المبحث الثالث: منازعات الصفقات العمومية

يتضمن هذا الملف محتوى المحاضرة الثالثة من المقياس، بعنوان منازعات الصفقات العمومية، والمقسم إلى مطلبين حيث خصص المطلب الأول لتحديد كيفيات التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية، بينما خصص المطلب الثاني لبيان إجراءات التسوية القضائية لمنازعات الصفقات العمومية خلال مرحلتي الابرام والتنفيذ.

1. المطلب الأول: التسوية الودية للمنازعة

1.1. الفرع الأول: التسوية الودية حسب قانون الصفقات العمومية

حدد تنظيم الصفقات العمومية أحكام التسوية الودية لمنازعات الصفقات العمومية في القسم الحادي من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، الوارد ضمن أقسام الفصل الرابع المتعلق بتنفيذ الصفقات العمومية، حيث نصت المادة 153، من هذا القسم على أنه:" يجب على المصلحة المتعاقدة أن تدرج في دفتر الشروط اللجوء لاجراء التسوية الودية للنزاعات وهذا قبل كل مقاضاة أمام العدالة، وأنه يجب عليها أن تبحث على حل ودي للنزاعات التي تطرأ عند تنفيذ صفقاتها كلما سمح هذا الحل بــ/

 ايجاد التوازن للتكاليف المترتبة على كل طرف من الطرفين.

 التوصل إلى أسرع انجاز لموضوع الصفقة.

 الوصول إلى تسوية نهائية أسرع وبأقل تكلفة.

وفي حالة عدم اتفاق الطرفين يعرض النزاع أمام لجنة التسوية الودية للنزاعات المختصة، المنشأة بموجب أحكام المادة 154، لدراسته حسب الشروط المنصوص عليها في المادة 155، ويجب على اللجنة  أن تبحث على العناصر المتعلقة بالقانون أو الوقائع لايجاد حل ودي ومنصف حسب الشروط المذكورة لحل النزاعات الناجمة عن تنفيذ الصفقات العمومية والمطروحة أمامها، أما في حال منازعات تنفيذ الصفقات العمومية المبرمة مع متعاملين أجانب فتتم تسويتها الودية باللجوء إلى هيئة تحكيم دولية، بناء على اقتراح من الوزير المعني للموافقة المسبقة أثناء اجتماع الحكومة".

من تحليل نص هذه المادة نحدد ثلاث أساليب نصّ المشرع الجزائري اتباعها للوصول إلى حل ودي لمنازعات الصفقات العمومية وهي: التفاوض المباشر بين أطراف الصفقة، الطعن أمام لجنة التسوية الودية، الطعن أمام هيئة تحكيم دولية.

أولا/ التفاوض المباشر: من نص المادة المذكورة يظهر أن المشرع قد حدد  حالتين أساسيتين للتفاوض المباشر تتمثلان في: حالة فقدان التوازن المالي للعقد، وحالة تدارك التأخر في انجاز المشاريع، في حين فتح المجال واسعا للتفاوض المباشر، بين أطراف الصفقة في كل ما قد يثار بينهما من نزاع ما دام يمكن من خلال اجراء التفاوض المباشر أن يحقق تسوية نهائية للنزاع في أسرع وقت، وبأقل تكلفة،[1]

ثانيا/ التسوية الودية لمنازعة تنفيذ الصفقات العمومية أمام لجنة التسوية الودية: حددت المادتين من 154 و 155 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، مجال اختصاص لجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية الأحكام المنظمة لتشكيلة هذه اللجنة وكيفيات الطعن أمامها على النحو التالي:

1-   مجال اختصاص لجنة التسوية الودية: يتحدد الاختصاص النوعي للجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية حسب جنسية المتعامل المتعاقد، حيث يعقد لها الاختصاص بنظر الطعون المتعلقة بتنفيذ صفقات عمومية مبرمة مع متعاملين اقتصاديين جزائريين، والتي تختلف تشكيلتها حسب الحالة التي تحدد اختصاصها الاقليمي. 

2-   تشكيلة لجنة التسوية الودية: يعين أعضاء اللجان المختارون نظرا لكفاءتهم في الميدان المعني بموجب مقرر من مسؤول الهيئة العمومية أو الوزير أو الوالي المعني، ويمكن لرئيس اللجنة أن يستعين على سبيل الاستشارة بكل كفاءة من شأنها توضيح أشغال اللجنة، ويعين رئيس اللجنة بمقرر من ضمن الاعضاء، وتوضع أمانه اللجنة لدى رئيسها، أما تشكيلة لجنة التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية المبرمة مع متعامليين اقتصاديين جزائريين، فتختلف باختلاف نطاق اختصاصها، والمحدد على مستويين:

أ‌-   لجنة التسوية الودية للنزاعات للوزارة والهيئة العمومية: حسب المادة 154 من المرسوم الرئاسي رقم 15-247، فإنه تنشأ لدى كل وزير ومسؤول هيئة عمومية تختص بدراسة نزاعات الادارة المركزية ومصالحها الخارجية، أو الهيئة العمومية والمؤسسات العمومية الوطنية التابعة لها، تتشكل من:

- ممثل عن الوزير أو مسؤول الهيئة رئيسا.

