرة بتاريخ 08 مايو 1991، ص: 693.

[12]-  أخضع المشرع الجزائري المنازعة المتعلقة بتقدير التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العمومية، إلى نفس القواعد الإجرائية المقررة لدعاوى القضاء الكامل، رغم تميّزها عن باقي المنازعات المتعلقة بالتعويض عن مسؤولية أشخاص القانون العام، التي تثبت بوجود خطأ من جانب الإدارة، ذلك أنّ منازعات نزع الملكية تهدف إلى التعويض عن معاملة إجبارية  تمت بين شخص معنوي عام وصاحب الملكية المنزوعة، والتي تستوجب التعويض قانونا دون وجود خطأ، وبما أنها من دعاوى القضاء الكامل، فإن اختصاص الفصل فيها يعود إلى المحكمة الإدارية حسب المادة 801 و 800 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، بما أن أحد طرفي المنازعة شخص معنوي عام، وهو أيضا ما دأب عليه القضاء الجزائري في عدة تطبيقات قضائية بهذا الشأن، للتوسع راجع: زوبير براحلية، "التعويض عن نزع الملكية للمنفعة العمومية في التشريع الجزائري"، مذكرة ماجستير في القانون العقاري، كلية الحقوق، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2008، ص ص: 62-65.   

[13]-  تخضع المؤسسة المتعاقدة بصفة "بصفة متعامل متعاقد" ، لأحكام القانون العام ( القانون الإداري) في علاقاتها مع الدولة "المصلحة المتعاقدة"، وتخضع للأحكام القانون الخاص في علاقاتها مع الغير من أشخاص القانون الخاص.