ممثل عن المصلحة المتعاقدة.

ممثل عن الوزارة المعنية بموضوع النزاع.

ممثل عن المديرية العامة للمحاسبة.

ب‌-   لحنة التسوية الودية للنزاعات في الولاية: تختص هذه اللجنة حسب نص المادة رقم 154 دائما بدراسة نزاعات الولاية والبلديات والمؤسسات العمومية المحلية التابعة لها والمصالح غير الممركزة للدولة، وتتشكل من:

ممثل عن الوالي رئيس.

ممثل عن المصلحة المتعاقدة.

ممثل عن المديرية التقنية للولاية المعنية بموضوع النزاع.

ممثل عن المحاسب العمومي المكلف. 

3-   كيفيات الطعن أمام لجنة التسوية الودية: حسب نص المادة 155، تبدأ اجراءات الطعن بتوجيه الشاكي (المتعامل المتعاقد أو المصلحة المتعاقدة)، إلى أمانة اللجنة تقريرا مفصلا مرفقا بكل وثيقة ثبوتية برسالة موصى عليها مع وصل استلام، كما يمكن ايداعه مقابل وصل استلام، وتدعى الجهة الشاكية من طرف رئيس اللجنة برسالة موصى عليها مع وصل استلام، لاعطاء رأيها في النزاع الذي وجب أن تبلغه لرئيس اللجنة كذلك برسالة موصى عليها مع وصل استلام في أجل أقصاه عشرة (10) أيام من تاريخ مراسلتها.

تؤدي دراسة النزاع في أجل أقصاه 30 يوما ابتداء من تاريخ جواب الطرف الخصم لرأي مبرر، ويمكن لللجنة أن تستمع لطرفي النزاع أو أن تطلب ابلاغهما بكل معلومة أو وثيقة من شأنها توضيح أعمالها، تؤخذ أراء اللجنة بأغلبية أصوات أعضاءها، ويرجح صوت الرئيس عند تعادل الاصوات.

يبلغ رأي اللجنة لطرفي النزاع بارسال موصى عليه مع وصل استلام، وترسل نسخة من هذا الرأي إلى سلطة ضبط الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام.

تبلغ المصلحة المتعاقدة قرارها في رأي اللجنة للمتعامل المتعاقد في أجل أقصاه ثمانية 08 أيام تسري من تاريخ تبليغها برسالة موصى عليها مع وصل استلام، وتعلم اللجنة بذلك.

ثالثا/ التسوية الودية لمنازعات تنفيذ الصفقات العمومية أمام هيئة التحكيم الدولية: يتم الطعن أمام هذه الهيئة وفقا للأحكام العامة المنظمة "للتحكيم الدولي[2]".

 سواء ما ورد منها في قانون الاجراءات المدنية والإدارية كما سيتم بيانها في الفرع التالي من هذا المطلب، أو ما حددته الاتفاقيات الدولية الثنائية والجماعية المصادق عليها، والتي تنظم العلاقات الدولية للدولة الجزائرية بباقي أشخاص القانون الدولي.



[1]  - من بين مواضيع أو حالات التفاوض بين أطراف النزاع قد نجد: سوء انجاز المتعامل المتعاقد للأشغال المتفق عليها في الصفقة، عدم احترام المتعامل المتعاقد لطرق انجاز الصفقة، عدم استعمال المواد المطلوبة أو الطريقة التقنية المتفق عليها، أنظر: فارس خنوش، النظام القانوني لصفقات المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، مذكرة لنيل شهادة التكوين لنيل إجارة المعهد الوطني للقضاء، الدفعة الرابعة عشر، 2006، ص46  وما بعدها.

[2]التحكيم الدولي: نظم المشرع الجزائري التحكيم الدولي دون أن يعرفه في المادة 1039، من القانون رقم 08-09، المصدر السابق، التي أخذ فيها بالمعيار الاقتصادي لتحديد دولية العقد محل التحكيم، وبالتالي "دولية التحكيم"، المتمثل في انتقال رؤوس الأموال والخدمات بين الدول، متراجعا بذلك عن المعيار المختلط، الذي يجمع بين المعيار الاقتصادي المذكور والمعيار القانوني المتمثل في وجود عنصر أجنبي في العلاقة، أو ما يسمى كذلك بمعيار الجنسية، للتوسع حول هاذين المعيارين، راجع: خالد شويرب، "القانون الواجب التطبيق على العقد التجاري الدولي"، أطروحة دكتوراه في الحقوق، كلية الحقوق، جامعة بن يوسف بن خدة، 2008/2009، ص ص: 14-21.